شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم = خبير الاعشاب والتغذية العلاجية منذ عام 1986==00962779839388

مكتبة شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

سورة البقرة



سُورَةُ البَقَرَةِ

مقدمة السورة

أسماء السُّورة:

1- سمِّيت هذه السُّورةُ الكريمة، سورةَ البَقرة  .

فعن أَبي مَسعودٍ عُقبةَ بن عمرو رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((مَن قرَأ بالآيتَينِ مِن آخِرِ سورةِ البَقرةِ في ليلةٍ كفَتاه   ))  .

2- سمِّيت هي وسورة آل عِمران، الزَّهراوينِ  .

فعن أبي أُمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول: ((اقْرَؤوا القرآنَ؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ شَفيعًا لأصحابه، اقرَؤوا الزَّهرَاوَيْنِ  : البقرةَ، وسورةَ آلِ عمرانَ  ...))  .


فضائلُ السُّورة وخصائصُها:

لهذه السُّورة الكريمةِ فضائلُ متعدِّدة، منها:

1- أنها تُنفِّر الشيطانَ من البَيت الذي تُقرأ فيه

فعَن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((لا تَجْعَلوا بُيوتَكم مقابرَ؛ إنَّ الشيطانَ ينفِرُ من البيتِ الذي تُقرأ فيه سورةُ البَقرة  ))  .

2- أنَّها وآلَ عمران تُدافعانِ عن قارئِهما يومَ القيامة، وفي قِراءتِها والعملِ بما فيها حصولُ البَركات لصاحبِها

فعن أبي أُمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول: ((اقْرَؤوا القرآنَ؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ شَفيعًا لأصحابه، اقرَؤوا الزَّهرَاوَين: البقرةَ، وسورةَ آلِ عمرانَ؛ فإنَّهما تأتِيان يومَ القِيامةِ كأنَّهما غَمامتانِ  ، أو كأنَّهما غَيايتانِ  ، أو كأنهما فِرْقانِ  من طَيرٍ صوافَّ  ، تُحاجَّان عن أصحابِهما، اقرَؤوا سورةَ البقرةِ؛ فإنَّ أَخْذَها بَركةٌ، وتركَها حَسرةٌ، ولا يستطيعُها البَطَلَةُ  ))، قال معاويةُ ابن سلام -أحد رجال سند الحديث-: بلغَني أنَّ البطلَةَ السَّحرةُ  .

3- تعظيمُ الصَّحابة رضي الله عنهم لقارئِها هي وآل عمران

فعن أَنسٍ رضي الله عنه، قال: ((كان الرجلُ إذا قرَأَ البَقرة وآل عمران، جَدَّ فينا- يعني: عظُم- وفي رواية: يُعَدُّ فينا عَظيمًا، وفي أخرى: عُدَّ فينا ذا شأنٍ  ))  .


بيان المَكِّي والمَدني:

سورة البَقرة سورةٌ مدنيَّة، نزلتْ بعد الهِجرة، ونقَل الإجماعَ على ذلك عددٌ من المفسِّرين  .


مقاصِد السُّورة :

مَن أهمِّ المقاصد التي تضمَّنتها سورةُ البقرة:

1- الاهتمامُ بالجانب العَقديِّ؛ فقد بيَّنت السورة الكثيرَ من أصول العقيدة، وأدلَّة التوحيد، وبراهين البعث  .

2- بيانُ جوانبَ من التَّشريع الإسلاميِّ، سواءً في العِبادات، أو الأحوال الشخصيَّة، أو المعاملات الماليَّة، أو الحدود، وغير ذلك  .


موضوعات السُّورة:

من أَبرزِ الموضوعاتِ التي تناولتْها سورةُ البَقرة:

1- وصْف أصناف النَّاس، حيثُ قسَّمتْهم ثلاثةَ أقسام، هم: المؤمنون، والكافِرون، والمنافقون.

2- وصيَّةُ الناس كافَّةً بعبادة ربِّهم، مع ذِكر بعض نِعمه الجليلة عليهم، التي تدلُّ على استحقاقِه سبحانَه وتعالى للعبادة وحْده، مع تحذيرهم إنْ لم يمتثلوا هذا الأمر، وتبشير مَن امتثل منهم بما أعدَّه الله تعالى له من النَّعيم المقيم.

3- بداية خَلْق الإنسان، وحوار الله عزَّ وجلَّ مع ملائكتِه.

4- قِصَّة استخلاف آدَم في الأرض، وقصَّته مع الشيطان.

5- عَرْض أبرز الأحداث التي وقعتْ لبني إسرائيل.

6- قِصَّة ابتلاء إبراهيمَ بالكلمات، وبنائِه الكعبةَ مع ولده إسماعيل، ووصيَّته لأبنائه ويعقوب، ووصية يعقوب لأبنائِه.

7- عَرْض مجموعة من الأحكام الشرعيَّة في جانب العبادات، تتعلَّق بالصَّلاة والصَّدقة، والصَّوم، والحجِّ، وفي جانب المعاملات، كالرِّبا والدَّيْن، والرَّهن، وكذلك في جانب الأُسْرَة من النِّكاح والطَّلاق والإيلاء والعِدَد، وغير ذلك من أحكام.

8- عَرْض وقائع في إحياء الله الموتى، ومنها: (قصة قتيل بني إسرائيل، وقصة الذين أصيبوا منهم بصاعقة أماتتهم، وقِصَّة الذين خرَجوا من دِيارهم وهم أُلوف حذرَ الموت، وقِصَّة الذي مرَّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها، وقصَّة إبراهيم عليه السَّلام مع الطَّير).

9- قِصَّة طالوت وجالوت مع الملأ من بني إسرائيل من بعدِ موسى عليه السَّلام.

10- قصَّة الذي حاجَّ إبراهيمَ عليه السَّلام في ربِّه.

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (1-5)

الم(1)
ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(2)
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)
أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)

غريب الكلمات:

رَيْب: الرَّيب: الشكُّ، أو هو الشكُّ مع الخَوف، ومع تُهمَة المشكوكِ فيه، وتوهُّمُ أمْرٍ ما بالشَّيء، والرَّيب مصدر رابني الشيء: إذا حصل فيه الريبة، وهي قلق النفس واضطرابها  .

لِلْمُتَّقِينَ: الذين يقُون أنفسهم تَعاطي ما يُعاقَب عليه من فِعل أو تَرْك، والتقوى جعْل النفس في وقاية مما تخاف، وأصل الاتِّقاء: الحَجْز؛ كأنَّهم وضعوا بينهم وبين العذاب حاجزًا يقيهم  .

يُوقِنُونَ: يعلمون علمًا متمكِّنًا في نفوسهم لا يمكن أن يدخله شكٌّ، وأصل اليقين: زوال الشَّكِّ  .

الْمُفْلِحُونَ: أي: الظَّافرون بما طلبوا، الباقون في الجنة؛ فأصل الفَلَاح: الظَّفَرُ وإدراك البُغية، والبقاء  .


مشكل الإعراب:

1- قوله: الم حروف لا محلَّ لها من الإعراب  .

2- قوله: هُدًى: منصوب على الحال من (ذا، أو الكتاب، أو مِن الهاء في فِيه). ويجوز أن يكون (هدى) مرفوعًا بضمَّةٍ مقدَّرةٍ، على أنَّه مُبتدأ، وخبره: شبه جملة (فيه). أو يُرفع على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو هدى، أو خبر ثان لاسم الإشارة (ذلك). وعلامة إعرابه في الجميع مُقدَّرة؛ للتعذُّر  .


المعنى الإجمالي:

افتُتِحَت هذه السورةُ العظيمة بالحروف المقطَّعة؛ لبيان إعجاز القرآن؛ إذ تُبرِزُ عجزَ الخَلْق عن معارضته بالإتيان بشيءٍ من مثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروفِ العربيَّة التي يتحدَّثون بها!

وهذا القرآن لا شكَّ في أنَّه نزَل من عند الله عزَّ وجلَّ، وهو هُدًى من الضلالة للمتَّقين، المصدِّقين المقرِّين بالغيب، المؤدِّين الصلواتِ على أكملِ وجه، المنفقين من طيِّب ما رزَقهم الله، المصدِّقين بالقرآن وبجميع الكتُب السماويَّة السابقة المنزلَة من عند الله عزَّ وجلَّ، الموقِنين بالبعث والنُّشور، والثَّواب والعِقاب، والحساب والميزان، وغير ذلك ممَّا أعدَّ الله تعالى لخَلْقه يوم القيامة، ثم أخبر الله عزَّ وجلَّ عن هؤلاء المتَّقين المتَّصفين بجميع ما تقدَّم ذِكرُه، بأنَّهم على نورٍ وبُرهان وبصيرة من ربِّهم سبحانه، وأنهم وحْدهم دون غيرهم، هم الفائِزون والناجون.


تفسير الآيات:

الم (1).

هذه الحروفُ المقطَّعة التي افتُتِحَت بها هذه السُّورة وغيرها، تأتي لبيان إعجازِ القرآن؛ حيث تُظهِر عجْزَ الخَلْق عن معارضته بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروف العربيَّة التي يتحدَّثون بها  !

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كان المرادُ بـ الم أنَّ هذا الكتاب من جِنس حُروفكم التي قد فُقتُم في التكلُّم بها سائرَ الخلق، ومع ذلك أنتم عاجزون عن الإتيان بسورةٍ مِن مثلِه؛ لأنَّه كلامُ الله- أشار إلى كمالِه، فأُشير إليه بأداة البُعد في قوله ذَلِكَ الْكِتَابُ؛ لعلوِّ مقدارِه، وجلالة آثارِه، وبُعد رتبته عن المحرومين. ولما عُلم كمالُه، أشار إلى تعظيمه بالتصريحِ بما يستلزمه ذلك التعظيمُ، فقال: لاَّ رَيْبَ فِيهِ  .

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ.

أي: إنَّ هذا القرآن، لا شكَّ في أنَّه حقٌّ في ذاته، وأنَّه نزَل من عند الله تعالى  ، كما أنَّه لا يتضمَّن ما يوجب الرَّيْب  .

كما قال تعالى: الم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: 1-2] .

وقال سبحانه: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82] .

هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ.

أي: إنَّ القرآن هدًى من الضلالة، ونورٌ وتبيان للذين يتَّقون غضبَ الله تعالى وعقابَه، بامتثال ما أَمَر الله تعالى به، واجتنابِ ما نَهَى عنه  .

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3).

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.

أي: إنَّ مِن صفات المتَّقين أنَّهم يُصدِّقون ويُقِرُّون بالغيب  .

والغيبُ هو: كلُّ ما غاب عن العَبد، ومن الإيمان بالغيب: الإيمانُ بالله تعالى، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِر  .

يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ.

أي: يؤدُّون الصَّلوات بحدودِها، وفروضِها، وواجباتها، كما أمَر الله عزَّ وجلَّ  .

وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ

أي: يُخرِجُون من طيِّب ما أعطاهم ربُّهم من الأموال  .

والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4).

والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ.

أي: إنَّ من صِفات المتقين أيضًا، أنَّهم يؤمنون بالقرآن الذي أُنزل إلى محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ويُؤمنون أيضًا بجميع الكتُب السماويَّة السابقة، من قَبل بَعثةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ  .

كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: 136] .

وقال سبحانه أيضًا: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [العنكبوت: 46] .

وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.

أي يؤمنون إيمانًا لايتطرَّق إليه شكٌّ بالبعث والنُّشور، والثواب والعِقاب، والحِساب والميزان، وغير ذلك ممَّا أعدَّ الله تعالى لخلْقِه يومَ القِيامة  .

أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5).

أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ.

أي: إنَّ المتَّصفين بجميعِ ما تقدَّم ذِكرُه من صِفات المتقين، على نورٍ وبُرهانٍ وبصيرةٍ من ربِّهم سبحانه  .

وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

أي: وهم أيضًا فائزونَ بإدراك ما طلَبوا، وبالنَّجاة ممَّا منه هرَبوا  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- أنَّ التقوى في القلْب هي التي تؤهِّل العبدَ للانتفاع بهذا الكتاب؛ فكلُّ مَن كان أتقى لله تعالى، كان أقوى اهتداءً بالقرآن الكريم؛ لأنَّ الهدى عُلِّق بوصفٍ في قوله تعالى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2] ، والحُكم إذا عُلِّق بوصف، كانتْ قوة الحُكم بحسَب ذلك الوصفِ المعلَّق عليه  .

2- في قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] ، دلالةٌ على أهميَّة الإيمان بالآخِرة؛ لأنَّ الإيمان بها يستلزم الاستعدادَ لها بالأعمال الصَّالحات، وترْك المحرَّمات  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- بيان علوِّ القرآن؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ؛ فالإشارة بالبُعد تُفيد علوَّ مرتبته؛ وإذا كان القرآن عاليَ المكانة والمنزلة، فلا بدَّ أن يعود ذلك على المتمسِّك به بالعلوِّ والرِّفعة؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 33] ؛ وكذلك ما وُصِف به القُرآنُ كالكرَم، والعظَمة، فإن للمشتغل به نصيبًا من ذلك  .

2- نفي الرَّيْب عن القرآن في قوله تعالى:  ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ  [البقرة: 2] ، يدلُّ على ثبوت كمال ضدِّه، فهو يُورث كمال اليقين؛ لما يتضمَّنه من الحجج والبراهين والدَّلائل التي لا تترك في الحقَّ لبسًا. والنفي الوارد في باب صفات الله تعالى، أو الملائكة، أو النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، أو القرآن، يدل على ثبوت كمال ضدِّه  .

3- في قوله تعالى: ذَلِكَ الكِتَابُ إشارةٌ إلى ما سيؤول إليه أمر القرآن من كونه مكتوبًا ومجموعًا في كتابٍ واحد  .

4- قال تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، ولم يقُل: يفعلون الصَّلاة، أو يأتون بالصَّلاة؛ لأنَّه لا يكفي فيها مجرَّدُ الإتيان بصورتها الظاهرة؛ فإقامة الصَّلاة، إقامتها ظاهرًا بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة رُوحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبُّر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصَّلاة هي التي قال الله فيها: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وهي التي يترتَّب عليها الثوابُ  .

5- كثيرًا ما يجمع الله تعالى بين الصَّلاة والزَّكاة في القرآن؛ وذلك لأسباب، منها: أنَّ الصَّلاة متضمِّنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنَّفقة متضمِّنة للإحسان إلى عَبيدِه  ، وسعادةُ العبدِ دائرةٌ بينَ الأمرَيْن، كما أنَّ الصلاةَ رأسُ العباداتِ البدنيةِ، والزكاةَ رأسُ العباداتِ الماليةِ، والعباداتُ راجعةٌ إلى هذين.

6- في الإتيان بـمِن التي هي للتبعيض في قوله: مِـمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ إيماءٌ إلى كون الإنفاق المطلوب شرعًا، هو إنفاقُ بعض المال؛ لأنَّ الشريعة لم تُكلِّف الناس حرجًا، وهذا البعض يقلُّ ويتوفَّر بحسب أحوال المنفقين  .

7- في قوله سبحانه: رَزَقْنَاهُمْ إشارة إلى أنَّ هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلةً بقوَّتكم وملككم، وإنَّما هي رِزق الله الذي خوَّلكم، وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضَّلكم على كثيرٍ من عباده، فاشكروه بإخراج بعضِ ما أنعم به عليكم، وواسوا إخوانَكم المعدَمين  .

8- في قوله تعالى: مِـمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ دلالةٌ على أنَّ الإنفاقَ من غير الزَّكاة لا يتقدَّر بشيءٍ معيَّن؛ لإطلاق الآية، سواء كانت «مِن» للتبعيض؛ أو للبيان  .

9- في قوله تعالى: مِـمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، لم يذكر المعمولَ (المنفَق ذاته، والمنفَق عليهم)؛ لكثرة أسبابِه، وتنوُّع أهلِه  .

10- في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة: 4] ، بدأ بالقرآن مع أنَّه آخِر الكتُب السماوية زمنًا؛ لأنَّه مهيمنٌ على الكتُب السابقة، وناسخٌ لها  .

11- في قوله تعالى: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4] ، نصَّ جلَّ وعلا على الإيقان بالآخِرة مع دخولِه في الإيمان بالغيب لأهميَّته؛ لأنَّ الإيمان بها يُحمل على فِعل المأمور، وترْك المحظور  .

12- في قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  [البقرة: 5] ، دلالةٌ على أنَّ الفلاحَ مرتَّبٌ على الاتِّصاف بما ذُكر؛ فإنِ اختلَّت صفةٌ منها، نقَص من الفلاح بقدْر ما اختلَّ من تلك الصِّفات؛ وذلك لأنَّ الحكمَ المعلَّق على وصفٍ، يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه، فالصحيح من قول أهل السُّنة والجماعة، والذي دلَّ عليه العقلُ والنقل، أنَّ الإيمان يَزيد، وينقص، ويتجزَّأ؛ ولولا ذلك ما كان في الجناتِ درجاتٌ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ فيه من أوجه البلاغة:

- الإشارة للبعيد في ذَلِكَ بإدخال اللام، إشارة إلى علوِّ منزلة هذا الكتاب وشَرَفه، وبُعد مرتبته وعلوِّها على مرتبة كلِّ كتابٍ سواه  .

- الْكِتَابُ جاء معرَّفًا بالألف واللام؛ للتَّفخيم لأمْره، ولبيان علوِّ شأنه  .

- هُدًى: وُضِع المصدر هُدًى موضِعَ اسم الفاعِل (هادٍ)؛ للتأكيد على دَيمومة هِدايتِه واستمرارِها، وجاء منكَّرًا للتعظيم، وللدَّلالة على أنها هداية مُطلَقة لكل متَّقٍ في كلِّ ما يَحتاج إليه الخَلقُ للوصول إلى السعادة في الدَّارين  .

- وفي هذه الجُمل الأربع: الم، ذلِكَ الْكِتابُ، لا رَيْبَ فِيهِ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ: جمالُ بلاغة؛ حيثُ جِيء بها متناسقةً هكذا من غير حرْف عَطْف؛ وذلك لمجيئها متآخيةً آخذًا بعضها بعُنق بعض؛ مع ما في كلِّ جملة مِن نُكتةٍ ذات جَزالة، ففيها ما يُسمَّى عند البَلاغيِّين بـ(الفصْل)  -وهو عدم عطف الجمل بالواو-؛ لكمال الاتِّصال بينها  .

2- قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

- فيه حُسن ترتيب، وتقديمٌ للأهمِّ فالأهم؛ فالإيمانُ بالغيب لازمٌ للمكلَّف دائمًا، والصَّلاةُ لازمة في أكثرِ الأوقات، والنَّفقة لازمة في بعض الأوقات  .

- تقديم المفعول مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ على الفِعل يُنْفِقُونَ: للاهتمامِ به، وللدلالة على كونه أهمَّ، ولإفادة الاختصاص، ولتناسب رُؤوس الآي  .

3- قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

- في قوله أُنْزِل: عبَّر عنه بلفظ الماضي، وإن كان بعضه مترقَّبًا؛ تغليبًا للموجود على ما لم يوجد، أو تنزيلًا للمنتظَر منزلةَ الواقِع؛ ففي هذا التعبير تغليبٌ المحقَّق على المقدَّر، وتنزيل ما في شَرَف الوقوع لتحقُّقه منزلةَ الواقع  .

- وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ: فيه تقديم لشِبه الجملة بِالْآخِرَةِ؛ للاهتمام بأمْرها، والإشعارِ بالحَصْر والاختصاص، كأنَّ ما عدا الإيقانَ بالآخرة ليس بمستأهلٍ للإيقان به، والقطعِ بوقوعِه؛ فهو أساسُ الإيمان ورأسُه  .

 - التأكيدُ بالجُملة الاسميَّة، مع أنَّها معطوفةٌ على جملة فعليَّة، آكَدُ في الإخبار عن هؤلاء بالإيقان، ومُشعِر بالاهتمام بهم. وذكر الضَّمير الظاهر (هم) مع أنَّه موجود في الفِعل (يوقنون)؛ زيادةً في التأكيد  .

4- قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

- فيه الإتيان بحرْف على الذي يُفيد الاستعلاء؛ إشارة إلى تمكُّنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسُّكهم به  .

- تنكير هُدًى؛ ليُفيد ضربًا مُبهمًا لا يُبلَغ كُنْهُه، ولا يُقادَر قَدرُه، كأنه قيل: على أي هدًى، كما تقول: لو أبصرتَ فلانًا لأبصرتَ رجلًا  .

- تَكرير اسم الإشارة أُوْلَـئِكَ وَأُوْلَـئِكَ؛ للتَّأكيد، والعِناية بشأن المتَّقين، وللإشارة إلى علو مرتبتهم، وفيه دَلالةٌ على أنَّ كُلًّا من الهدى والفلاح مستقلٌّ بتميزهم به عن غيرهم، بحيث لو انفرد أحدُهما لكفى تميزًا على حِياله  .

- الإتيان بحَرْف العطف (الواو) في المبتدأ الثاني؛ لاختِلافِ الخَبرين وجودًا ومقصودًا، واستقلالِ كلٍّ من الهُدَى والفَلاح بتميُّزهم به عن غيرهم، ولو كان الخبر الثاني في معنى الأوَّل، لم يدخل العاطف؛ لأنَّ الشيءَ لا يُعطف على نفْسِه، كما في قوله تعالى: أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179]   .

- الإتيان بضَمير الفَصل هُمْ للتأكيد والحصر، ورفْع توهُّم مَن يَتشكَّك، أو يتوهَّم التشريك فيه، كأنَّه قال: هم المفلحون لا غيرهم  .

- ودخول الألف واللام على الخبر الْمُفْلِحُونَ فيه إشعار بالحصْر كذلك، كأنَّهم قد استحقُّوا الوصف الكامل من الفلاح  .

- وفي هذه الآياتِ حُسن تقسيم؛ حيث استَوعبت جميعَ الأوصاف المحمودة، والعبادات البَدنيَّة والماليَّة التي يعكُف عليها المؤمِنون  .  


 سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (6-7)

أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6)

خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)

غريب الكلمات:

أَأَنْذَرْتَهُمْ: أأعلمتهم بما تحذِّرهم منه، وأصل الإِنْذار: إخبارٌ فيه تخويف، أو الإبْلاغُ  .

خَتَمَ: طبَع على الشَّيء ووسَمه، وسدَّه وربَطَه، والخاتِم بمنزلة الطَّابِع  .

غِشَاوَةٌ: غِطاء وسَاتر، مِن غشِي الشَّيءَ، أي: غَطَّاه وستَرَه  .


مشكل الإعراب:

قوله: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ سواء مبتدأ مرفوع، وأأنذرتهم خبره، وجملة سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ... خبر إنَّ. ويجوز أن يكون سَوَاءٌ خبرَ إنَّ، وما بعده مرفوع بفِعله وسدَّت هذه الجملةُ مسدَّ الخبر، والتقدير: يَستوي عندهم الإنذارُ وتركُه. ويجوز أن يكون خبرُ إنَّ قولَه: لَا يُؤْمِنُونَ، وما بينهما اعتراض. وقيل غير ذلك  .


المعنى الإجمالي:

يُخبِر الله عزَّ وجلَّ عن الكافرين، بأنَّ الإنذار وعدمَه عندهم سِيَّانِ، فهم سواء أُنذروا أم لم يُنذَروا، لا يُصدِّقون بما جاءهم به محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ من الحق؛ وذلك أنه قد طبَع الله على قلوبهم وسمعِهم؛ فلا ينفعهم الهُدى، وجعَل على أبصارهم غطاءً، فلا يُبصرون ما يَهديهم، وجزاء هؤلاء الكافرين عذابُ النار.


تفسير الآيات:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6).

أي: إنَّ هؤلاء الذين كفروا، يتساوى في حقِّهم كِلا الأمرين، الإنذارُ وعدمه، فهم في كِلا الحالين لا يؤمنون بما جِئتَهم به- يا أيُّها الرسولُ- من الحقِّ  .

خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ(7).

خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ.

أي: طَبَع اللهُ عليها، فلا يَنتفعون بهُدى  .

وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ.

أي: عليها غِطاء، فلا يُبصرون هُدًى  .

وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ.

أي: عذابُ النَّار  .


الفَوائِد التربويَّة:

على المسلم أن يتفقَّدَ قلبَه؛ فهو محلُّ الوعي، ومَن لا يشعُر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله تعالى، فإنَّ فيه شَبهًا من الكفَّار الذين لا يتَّعظون بالمواعظ، ولا يُؤمِنون عند الدَّعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، كما قال سبحانه عنهم: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ...، تسليةٌ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ حين يردُّه الكفَّار، ولا يَقبلون دعوتَه  .

2- في قوله سبحانه: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ، قيل: جمَع القلوب والأبصار، ووحَّد السَّمع لوجوه:

أحدها: أنه وحَّد السَّمع؛ لأنَّ لكلِّ واحد منهم سمعًا واحدًا، كما يقال: أتاني برأس الكبشين، يعني رأس كلِّ واحد منهما، يُقال ذلك إذا أُمِن اللبس.

الثاني: أنَّ السَّمع مصدرٌ في أصله، والمصادر لا تُجمع، يقال: رَجُلان صَوْمٌ، ورجالٌ صَومٌ، فرُوعي الأصل؛ ومما يدلُّ على ذلك جمع الأذن في قوله: وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ [فصلت: 5] .

الثالث: أن نُقدِّر مضافًا محذوفًا، أي: وعلى حواسِّ سمعهم.

الرابع: أنَّ ما قبل لفظ السَّمع وما بعدَه ذُكر بلفظ الجمع، وذلك يدلُّ على أنَّ المراد منه الجمع أيضًا  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

- في قوله: أأنذرتهم عدَل عن المصدر (إنذارهم) إلى الفعل؛ لما فيه من إيهام التجدد  .

- في قوله: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ حسُن دخول الهمزة، و(أَمْ)؛ لتقرير معنى الاستواء وتأكيده  .

2- قال تعالى: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ في قوله: وَعَلَى سَمْعِهِمْ تكرَّر حرْف الجر؛ لتأكيد المعنى؛ فهم لا يَسمعون حقَّ السَّمع  .

3- قوله: وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ جاءت غِشَاوَةٌ نكرة؛ للتفخيم والتهويل، وليفيد أنَّ على أبصارهم نوعًا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاءُ التعامي عن آيات الله تعالى  .

4- في قوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ تنكير عَذَابٌ؛ للتفخيم والتهويل والمبالغة، وللإشارة إلى أنَّه نوعٌ منه مجهول الكمِّ والكيف. ووصفُه بـعَظِيمٌ؛ لتأكيد ما يُفيده التنكيرُ في عَذَابٌ، ولدفْع الإيهام بقلَّته ونُدرته، ولتأكيد أنَّه بالغٌ حدَّ العظمة، وأنَّ لهم من بين الآلام العِظام نوعًا عظيمًا لا يعلم كُنهَه إلا اللهُ  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (8-20)

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ(8)

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9)

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(10)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11)

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ(12)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ(13)

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(15)

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ(16)

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ(17)

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ(19)

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)


غريب الكلمات:

يُخَادِعُونَ: أي: يُظهِرون غير ما في نُفوسهم. وأصل الإخداع: إخفاء الشَّيء  .

مَرَضٌ: أي: شكٌّ ونفاق، وأصلُ المرض: الفُتور، والخروج عن الاعتدال الخاصِّ بالإنسان  .

السُّفَهَاءُ: أي: الجهلة، وأصل السَّفه: الْجَهْل، والخفَّة في البَدن والعقل، والضَّعْف والحُمق، واستُعمل في خِفَّة النفس؛ لنُقصان العقل  .

شَيَاطِينِهِمْ: رؤوسهم فى الكفر ومردتهم، جمْع شيطان، وهو كلُّ عاتٍ متمرِّد من الجنِّ والإنسِ والدواب، وأصلُه من: شَطَن، إذا تباعد؛ وذلك لبعده عن رحمة الله أو الخير، وقيل: أصله مِن شَاطَ إذا احترَق  .

طُغْيَانِهِمْ: عُتُوِّهِم وتكبُّرهم، أو غيهم وكُفْرهم، وأصل الطُّغيان: مجاوزة الحدِّ  .

يَعمهون: يتَحيَّرون ويجورون عَن الطَّرِيق؛ فأصل العَمَهِ: التردُّد في الأمْر من التحيُّر  .

صُمٌّ: الصَّمَمُ: فقدانُ حاسَّة السَّمع، وبه يُوصَف مَن لا يُصغِي إلى الحقِّ ولا يَقبله، وأصله: الصَّلَابة، وقيل: السدُّ  .

بُكْمٌ: جمع أَبْكَم، وهو الذي يُولَد أخرس؛ فكلُّ أبكمَ أخرسُ، وليس كلُّ أخرس أبكمَ، والبَكَم: آفة في اللِّسان مانعةٌ من الكلام  .

كصَيِّبٍ: أي مطر، مأخوذٌ من الصَّوب، وأصل الصَّوْب: النُّزُولُ؛ سمِّي به المطر لأنَّه ينزل من السَّماء  .

الصَّوَاعِق: جمْع صاعِقة، وهي النَّار التي تنزل من السَّماء عندَ اشتداد الرَّعد، وقيل: الصَّوت الشديد من الجوِّ، والوَقعُ الشَّديدُ منَ الرَّعْدِ، أو كلُّ عذاب مُهلك (الموت، والعذاب، والنار)، ومنه: صَعق، إذا مات، وأصل صعق: يدلُّ على شِدَّة الصَّوت  .

يَخْطَفُ: يختلس بسرعة، أو يأخذ الشيء بسرعة  .


المعنى الإجمالي:

يُخبر الله عزَّ وجلَّ في هذه الآيات عن صِنف من الناس، يدَّعون بألسنتهم أنَّهم مؤمنون بالله، وبالبعث يومَ القِيامة، وهم مع ذلِك غيرُ مقرِّين بالإيمان حقيقةً بقلوبهم، وهم بفِعلهم هذا يَقصِدون مخادعةَ الله والذين آمنوا بادعاء الإيمان لأنفسهم، وإخفاءِ كُفرِهم، لكن بيَّن الله سبحانه أنَّ ما يقومون به ما هو إلَّا خديعة لأنفسهم، وذلك بِخذلان الله لهم في الدَّارينِ، وهم لا يحسُّون بأنَّهم هم المخدوعون.

في قلوب هؤلاء الصِّنف شكٌّ ونفاق، فزادهم الله شكًّا إلى شكِّهم، ونِفاقًا إلى نفاقهم، ولهم مع ذلك عذاب موجِع؛ جزاءً لكذبهم وإظهارِهم غيرَ الحقيقة، ولتكذيبهم لله تعالى ولرسولِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ.

وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: لا تُفسدوا في الأرض بالمعاصي، والنِّفاق والكُفر، واتِّخاذ الكافرين أولياءَ، قالوا: ما نقومُ به هو الإصلاح! وكذَبوا في ذلك، بل هم بعيدون عن الإصلاح، بكُفرهم ومعاصيهم، ومع هذا لا يدرون أنَّ ما يقومون به هو فسادٌ في الحقيقة.

وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: آمنوا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وبما جاء به من ربِّه، كما آمن به أصحابُه رضي الله عنهم، قالوا أنؤمن كما آمن ضعفاء الرأي والعقولِ، ونفعل كما فعلوا؟!- يقصدون بذلك أصحابَ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام- فأخبرهم الله تعالى أنَّهم هم ضعفاءُ العقول والرأي؛ فهم السُّفهاء في واقِع الأمر، ومع ذلك لا يعلمون بحقيقةِ سفههم.

وإذا لقِي هؤلاء المنافقون المؤمنين أخبروهم- كذبًا- أنَّهم مؤمِنون أيضًا، وإذا انصرفوا إلى رُؤسائهم من سادات الكفَّار والمشركين، والمنافقين، وكانوا معهم في خَلوة، قالوا لهم: إنَّا ما زلنا معكم على دِينكم، إنما نحن ساخِرون بالمؤمنين حين نقول لهم: آمنَّا بالله وباليوم الآخِر.

ثمَّ أخبر الله سبحانه أنَّه يَستهزئ بهم؛ مقابلةً لاستهزائِهم بالمؤمنين، وذلك بأن يُجري عليهم ما على المؤمنين من الأحكام الظاهِرة، كعصمة دِمائهم وأموالهم، ثم في الآخِرة يَلقَون جزاءَهم الأليم وحْدَهم، بأن يُلقَوا في الدَّرك الأسفل من النار، فكان هذا استهزاءً بهم، ويُملي الله لهؤلاء المنافقين بأنْ يتركَهم في عُتوِّهم وتمرُّدهم بالكُفر، يتردَّدون حيارَى ضُلَّالًا، لا يجدون سبيلًا للخروج ممَّا هم فيه.

هؤلاء الصِّنف من البَشر هم الذين أخذوا الضَّلالة وترَكوا الهدى، فخسِروا وما كانوا راشدين بفِعلهم هذا.

مثَل هؤلاء المنافقين في إيمانهم ثمَّ كُفرهم بعد أن تبيَّن لهم الحق، كمَثَل مَن أوقد نارًا؛ لتضيءَ له، وينتفع بها، فلمَّا أنارتِ النارُ ما حول المستوقِد، فأبصر ما ينفعُه وما يضرُّه، خمَدت النار، وانطفأ النور، فذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وبقي ما يضرُّهم وهو الإحراقُ والدُّخَان، هؤلاء المنافقون صمٌّ لا يَسمعون هُدًى، وبكمٌّ لا ينطِقون به، وعميٌ لا يُبصرونه بقلوبهم؛ فهم لذلك لا يعودون إلى الهُدى الذي باعوه بالضَّلالة.

وضرَب الله مثلًا آخَر لصنف آخر من المنافقين، وهو كصاحب مطرٍ منحدرٍ من السَّماء، فيه ظلماتٌ- هي ظلمة اللَّيل، وظلمة السَّحاب، وظلمة المطر- ورَعْد وبَرْق، كلَّما سمعوا صوت صاعقة، غطوا آذانهم بأصابعهم، يتَّقون بذلك سماعَ أصوات الصَّواعق المدوية، حذرًا من أن تصيبَهم فيموتوا، والله محيطٌ بهم قُدرةً وعلمًا؛ فلا يُعجِزونه، ولا يُغني عنهم حذرُهم شيئًا، يوشك البرقُ لشدَّة لمعانه وضعف أبصارهم، أن يَذهب بها فيُعميَها، كلَّما ظهرَ لهم نورُ البرق مشَوْا خُطوات، فإذا أظلم ما حولهم بتوقُّف البرق وقَفوا، ولو أراد الله لأخَذَ أسماعهم وأبصارهم، والله ذو قُدرةٍ بالغة على كلِّ شيء؛ فلا يُعجزه أمر أبدًا.

والمراد بهذا المثَل أنَّ المنافقين إذا سمِعوا القرآن، وتُليت عليهم تكاليفُه ووعيدُه، وما فيه، اتَّقَوا سماع آياته؛ خوفًا من أن يحلَّ بهم الوعيد، وإشفاقًا من عقوبة نِفاقهم، سواء في الدُّنيا أو في الآخِرة، ولن ينفعهم اتقاؤُهم؛ فالله سبحانه محيطٌ بهم قدرةً وعلمًا، يوشك شدَّةُ نور القرآن بما تضمَّنه من البراهين القويَّة أن يرى معه هؤلاء المنافقون الحقَّ واضحًا، لكن لضعف بصائرهم لا يَستفيدون من ذلك النور، ومع ذلك كلَّما أضاء لهم نورُ الحقِّ، أو لَمَع في قلوبهم، مشَوا على ضوئه خطواتٍ قليلةً في سبيل الانقياد للحقِّ، لكن لا يمكُث ذلك الحقُّ في قلوبهم التي أظلمتْ بالشُّبهات والشكوك القوية أن يَخفِت فتعود لظُلمتها، فيقِفوا حائرين، ثم توعَّدهم الله بإذهاب أسماعهم وأبصارهم؛ عقوبةً لهم على نفاقهم وكُفرهم، والله ذو قُدرة بالغةٍ على كلِّ شيء.


تفسير الآيات:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ(8).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لما تقدَّم وصفُ المؤمنين في بداية السورة بأربع آيات، ثم عرَّف الله تعالى حال الكافرين بآيتيْن، شرع سبحانه في بيان حال المنافقين الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثيرٍ من الناس؛ أطنب في ذكرهم بصفاتٍ متعددة، كُلٌّ منها نفاق  فقال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ.

أي: إنَّ المنافقين يقولون بألسنتهم: آمنَّا بالله، وبالبعث يومَ القيامة، قولًا مجرَّدًا ليس معه إيمانٌ حقيقيٌّ  .

وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ.

أي: ليسوا بمقرِّين بحقيقةِ الإيمان بقلوبِهم  .

كما قال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: 1] .

يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9).

يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا

بإظهارِهم الإيمانَ، وإبطانهم الكفرَ  .

كما قال سبحانه: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [المجادلة: 18] .

وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: وَمَا يَخْدَعُونَ قراءتان:

1- (وما يُخَادِعُون) قيل: على معنى أنَّ الخِداع وقع من اثنين، فهو واقعٌ منهم وإليهم؛ إذ خدَعوا أنفسهم، وأنفسهم خدَعتْهم  .

2- (وَمَا يَخْدَعُونَ) قيل: على معنى أنَّ الخداع وقع من طرفٍ واحد، فهو واقعٌ منهم على أنفسهم  .

وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ.

أي: إنَّ هؤلاء المنافقين مخدُوعون في الحقيقة بصَنيعهم الذي يَحسَبون أنهم يخادعون به ربَّهم والمؤمنين، وذلك بخِذلان الله تعالى لهم في الدُّنيا والآخِرة، وهم مع ذلك لا يَدرُون بأنَّهم مخدوعون  .

كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: 142]   .

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10).

فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا.

في قلوبهم شكٌّ ونفاق؛ فزادهم اللهُ تعالى شكًّا ونفاقًا.

فالجزاءُ من جِنس العمل، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف: 5]   .

وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: يَكْذِبُونَ قِراءتان:

1- (يَكْذِبُون) بالتَّخفيف، أي: إنهَّم كاذبون في قولهم: آمَنَّا بالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ  .

2- (يُكَذِّبُون) بالتَّشديد ، أي: يكذِّبون النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والقرآن مرَّةً بعد مرَّة، ومن كذَّب بذلك، فقد كَذَب  .

وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.

أي: لهم عذابٌ مؤلِم، أي: موجِع؛ بسبب كذَبِهم في دعواهمُ الإيمانَ، وبسبب تكذيبهم لله تعالى ورسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام  .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11).

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ.

أي: إذا قيل للمنافقين: لا تفسدوا في الأرض، بمعصية الله تعالى، وبالنِّفاق والكفر، واتِّخاذ الكافرين أولياء، والصَّدِّ عن سبيل الله، والتعويقِ عن طاعتِه وطاعةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، والإرجافِ... إلى غير ذلك  .

قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ.

يدَّعون أنَّ ما يفعلونه من الفَساد، إصلاحٌ  .

أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لَّا يَشْعُرُونَ (12).

أي: هم المخالِفون في الحقيقة أمرَ الله عزَّ وجلَّ بالكُفر والمعاصي، ولكن لا يَدْرُون ولا يَفطنون إلى أنَّ ما يفعلونه هو فسادٌ في الحقيقة  .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لَّا يَعْلَمُونَ (13).

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ.

أي: إذا قِيل للمنافقين: آمنوا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وبما جاءَ به من عند الله عزَّ وجلَّ، كما آمن أصحابُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وكلُّ مَن آمن به  .

قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ.

أي: يقولون: أنؤمِنُ كما آمَن ذوو الجهل وضعف الرأي وقلة المعرفة بالمصالح والمفاسد- يعنون الصحابة رضوان الله تعالى عليهم- فنكون نحن وإيَّاهم على طريقةٍ واحدة  ؟!

أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لَّا يَعْلَمُونَ.

أي: هُم السُّفهاء في الحقيقة، فليست لديهم معرفةٌ صحيحةٌ لإقامة نفعٍ حقيقي؛ حيث يُفسِدون في الأرض، ويظنُّون أنَّ ذلك هو عينُ الإصلاح، وهذا هو السَّفَه  .

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14).

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا.

أي: إذا لقِي المنافقون المؤمنين، أظْهَروا لهم الإيمانَ نفاقًا  .

وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ.

أي: إذا انصَرفوا إلى رُؤسائهم، من سادات الكفَّار والمشركين والمنافقين، خالِين بهم  .

قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ.

أي: نحن معكم على دِينكم، ومِن ذلك التكذيبُ بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومعاداتُه، ومعاداةُ أتباعه، والسُّخريةُ بهم بقولهم لهم: آمَنَّا بالله وَبِاليَومِ الآخِرِ)  .

اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15).

اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ.

أي: إنَّ الله تعالى أجْرى لهم ما للمؤمنين من الأحكام الظاهِرة، كعِصمة دِمائهم وأموالهم، لكنَّه سبحانه يُميِّز بينهم وبين المؤمنين في الآخِرة، ويُلقي بهم في الدَّرك الأسفل من النار، فكان ذلك استهزاءً بهم  .

وهذا من الله سبحانه مقابلة لهم على استهزائهم بالمؤمنين؛ فالجزاء من جنس العمل.

كما قال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 79] .

وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.

أي: يَزيدهم على وجه الإملاءِ، والتَّرْك لهم في عتوِّهم وتمرُّدهم بالكُفر، يتردَّدون حيارَى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المخرَج من ذلك سبيلًا  .

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16).

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى.

أي: استعاضوا بالضَّلالة عن الهُدَى  .

فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.

أي: خسِر المنافقون بأخْذهم الضَّلالةَ، وتركِهم الهُدى؛ وما كانوا راشدين بصَنيعهم هذا  .

ثم ضرب الله لهم مثلًا يصوِّر حالهم، فقال:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (17).

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً.

أي: مثَل المنافقين الذين آمَنوا أو أظهروا الإيمان ثم كفَروا، كمثَل مَن أوقَد نارًا؛ لتضيءَ له، وينتفعَ بها، والمراد بذلك تشبيههم بأنَّهم آمنوا أو أظهروا الإيمان  .

فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ.

أي: أنارتِ النارُ ما حولَ المستوقِد، فأبصر بها ما ينفعُه ويَضرُّه  ، والمراد بذلك أنَّهم أبصَروا الحقَّ  ، أو أنهم انتفعوا بها انتفاعًا مؤقَّتًا، حيثُ حقنوا دماءَهم، وأحرزوا أموالَهم  .

ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ.

أي: خمَدت النار، وانطفأ النور، فذهب عنهم ما يَنفعُهم وهو النور، وبقِي لهم ما يضرُّهم وهو الإحراقُ والدُّخَان؛ ذلك بأنَّهم كفروا بعد إيمانهم، فبقِيت في قلوبهم حرارةُ الكفرِ والشُّكوكِ  .

وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ.

أي: بقُوا في عِدَّة ظلمات، منها: ظُلمة اللَّيل، والظُّلمة الحاصِلة بعد فقْد النور، وهي أشدُّ من الظُّلمة الأُولى، والمراد: ما أصْبَحوا فيه من ظُلمات الكُفر، والشُّكوك، والنِّفاق  .

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18).

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.

أي: لا يَسمعون هُدًى، ولا يَنطِقون به، ولا يُبصرونَه بقلوبِهم  .

كما قال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46] .

وقال سُبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [المنافقون: 3] .

فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ.

أي: لا يَعودُون إلى الهُدى الذي باعوه بالضَّلالة  .

ثم ضرب الله لهم مثلًا آخرَ، فقال:

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19).

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء.

أَوْ هنا للتنويع، فبعض المنافقين يشبه المثل الأول، وبعضهم يشبه هذا المثل الثاني، فضربه الله تعالى هاهنا لصنفٍ آخر من المنافقين  .

والمرادُ بالصيِّب: القرآنُ الذي نزَل من عند الله تعالى، والذي يُظهر المنافقون بألسنتِهم إيمانَهم به  .

فِيهِ ظُلُمَاتٌ.

هي ظُلمة اللَّيل، وظُلمة السَّحاب، وظُلمة المطر، والمرادُ: ما عليه المنافقون من الشكِّ، والكُفر، والنِّفاق  .

وَرَعْدٌ.

المراد به: وعيدُ القرآن وزواجره، وأوامِره ونواهيه  .

فهُم منها في حالِ خوفٍ وفزعٍ شديد، كقوله تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون: 4]، وقال: وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [التوبة: 56-57] .

وَبَرْقٌ.

المراد به: حُججُ القرآن وبراهينه التي تُبهرهم  .

يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ.

الصَّوَاعِقِ.

المرادُ بها: آياتُ القرآن التي تتضمَّن التكاليفَ الشرعيَّة، والوعيدَ، وغيرَه  .

يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ.

أي: يضعون أصابعَهم في آذانِهم؛ كي يتَّقوا سماعَ أصوات الصَّواعق، والمرادُ: أنَّهم يتَّقون سماعَ زواجر القُرآن الكريمِ ووعيده  .

حَذَرَ الْمَوْتِ.

أي: حذرًا من حلول الوعيد الذي توعَّدهم اللهُ به في القُرآن، وإشفاقًا من حلول عُقوبةِ الله بهم على نِفاقِهم؛ إمَّا عاجلًا في الدُّنيا، وإمَّا آجلًا في الآخِرة  .

واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ.

أي: محيطٌ بهم قدرةً وعلمًا، فلا يُعجِزونه، ولا يُغني عنهم حذرُهم شيئًا  .

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ.

أي: يوشك البَرقُ من شِدَّة لَمَعانه، وقوَّة ضيائه -مع ضَعْف أبصارهم- أنْ يذهب بها فيُعميها، والمرادُ: أنَّ شِدَّة نور القرآن- بما يحويه من حُججٍ وبراهينَ ساطعة، يرَون معها الحقَّ واضحًا جدًّا- لا تتحمَّله بصائرُهم الضَّعيفة  .

كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا.

أي: إذا ظهر لهم نورُ الحقِّ، ولَمَع في قلوبِهم مشَوْا على ضوئِه، وخطَوا خُطواتٍ يسيرةً، لكنَّه لا يستقرُّ في قلوبهم المظلِمة بالشُّبهات والشكوك القويَّة، فلا يلبَث أن ينطفِئ، فيقفون حائرين! عائدين إلى تَكذيبهم، فهُم في هذه الحال في شكٍّ وتردُّد  !

وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ.

هذا تهديدٌ ووعيدٌ لهم بإذهاب أسماعِهم وأبصارهم؛ عقوبةً لهم على نِفاقهم وكُفرهم  .

إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

أي: ذو قُدرةٍ على إيقاع ما أوعد به هذا الصِّنفَ من المنافقين، فلْيحذروا نِقمةَ الله وعذابَه عاجلًا أو آجلًا؛ فإنَّه سبحانه وتعالى لا يُعجزه شيءٌ أبدًا  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- أنَّ مجرد القول باللِّسان لا ينفع الإنسانَ، فلا بدَّ أن يتطابق القلبُ، واللِّسان على الإيمان؛ لقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. فهنا نفَى اللهُ عنهم الإيمانَ، فدلَّ على أنَّ حقيقة الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان  .

2- التحفُّظ من المنافقين فقد قال تعالى عنهم: يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9)؛ لأنَّه إذا قيل لك: (فلان يخدع) فإنَّك تزداد تحفظًا منه، وأنَّه ينبغي للمؤمن أن يكون يقظًا حذِرًا؛ فلا ينخدع بمِثل هؤلاء  .

3- أنَّ المكر السيِّئ لا يحيق إلَّا بأهله؛ فالمنافقون يُخادعون الله، ويظنُّون أنَّهم قد نجحوا، أو غلَبوا، ولكن في الحقيقة أنَّ الخداع عائدٌ عليهم؛ لقوله تعالى: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، فالحصر هنا يدلُّ على أنَّ خداعهم هذا لا يضرُّ الله تعالى شيئًا، ولا رسولَه، ولا المؤمنين  .

4- أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضًا فإنه يعاقب بزيادة المرض؛ لقوله تعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا  .

5- أنَّ أسبابَ إضلال الله العبدَ هي من العبد؛ لقوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللهُ مَرَضًا  .

6- أنَّ من أعظم البلوى أن يُزَيَّن للإنسان الفسادُ، حتى يَرى أنَّه إصلاح؛ لقولهم: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  .

7- أنَّه ليس كلُّ مَن ادَّعى شيئًا يُصدَّق في دعواه؛ لأنَّهم قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، فقال الله تعالى: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ، وليس كل ما زيَّنته النفس يكون حسنًا، كما قال تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر: 8]   .

8- العمل السيِّئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يَشعُر الإنسان بالأمور الظاهِرة؛ لقوله تعالى: وَمَا يَشْعُرُونَ  .

9- أن يُذكرَ للمدعوِّ، من استجاب من الناس للحقِّ؛ ليكون ذلك مشجِّعًا له على قَبوله، لقوله تعالى: آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ  .

10- أنَّ الإنسان قد يظنُّ أنه أحسنَ عملًا وهو قد أساء؛ لأنَّ هؤلاء اشترَوُا الضلالة بالهدى؛ ظنًّا منهم أنَّهم على صواب، وأنهم رابِحون؛ فقال الله تعالى: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ  .

11- أنَّ للإيمان نورًا، وله تأثيرٌ حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ  .

12- أنَّه ينبغي للإنسان أن يسألَ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُمتِّعه بسَمْعه، وبصره؛ لقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- قال السَّعديُّ في قوله تعالى: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ: (هذا من العجائب؛ لأنَّ المخادع، إمَّا أن ينتج خداعه ويحصُل له ما يريد، أو يسلم، لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعُهم عليهم، وكأنَّهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاكِ أنفسِهم، وإضرارها وكيدها؛ لأنَّ الله تعالى لا يتضرَّر بخداعهم شيئًا، وعباده المؤمنون لا يضرُّهم كيدُهم شيئًا، فلا يضرُّ المؤمنين أنْ أظهر المنافقون الإيمان، فسلمتْ بذلك أموالُهم، وحُقِنت دماؤهم، وصار كيدُهم في نحورهم، وحصَل لهم بذلك الخزيُ والفضيحة في الدُّنيا، والحزن المستمرُّ؛ بسبب ما يحصُل للمؤمنين من القوَّة والنصرة، ثم في الآخِرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجِع؛ بسبب كذبِهم وكفرِهم وفجورِهم، والحال أنَّهم مِن جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك)  .

2- أنَّ الحِكمة كلَّ الحِكمة إنَّما هي الإيمانُ بالله تعالى، واتِّباع شريعته؛ فإنَّ كلَّ من لم يؤمن بالله وخالف شريعته فهو سفيهٌ، فيقتضي أنَّ ضدَّه يكون حَكيمًا رشيدًا؛ وذلك لقوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ  .

3- في قوله تعالى: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ إثباتُ صِفة الاستهزاء لله تعالى، وهي صفةٌ فعليَّة خبريَّة، ثابتةٌ لله عزَّ وجلَّ، على وجه المقابَلَة والجزاء؛ لذا فهي صفة كمالٍ له سبحانه  . 

4- تأمَّل قوله تعالى: أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ، كيف جعَل ضوءها خارجًا عنه منفصلًا، ولو اتَّصل ضوءُها به ولابَسه لم يذهب، ولكنه كان ضوءَ مجاورة لا ملابسة ومخالطة، وكان الضوء عارضًا، والظلمة أصليَّة، فرجع الضوء إلى معدِنه، وبقيت الظلمةُ في معدنها، فرجع كلٌّ منهما إلى أصله اللائق به، حُجَّة من الله قائمة، وحِكمة بالغة، تَعرَّف بها إلى أُولي الألباب من عبادِه  .

5- تأمَّل كيف قال الله تعالى: ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ فوحَّده، ثم قال: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ فجمَعها؛ فإنَّ الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي لا صراطَ يُوصل إليه سواه، وهو عبادته وحْدَه لا شريك له، بما شَرَعه على لسان رسولِه، لا بالأهواء والبِدع وطرقِ الخارجين عمَّا بعث الله به رسوله من الهُدى ودِين الحقِّ، بخِلاف طرق الباطل؛ فإنَّها متعدِّدة متشعِّبة، ولهذا يُفرد سبحانه الحقَّ ويَجمع الباطلَ، كقوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257]   .

6- قيل: خصَّ جلَّ ذِكرُه السمعَ والأبصار بأنَّه لو شاء أذهبها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامِهم؛ للذي جرى من ذِكرها في الآيتين، أي: قوله: يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ [البقرة: 19] ، وقوله: يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [البقرة: 20] ، فجرَى ذِكرها في هاتين الآيتين على وجه المَثَل  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله تعالى حِكايةً عن المنافقين: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ صيغة قصر، من قصْر الموصوف على الصِّفة، وهو مفيد للحصر كالنفي والاستثناء، كأنهم قالوا: إنَّ شأننا ليس إلَّا الإصلاح، وإنَّ حالنا متمحِّضة عن شوائب الفساد  .

2- في قوله: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ تأكيدٌ على فَسادِهم، وردٌّ بليغ على ما ادَّعوه في قولهم: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ حيث قصروا أنفسهم على هذا الوصف، فجاء الرد بليغًا؛ فبدأ بجُملة استئنافيَّة اسميَّة؛ للدَّلالة على الثُّبوت، وافتتحها بـألَا التي تُفيد التنبيه إلى تحقُّق ما بعدها، وإنَّ التي للتأكيد وتقرير النسبة، وأتى بضمير الفصل هُمُ، ثم تعريف الخبَر الْمُفْسِدُونَ؛ لردِّ ما في قصْر أنفسهم على الإصلاح من التعريض بالمؤمنين. ومثلها في التَّأكيد قوله: ألَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفهاء  .

- ويحتمل هُمُ أن يكون تأكيدًا للضمير في إِنَّهُمْ وإن كان فصلًا  .

3- في قوله تعالى حِكايةً عن المنافقين: أَنُؤْمِنُ استفهام في معنى الإنكار، أو الاستهزاء  ، والغرَضُ منه: قصْد التبري من الإيمان على أبلغِ وجْهٍ  .

4- قوله: لا يَشْعُرُونَ ولا يَعْلَمُونَ فيه تغايرٌ في الفواصل، وهو من محاسنِ البلاغة، وله أسرارٌ عجيبة تظهر بتأمُّل السِّياق، وهنا لمَّا كان النِّفاق- وما فيه من بغي وفسادٍ يؤدِّي إلى اشتجار الفتنة- أمرًا دنيويًّا مبنيًّا على العادات، وهو معلوم عند الناس، بل بمنزلة المحسوس عندهم- قال فيه: لا يَشْعُرُونَ. ولَمَّا ذَكَر السَّفه في الآية الثانية، وهو جهلٌ مطبِق كان ذِكرُ العلم أكثرَ ملاءمةً، فقال: لا يَعْلَمُونَ  .  فالفرق بين قوله تعالى هنا: وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ، وقوله تعالى فيما سبَق: وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ: أنَّ الإفساد في الأرض أمرٌ حِسيٌّ يدركه الإنسان بإحساسه وشعورِه، وأمَّا السَّفه فأمْر معنويٌّ يُدرَك بآثاره، ولا يُحسُّ به نفسه؛ فنفَى اللهُ تعالى العِلمَ عن المنافقين؛ لكونهم سفهاءَ، بكلمة يَعْلَمُونَ دون يَشْعُرُونَ؛ لأنَّ اتِّصافهم بالسَّفه ليس ممَّا شأنه الخفاء، حتى يكون العلمُ به شعورًا، ويكون الجهل به نفيَ شعور، بل هو وصفٌ ظاهِر لا يَخفَى  .

5- في قوله: وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ تأكيدٌ شديدٌ على عدم إيمانهم؛ حيث عدَل عن الفِعل- فلم يقل: (وما آمنوا)- إلى الاسم؛ لإِخراج ذواتهم من عِداد المؤمنين، وأكَّده بالباء؛ للمبالغة في نفْي الإِيمان عنهم. وتسلُّط النفيِ على اسم الفاعل- الذي ليس مُقيدًا بزمان؛ ليشملَ النفيُ جميعَ الأزمان  .

6- قوله: آمنَّا إِنَّا مَعَكُمْ فيه مفارقةٌ بين الجُمَل؛ حيث خاطَبوا المؤمنين بالجملة الفِعليَّة آمَنا، وخاطَبوا شياطينَهم بالجملة الاسميَّة إنَّا مَعَكُمْ؛ والجملة الاسميَّة أثبتُ من الجملة الفعليَّة؛ فدلَّ أن إيمانهم قصير المدى لا يَعْدو تحريكَ اللِّسان، أو مدةَ التقائهم بالمؤمنين، وأنَّ رُكونهم إلى شياطينهم دائمٌ ومستمر التجدُّد، وهو أعلقُ بنفوسهم، وأكثر ارتباطًا بما رسَخ فيها  .

7- قوله: اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ أتى بالفِعل المضارع (يستهزئ)، ولم يقل: (مستهزئ) المطابق لقولهم: إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ؛ ليُفيد حدوث الاستهزاء وتجدُّده وقتًا بعد وقت، وهكذا كانتْ نكايات الله فيهم، وبلاياه النازِلة بهم  .

8- (أولاء) في قوله: أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا اسم إشارة، والمشار إليه المنافقون، وجاءتِ الإشارة بصيغة البُعد؛ لبُعد منزلة المنافِق سفولًا  .

9- قوله: نارًا جاءت مُنكَّرة؛ للتعظيم والتهويل  .

10- قوله: فَلَمَّا أَضَاءتْ.. ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ فيه مراعاةُ النَّظير، وهو التناسُب والائتلاف، حيث جمَع بين أمرٍ وما يُناسِبه؛ إذ قال: بِنُورِهِمْ ولم يقل: بضوئهم مقابلَ أضاءتْ؛ لأنَّ ذِكْر النور أبلغُ؛ لأنَّ الضوءَ فيه دَلالةٌ على النِّور وزِيادة (وهو الحرارة والإحراق) كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس: 5] ، فلو قيل هنا: (ذهَب الله بضوئهم)، لأوهم الذَّهاب بالزِّيادة وبقاءَ ما يُسمَّى نورًا، والغرَض إزالة النُّور عنهم رأسًا، وطَمْسه أصلًا، وليس إزالةَ الضوء الذي هو زائدٌ عن النور؛ فأذهب النور وبَقِيت الزِّيادة (الحرارة والإحراق)  .

والإتيان بحرف الجر الباء أفاد أنَّه لم يبقَ مَطمعٌ في عودة ذلك النور إليهم بالكلية، وهذا مِن أسمى ما يصِلُ إليه البيان  .

- وأيضًا ففيه سرٌّ بديع، وهو انقطاعُ سرِّ تلك المعية الخاصَّة التي هي للمؤمنين من الله تعالى؛ فإنَّ الله تعالى مع المؤمنين، وإنَّ الله مع الصابرين، وإنَّ الله مع الذين اتَّقوا والذين هم مُحسِنون؛ فذَهاب الله بذلك النورِ انقطاعٌ لمعيَّته التي خصَّ بها أولياءَه، فقطعها بينه وبين المنافقين، فلم يبقَ عِندهم- بعد ذَهاب نورِهم- ولا معهم، فليس لهم نصيبٌ من قوله: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة: 40] ، ولا مِن: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 62]   .

11- قوله: أَوْ كَصَيِّبٍ تنكير (صيِّب) للتعظيم، وإشارة إلى أنَّه نوعٌ من المطر، شديد هائل، كما نُكرت النَّار في التمثيل الأوَّل  .

12- وفي الآيات: حُسن تقسيم؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى ابتدأ هذه السُّورة بالمؤمنين الخُلَّص، ثم الكفَّار الخلَّص، ثم بالمنافقين؛ وذلك لأنَّ التقسيم ممَّا يزيد الإنسانَ معرفةً وفَهمًا، وهو من بلاغة القرآن  .

13- وفيها من محاسن البلاغَة: ضرْبُ الأمثال المحسوسات للأمور المعقولاتِ  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (21-25)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(22)

وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(23)

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(25)

غريب الكلمات:

أَنْدَادًا: أي: شركاء أمثالًا، ونظراءَ، واحدهم نِد  ، والندُّ هو النظير المُناوِئ  .

وَقُودُهَا: أي: حَطَبُها المجعول للوقود، اسم لِمَا يُوقد، وأصل (وقد): اشتعال النار  .


المعنى الإجمالي:

أمَر الله تعالى جميعَ النَّاس بعبادته؛ لأنَّه هو الذي أوجدهم من العَدم، لعلَّهم بعبادتهم هذه يصِلُون للتقوى؛ فهو سبحانه الذي جعَل لكم الأرضَ ممهَّدة كالفراش، موطأة مثبَّتة يستقرُّ عليها الإنسان، وجعَل السماءَ سقفًا، وهو سبحانه أنزل من السَّحاب مطرًا، فأنبت للناس أنواعًا من الثِّمار رزقًا لهم.

ثمَّ نهاهم عن الشِّرك، فقال: ولا تتَّخذوا- أيُّها الناسُ- لله سبحانه نظراءَ بزعمكم، تساوونهم معه في العبادة، وأنتم تعلمون أنَّه إلهٌ واحد، لا نِدَّ له، ولا شريكَ.

ثمَّ تحوَّل الخِطابُ إلى الكفَّار والمنافقين، فقيل لهم: إذا كنتم- أيُّها الكفار والمنافقون- في شكٍّ من كون القرآن مُنزَّلًا من عند الله سبحانه على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتُوا من عندكم بسورة من مِثل هذا القرآن، واستعينوا على ذلك بمَن تقدِرون عليه من أعوانكم وشُهدائكم، إنْ كنتم صادقين في زعْمِكم أنَّ القرآنَ كلامٌ مُختلَق.

فإنْ لم تأتوا بما تُحدِّيتم به، ولن تأتوا به أبدًا، فجنِّبوا أنفسكم النارَ التي وقودها الناسُ والحجارة، واتقوها بفِعل ما أُمرتم به، واجتنابِ ما نُهيتم عنه.

وأخْبِرْ يا نبيَّ الله، مَن جمعوا بين التصديقِ والإقرار والانقياد لما جئتَ به، والعملِ الصالح- أخبِرْهم بما يسرُّهم، وهو أنَّ لهم جزاءً أُخرويًّا هو جنَّات، تَجري الأنهارُ من تحت أشجارها وغُرفها، كلَّما أُعطوا ثمرةً من ثمارها، ظنوها نفْسَ الثمرة التي أُعطوها قبلُ في الدنيا أو في وقتٍ سابقٍ في الجنة، وإنَّما هو متشابه فقط في اللَّون والمنظر، لكن الطَّعم مختلف، ولهم أيضًا في تلك الجنان زوجاتٌ مطهَّرات، طهارة حسيَّة ومعنويَّة، وهم فيها باقون على الدَّوام.


تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21).

أي: اعبُدوا اللهَ تعالى- أيُّها الناس-؛ لأنَّه هو الذي أوجدكم أنتم ومن قبلكم من العدم؛ وذلك من أجل أن تصلوا إلى مرتبة التقوى  .

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22).

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً.

أي: اعبُدوا ربَّكم أيضًا؛ لأنه هو الذي جعَل لكم الأرض ممهَّدةً كالفِراش، موطأةً مثبَّتةً يستقرُّ عليها الإنسان، وجعَل لكم السماء سقفًا  .

قال سبحانه: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء: 32] .

وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ.

أي: وهو كذلك أَنزل من السَّحاب مطرًا؛ فأنبت للناس بسببه أنواعًا متعدِّدةً من الثِّمار؛ رزقًا لهم  .

فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

أي: لا تتَّخذوا له أمثالًا ونظراءَ بزعمكم، وهو الذي خلَقَكم ورزقكم؛ فهو المستحقُّ لأنْ تُخلصوا له العبادة وحده لا شريكَ له، وأنتم تعلمون أنَّه إلهٌ واحدٌ، لا ندَّ له ولا شريكَ له في الخَلْق والرَّزْق وغير ذلك؛ فليس كمثله شيءٌ سبحانه وتعالى  .

كما جاء عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، أنه قال: سألتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((أيُّ الذنبِ أعظمُ عندَ اللهِ؟ قال: أنْ تجعل للهِ نِدًّا وهو خلقَك   ...)) الحديث  .

وهذِه الآية قريبةٌ من قوله تعالى: اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر: 64]   .

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23).

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.

أي: إذا كنتم- أيُّها الكفَّار والمنافقون- في شكٍّ من نزول القرآن من عند الله سبحانه على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتُوا من عندكم بسورةٍ مِثل القرآن، يَتحدَّاهم الله تعالى بذلك  .

وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

أي: استعينوا على الإتيان بسورةٍ من مثل القرآن، بمن شئتم من غير الله عزَّ وجلَّ، من كل من يشهد لكم فيوافقكم على عدم الإقرار بنزول هذا القرآن من عند الله تعالى، وذلك كأعوانكم وشركائكم، إن كنتم محقِّين في دعواكم أنَّ القرآن كلامٌ مختلَق تقوَّله بشر  .

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24).

أي: فإنْ لم تأتوا بسورةٍ من مِثل القرآن، ولن تأتوا بها أبدًا، فاجعلوا بينكم وبين عذاب النار وقايةً بفِعل أوامره سبحانه، واجتناب نواهيه؛ لتنقذوا أنفسكم من النَّارِ التي يُلقَى فيها العصاةُ من الناس، والحجارةُ؛ لإيقادِها وإضرامِها، وقد جُهِّزت وهُيِّئت مسبقًا لكلِّ مَن كفر فترك التصديقَ بالحقِّ والإقرار به والانقياد إليه  .

وَالْحِجَارَةُ.

قيل: هي حجارةُ الكِبريت، وهي أشدُّ الأحجار حَرًّا إذا حَمِيتْ، وقيل المراد بها: الأصنام  .

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لما ذكر الله تعالى ما أعدَّه لأعدائه الكافرين به وبرسله من العذاب، عطف بذكر حال أوليائه المؤمنين به وبرسله، والذين صدَّقوا إيمانَهم بأعمالهم الصالحة  ، فقال تعالى:

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.

أي: أخْبِر يا أيُّها الرَّسولُ، الذين آمَنوا بالله عزَّ وجلَّ، وآمَنوا بك، وبما جِئتَ به من عند الله تعالى، وصدَّقوا إقرارَهم ذلك بأعمالهم الصالحة- أخْبِرْهم خبرًا يسرُّهم، بأنَّ لهم في الآخرة بساتين، تجري الأنهارُ من تحت أشجارها وغُروسِها وغُرَفها  .

كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا.

أي: كلَّما أُعطوا أيَّ ثمرةٍ من أشجار الجَنَّة، ظنُّوا أنَّها نفس الثَّمرة التي أُعطوها سابقًا في الدنيا؛ لمشابهتها إيَّاها في المنظر، أو أنها التي أُعطوها في وقتٍ سابقٍ في الجنة، وإنَّما أُعطُوا الذي رُزِقوا من ثمارِ الجنَّةِ متشابهًا في اللَّون والمنظَر، لكنَّ الطعم مختلفٌ  .

وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ.

أي: إنَّ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات، لهم في الجنَّاتِ زوجاتٌ مطهَّرات من كلِّ أذًى ومكروه ورِيبة، طهارةً حِسيَّةً ومعنويَّة  .

وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

أي: إنَّ الذين آمَنوا وعمِلوا الصَّالحات، باقونَ في الجنَّات على الدَّوام، آمِنون من الموت، وانقطاع النَّعيم  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- أوَّل نِداءٍ في المصحَف يوجَّه إلى الناس جميعًا، جاء للأمر بعبادة الله عزَّ وجلَّ وحدَه؛ لأنَّه متَّصفٌ بصفة الخَلْق، فاللهُ هو المستحقُّ لأن يُعبدَ وحدَه؛ لأنَّه هو الخالقُ، الذي أبرَزهم مِن العدمِ إلى الوجودِ، قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وقال: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ  .

2- أنَّ التقوى مرتبةٌ عالية لا ينالها، إلَّا مَن أخلص العبادة لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  .

3- في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، استحبابُ بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعمال بذِكر جَزائها وثمراتها  .

4- استحضار جلالة المبشِّر ومنزِلته، وصِدقه، وعَظمة مَن أرسله بهذه البشارة، وقدْر ما بشَّر به، وضَمِنه للعِباد على أسهل شيء عليهم وأيسره، وقدْ جمَع سبحانه في هذه البِشارة بين نعيم البَدن بالجنَّات، وما فيها من الأنهار والثِّمار، ونعيم النَّفس بالأزواج المطهَّرة، ونعيم القلب وقُرَّة العين بمعرفة دوامِ هذا العَيش أبدَ الآباد، وعدَم انقطاعه، فقال سبحانه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ الإقرارَ بتوحيد الربوبيَّة مستلزمٌ للإقرار بتوحيد الألوهيَّة؛ لقوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُم ...  .

2- أنَّ من طريق القرآن أنَّه إذا ذَكر الحُكم ذَكر العِلَّة غالبًا؛ فالحكم: اعْبُدُوا رَبَّكُمْ؛ والعلَّة كونه ربًّا خالقًا لنا ولِمَن قَبلنا؛  الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  .

3- أنَّ الله عزَّ وجلَّ منعمٌ على الإنسان كافرًا كان، أو مؤمنًا؛ لقولِه تعالى: لَكُمْ  .

4- أنَّه ينبغي لِمَن خاطب أحدًا أن يُبيِّن له ما تقوم به عليه الحُجَّة؛ لقوله تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  .

5- أنَّ القرآن معجِزٌ كلُّه حتى السُّورة الواحِدة منه، ولو كانتْ قصيرةً؛ لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ  .

6- أنَّ النار مخلوقةٌ الآن؛ لقوله تعالى: أُعِدَّتْ  .

7- أنَّ الجناتِ أنواعٌ؛ لقوله تعالى: جَنَّات  .

8- لَمَّا كانت مجامعُ اللَّذَّات في المسكَن البَهيِّ، والمطعَم الشَّهيِّ، والمنكَح الوضِيِّ، ذكَرها الله تعالى فيما يُبشَّر به المؤمنون، فوصَف المسكنَ بقوله: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، والمطعَمَ بقوله: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ، والمنكَحَ بقوله: وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ، وقد بدأ بالمسكَن؛ لأنَّ به الاستقرارَ في دار المقام، وثنَّى بالمطعَم؛ لأنَّ به قوامَ الأجسام، ثم ذكَر ثالثًا الأزواج؛ لأنَّ بها تمامَ الالتئام  .

9- أنَّ جزاءَ المؤمنين العاملين للصالحات أكبرُ بكثير ممَّا عملوا، وأعظم؛ لأنَّهم مهما آمنوا وعملوا، فالعُمُر محدود، ويَنتهي، لكن الجزاء لا يَنتهي أبدًا  .

10- في قوله تعالى: وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أنَّ الجنةَ لا تَفنَى، ولا يفنى مَن فيها  فأهل الجنَّة خالدون فيها أبدَ الآباد، وقد أجمَع على ذلك أهلُ السُّنَّة والجَماعة  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ

- فيه التفات، حيث انتقَل من الإخبار عنهم إلى خِطاب النِّداء، وتنويع الخِطاب فيه هزٌّ وتنشيط للسَّامع، واستفتاح آذانه للاستماع، وتأهيل نفْسه للقَبول. وفي الانتقال هنا من الغَيبة إلى الخِطاب حصولُ شرفِ المخاطبة والمكالمة، مع التنبيه على الأدلَّة، وإشعارٌ بأنَّ العبد إذا كان مشتغلًا بالعبوديَّة، فإنَّه يستمر في الترقِّي. وفيه: اهتمامٌ بأمر العبادة، وتفخيم لشأنها  .

2- قوله: اعْبُدوا رَبَّكُمُ ذكر الرب هنا مع إضافته إِلى المخاطبين؛ للتفخيم والتعظيم، لتأكيد موجِب الأمرِ بالإشعار بعليَّتها للعبادة فناسب المقام؛ لأنَّ الربَّ الذي يتصف بصفات الربوبيَّة هو وحده المستحق للعبادة  .

3- قوله: وأنتم تَعلمُون مفعول (تعلمون) متروك، أي: وأنتم من أهل العِلم والمعرفة، وهو آكَدُ في التوبيخ، ويجوز تقدير مفعول، حُذِف لفَهمِه من السِّياق، فيكون فيه إيجاز  بالحذف  .

4- قوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ صِيغتُه أمْر، والمقصود معنى التعجيز  .

- وتنكيرُ (سورة) لإرادة العموم والشُّمول، والإفراد أو النوعية، أي بسورة واحدة من نوع السور، وذلك صادق بأقل سورة تُرجمت باسم يخصها  .

5- قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ فيه إيجاز بديع! بذِكر الكناية عن الأمْر بترْك المعاندة؛ لأنَّ اتِّقاء النار يعني ترْكَ العناد، فأفادتْ مع الإيجاز البديع، تهويلَ شأن العِناد بإنابة اتِّقاء النار منابَه، وإبرازه في صورته، مضيفًا إلى ذلك تهويل صفة النار وتفظيع أمرها  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (26-29)

۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26)

الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(27)

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(28)

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(29)

غريب الكلمات:

يَنْقُضُونَ: ينبذونه بعدَ القَبول، ويتركون العمل به، والنَّقض ضِدُّ الإِبرام: وهو فكُّ تركيب الشيء وردُّه إلى ما كان عليه أوَّلًا، فنقض البناء: هدمه، ونقض المبرم: حلُّه  .

مِيثَاقه: الميثاق: عقد مؤكَّد بيمين وعهد، أو العهد المُحكَم، وأصله: العقد والإحكام  .


مشكل الإعراب:

في قوله تعالى: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً

ما: صفة للنكرة قبلها (مثلًا)؛ لتزداد النكرة شياعًا.

بَعُوضَةً: بدَل منصوب من (ما). وثمَّة أقوال أخرى كثيرة  .


المعنى الإجمالي:

إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يَستحيي أن يوضِّح ما يريد بواسطة ضرب المثل بأيٍّ من مخلوقاته، ولو كان في حقارته كالبَعوضة، فما فوقَها في الكِبَر أو الصِّغَر، وهنا يتمايز المخاطبون كلٌّ حسب اعتقاده ويقينه؛ فأمَّا المؤمنون، فهُم على يقينٍ أنَّ المثل المضروب حقٌّ؛ لكونه جاء من ربِّهم، وأمَّا غيرهم، فهُم يعترضون على ما يَضرِبُه الله تعالى من أمثال.

وإنَّ الحكمة من ضَرْب الله للأمثال أنْ يتمايزَ المؤمنُ من الكافر، فالأمثال المضروبة من الله تعالى سببٌ لإضلال الكثير، وهدايةِ الكثير، لكن لا يضلُّ به إلَّا الخارجين عن طاعةِ الله من أهل الكُفر والنِّفاق، الذين يُفسِدون العهودَ المأخوذةَ عليهم من الله بعد تأكيدها، ويقومون بقطْعِ كلِّ ما أمر الله بوصلِه كالأرحام، وغيرِها من شرائع الدِّين، ويفسدون في الأرض بالكفر والفسوق والعصيان، هؤلاء الذين ذُكرتْ أوصافُهم قد حَرَموا أنفسهم الرِّبح بنيل رحمةِ الله، والفوزِ بالفلاح الدَّائم.

ثمَّ يُنكر اللهُ على كلِّ مَن كفَر به كفره هذا؛ إذ كيف يَكفُرون مع وضوح الأدلَّة على وجودِه وعظيم قدرته، والحال أنَّهم كانوا عدمًا، ثم نَفَخ فيهم الرُّوح، ثم يَقبِض أرواحهم، ثم يُحييهم للبعث والنُّشور، ثم إليه يعودون يومَ القيامة.

هذا الربُّ جلَّ وعلا هو الذي أوجد لكم كلَّ ما على الأرض كرمًا وفضلًا منه، ثمَّ علا وارتفع قاصدًا إلى خلق السموات، فخَلَقها سبعًا بإتقان، وهو محيطٌ علمًا بكلِّ شيء.


تفسير الآيات:

إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا.

أي: إنَّ الله تعالى لا يَستحيي أن يبيِّن الحقَّ عبر التشبيه بأيِّ شيءٍ كائنًا ما كان، ولو كان في الحقارة والصِّغر كالبعوضة فما فوقَها ممَّا هو أكبرُ منها، أو دونها في الصِّغر؛ وذلك لاشتمال الأمثال على الحِكمة، وإيضاح الحقِّ، والله تعالى لا يَستحيي من الحقِّ، ولابتلاء عبادِه واختبارهم بهذه الأمثال؛ ليتميَّز أهلُ الهداية والإيمان، من أهل الضَّلالة والكُفران  .

ثم شرع في تفصيل مواقف الخلق من ضرب الأمثال في القرآن فقال:

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ.

أي: إنَّ الذين أقرُّوا وصدَّقوا بقلوبهم وجوارحهم، يَعلَمون أنَّ هذا المثَل المضروب حقٌّ، حتى لو خفي عليهم تفصيله، فهم يَعلَمون أنَّه حقٌّ في الجُملة؛ لعِلمهم بأنَّ الله لم يضربْه عبثًا، بل لحِكمةٍ بالغة، فيزدادون بذلِك إيمانًا مع إيمانهم  .

وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا.

أي: إنَّ الذين كفروا فلم يقرُّوا بالحق وينقادوا إليه، لم يَفهَموا حِكمةَ المثل المضروب؛ لذا فهم يعترضون ويتحيَّرون، أو فهموه لكنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ فيَزدادون كفرًا إلى كُفرهم  .

ثم بيَّن الله تعالى حكمة ضرب المثل في كتابه، فقال:

يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا.

أي: إنَّ ضرب المثل في القرآن بمثابة ابتلاء واختبار يتميَّز به المؤمن من الكافر، فهو إضلالٌ لكثيرٍ لم يَفهموه، وهم المنافقون والكفَّار، وهدايةٌ لكثيرٍ فهِموه، وهم المؤمنون  .

كما قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 124-125] .

وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الفَاسِقِينَ.

أي: لا يُضلُّ اللهُ سبحانه بهذا المَثَل المضروبِ إلَّا الخارجين عن طاعتِه من أهل الكفر والنِّفاق، وهذا ما تقتضيه حِكمتُه وعدلُه  .

كما قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر: 31] .

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27).

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ.

أي: يصِف اللهُ تعالى الفاسقين الذين يَضلُّون بالمَثل المضروب، فيُخبر أنَّهم الذين يُفسِدون العهدَ الذي أخذ عليهم من بعد تأكيدِه. وهو وصيةُ الله تعالى بالإيمان به سبحانه وبجميع رُسله- ومنهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- كما عهد إلى بني إسرائيل بذلك فنقضه كفارهم  .

كما قال سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ... إلى قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ... [البقرة: 84 - 85] .

وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا... إلى قوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ... [المائدة: 12- 13] .

وقال عزَّ وجلَّ: لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ [المائدة: 70] .

وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ.

أي: يَقطعون كلَّ ما أمر الله تعالى بوَصلِه، كالأرحام، والتَّصديق بالأنبياء، وغير ذلك من شرائع الدِّين  .

وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ.

أي: ويفسدون في الأرض بالكُفر والمعاصي  .

أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ.

أي: إنَّهم بكُفرِهم وأفعالِهم التي يرتكبونها قد ضلُّوا، فحَرَموا أنفسهم من الرِّبحِ الحقيقيِّ بنَيلِ رحمة الله تعالى، والحصولِ على الفوزِ الأبديِّ  .

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28).

أي: يُنكر الله تعالى على مَن كفر به، مُتعجِّبًا من كُفرهم مع وضوح الأدلَّة على وجودِه سبحانه، وعلى قُدْرته العظيمة، والحال أنَّه أماتهم مرَّتين، وأحياهم مرَّتين؛ وذلك بأنْ يُخرِجَهم من العدَم بعد أنْ كانوا نُطُفًا في أصلابِ آبائهم، فيُحييهم بأنْ ينفُخَ الرُّوح فيهم؛ ليَخرجوا إلى عالم الوجود الدُّنيويِّ، ثم يُميتَهم بقَبْض أرواحهم من أجسادِهم، فتنقضيَ آجالُهم الدنيويَّة، ثم يُحييَهم في قُبورِهم للبَعث والنُّشور، ثم يُخرجَهم من قُبورِهم، ويَحشرَهم إليه يوم القِيامة  .

كما أخبر تعالى عن الكفَّار، أنَّهم يقولون يومَ القيامة: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر: 11] .

 هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29).

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.

أي: أوجَد لكم- من فَضله وكرمِه- جميعَ ما على الأرض؛ للانتفاعِ به، والاستمتاعِ، والاعتبار  .

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

أي: بعد أنْ خلَقَ اللهُ تعالى الأرض  ، علا وارتفع قاصدًا إلى خَلْقِ السَّموات، فخلَقها بإحكامٍ وإتقانٍ، وهو العليم بما يَخلُق، وكيف يَخلقُه، كما أنَّ عِلمه سبحانه محيطٌ بجميع ما خلَق  .

كما قال تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت: 9-12] .

وقال سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [المؤمنون: 17] .


الفوائد التربوية:

1- المؤمِن لا يمكن أن يُعارِض ما أنزل الله عزَّ وجلَّ بعقله؛ لقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ  .

2- أنَّ إضلال مَن ضَلَّ راجع إلى وجود العِلَّة التي كانت سببًا في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الفَاسِقِينَ  .

3- في قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة: 27] ، التَّحذير من نقْض عهد الله من بعد ميثاقِه؛ لأنَّ ذلك يكون سببًا للفِسق  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- في قوله تعالى إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، دلالةٌ على رحمة الله تعالى بعبادِه حيث يُقرِّر لهم المعاني المعقولة بضَرْب الأمثال المحسوسة؛ لتتقرَّرَ تلك المعاني العظيمة في عقولِهم  .

2- أنَّ القياس حُجَّة؛ لأنَّ كلَّ مَثَل ضربه الله في القرآن، فهو دليلٌ على ثبوت القياس  .

3- إثبات الرُّبوبيَّة الخاصَّة؛ لقوله تعالى: مِنْ رَبِّهِمْ  .

4- أنَّ دَيدنَ الكافرين الاعتراضُ على حُكم الله، وعلى حِكمة الله؛ لقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا  .

5- كثرة الضُّلَّال وكثرة المهديِّين، بالنَّظر إلى كلِّ واحد من القبيلين على حدة، لا بالقياس إلى مُقابليهم؛ فإنَّ المهديِّين قليلون بالإضافةِ إلى أهل الضَّلال، كما قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ 

6- أنَّ الموت يُطلَق على ما لا رُوحَ فيه، وإن لم تسبقْه حياةٌ  .

7- أنَّ الجنين لو خرَج قبل أن تُنفَخ فيه الرُّوح، فإنَّه لا يثبت له حُكم الحيِّ؛ ولهذا لا يُغَسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يَرِث، ولا يُورث  .

8- أنَّ الأصل الحِلُّ في كلِّ ما في الأرض من أشجار، ومياه، وثمار، وحيوان، وغير ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة، وتمَّ تأكيدُ هذا العموم بقوله تعالى: جَمِيعًا  .

9- كمال خَلْق السَّموات؛ لقوله تعالى: فسوَّاهنَّ  .

10- في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ إثباتُ الأفعالِ لله تعالى، كالاستواءِ.


بلاغة الآيات:



1- قوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا فيه لَفٌّ ونَشْر [340] اللَّف والنَّشْر: هو ذكر شيئين أو أشياء، إمَّا تفصيلًا - بالنصِّ على كلِّ واحد، أو إجمالًا - بأن يُؤتى بلفظ يشتمل على متعدِّد - ثم يذكر أشياء على عدَد ذلك، كل واحد يرجِع إلى واحدٍ من المتقدِّم، ويُفوَّض إلى عقل السامع ردُّ كلِّ واحد إلى ما يَليق به. فاللّف يُشار به إلى المتعدِّد الذي يُؤتى به أوَّلًا. والنشر يُشار به إلى المتعدِّد اللَّاحق الذي يتعلَّق كلُّ واحد منه بواحد من السَّابق دون تعيين. مثل: قوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [البقرة: 111] ، أي: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا اليهود، وقالت النصارى: لن يدخُل الجنة إلا النصارى، وهذا لفٌّ ونَشْر إجمالي. يُنظر: في تفصيل أقسامه وأمثلة على ذلك: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 425)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/320)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/403). ؛ لأنَّه لَمَّا تقدَّم ذِكر المثل، وذكَر بعده الفريقين، عقَّبه ببيان أنَّه يُضلُّ به قومًا، ويَهدي به آخَرين [341] يُنظر: ((تفسير ابن عرفة)) (1/80). .

2- قوله: فَأَمَّا الذين فأمَّا حرف فيه معنى الشَّرط، وفائدته في الكلام أن يُعطيَه فَضْلَ توكيد [342] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/117). .

3- قوله: يُوصَل بناء يوصل لِمَا لم يُسمَّ فاعله أبلغُ من بِنائه لِمَا سُمِّي فاعله؛ لأنَّه يَشمل ما أمَر الله بأن يَصِلوه هم، أو يصِله غيرُهم [343] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/208). .

4- قوله: بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، وفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا... وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، ويُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، ووَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ فيها طِباق، ومُقابَلة- وهي تعدُّد الطِّباق في الكلام [344] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/208)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/72). . وفائدته: إبراز المعنى وتوضيحه بذِكر الشَّيء وضِده، وهو من محاسِن البيان.

5- قوله: الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ جاء ترتيب هذه الصِّلات في غاية من الحسن؛ لأنَّه قد بدأ أولًا بنقض العهد، وهو أخصُّ هذه الثَّلاث، ثم ثنَّى بقَطْع ما أمر الله بوصْله، وهو أعمُّ من نقْض العهد وغيره، ثم أتى ثالثًا بالإفساد الذي هو أعمُّ من القَطع، وكلُّها ثمرات الفِسق [345] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/208). .

6- في قوله: الفَاسِقِينَ أتى باسم الفاعل (فاسقين) صِلةً للألف واللام- والتقدير: الذين فسَقوا-؛ ليدلَّ على ثبوتهم في هذه الصِّفة، فيكون وصف الفِسق لهم ثابتًا، وتكون النتائج عنه متجددة متكرِّرة، فيكون الذمُّ لهم أبلغَ؛ لجمعهم بين ثبوت الأصل وتجدُّد فروعه ونتائجه [346] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/208). .

7- قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ

استفهام عن حال، وصَحِبه معنى التقرير والتوبيخ، أو صحِبه الإنكارُ والتعجُّب؛ فخرَج عن حقيقةِ الاستفهام، وإنكار الحال بـ(كيف) يستلزم إنكارَ الذَّات ضرورةً، وهو أبلغُ [347] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/121)، ((تفسير ابن عطية)) (1/112)، ((تفسير أبي حيان)) (1/209)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/374). .

تَكْفُرُونَ: فيه التفات؛ لأنَّ الكلام قبلُ كان بصورة الغَيبة، وهنا بصيغة الخِطاب، ومن فوائده هنا: أنَّ الإنكار إذا توجَّه إلى المخاطَب كان أبلغَ من توجُّهه إلى الغائب؛ لجواز أنْ لا يصلَه الإنكار، كما أنَّ الإنكار على المخاطَب أردعُ له عن أن يقَعَ فيما أُنكر عليه [348] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/209). .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (30-33)

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(31)

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33)

غريب الكلمات:

خَلِيفَةً: الخِلافة النِّيابة عن الغَير، خلف فلان فلانًا: قام بالأمر عنه، إمَّا معه وإمَّا بَعدَه، وأصله: مجيء شيءٍ بعدَ شيء يقوم مقامَه  .

وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ: أي: يُسيلها، وأصل السَّفك: الصَّبُّ والإراقة؛ يقال: سفَك دمَه: إذا أسالَه  .

وَنُقَدِّسُ لك: أي: نُطهِّر الأشياء ارتسامًا لك، أو نصفك بالتقديس، ونثبت ما يَلِيق بك، ونُقدِّسك ونُقدِّس لك بمعنى واحد، وأصل التقديس: التطهير  .

سُبْحَانَكَ: سُبْحَانَ: اسْم وُضِع مَوضِع المصدر، ومعناه التَّنزيه والتبرئة للربِّ- جل ثناؤه- من السُّوء، وأصله: المرُّ السَّريع في عِبادة الله تعالى  .


مشكل الإعراب:

قوله: سُبْحَانَكَ: منصوب، مفعول مطلَق لفِعل محذوف وجوبًا، على أنَّه مَصدرٌ، أو اسم مصدر (التسبيح)، أي: نُسبِّحك تسبيحًا. والكاف في محلِّ جرٍّ بالإضافة، ويجوز أن يكون الضمير مفعولًا به لأنه هو المُسبَّح، أو فاعلًا؛ إذ المعنى: تنزَّهْتَ  .


المعنى الإجمالي:

يُذكِّر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، بقوله للملائكة بأنَّه سيجعل في الأرض خَلقًا يَخلُف بعضُهم بعضًا، وهو آدَمُ وذريَّته من بعده، فقالت الملائكة مُستعلِمين لا مُعترِضين: أتجعَلُ في الأرض مَن يفسدون فيها، ويَقتُل بعضُهم بعضًا؟! ولم نُستخلفْ نحن مع أنَّنا دائمو التسبيح بحمدك والتقديس لك؟! فأخبرهم تعالى أنَّه يَعلمُ ما لا يعلمون، ممَّا خفِيَ عليهم من الحِكَم والمصالِح بخَلْقه البَشرَ، واستخلافِهم في الأرض.

وعلَّم اللهُ آدمَ عليه السَّلام أسمَاء كلِّ شيء، ثم أظهر الأشياءَ التي علَّمه أسماءها للملائكة، وأمَرهم أن يخبروه عن أسمائها، إنْ كانوا محقِّين في دعواهم العلمَ بالأشياء، وأنَّهم يستحقُّون الأفضلية على آدَم. فحِينها نزَّه الملائكة اللهَ سبحانه وتعالى، وأقرُّوا أنَّهم لا يعلمون شيئًا إلَّا ما علَّمهم سبحانه، وهو العالم بكلِّ شيء، والحَكيم الذي يَضَع الأمورَ في مواضعها.

فأمَر اللهُ تعالى آدمَ أن يُخبر الملائكة بأسماء تلك الأشياء، فأخبَرهم بها، فلمَّا أخبرهم بانَ فضلُه على الملائكة، فقال لهم الله تبارك وتعالى مقرِّرًا بأنه قد سبَق وأخبرهم أنَّه يعلم كلَّ ما يغيب عن الخلق في السَّموات والأرض، كما يعلم ما يُظهِره الملائكةُ وما يُخفُونه.


تفسير الآيات:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.

أي: واذكر  يا محمَّد، حين قال ربُّك للملائكة أنَّه سيجعل في الأرض خليفةً، وهو آدَمُ عليه السَّلام، وذُريتُه من بعده، يَخلُف بعضُهم بعضًا، جيلًا بعد جِيل  .

قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.

أي: قال الملائكةُ لربَّهم مُستَعْلمين لا مُعْتَرِضين: ما الحِكمةِ من إقامة ذُرِّية آدَم في الأرض، والحال أنَّهم سيُفسدون فيها، ويُعمِلون القَتلَ بينهم، ولم نُستخلفْ نحن في الأرض مع أنَّنا دائمون على تسبيحك تسبيحًا مصحوبًا بالحمدِ لك ودائمون على التقديس لك؟

والتسبيح هو تنزيهُ الله تعالى، أي: يُبعِدون كلَّ نقصٍ وعيب، فلا ينسبونه إلى الله عزَّ وجلَّ.

والحمدُ هو وصفُ الله المحمودِ بالكمالِ، حبًّا وتعظيمًا له عزَّ وجلَّ.

والتقديس هو التطهيرُ، فيَصِفون الله تعالى بالطَّهارة من جميع الأدناس  .

كما قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: 5] .

وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، سُئِلَ: أيُّ الكلام أفضلُ؟ قال: ((ما اصطَفَى اللهُ لملائكتِه أو لعباده: سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِه  ))  .

قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

أي: أنا العالم بالظَّواهر والسرائر، أعلم ما خفِي عليكم ممَّا يحصُل بخَلْق البَشَر من المصالِح والحِكم، ومِن ذلك: أنَّه يكونُ منهم الرُّسُل والأنبياء والصِّدِّيقون وغيرُهم ممَّن يُحقِّق عبوديةَ الله تبارك وتعالى  .

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا أَعلم سبحانه الملائكةَ أنَّ الأمر على خِلاف ما ظنُّوا، شرَع في إقامة الدَّليل عليه  ، فقال:

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا.

أي: إنَّ الله تعالى قد عَلَّم آدَمَ عليه السَّلام أسماءَ كلِّ شيء  .

ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

أي: أظْهَر الله تعالى تلك المسمَّياتِ للملائكة، وامتحنهم تحديًا لهم، فأمَرهم أن يُخبروه بأسماء ما عَرَض عليهم، إنْ كانوا حقًّا صادقين في دَعواهم بأنَّهم على علمٍ بالأشياء، ومستحَقُّون للأفضلية على آدَم  .

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

هذا تنزيهٌ من الملائكة لله عزَّ وجلَّ بنفي علم أي شيءٍ، إلَّا ما علَّمهم الله تعالى، وهو العليم بغِير تعليم، وهو الحكيم الذي يضَعُ الأشياءَ مواضعَها، حكيمٌ في خَلْقه وأمْره، وفي تعليم مَن يشاء، فنَفَى الملائكةُ الكرام أصلَ العلم عن أنفسهم، وأثبتوا كمالَ العِلم والحِكمة لله تبارك وتعالى  .

قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.

أي: أمَر اللهُ تعالى آدَمَ عليه السَّلام أن يُخبر الملائكةَ بأسماء الأشياء التي علَّمها الله تعالى إيَّاه من قبلُ، وعرَضها سبحانه على الملائكة، فلم يعرفوها، فلمَّا أخبرهم آدَمُ بتلك الأسماء، فسمَّى كلَّ شيء باسمه، ظهَر فضلُه وشرفُه عليه السَّلامُ على الملائكة، فقال الله تعالى مقرِّرًا بأنه قد قال لهم من قَبلُ بأنَّه يعلم كلَّ ما يَغيب عن الخلْق، سواء في السموات أو في الأرض، كما يعلم سبحانه ما يُظهِره الملائكة، وما يُخفونه  .

كما قال تعالى إخبارًا عن قولِ الهُدهد لسليمان عليه السَّلام: أَلَّا يَسْجُدُوا لله الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: 25] .


الفَوائِد التربويَّة:

1- في قوله تعالى: فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، جوازُ امتحانِ الإنسان بما يدَّعي أنَّه مُجيدٌ فيه  .

2- جواز التحدِّي بالعبارات التي يكون فيها شيءٌ من الشدَّة؛ لقوله تعالى: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  .

3- في قوله تعالى: أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، إشارةٌ إلى تقرير المخاطَب بما لا يُمكنه دفعُه  .

4- عمومُ عِلم الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه يتعلق بالمُشاهَد، والغائِب، وأنَّ الله تعالى عالِم بما في القلوب، سواء أُبدِي أم أُخفي، وهذه المعرفة تَزرع في القلب خشيةَ الله تبارك وتعالى  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- دلَّ قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً على أنَّه يَعلم أنَّ آدَمَ يَخرُج من الجَنَّة؛ فإنَّه لولا خروجُه من الجنة لم يَصِرْ خليفةً في الأرض، فإنَّه أمَرَه أن يسكُن الجنة ولا يأكل من الشجرة، ونهاه عن طاعة إبليس، وقد علِم قبل ذلك أنه يخرج من الجنَّة، وأنَّه إنَّما يخرُج منها بسبب طاعته إبليسَ، وأكْله من الشَّجرة؛ ولهذا قال مَن قال من السَّلف: إنَّه قدَّر خروجه من الجنة قبل أن يأمُرَه بدخولها بقوله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً  .

2- في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ إثباتُ القول لله عزَّ وجلَّ، وأنَّه بحَرْف، وصوت؛ وهذا مذهبُ السَّلَف الصَّالح  .

3- في قوله تعالى: قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، جاء ابتِداء خِطاب آدَم بندائه مع أنَّه غيرُ بعيد عن سماع الأمْر الإلهيِّ؛ للتنويه بشأن آدَم، وإظهار اسمه في الملأ الأعلى؛ حتى ينالَ بذلك حُسنَ السُّمعة، مع ما فيه من التكريم عند الآمِر؛ لأنَّ شأن الآمِر والمُخاطِب إذا تَلطَّفَ مع المُخاطَب أن يَذكُرَ اسمَه ولا يَقتصرَ على ضمير الخطاب؛ حتى لا يساويَ بخِطابِه كلَّ خِطاب، ومنه ما جاء في حديث الشَّفاعة بعد ذِكر سجود النبيِّ وحمْدِه اللهَ بمحامدَ يُلهمه إيَّاها، فيقول: ((يَا مُحمَّدُ، ارفعْ رأسك، سَلْ تُعطَ، واشفعْ تُشفَّع  ))  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ

إسنادُ القول إلى الربِّ في هذا المقام في غايةٍ من المناسَبة والبيان  .

وفيه التفاتٌ بتنويع الخِطاب، بخروجه من الخِطاب العام إلى الخِطاب الخاص  .

2- في قوله: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ

عبَّر بالجُملة الاسميَّة؛ لإفادة الدَّلالة على الدَّوام والثَّبات، أي: هو وصفُهم الملازم لجِبلَّتهم  .

وتقديمُ المسنَد إليه نَحْنُ على الخبَر الفِعلي نُسَبِّحُ دون حرْف النَّفي، يحتمل أن يكون للتَّخصيص، بحاصل ما دلَّت عليه الجملةُ الاسميَّة من الدَّوام، أي: نحن الدَّائمون على التَّسبيح والتقديس دون هذا المخلوق  .

قوله: لَا عِلْمَ لَنَا النَّكرة فيه مبنيَّة مع (لا)، والنكرة لا تُبنَى على الفتح مع (لا) إلَّا إذا كانت (لا) لنفي الجِنس، فهي نكرةٌ في سياق النفي فتعم، والمعنى: أنَّهم نفَوا جِنسَ العلم من أصله عن أنفسهم، إلَّا شيئًا علَّمهم الله سبحانه إيَّاه، وهؤلاء الرُّسل الكرام عليهم صلواتُ الله وسلامُه- مع ما أعطاهم الله من العِلم والمكانة - يقولون: إنَّهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما علَّمهم الله  .

3- قوله: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فيه وضع للمُظهَر بِأَسْمَائِهِمْ موضع الضمير (بها)؛ لبيان شأنه، والاهتمام به  .


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (34-39)

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(34)

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(35)

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ(36)

فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39)

غريب الكلمات:

إِبْلِيسَ: أبو الشياطين، وأصل الإبلاس: اليأس، والحُزن المعترِض من شِدَّة اليأس، ومنه اشتقَّ إبليس، وقيل: هو اسمٌ أعجميٌّ  .

رَغَدًا: رِزقًا واسعًا كثيرًا بلا عناء، وأصله: أطيب العيش، وسعة المعيشة  .

فَأَزَلَّهُمَا: أي: استزلهما، والزلة في الأصل: استرسال الرِّجْل من غير قصد، يقال: زلَّت رِجل تزل، والزلة: الخطأ؛ لأنَّ المخطئ زلَّ عن نهج الصواب، وقيل للذنب من غير قصد: زلَّة؛ تشبيهًا بزلة الرِّجْل  .

حِينٍ: الحين: وقتُ بلوغ الشيء وحصولِه، أو الدهر، وأصله: الزمان؛ قليله وكثيره  .


مشكل الإعراب:

قوله رَغَدًا: منصوب على أنَّه نعت لمصدر محذوف، أي: مفعول مطلق، وتقديره: (كُلَا أَكْلًا رغدًا). أو منصوب على أنَّه حال، وقيل: هو مصدر في موضِع الحال، أي: كُلَا طيِّبينِ مهنَّئينِ  .


المعنى الإجمالي:

يُذَكِّر الله تعالى رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم بمسارعة الملائكة إلى امتثال أمر ربهم بالسجود لآدم عليه السلام حين أمرهم بذلك، وامتناع إبليس عما أمره به ربُّه سبحانه من السجود له استكبارًا وكفرًا.

وأنه أذِن الله لآدَم وزَوجِه حواءَ عليهما السَّلام بأن يَسكُنَا الجنة، وأباح لهما أنْ يأكلَا منها رِزقًا واسعًا لا عناء فيه، واستثنى شجرةً واحدة عيَّنها لهما، فنهاهما عن الاقترابِ منها؛ فإنْ فعلَا كانا من المتعدين حدودَ الله.

فأَوقعهما الشَّيطانُ في المعصية، وذلك بأنْ وسوس لهما، فكان سببًا لإخراجهما ممَّا هما فيه من النَّعيم، فأمَرَهم الله تعالى بالهبوط إلى الأرض، حيث تَنشَبُ بينهم العداوات، يستقرَّون فيها أحياءً على ظهرها، وأمواتًا في القُبور إلى قيام السَّاعة.

فلقَّن الله آدمَ كلماتٍ تحصُل بها توبتُه من المعصية التي وقعتْ منه، فلَهَج بها آدمُ عليه السَّلام، فتاب اللهُ عليه؛ فهو سبحانه قابلُ التَّوبة، الرَّحيم بعِباده المؤمنين.

وأمَر اللهُ آدمَ وحواءَ وإبليسَ بالهبوط من الجنة جميعًا، وأنبأَهم أنَّه إذا جاءهم منه شيءٌ يُرشدهم إلى الحقِّ من كتاب، أو رسول فاتَّبعوه، أنَّ لهم الأمنَ التامَّ، والسرورَ الدائم، أمَّا مَن جحَد الحقَّ، وكذَّب بالآيات، فهذا من أهل النار، الملازمين لها على الدَّوام.


تفسير الآيات:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.

أي: يُذكِّر الله تعالى بأمْره لجميع الملائكة بالسُّجود لآدم إكرامًا وتعظيمًا له، وعبوديةً لله تعالى، وأنَّهم بادَروا جميعًا بالسجود، وامتنع إبليسُ من ذلك، وتَكبَّر على أمر الله تعالى، وعلى آدَم، فاتَّصف بكفرٍ عظيم  .

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ.

أي: يُبيِّن الله تعالى إكرامَه لآدَمَ وزوجِه حواءَ عليهما السَّلام، بأنْ أذِن لهما في سُكنى الجنَّة، وأباح لهما أن يأكلَا منها رِزقًا واسعًا هنيئًا، لا عناءَ فيه  ، ينالانِه فيها حيثُ شاءَا، عدَا شجرةٍ واحدة فقط، عيَّنها لهم الحكيمُ الخبيرُ سبحانه، فنهاهم عن قُربانها، وإلَّا صارَا بالأكْل منها من الظالِمين، باعتدائهما على حدٍّ من حدود الله جلَّ وعلا  .

كما قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 229] .

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: أزلَّهما قِراءتان:

1- (فأَزَالَهُما) من زالَ يزُولُ، ومعناه: فنحَّاهما  .

2- (فَأَزَلَّهُمَا) مِن زَلَلت وأزلَّني غيري، أي: أوْقَعهما في الزَّلل  .

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ.

أي: إنَّ الشَّيطانَ قد أوقعهما في المعصية والزَّلل، الذي أبعدهما عن الجَنَّة، وذلك بأكْلِهما من الشجرة، فكان إبليسُ بإغوائه ووسوسته سَببًا في إخراجِهما من الرِّزق الواسع، والعيش الهنِيء، الذي كانَا ينعمان به في الجنَّة  .

وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ.

أي: أمَر الله تعالى آدَمَ وحواءَ وإبليس بالهبوطِ إلى الأرضِ؛ وأخبر بعداوة بعضهم لبعض  .

كما قال عزَّ وجلَّ: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف: 50] .

وقال سبحانه: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: 6] .

وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [التغابن: 14] .

وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.

أي: يستقرُّون على ظهرها أحياءً، متمتِّعين بما يَرزُقهم الله تعالى، إلى أجَلٍ مُعيَّن، وهو انقضاءُ أعمارهم، ويستقرُّون في بطنها مقبوريِنَ إلى وقتٍ مُحدَّد، وهو قيام السَّاعة  .

قال سبحانه: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف: 10] .

وقال جلَّ وعلا: قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف: 24-25] .

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى كَلِمَات قراءتان:

1- (فتلقى آدمَ من ربه كَلِمَاتٌ) على أن الكلمات قد استنقذت آدَمَ بتوفيق الله تعالى له لقوله إيَّاها  .

2- (فتلقى آدمُ من ربه كَلِمَاتٍ) على أن آدم هو الذي تلقَّى الكلمات بالقَبول لمَّا علَّمه الله هذه الكلماتِ، وأمره بهن  .

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

أي: إنَّ الله عزَّ وجلَّ لقَّن آدَمَ كلماتٍ تحصُل بها توبتُه ممَّا وقَع من عصيانه لله سبحانه، فتلقَّفَها آدَمُ عليه السَّلامُ متلقِّيًا لها بالقَبول، فاعترَف بذنبه، وسألَ اللهَ تعالى مغفرتَه ورحمتَه، فَتَابَ الله عليه ورحِمه، فهو التوَّاب، أي: كثير التَّوْب، بمعنى الرُّجوع على عبدِه بقَبول التوبة، وتوبته بتوفيق عبدِه للتوبة أولًا، وقَبولها منه ثانيًا، وهو الرَّحيمُ بعباده المؤمنين، يختصُّهم برحمته سبحانه  .

وهذه الكلمات مذكورةٌ في قوله تعالى: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: 23]   .

والآية شبيهةٌ بقوله تعالى: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: 121-122] .

وقوله سبحانه: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 118] .

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا.

أي: قال الله تعالى لآدَمَ وحواءَ وإبليسَ: اهبطوا من الجَنَّة، مُجتمِعين في هُبوطكم  .

فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

أي: أخْبر الله تعالى الذين أهبَطهم من الجنَّة، ويدخُل في هذا الخطاب ذرِّيتهم، بأنَّه إنْ جاءهم في أيِّ وقت وحين، كتابٌ أو رسول يبيِّن لهم الطريقَ، ويرشدهم إليه، واتَّبعوه في ذلك، أنَّ لهم الأمنَ التامَّ، والسرور الدائم، فلا يخافون ممَّا يستقبلون، ولا على ما فاتهم من أمور الدُّنيا يحزنون، وبهذا تحصُل لهم السَّعادة الدنيويَّة والأخرويَّة، بإذن الله عزَّ وجلَّ  .

كما قال تعالى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123] .

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بشَّر المؤمنين الذين اتَّبعوا الهُدى أتْبعَه إنذارَ الكافرين الذين نابَذوه  بقوله:

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

أي: إنَّ مَن لم يتَّبع هُدى الله عزَّ وجلَّ فجَحَد الحقَّ، وكذَّب بالآيات الشرعيَّة أو الكونيَّة، فهو من أهل النارِ الملازمين لها على الدَّوام، لا يَخرُجون منها أبدًا  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- أنَّ الله تعالى قد يَمتحن العبدَ، فينهاه عن شيءٍ قد تتعلَّق به نفسُه؛ ابتلاءً واختبارا؛ كما قال تعالى: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجْرَةَ  .

2- أنَّ معصية الله تعالى ظلمٌ للنَّفس، وعدوانٌ عليها؛ لقوله تعالى: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ  ؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فوضع الأكل في غير ما يحلُّ ظلم.

3- الحذَر من وقوع الزَّلل الذي يُمليه الشَّيطان؛ لقوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا  ؛ فالشيطان يَغرُّ بني آدَمَ كما غرَّ أباهم حين وسوس لآدَمَ وحواء، وقاسمَهُما إنِّي لكما لمن الناصِحين  .

4- إضافة الفِعل إلى المتسبِّب فيه؛ لقوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  .

5- أنَّه لا دوامَ لبَني آدَم في الدُّنيا؛ لقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  ؛ وعليه فيَنبغي للمؤمن الزُّهدُ فيها، وعدمُ الاغترار بها.

6- أنَّ الإنسانَ إذا صدَق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعِه إلى طاعة الله، فإنَّ الله تعالى يتوبُ عليه  .

7- أنَّ آدَمَ عليه السَّلام لم يَستغنِ عن التوبة، مع علوِّ شأنه، فالواحد منَّا أَوْلى بذلك  .

8- أنَّ مَن اتَّبع هُدى الله، فإنَّه آمِنٌ من بين يديه، ومِن خلفه؛ لقوله تعالى: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  .

9- أنَّه لا يُتعبَّد للهِ إلَّا بما شرع؛ لقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- قال الله تعالى عن نفْسه: قُلْنا ولم يقل: (قلت)؛ لأنَّ الجبَّار العظيم يُخبِر عن نفسه بفِعل الجماعة؛ تفخيمًا وإشادةً بذِكره  .

2- فضلُ آدَمَ على الملائِكة؛ لأنَّ اللهَ أمَر الملائكةَ أن يسجُدوا له  .

3- تركُ المأمورِ أشدُّ مِن فعلِ المحظورِ؛ فذنبُ آدم عليه السلام كان بفعلِ المحظورِ، فكان عاقبتُه أن اجتباه ربُّه، فتابَ عليه وهدَى، وذنبُ إبليسَ كان بتركِ المأمور فكان عاقبتُه ما ذكَر اللهُ سبحانه تعالى  .

4- أنَّ الجنَّةَ في مكان عالٍ؛ لقوله تعالى: اهْبِطُوا؛ والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل  .

5- أنَّه لا يمكن لبَني آدَم العيش إلَّا في الأرض؛ لقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  .

6- مِنَّة الله سبحانه وتعالى على أبينا آدَمَ، ومِنَّة الله على أبينا هي منَّةٌ علينا في الحقيقة؛ لأن النِّعمة الواصلة إلى الآباء تَلحَق الأبناء  .


بلاغة الآيات:

1- قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ الاستكبارُ يعني التزايُدَ في الكِبْر؛ لأنَّ السِّين والتاء في قوله: اسْتَكْبَرَ للمُبالغة لا للطَّلب، وجاءت بصيغة الاستفعال إشارةً إلى أنَّ صاحب صِفة الكِبْر من الناس لا يكون إلَّا متكلِّفًا له، وما هو بكبيرٍ حقًّا  .

2- الإتيانُ بخبر كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ دون أن يقول:(وكان كافرًا)؛ لأنَّ إثباتَ الوصف لموصوفٍ بعنوان كونِ الموصوف واحدًا من جماعةٍ يَثبُت لهم ذلك الوصفُ- أدلُّ على شدَّة تمكُّن الوصف منه، ممَّا لو أثبتَ له الوصفَ وحْدَه بناءً على أنَّ الواحد يزداد تمسُّكًا بفِعله، إذا كان قد شارَكه فيه جماعةٌ؛ لأنَّه بمقدار ما يرَى من كثرة المتلبِّسين بمِثل فِعله، تبعُد نفْسُه عن التردُّد في سداد عملِها، وعليه جاء قوله تعالى: أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتُ مِنَ الكَاذِبِينَ [النمل: 27]   .

3- قوله: وَإِذْ قُلْنَا خِطاب بضَمير الجَمْع للتعظيم، وهو معطوفٌ على قوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ؛ ففيه التفاتٌ؛ حيث غير أسلوب إسناد القول إلى الله، فأتى به مسندًا إلى ضمير العظمة وَإِذْ قُلْنَا، وأتى به في الآية السابقة مُسندًا إلى رب النبيِّ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ؛ للتفنُّن؛ ولأنَّ القول هنا تضمَّن أمرًا بفِعل فيه غضاضة على المأمورين، فناسبه إظهارُ عظمة الآمِر، وأمَّا القول السابق، فمُجرَّد إعلام من الله بمراده؛ ليظهر رأيهم، فناسبه الإسنادُ إلى الموصوف بالربوبية المؤذنة بتدبير شأن المربوبين، وأضيف إلى ضمير أشرف المربوبين وهو النبي صلَّى الله عليه وسلَّم  .

4- قوله: فَسَجَدُوا عطف بفاء التعقيب؛ إشارةً إلى مبادرة الملائكة بالامتثال  .

5- قوله: اسْكُنْ أَنْتَ فيه تأكيدٌ وتقرير لمَعنى المُضمَر، حيث أكَّد الضَّميرَ المستَتِر في: اسْكُنْ بقوله: أَنْتَ؛ ليصحَّ العطفُ عليه، ولئلَّا يكون تابعُه المعطوفُ عليه أبرزَ منه في الكلام  .

الأمْر بقوله: اسْكُنْ مُستعمَل في الامتنان بالتمكين والتخويل، وليس أمرًا له بأن يسعَى بنفْسه لسُكنى الجنة؛ إذ لا قُدرةَ له على ذلك السعيِ، فلا يُكلَّف به  .

6- قوله: مِنْ حَيْثُ شِئتُمَا عبر بـحَيْثُ التي للمكان المُبهَم -أي: أيُّ مكان- إشارةً إلى إطلاق الأكْل لهما من الجَنَّة على وجه التَّوسِعة البالِغة  .

7- قوله: وَلَا تَقْرَبَا هذه الشَّجرةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فيه مبالغة في النهي، وتأكيد عليه؛ حيث علَّق النهي بالقربان منها؛ مبالغةً في تحريمِ الأكل، ووجوبِ الاجتناب عنه، مع أنَّ المنهيَّ عنه هو الأكْلُ من ثِمار الشجرة؛ لأنَّ النهيَ عن مجرَّد القُرْب أبلغُ، وأكَّد هذا النهيَ بالتنبيه على أنَّ القُرب من الشيء يُورِث داعيةً وميلًا يأخُذ بمجامع القلب، وهو مقتضى الألفة، والألفة داعية للمحبة، فلا يرى قبيحًا، ولا يسمع نهيًا، فيُلهيه عمَّا هو مقتضى النَّقل والعقل؛ إذ جَعَل قُربانهما إلى الشجرة سببًا لأنْ يكونَا من الظالمين، والسبب الداعي إلى الشرِّ منهيٌّ عنه، كما أنَّ السَّبب الموصل إلى الخير مأمورٌ به  .

8- قوله: مِمَّا كَانَا فِيهِ إيهام ذِكر الجَنَّة أو الكرامة والنَّعيم، والتعبير عنها بذلِك (كانا فيه)؛ للإيذان بفَخامتها وجلالتِها وملابستِهما له، أي: من المكان العظيم الذي كانا مستقِرَّيْنِ فيه  .

9- قوله: مِنِّي متعلق بـيَأْتِيَنَّكُم، وهذا شبيهٌ بالالتفات، لأنَّه انتقل من الضَّمير الموضوع للجمع، أو المعظِّم نفسه، إلى الضمير الخاصِّ بالمتكلِّم المفرد. وحِكمة هذا الانتقال هنا أنَّ الهُدَى لا يكون إلَّا منه وحده تعالى، فناسب الضمير الخاص كونه لا هاديَ إلَّا هو تعالى، فأعطى الخاص الذي لا يُشاركه فيه غيره الضَّميرَ الخاصَّ الذي لا يحتمل غيرَ الله تعالى

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (40-46)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(40)

وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ(41)

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(42)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)

۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(44)

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(45)

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(46)

غريب الكلمات:

وَأَوْفُوا: أي: أدُّوه وافيًا تامًّا، وأصل الوفاء: تمام الشيء، وإتمام العهد والقيام بمقتضاه، وإكمال الشَّرط  .

فَارْهَبُونِ: خافوني، وأصل الرهبة والرَّهب: مخافة مع تحرُّز واضطراب  .

بِالْبِرِّ: الدِّين والطاعة، وأصله: الصِّدق في المحبَّة  .

وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ: لثقيلة شاقَّة، وأصل الكِبَر: خِلافُ الصِّغر  .


المعنى الإجمالي:

يُذكِّر اللهُ تعالى بَني إسرائيل- والمقصود بإسرائيل المنسوبين إليه، يعقوبُ عليه السَّلام- يُذكِّرهم بنِعمته التي أسبَغها عليهم، ويأمرُهم بالوفاء بالعهد، وبمقابل الْتِزامهم بالعهد، سيُمضي الله ما وعدَهم به، وهو إدخالُهم الجنَّةَ، ثم ذكَّرهم بأنْ يَخشوه ويخافوه.

وأمَرَهم تبارك وتعالى أن يُصدِّقوا بقلوبهم وجوارحهم بالقرآن الذي يُوافق التوراةَ التي معهم، ونهاهم أن يكونوا أوَّلَ مَن يجحَد القرآنَ ومَن أُنزل عليه، ونهاهم أيضًا أن يَبيعوا آياتِه؛ فيَدَعوا الإيمانَ به وبما أرسلَه وأنزله، ويكتموا ما ورَد في كتابهم من الحقِّ مقابلَ الدنيا وشهواتها، ثم أمرهم أن يتَّقُوه وحْدَه سبحانَه.

ونهاهم أن يخلِطوا الحقَّ بالباطل، ونهاهم أيضًا أن يُخفوا الحقَّ، وهم يعلمونه، والحالُ أنَّهم يعرِفون ما يترتَّب على إخفائهم من الضَّرَر، وأمرهم بأن يؤدُّوا الصَّلاةَ بأركانها وواجباتِها، ويعطوا الصدقةَ المفروضةَ، ويُصلُّوا جماعةً مع المؤمنين.

ثمَّ سألهم الله منكرًا عليهم أمْرَهم للنَّاس بالإيمان والخير، وترْكَهم أنفسَهم، وهم يقرؤون التوراةَ، ويعرفون ما فيها، أوَليس عندهم عقولٌ تدلُّهم على ضلالهم؟!

ثم يُرشد سبحانه وتعالى إلى الاستعانة بالصَّبر والصَّلاة في جميع الأمور، وإنْ كانت الصَّلاة ثقيلةً إلَّا على الخاشعين، وهم الذين أيقَنوا بملاقاتهم ربَّهم، وأنَّهم إليه عائِدون يوم القِيامة.


تفسير الآيات:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.

أي: يا بَنِي يعقوب كونوا مثلَ أبيكم في متابعة الحقِّ، واذكروا نِعمَ الله تعالى على آبائكم، ومنها النِّعم التي سيأتي ذِكرُها في هذه السُّورة الكريمة، وذِكرُ هذه النعمِ يستوجب منهم القيامَ بشُكر الله تعالى عليها، بالدُّخول في دِينه ومتابعة رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام  .

وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ.

أي: لا تُخالفوا وصيةَ الله تعالى التي عَهِدَ بها إليكم من الإيمان به سبحانه، وبرسلِه، ومنهم محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، وإقامةِ شرْعه، وبيان الحقِّ الذي تعرفونه، فإنَّكم إن أنفذتُم وصيةَ الله تعالى لكم، أمضَى لكم ما وعدَكم به، وهو تكفيرُ السيئاتِ، ودخولُ الجنَّة، ثم حذَّرهم نفْسَه بعد أن رغَّبهم، فإنْ تحقَّقت فيهم هذه الخشيةُ لله تعالى، فإنَّها تَحمِلهم على الإيفاء بعَهدِه عزَّ وجلَّ  .

كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة: 12] .

وقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: 187] .

وقال عزَّ وجلَّ: قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 156-157] .

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ.

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ.

أي: يأمُر اللهُ تبارك وتعالى بَني إسرائيل بأنْ يُقرُّوا بقلوبهم وجوارحِهم بهذا الذي يُوافِق ما لديهم من التَّوراة، وهو القرآنُ الذي أنزله الله تعالى على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وفي ضِمن ذلك الإشارةُ إلى أنَّ تكذيبهم للقرآن، هو تكذيبٌ لِمَا معهم من التوراة، التي يدَّعون إيمانَهم بها  .

وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ.

أي: نهَى الله تعالى بني إسرائيل عن أن يكونوا أوَّلَ مَن يكفُر بالقرآن ومَن أُنزِل عليه، وهو محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فعندهم من العِلم به ما ليس عند غيرِهم، وإلَّا فإنَّه يَقتدي بهم مَن بعدهم، فيكون إثمُ كُفره عليهم  .

وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا.

أي: نهاهم اللهُ تعالى عن أن يَبيعوا آياتِه؛ فيترُكوا الإيمانَ به سبحانه، ومتابعةَ رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام، وبيان ما في كِتابهم من الحقِّ، ومنه ما ورد فيه من أمْر محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، من أجْل الدُّنيا وشهواتها، كالإبقاء على ما يَحظَوْن به من المناصب والأموال، وغير ذلك؛ فإنَّ الدنيا بحذافيرها ثمنٌ قليل لا يُساوي شيئًا بجانب الإيمان بالله تعالى  .

وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ.

أي: إنَّ اللهَ سبحانه وَحْدَه هو المستحقُّ للتقوى دون مَن سواه؛ فإنَّهم إذا اتَّقَوا الله وحْدَه، أوجب لهم ذلك، تقديمَ الإيمان بآياته على كلِّ شهوةٍ فانية  .

وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

أي: نهَى الله تعالى اليهودَ عن خلْط الحقِّ الذي أنزله الله تعالى بالباطِل الذي افتَرَوه، بحيث لا يتمايزان، أو يُظهروا الباطلَ في صورة الحق، كما نهاهم أيضًا عن كِتمان الحقِّ، والحال أنَّهم يعلمونه، ويعلمون ما في صَنيعهم هذا من الضَّرر العظيم على الناس، ومِن الحقِّ المذكور في هذه الآية، ما يعرِفه اليهودُ مِن أمر نبوَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ  .

كما قال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران: 71] .

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ.

أي: بعد أن أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ اليهودَ باعتناق دِين الإسلام، أمَرهم بأنْ يُقيموا الصَّلاة، أي: يؤدُّوها بأركانها، وواجباتِها على أحسنِ وجه، ويُعطوا الصَّدقةَ المفروضة أهلَها المستحقِّين لها، ويصلُّوا مع المصلين- ومنهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه رضي الله عنهم- ويكونوا من جملتهم  .

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.

أي: يوبِّخ اللهُ تعالى اليهودَ مُنكِرًا عليهم قُبْحَ صنيعهم في أمْر الناس بالإيمانِ والخيرِ، وتَرْكِ أنفسِهم لا يأمرونها بذلك، والحالُ أنَّهم يقرؤون التوراةَ ويتدارسونها بينهم، ويَعلمون منها ما أُمِروا به من الخير، وما عليهم إنْ قصَّروا في شرْع الله تعالى. أوَليس لهم عقولٌ يدركون بها ضلالهم، وتزجرهم عن الوقوع في ذلك  ؟!

كما قال تعالى إخبارًا عن شُعَيب عليه السَّلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود: 88] .

وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2-3] .

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

أي: اطلبوا العونَ على جميع ما تُؤمِّلون من أمور الدُّنيا والآخِرة، وعلى تحمُّل المشاقِّ والمصائبِ بالصَّبر والصَّلاة، والصَّلاةُ ثقيلةٌ وذات مشقَّة على الأنفُس، لكنَّها سهلةٌ وخفيفةٌ على مَن خشَع، فخضَع لله تعالى واطمأنَّ إليه قلبُه، وظهرَ أثرُ ذلك الخشوعِ على جوارحهِ، وهؤلاءِ الخاشعون هم الموقِنون بعودتهم إلى الله تعالى، والحشرِ إليه يوم القِيامة  .

كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153] .

وقال سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 1-2] .


الفَوائِد التربويَّة:

1- أنَّ تذكيرَ العبد بنِعمة الله عليه أدْعَى لقَبوله الحقِّ، وأقومُ للحُجَّة عليه؛ لقوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  .

2- وجوب إخلاص عِبادة الرَّهبة لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  .

3- أنَّ جميع ما في الدُّنيا قليل  ، كما قال تعالى: وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة: 41] ، فينبغي الزهدُ فيها، وإيثار ما عند الله تعالى؛ فهو خيرٌ وأبقى.

4- وجوب تقوى الله عزَّ وجلَّ، وإفراده بها؛ لقوله تعالى: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ  .

5- مَن لَبَس الحقَّ بالباطِل، فلم يميِّز هذا من هذا، مع عِلمه بذلك، وكتَم الحقَّ الذي يَعلمه وأُمِر بإظهاره، فهو من دُعاةِ جهنمَ، والعياذ بالله تعالى  .

6- وجوب بيانِ الحقِّ، وتمييزِه عن الباطِل، فيُقال: هذا حقٌّ، وهذا باطلٌ؛ لقوله تعالى: وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ  .

7- مَن أمَر غيرَه بالخير ولم يفعلْه، أو نهاه عن الشرِّ فلم يَتركْه، دلَّ على جهله وعدم عقلِه، خصوصًا إذا كان عالِمًا بذلك  .

8- ليس في قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، أنَّ الإنسان إذا لم يقُمْ بما أُمِر به أنَّه يَترُك الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر؛ لأنَّها دلَّت على التوبيخ بالنِّسبة إلى الواجبين، وإلَّا فمِن المعلوم أنَّ على الإنسان واجبَينِ: أمْر غيرِه ونهيه، وأمْر نفْسِه ونهيها، فترْك أحدهما، لا يكون رُخصةً في ترْك الآخَر؛ فإنَّ الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنَّقص الكامل أن يتركهما، وأمَّا قيامه بأحدهما دون الآخَر، فليس في رُتبة الأوَّل، وهو دون الأخير، وأيضًا فإنَّ النفوس مجبولةٌ على عدم الانقياد لمن يُخالِف قولُه فِعْلَه، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغُ من اقتدائهم بالأقوال المجرَّدة  .

9- أمرُ اللهِ بالاستعانة بالصَّبر يَشمَل جميعَ أنواعه، وهو: الصَّبر على طاعة الله حتى يُؤدِّيَها، والصَّبر عن معصية الله حتى يترُكَها، والصَّبر على أقدار الله المؤلِمة فلا يتسخَّطها  .

10- قوله سبحانه: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ فيه الحث على الصلاة في جماعة  .

11- أنَّ خشوع العبد لله، ممَّا يُسهِّل عليه العبادةَ، فكلما كان لله أخشع كان له أطوع، كما قال تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ  [البقرة: 45]   .

12- أنَّ المؤمنين يُوقِنون أنَّهم راجِعون إلى الله تعالى، وهذا يستلزم أمورًا:

أولًا: الخوف من الله؛ لأنَّهم ما داموا يعلمون أنَّهم راجعون إلى الله تعالى، فسوف يخافون منه، والخوفُ في القلب؛ يعني: أنهم إذا علِموا أنَّهم سيرجعون إلى الله، فسوف يَخشَونَه في السِّرِّ والعلانية.

ثانيًا: مراقبة الله عزَّ وجلَّ.

ثالثًا: الحياء منه؛ فلا يَفقِدك حيث أمَرَك، ولا يَجِدك حيث نهاك  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ الله تعالى يوجِّه الخطاب للمخاطَب؛ إمَّا لكونه أوعى من غيرِه، وإمَّا لكونه أَوْلى أن يَمتثِل، وهنا وجَّهه لبني إسرائيل؛ لأنَّهم أَوْلى أن يمتثلوا؛ لأنَّ عندهم من العِلم برسالة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّها حقٌّ- ما ليس عند غيرِهم  .

2- في قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ:  دلالةٌ على أنَّ الصَّلاة واجبةٌ على الأمم السابقة، وأنَّ فيها ركوعًا، كما أنَّ في الصَّلاة التي في شريعتنا رُكوعًا  .

3- أنَّ الأمم السابقة كانت عليهم زَكاة، قال تعالى: مخاطبًا بني إسرائيل: وَآتُوا الزَّكَاةَ  .

4- جواز التعبير عن الكلِّ بالبعض إذا كان هذا البعضُ من مباني الكلِّ التي لا يتمُّ إلَّا بها؛ لقوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  .

5- توبيخ بني إسرائيل، وأنَّهم جهلةٌ حمْقى ذَوُو غيٍّ؛ لقوله تعالى: أَفَلَا تَعْقِلُونَ  .


 بلاغة الآيات:

1- قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا... إلى قوله: ...مَعَ الرَّاكِعِينَ فيها ترتيب عجيبٌ، من حيثُ فصاحةُ الكلام وبنائه بعضه على بعض، مع أنَّها عُطِفت بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبًا؛ إذِ افتُتحت بذِكر النِّعم، واختُتمَت بالأمر بالانقياد للمُنعِم، وذُكر بينهما تكاليف اعتقاديَّة، وأفعال بدنيَّة وماليَّة، وفي ذلك ما يدعو إلى محبَّة المنعِم، ووجوب طاعتِه  .

2- قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَأَوْفُوا وأُوفِ فيه ما يُعرَف عند البَلاغيِّين بالتَّعطُّف ويُسمِّيه بعضهم المشاركة؛ حيث علَّق لفظةً من الكلام بمعنًى، ثم كرَّرها بعينها وعلَّقها بمعنًى آخر، وهما مفترقتان؛ كلُّ لفظةٍ منهما في طرَف من الكلام، وفائدته التأكيد  .

3- قوله: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، ووَإِيَّايَ فاتَّقونِ فيه تقديم ضمير الفَصل؛ لإفادة التخصيص، وهو آكَدُ في إفادة التَّخصيص من (وإياي فارهبوا) (وإياي فاتقوا)؛ لِمَا فيه- مع التقديم- من تكرير المفعول وهو الياء في (فارهبون، واتقون) إذ أصله (فارهبوني، واتقوني)  .

4- قوله: تَلْبِسُوا الحَقَّ، وقوله: وَتَكْتُمُوا الحَقَّ تكرير الحقَّ لزيادة تقبيح المنهيِّ عنه؛ إذ في التصريح ما ليس في الضمير من التأكيد  .

5- قوله: أَتَأْمُرُونَ الهمزة للتقرير مع التوبيخ، والتعجُّب من حالهم  . وأتى بالمضارع وإنْ كان قد وقَع ذلك منهم؛ لأنَّه يُفهم من المضارع في كثيرٍ من المواضع: الديمومة وكثرة التلبُّس بالفعل؛ فصِيغةُ المضارع تُفيد التجدُّد والحدوث  .

6- قوله: وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ عبَّر عن ترْك فِعلهم بالنِّسيان؛ مبالغةً في الترك، فكأنَّه لا يَجري لهم على بال، وعلَّقه بالأنفُس توكيدًا للمبالغة في الغفلة المُفرِطة  .

7- قوله: وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ جُملة حاليَّة، وتصديرُ الكلام بالضمير وَأَنْتُمْ، فيه زيادةٌ في المبالغة، وتسجيل لتبكيتهم وتقريعهم وتوبيخهم  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (47-57)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(47)

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(48)

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ(49)

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(50)

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(51)

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(52)

وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(53)

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(54)

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ(55)

ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(56)

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)

غريب الكلمات:

لَا تَجْزِي: أي: لا تقضي عنها ولا تُغني، والجزاء: القضاء، وأصله: قِيام الشيء مقامَ غيره ومكافأته إيَّاه  .

عَدْلٌ: أي: فدية، وأصْل العدْل: ضد الجور والظُّلم، والعَدَالَةُ والمُعَادَلَةُ: لفظٌ يقتضي معنى المساواة  .

يَسُومُونَكُمْ: يُولُونَكم، أي: يولونكم إذلالًا واستخفافًا، وقيل: يُرسِلون عليكم، وسامه: كلَّفه العمل الشاق. وأصل السَّوْم: الذَّهاب في ابتغاء الشَّيء  .

يَسْتَحْيُونَ: أي: يستبقونهنَّ أحياء، والاستحياء: الإبقاء حيًّا، واستفعل فيه بمعنى أفعل  .

بَلَاءٌ: أي: اختبار، وأصل البلاء: إخلاقُ الشِّيء، والاختبارُ، ثم صار يُطلق على المكروه والشدَّة، ويُقال: أُبلي بالنِّعمة، وبُلي بالشدَّة  .

فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ: فلقناه لكم، والفرق يُقارب الفلق، لكن الفلق انشقاق، والفَرْق انفصال، وأصْل الفَرْق: الفصل والتمييز والتزييل بين الشيئين  .

جَهْرَةً: أي: علانية ظاهرًا، وأصله: إعلان الشيء وكشفُه وعلوُّه  .

الصَّاعِقَةُ: هي النَّار التي تنزلُ من السَّماء عندَ اشتداد الرَّعد، أو الصَّوت الشديد من الجوِّ، والوَقعُ الشَّديدُ منَ الرَّعْدِ، أو كلُّ عذاب مُهلك (الموت، والعذاب، والنار)، ومنه: صَعق، إذا مات، وأصل صعق: يدلُّ على شِدَّة الصَّوت  .

الْغَمَامَ: جمع غمامة، وهو سحابٌ أبيضُ يُواري وجْهَ السماء، لكنَّه يُبقيها مستنيرة؛ سُمِّي بذلك لأنَّه يغمُّ السَّماء، أي يَسترُها ويُواريها، وأصل الغَمِّ: ستر الشيءِ  .


مشكل الإعراب:

قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ، ومثله وَإِذْ آتَيْنَا، وَإِذْ قَالَ مُوسَى... وأمثالها: إذْ- في ذلك كُلِّه- ظرف زمان، متعلِّق بفعل محذوف تقديره (اذكروا)، مبني في محلِّ نصب، عطف على اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ، والتقدير: واذكروا إذْ نَجَّيْناكم، واذكروا إذ فَرَقْنا...إلخ  .


المعنى الإجمالي:

يُخاطِب الله تعالى بَني إسرائيل، ويُذكِّرهم بنِعمه التي أسبغها عليهم، ويَعني بها النِّعمَ التي أَنعم بها على آبائهم، وأنَّه فضَّلهم على سائر الأُمم من أهل زمانهم، ثم بعدَ أنْ ذكَّرهم بنِعمه وفضله عليهم، حذَّرهم وخوَّفهم، وأمرَهم بأنْ يجعلوا بينهم وبين عذاب الله تعالى وقايةً في يوم القيامة، الذي لا تَقضي فيه نفْسٌ عن نفس حقًّا وجَب عليها، ولا تُقبل من نفْس شفاعةٌ لنفس أخرى، إذا كانت كافرةً، ولا يُقبل منها فِداءٌ، ولا أحد يُنقذهم من عذاب الله تعالى.

ثم ذكَّرهم بإنجائه آباءَهم من فرعون وشيعتِه، الذين كانوا يُديمون تعذيبَهم بعذاب سيِّئ شديد، وهو ذبْح الأبناء الذُّكور، واستبقاء الإناث أحياءً؛ لإذلالهنَّ وإهانتهنَّ، وفي ذلك الإنجاءِ من العذاب نعمةٌ عظيمة لهم من ربِّهم.

ثم ذَكَّر بني إسرائيل بأنَّه فَرَق البحرَ لهم؛ ليسلكوا طريقًا للنجاة، فأنقذهم الله بذلك، وأغْرَق فِرعونَ وقومَه، وبنو إسرائيل ينظرون؛ ليكون أشْفَى لصدورهم، وأنكى لعدوِّهم.

وذَكَّرهم مواعدتَه لموسى أربعين ليلةً، ثم عبادتهم العِجلَ بعد أن فارقَهم موسى، وهم في هذا الفِعل ظالمون بوضعِهم العبادةَ في غير موضعها، ثم تجاوز الله عنهم؛ لعلَّهم يَشكُرونه على هذه النِّعمة.

وذكَّرهم إعطاءَه التوراةَ لموسى؛ ليهتدوا بها باتِّباع ما فيها.

ثمَّ ذكَّرهم مناداةَ موسى لهم، وإخبارهم أنَّهم تعدَّوْا في حقِّ أنفسهم باتِّخاذهم العِجلَ معبودًا، وأنَّ عليهم التوبةَ لخالقهم، بأن يقتُل بعضُهم بعضًا، وأنَّ ذلك أفضلُ لهم عند خالقِهم الذي تابَ عليهم؛ فهو التوَّاب الرَّحيم.

وذكَّرهم حِين قالوا لموسى عليه السَّلام: لن نُقِرَّ بما جِئتَ به، حتى نرَى اللهَ عِيانًا، فعُوقبوا بالصَّعق، ينظر بعضهم لبعض وهم يموتون، ثمَّ بعثَهم الله من بعد موتهم؛ ليشكروه على نِعمته عليهم بإحيائهم.

ثمَّ ذكَّرهم بتظليلهم بسحابٍ أبيضَ رقيق في أيَّام التِّيه؛ ليقيَهم حرارةَ الشَّمس، وبإنزال المنِّ والسَّلوى وأمرِهم بالأكلِ من طيِّب الرِّزق، ثم بيَّن تعالى أنَّهم بجحودهم، وعدمِ شُكرهم ومعصيتهم، لن يضرُّوا الله شيئًا، بل ذلك مضرَّةٌ لهم.


تفسير الآيات:





(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (47).

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.

أي: يا بَنِي يعقوب كونوا مثلَ أبيكم في متابعة الحقِّ، واذكُروا نِعمه تعالى على آبائكم ذِكرًا يحملكم على شُكرها بالخضوع لله تعالى، وذلك بالدُّخول في دِينه، واتِّباع رسولِه الكريم صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومنها النِّعم التي سيأتي ذِكرُها في هذه السُّورة الكريمة [474]  وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.

أي: واذكُروا تفضيلي لكم على سائرِ الأمم من أهل زَمانِكم، من إرسال الرُّسُل منكم، وإنزال الكتُب عليكم، وغير ذلك من النِّعم الخاصَّة [475]  كما قال تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: 32] .

وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: 20] .

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَّرهم الله تعالى بنِعمه، عطَف على ذلك التحذيرَ من حلول نِقَمه بهم يومَ القِيامة، فقال [476]  وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.

أي: أمَرهم الله أن يعتقدوا ويَفعلوا ما يكونُ حاجزًا يَقِيهم من عذابِه سبحانه، في يوم القِيامةِ الذي لا تَقضِي فيه نفْسٌ عن نفْس حقًّا وجَب عليها لغيرها، ولا يُغني فيه أحدٌ- كائنًا من كان- عن أيِّ أحدٍ شيئًا، ولو كان من عَشيرته الأقرَبِين، أو كان الشيءُ قليلًا ويسيرًا جدًّا [477]  كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان: 33] .

وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ.

أي: لا يُقبَل من أيِّ نفْسٍ شفاعةٌ لنفْسٍ أخرى إذا كانت كافرةً على الإطلاق.

كما قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48] .

وقال سبحانه عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100-101] .

أمَّا المؤمنة فتُقبل منها، إنْ كانت الشفاعةُ بإذن الله تعالى، مع رِضاه سبحانه عن المشفوعِ له [478]  .

كما قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] .

وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ.

أي: لا يُقبَل منها فِداءٌ [479]  .

كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ [آل عمران: 91] .

وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36] .

وقال تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا [الأنعام: 70] .

وقال عزَّ وجلَّ: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... [الحديد: 15]  الآية.

وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.

أي: ليس لهم أحدٌ يُنقِذهم من عذابِ الله تعالى [480]  .

كما قال تعالى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق: 10] .

وقال سبحانه: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: 25-26] .

وقال عزَّ وجلَّ: فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف: 28] .

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49).

أي: واذْكُروا يا بني إسرائيل، نِعمتي عليكم بإنجاءِ آبائكم من شِيعة فِرعونَ وقومِه وملئِه، الذين كانوا يُذيقونهم- ويُديمون عليهم- عذابًا سيِّئًا وشديدًا، وهو ذبْح الأبناء الذُّكور، واستبقاء الإناثِ أحياءً؛ لإذلالهنَّ، وإهانتهنَّ، واستضعافهنَّ، وإنجاءُ الآباء إنجاءٌ لهم؛ ولذا وُجِّه الخِطابُ إليهم [481]  .

وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.

أي: وفي إنجائِنا لآبائكم من عدوِّكم نعمةٌ عظيمةٌ لكم من ربِّكم [482]  .

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر الله سبحانه وتعالى تسلُّطَ آل فِرعون على بني إسرائيل، ذكَر مآل هؤلاء المتسلِّطين، فقال [483]  :

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ:

أي: ذَكَّرَ سبحانه بني إسرائيل بأنَّه فرَق البحر لهم، وبسبب دُخولِهم فيه، ففَصَل بعضَه عن بعض؛ ليسلكوا طريقًا يابسًا بيْن أجزاء البحر، فأنقذهم اللهُ تعالى بذلك من فِرعونَ وقومِه، الذين أغْرَقهم الله تعالى جميعًا، وأمكَن بني إسرائيل من النَّظر إليهم بأبصارهم وهم يَغرَقون، فكان ذلك أشْفَى لصدورهم، وأبلغَ في إهانةِ عدوِّهم [484]  .

كما قال تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ [الشعراء: 61-66] .

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51).

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: وَاعَدْنَا قراءتان:

1- (وَعَدْنَا) على معنى أنَّه وعْدٌ من الله تعالى لموسى عليه السلام، وليس فيه وعدٌ مِن موسى عليه السلام [485]  .

2- (وَاعَدْنَا) على معنى أنَّ المواعدةَ من الله سبحانه لموسى عليه السلام، ومِن موسى عليه السلام لربِّه [486]  .

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ.

أي: واذكُروا يا بني إسرائيلَ مواعدتَنا لموسى تمامَ أربعين ليلةً، ثم عِبادتكم العِجلَ من بعد أنْ فارقَكم موسى متوجِّهًا إلى الموعِد، وأنتم ظالمون بوضعِكم للعبادةِ في غير موضعها؛ لأنَّ العبادةَ لا تَنبغي إلَّا لله عزَّ وجلَّ، وأنتم قد اتخذتُمُ العِجل إلهًا، والشركُ بالله تعالى ظلمٌ عظيمٌ [487]  .

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52).

أي: تجاوزْنا عنكم بمحوِ أثر ذنبِكم بعبادة العِجل، فلم نعاقبْكم؛ لتكونوا من الشاكِرين نعمةَ الله تعالى عليكم بالعَفوِ [488]  .

وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53).

أي: واذكُروا إعطاءَنا موسى التوراةَ، التي تُفرِّق بين الحقِّ والباطل؛ لتهتدوا بها باتِّباع الحقِّ الذي فيها [489]  .

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54).

أي: واذكُروا حين نادَى موسى عليه السَّلام قومَه، يؤكِّد لهم ظُلمَهم لأنفسهم باتِّخاذهم العِجلَ إلهًا يعبدونه؛ ولذا فقد وجَبتْ عليهم التوبةُ من هذا الجُرم الشنيع، في حقِّ مَن أَوجدهم من العدَم، فالذي خلقَهم هو من يستحقُّ أن يُعبَد وحده لا شريك له، ثمَّ وصَف لهم كيفيَّةَ توبةِ الله تعالى عليهم بأنْ يَقتُل بعضُهم بعضًا، فذلك خيرٌ لهم عند الله تعالى، الذي تاب عليهم؛ فهو التوَّاب الرَّحيم [490]  .

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ(55).

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً.

أي: واذكُروا حين قلتُم لموسى عليه السَّلام، لن نصدِّقك ولن نُقرَّ بما جئتَنا به، حتى نرى الله عِيانًا، ننظُر إليه بأبصارنا [491]  .

كما قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النساء: 153] .

فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.

أي: فعاقَبَكم الله تعالى بالصَّعْقِ فمتُّم، ينظرُ بعضكم إلى بعضٍ وهم يموتون [492]  .

ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56).

أي: ثم أحييناكم من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم؛ لتشكروني على نعمتي عليكم بإحيائكم؛ لتحدثوا توبةً من عظيم ذنبكم [493]  .

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر تعالى ما دفعَه عنهم من النِّقم، ذكَّرهم أيضًا بما أسبغَ عليهم من النِّعم، فقال [494]  :

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ.

أي: وارَيْنا عنكم وجْهَ السَّماء بالسَّحاب الأبيض الرَّقيق؛ لنَقِيَكم حرَّ الشَّمس في التِّيه [495]  .

وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.

أي: يذكُر الله تعالى لهم أيضًا أنَّه أنزَل عليهم رِزقًا طيِّبًا سهلًا يحصُلون عليه بلا كُلفةٍ، ولا مشقَّة [496]  .

والمنُّ قيل هو كل ما امتن الله تعالى به عليهم من الطعام والشراب، مما ليس في تحصيله كلفة ولا مشقة [497] .

وقيل: هوالتُّرنجبين، وهو شيءٌ أبيضُ ينزِلُ على الشَّجر كالندى، حُلوٌ، يُشبِه العسلَ الأبيض [498]  .

والسَّلوى طائر، قيل: هو السُّمَانَى، وقيل: يُشبه السُّمَانَى [499]  .

كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ.

أي: قلنا لهم: كُلوا من طيِّبات ما رزقناكم، كهذا المنِّ والسَّلوى، وهما طيِّبانِ حسًّا ومعنًى؛ للذاذة طعمهما، وحِلِّيَّتهما شرعًا [500]  .

وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

أي: أنعمْنا عليهم هذِه النِّعم، فقابَلوا نِعمَنا بالجحود، بعدم الشُّكر، وارتكاب المعاصي، وما وضَعوا فِعلهم ذلك وعِصيانهم إيَّانا موضعَ مضرَّة علينا، ومنقصة لنا، ولكنَّهم وضَعوه من أنفسِهم موضعَ مضرَّة عليها ومنقصة لها، والمعنى: أنَّ هذا الظلمَ واقعٌ على أنفسهم؛ حيثُ عرَّضوها به لسَخَطِ الله عزَّ وجلَّ وعِقابه، فضررُ فِعلهم عائدٌ إليهم، والله سبحانه وتعالى لا تضرُّه معاصي خَلْقه، ولا تنفعُه طاعاتُهم [501]  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- نِسبة النِّعَم دائمًا إلى الله عزَّ وجلَّ؛ فهذه النِّعمة على بني إسرائيل لم تأتِ بكَسْبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرثٍ عن آبائهم، وإنَّما هي بنعمةِ الله عليهم؛ لقوله تعالى: أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  .

2- التفكُّر في سَعة حِلم الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه مهما بارَز الإنسانُ ربَّه بالذُّنوب، فإنَّ حِلم الله تعالى قد يَشمله، فيُوفَّق للتوبة، كما قال تعالى: ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  .

3- أنَّ إنزالَ الله تعالى الكتُبَ للناس من نِعَمه وآلائه، بل هو من أكبرِ النِّعم؛ لأنَّ الناس لا يمكن أن يستقلُّوا بمعرفة حقِّ الخالق، بل ولا حقِّ المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتُبُ تِبيانًا للناس، كما قال تعالى: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  .

4- أنَّ الله تبارك وتعالى يُنزل الكتُب، ويجعلها فُرقانًا؛ لغايةٍ حميدةٍ حقًّا، وهي الهداية؛ لقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ، فمَن أراد الهداية، فلْيطلبها من الوحي الإلهيِّ  .

5- أنَّه ينبغي للداعي إلى الله تعالى أن يستعملَ الأسلوبَ الذي يَجذِب إليه الناسَ، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكايةً عن موسى: يَا قَوْمِ؛ فإنَّ هذا لا شكَّ فيه من التودُّد، والتلطُّف، والتحبُّب ما هو ظاهر  .

6- أنه يَنبغي للداعي إلى الله أن يبيِّن الأسبابَ فيما يحكُم به؛ لقوله: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ  .

7- أنَّه يَنبغي التعبيرُ بما يناسب المقام؛ لقوله: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ؛ لأنَّ ذِكر (البارئ) هنا كإقامة الحُجَّة عليهم في أنَّ العِجلَ لا يكون إلهًا؛ فإنَّ الذي يستحقُّ أن يكون إلهًا هو البارئ، أي: الخالق سبحانه وتعالى  .

8- أنَّ التوبة لازمةٌ على الفور؛ لقوله: فَتُوبُوا؛ لأنَّ الفاء للترتيب، والتعقيب  .

9- أنَّ الأمَّة كنَفْس واحدة؛ وذلك لقوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  .

10- إثبات تفاضُل الأعمال؛ لقوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ  .

11- في إثباتِ اسْمَي (التواب)، و(الرحيم) لله سبحانه أمَلٌ ورحمة؛ فينبغي للإنسان أن يتعرَّض لِمَا يقتضيه هذان الاسمانِ من أسماء الله، فيتعرَّض لتوبةِ الله، ورحمتِه  .

12- أنَّ مَن سأل ما لا يمكن، فهو حريٌّ بالعقوبة؛ لقوله تعالى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ  .

13- أنَّ ألم العقوبة، ووقعَها أشدُّ إذا كان الإنسانُ ينظُر إليها؛ لقوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف :

1- في قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قال: يُذَبِّحُونَ بدون واو، وفي سورة إبراهيم قال سبحانه: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [إبراهيم: 6]  فقال: وَيُذَبِّحُونَ بزيادة الواو؛ وذلك لأنه أريد بالآية التي في سورة البقرة تبيين صفات العذاب وتفسيرها؛ لذا فسر سوء العذاب بأنه التذبيح والاستحياء؛ لأنَّه لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة في قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلًا، وفي سورة إبراهيم دلَّ بسوء العذاب على أنواع غير التذبيح والاستحياء، وعطف التذبيح والاستحياء عليها؛ لأنه لما قال فيها: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ أي بأياديه ونِعَمِه عليهم ناسب العطف بالواو في قوله: وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ؛ ليدلَّ على تعدد النِّعم والأيادي  .

2- أنَّ الآل يَدخُل فيهم مَن ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ ويدخل فيهم فرعون؛ فالرجل حيث أضيف إلى آله دخل فيهم  .

3- أنَّ هلاك عدوِّ الإنسان وهو يَنظُر إليه من نِعمة الله عليه، كما قال تعالى: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ   .

4- أنَّ الله تعالى سَخِر من فرعون، حيث أهلكه بجِنس ما كان يَفتخِر به، وأَوْرَث أرضَه موسى عليه السلام، فقد كان فرعون يقول: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ  .

5- قوله جلَّ وعلا: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً عبَّر بالليالي؛ لأنَّها قبل الأيَّام، والمقرَّر في فنِّ العربية أنَّ التاريخ بالليالي؛ لأنَّها قبل الأيام  .

6- نِعمة الله تبارك وتعالى بما هيَّأه لعباده من الظلِّ؛ فقد جعَل الله تعالى الغمامَ ظلًّا على بني إسرائيل  .

7- قوله جلَّ وعلا في هذه الآية: وَمَا ظَلَمُونَا فيه الدَّليل الواضحُ على أنَّ نفْي الفِعل لا يستلزم إمكانَه؛ لأنَّ الله نفى عنه أنَّهم ظلموه، ونفيه جلَّ وعلا عن نفْسه أنَّهم ظلموه، لا يدلُّ على أنه يُمكنهم أن يظلموه، بل نفْي الفِعل لا يدلُّ على إمكانه  .


بلاغة الآيات :

1- في قوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العَالَمِينَ عطفُ الخاص على العام؛ لأنَّ قوله نِعْمَتِيَ عمَّ جميع النِّعم؛ لبيان الكمال، والتأكيد على خُصوصيَّة هذه النِّعمة، ومزيد فضلها، وتميُّزها على سائر النِّعم  .

2- في قوله: واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ تنكيرُ اليوم؛ للتهويل والتعظيم، أي: يومًا شديد الهول، عظيم الخطب، وتنكير النَّفس يُفيد العمومَ والإقناط الكُلِّي  .

3- قوله: ولا هُم يُنصَرون أتى بالجُملة المعطوفة الأخيرة اسميَّةً، مع أنَّ الجمل التي قبلها فعليَّة؛ للمبالغة، وللدَّلالة على الثَّبات والدَّيمومة، أي: إنهم غير منصورين دائمًا، ولا عبرةَ بما يصادفونه من نجاح مؤقَّت  .

4- قوله: بَلاء وعَظِيمٌ التنكير فيهما؛ للتفخيم والتهويل  .

5- قوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ حذف مفعول الاتِّخاذ الثاني، وتقرير المعنى: اتخذتُم العِجل إلهًا، وهذا المفعول الثاني محذوف في جميع القرآن، مثل قوله تعالى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة: 54]  أي: إلهًا. وقولِه سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا [الأعراف: 148] ، أي: إلهًا، قال بعض العلماء: النُّكتة في حذفِه التنبيهُ على أنَّه لا يَنبغي لعاقل أن يتلفَّظ بأنَّ عِجلًا مُصطنعًا من حُليٍّ أنَّه إلهٌ  .

6- قوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْ فيه التفات  من التكلُّم الذي يتطلَّبه سياقُ الكلام إلى الغَيبة؛ إذ كان مقتضى المقام أن يقال: (فوفقتكم فتبتُ عليكم)  . ولم يقل: (فتابَ عليهم) مع أنَّ الضَّميرَ للقوم؛ لأن ذلك نِعمةٌ أُريد التذكيرُ بها للمخاطَبين لا لأسلافهم  .

7- قوله: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ... خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فيه تَكرار للبارئ؛ للتوكيد، ولأنَّها جملة مستقلة؛ فناسَب الإظهار، وللتنبيه على أن هذا الفعل أفضل عند الذي أنشأكم، فكما رأى إنشاءكم، رأى توبتكم بالقتل، فينبغي التسليم له في كلِّ حال، وتلقِّي ما يرِدُ من قِبله بالقَبول والامتثال  .

8- قوله: جَهْرَةً انتصب على أنَّه مصدر مؤكِّد لـ أرِنا؛ للتأكيد على أنَّهم طلبوا الرؤية العينيَّةَ، ولإزالة احتمال أن تكون الرؤية منامًا، أو عِلمًا بالقلب  .

وعَدَلَ عن أن يقول: (عِيانًا) إلى قوله: (جَهرةً)؛ لأنَّ جهرةً أفصح لفظًا؛ لخفَّته؛ فإنَّه غير مبدوء بحرف حَلق، ولسلامته من حرف العِلَّة، فحسُن وقعها في الكلام، وخفَّت على السَّمع، وللقرآن السهم المعلَّى في ذلك، وهو في غاية الفصاحة  .

9- قوله: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فيه عدة أوجه بلاغيَّة:

فقوله: وَمَا ظَلَمُونَا: فيه التفات؛ إذ انتقل من خِطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضَمير الغَيبة؛ للإيذان باقتضاء جِنايات المخاطبَين للإعراض عنهم، وتَعداد قبائحهم عند غيرهم، ولقصد الاتِّعاظ بحالهم، وتعريضًا بأنَّهم متمادون على غيِّهم، وليسوا مستفيقين من ضلالهم  .

والجمع بين صِيغتَي الماضي والمضارع ظَلَمُونَا ويَظْلِمُونَ؛ للدَّلالة على تماديهم في الظُّلم، واستمرارهم على الكُفر  .

وولَكِنْ وقعت هنا أحسنَ موقع؛ لأنَّه تقدَّم قبلها نفيٌ، وجاء بعدها إيجابٌ؛ ولأنَّه لَمَّا تقرَّر أنه قد وقَع منهم ظلمٌ، ونُفي وصولُ ذلك الظلم إلى الله تعالى، بقِيت النفسُ متشوِّفةً ومتطلِّعة إلى ذِكر مَن وقَع به الظُّلم، فاستدرك بأنَّ ذلك الظُّلم الحاصل منهم إنَّما كان واقعًا بهم  .

وأَنفُسَهُمْ: معمول مُقدَّم على الخبر؛ ليحصلَ بذلك توافُق رؤوس الآي والفواصل، وللاعتناء بالإخبار عمَّن حلَّ به الفعل  .

10- وفي هذه الآيات جاء ترتيب النِّعم متناسقًا، يأخذ بعضه بعُنق بعض، وهي أفعال يتلو بعضها بعضًا؛ فأوَّلها الإنجاءُ من سوء العذاب- ذبْح الأبناء، واستحياء النِّساء- بإخراج موسى إيَّاهم من مصر، ثم فَرْق البَحْر بهم وإرائهم عِيانًا هذا الخارق العظيم، ثم وعْد اللهِ لموسى بمناجاته وذَهابه إلى ذلك، ثم إيتاء موسى التوراةَ، والعفوُ عنهم بعد اتِّخاذهم العجل، وقد ختَم كلَّ فصلٍ منها بمناسبِه:

فجاءت هذه الجُمل في غايةِ الفَصاحة لفظًا، والبلاغة معنًى؛ إذ جمعت الألفاظ المختارة، والمعاني الكثيرة، متعلِّقًا أوائل أواخرها بأواخر أوائلها، مع لُطف الإخبار عن نفسه، فحيث ذكَر النِّعم صرَّح بأن ذلك من عنده، فقال: ثُمَّ بَعَثْنَاكُم، وقال: وظَلَّلْنَا وَأَنْزَلْنَا، وحيث ذكر النِّقم لم ينسبها إليه تعالى، وإن كانت منه حقيقةً، فقال: فَأَخَذَتْكُم الصَّاعِقةُ، وسرُّ ذلك: أنَّه موضِع تعداد للنِّعم، فناسب نِسبةَ ذلك إليه؛ ليُذكِّرهم آلاءَه  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (58-61)


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58)

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(59)

۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(60)

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ(61)

غريب الكلمات:

حِطَّـةٌ: أي: حُطَّ عنَّا ذنوبَنا، وأصل الحطِّ: إنزال الشيء من علو  .

رِجْزًا: عذابًا، وأصله: الاضطراب  .

وَلَا تَعْثَوْا: ولا تفسدوا، وأصل العيث: الفساد، والعيث والعثي متقاربانِ، إلَّا أنَّ العَيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يُدرك حسًّا  .

بَقْلِهَا: البقل قيل: هو النَّبات الذي لا ساقَ له، وقيل: ما لا ينبت أصلُه وفرعه في الشِّتاء، وقيل غير ذلك  .

قِثَّائِهَا: القثَّاء: اسم جنس واحده قُثَّاءة- بضمِّ القاف، وكسرها- قيل: هو الخيار المعروف، وقيل غير ذلك  .

فُومِهَا: الفوم: قيل: هو الثوم؛ أُبدلت الثاء بالفاء، مثل: جدث وجدف للقبر. وقيل: هو الحنطة، والخبز جميعًا؛ من قولهم: فوَّموا، أي: اختبزوا- وهي لغة قديمة- ويقال: الفوم الحبوب  .


مشكل الإعراب:

قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ: (حطة): مرفوعة على أنها خبر لمبتدأ محذوف، أي: سؤالنا أو رغبتنا حطة، والجملة في محل نصب مفعول به مقول القول. أو مرفوعة على الحِكاية، وهي وحدها المفعول به للقول، ومنع من ظهور علامة النصب اشتغالُ المحلِّ بحركة الحكاية. وعلى قراءة النصب: فـ(حطة) مصدر لفِعل محذوف، أي: حطّ عنا ذنوبنا حِطَّةً  .


المعنى الإجمالي:

يُذكِّر الله بني إسرائيل حين أمَرهم أن يدخلوا بيتَ المقدس، ويأكلوا منه رزقًا واسعًا هنيئًا، وأنْ يخضعوا له سبحانه عند دخولِه بالسُّجود له، وطلَب المغفرة منه جلَّ وعلا، فإذا فعَلوا ذلك فقد وعدَهم الله بمغفرة ذُنوبهم، ويَزيد الله مِن فضلِه مَن أحسن منهم.

فغيَّر الظالمون منهم القولَ الذي أُمِروا بقوله، فأنزل الله على هؤلاء عذابًا من السَّماء؛ بسببِ عِصيانهم.

وذكَّرهم حين طلَب موسى من الله تعالى ماءً يَشرَب منه بنو إسرائيل، فأمَره الله أنْ يضرِبَ بعصاه الحجرَ، فخرجتْ من الحجر اثنتَا عَشرةَ عينًا من الماء، قد علِمتْ كلُّ قبيلة محلَّها الذي تشرَب منه، وأمَرَهم أن يأكلوا ويَشرَبوا من رِزق الله، وألَّا يَسعوا في الأرض بالفساد.

ثمَّ ذكَّرهم الله تعالى حين أَخبروا موسى أنَّهم لن يصبِروا على طعام واحد، وهو المنُّ والسَّلوى، وطلَبوا منه أن يَدْعوَ لهم اللهَ؛ كي يخرجَ لهم بعضَ ما تُنبته الأرض من البَقل، والقِثَّاء، والفُوم، والعدَس، والبَصل، فاستنكر عليهم موسى استبدالَهم الطعامَ الدَّنيءَ بالأطعمةِ الهنيئة، وأمَرهم أن ينزلوا أيَّ مِصرٍ من الأمصار، فسيجِدوا ما طلبوا.

وأصبح الهوانُ والصَّغار مفروضًا عليهم، كما أنَّهم رجَعوا متحمِّلين غضَبَ الله، وهذا الذي جازاهم الله به هو بسببِ جُحودهم آياتِ الله، وتقتيلهم لأنبيائِه بغير حق، وذلِك الجزاء الذي عُوقِبوا به- أو ذلك الكُفر بآيات الله عزَّ وجلَّ والقتْل لأنبيائِه- إنَّما وقَع نتيجةَ عِصيانهم، وتجاوزِهم حدودَ الله تعالى.


تفسير الآيات:

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58).

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا.

أي: واذكُروا حين أمَرْنَا بني إسرائيل بالدُّخول لبيت المقدِس، وأن يأكُلوا منها من أيِّ مكان فيها رِزقًا واسعًا هنيئًا  .

وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ.

أي: إنَّهم أُمروا أن يَخضعوا له سبحانه بالفِعل والقول عند دُخولِهم أحدَ أبواب بيت المقدس، بأنْ يدخُلوا رُكَّعًا متواضعين، وأن يَطلُبوا من الله تعالى أن يضَعَ عنهم ذُنوبَهم وخطاياهم  .

نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ.

أي: إذا فعلتُم يا بني إسرائيل، ما أمَرَكم الله تعالى، فسيستُر عليكم ذنوبَكم، ويتجاوز عنها، وسيَزيد سبحانه إيمانًا، أو حسناتٍ من فَضلِه- عاجلًا أو آجلًا- مَن أحْسَن في عبادة الله تعالى، ومَن أحسن للخَلْق بوجوه الإحسان المختلِفة  .

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59).

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ.

أي: فغيَّر الظالمون منهم القولَ الذي أُمِروا أن يقولوه بقولٍ غيرِه، فقالوا بدَلَ حِطَّة: حَبَّة في شَعرة، وإذا بدَّلوا القول مع خِفَّته، فتبديلُهم للفِعل من باب أَوْلى وأحرى؛ ولهذا دخَلوا يَزحَفون على أَدبارِهم  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((قيل لبَني إسرائيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، فبدَّلوا، فدخلوا يَزحَفون على أَستاهِهم، وقالوا: حبَّةٌ في شَعرةٍ   ))  .

فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.

أي: أنزل الله تعالى على هؤلاء- الذين استبدلُوا بالقولِ الذي أُمِروا به قولًا غيرَه- عذابًا من السَّماء؛ بسبب خروجهم عن طاعةِ الله تعالى إلى معصيتِه  .

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60).

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ.

أي: واذكُروا حين طلَب منَّا موسى ماءً لبني إسرائيل يَشرَبون منه  .

فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا.

أي: إنَّ الله تعالى قد استجاب لطلبِ موسى عليه السَّلام، فأمَره بأن يضرِبَ عصاه بحجرٍ، ففَعَل ذلك، فخَرجتْ من الحَجر اثنتَا عَشرةَ عينًا من المياه العَذْبة؛ تيسيرًا لهم، وإنعامًا من اللهِ تعالى عليهم  .

قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ.

أي: إنَّ كلَّ قبيلةٍ من قبائل بني إسرائيل الاثنتي عَشرة، قد عرَفَتْ محلَّها الذي تَشرَبُ منه من هذه الأعين الخارجة من الحَجر، فلا يُزاحم بعضُهم بعضًا، بل يَشربونه متهنِّئين  .

كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ الله.

أي: كُلُوا واشْربوا من هذا الرِّزقِ الإلهيِّ، الذي آتاكم مِن غيرِ كدٍّ ولا تعب. وهذا  أمْرَ إباحةٍ وإرشادٍ لهم مِن الله تعالى  .

وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.

أي: لا تَسْعَوْا في الأرضِ بالفَسادِ  .

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61).

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ.

أي: واذكُروا يا معشرَ بني إسرائيل حين أخبرتُم موسى عليه السَّلام بضجرِكم وكراهيتِكم للمَنِّ والسَّلوى، وأنْ لا طاقةَ لكم بحَبْس أنفسِكم على تناوُل هذا الطَّعام الذي رزَقَكم الله تعالى رِزقًا هنيئًا سهلًا بلا عناءٍ  .

فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا.

أي: ادعُ لأجْلِنا يا موسى، ربَّك؛ كي يُخرجَ لنا بعض ما تنبته الأرضُ من البَقل والقِثَّاء والفُوم، ومن العَدَس والبَصَل  .

قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ.

أي: إنَّ موسى عليه السَّلام استنكر عليهم ووبَّخهم بسؤالِهم له طلبَ تلك الأطعمة الدَّنيئة من البقول وغيرها، مع ما لديهم من الطعام الهَنيء، مستبدلين الوضيعَ من العيش بالرَّفيع منه! فقال لهم موسى: أتأخُذون الذي هو أخسُّ قِيمةً وقدرًا من العيش، بدلًا بالذي هو خيرٌ منه قيمةً وقدرًا  ؟!

اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ.

أي: هذه الأطعمةُ التي طلبتُم ليستْ بأمرٍ عزيز، بل هي كثيرةٌ؛ ففي أيِّ بلد دخلتموه ستجدون هذا العيشَ الذي تطلُبون  .

وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ الله.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كان الذي جرَى منهم أكبرَ دليل على قِلَّة صبرهم، واحتقارهم لأوامرِ الله ونِعمه، جُوزُوا من جنس عملهم، فقال تعالى  :

وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ.

أي: أصبح الهوانُ والصَّغار مفروضًا عليهم، وأصبح أثرُ مسكنة الفقر والحاجة والحِرص -من المهانة والخضوع على قلوبِهم، أو ظواهر أبدانهم- لازمًا لهم، كما أنَّه قد حلَّ عليهم غضبٌ من الله تعالى، ورجَعوا متحمِّلين سخطَ الله تعالى عليهم  .

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.

أي: هذا الذي جازيناهم من الذِّلَّة والمسكَنة، واستحقاقهم غضبَ الله عزَّ وجلَّ؛ بسبب جحودِهم آياتِ الله تعالى الكونيَّةَ والشرعيَّة، فاستكبروا عن اتِّباع الحقِّ، واعتدَوْا على أنبياء الله تعالى بالقَتْل بلا وجه حقٍّ يخوِّل تلك الأفعالَ الشَّنيعة  .

ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ.

أي: ذلك الجزاء الذي جُوزوا به، مِن ضَرْب الذِّلة والمسكنة، وإحلال الغضبِ عليهم، أو ذلِك الكفر بآيات الله عزَّ وجلَّ، والقتْل لأنبيائه، إنَّما سببُه هو عصيانُهم لله تعالى، أي: خروجهم عن طاعته؛ إمَّا بارتكاب المحظور، وإمَّا بترْك المأمور، ومِن أسباب ذلك أيضًا استمرارُهم على تجاوُز حدود الله تعالى  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- يَنبغي على مَن نصَرَه الله عزَّ وجلَّ، وفتَح له البلادَ، أن يدخُلَها على وجه الخضوع، والشُّكر لله سبحانه؛ لقوله تعالى: وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ  .

2- أنَّ الجهادَ مع الخضوع لله عزَّ وجلَّ، والاستغفارَ سببٌ للمغفرة؛ لقوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، وسببٌ للاستزادة أيضًا من الفَضل؛ لقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ  .

3- أن الإحسان سببٌ للزيادة، سواء كان إحسانًا في عِبادة الله، أو إحسانًا إلى عِباد الله، كما قال تعالى: وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ  .

4- مشروعيَّة الاستسقاء عندَ الحاجة إلى الماء؛ لأنَّ موسى عليه السلام استسقى لقومِه، وشَرْع مَن قبلنا شرْعٌ لنا إنْ لم يرِدْ شرعُنا بخلافه  .

5- أنَّ ما خلق الله تعالى من المأكول والمشروب للإنسان، فالأصلُ فيه الإباحة والحِلُّ، كما قال تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ  .

6- النِّعمة على الآباء، تلحق الأبناء، والذم الذي يوصف به الآباء يلحق الأبناء إذا كانوا على طريقتهم، فقولُه تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى... فيه الخطابُ لهم بأفعال غيرِهم، ممَّا يدلُّ على أنَّ الأُمَّة المجتمِعة على دِين تتكافَل وتتساعد على مصالحها، حتى كأنَّ متقدِّمهم ومتأخِّرهم في وقت واحد، وكأنَّ الحادثَ من بعضهم حادِثٌ من الجميع  .

7- أنَّ مَن اختار الأدْنى على الأعلى، ففيه شَبهٌ من اليهود، ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيءَ المحرَّم على الشيءِ الحلال  .

8- أنَّ اختيار الأفضل من المآكِل، والمشارب، لا ذَمَّ فيه إذا لم يصِل إلى حدِّ الإسراف  .

9- أنَّ الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خيرٌ، يستحقُّ التوبيخَ؛ لأنَّ موسى وبَّخهم، حيثُ قال: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ  .

10- أنَّ مِن علوِّ همَّة المرء أن ينظُر للأكملِ والأفضلِ في كلِّ الأمور  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ السُّقيا كما تكون بالمطر النازِل من السَّماء، تكون بالنابِع من الأرض، كما قال سبحانه وتعالى: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا  .

2- غَطرَسةُ بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ؛ ولم يقولوا: (ادع لنا ربَّنا)، أو: (ادع لنا الله)؛ كأنَّ عندهم- والعياذ بالله- أَنفَةٌ، مع أنَّهم كانوا مؤمنين بموسى، ومع ذلك يقولون: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ، كما قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون [المائدة: 24]   .

3- أنَّ بَني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قِبل الإسلام؛ لأنَّ ضرب الذلة عليهم وقع بسبب المَعصيةِ، فإذا حُورِبوا بالطَّاعة، فلا شكَّ أن الوبالَ سيكون عليهم  .

4- يتبين من قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، أنَّ اليهود قد ضُرِبت عليهم المسكنةُ، وهذا يَشمل فقرَ القلوب الذي هو شِدَّة الطَّمع، بحيث إنَّ اليهوديَّ لا يَشبع، ولا يتوقَّف عن طلب المال، ولو كان من أكثرِ الناس مالًا؛ ويَشمل أيضًا فقرَ المال وهو قِلَّتُه  .

5- في قوله تعالى: وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ الله إثباتُ صِفة الغضَب لله عزَّ وجلَّ  .


بلاغة الآيات :

1- قوله: فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا

- فيه وضْع الظاهر الَّذِين ظَلَمُوا موضعَ المضمر فلم يقل: (فأنزلنا عليهم)؛ زيادةً في تقبيح أمرهم، وتهويل ظُلمهم، والمبالغة في ذمِّهم وتقريعهم. وللتأكيد على أهميَّة ذِكره في السِّياق؛ لأنَّهم ظلموا في الوقت الذي أَنعم الله عليهم، وعصَوْا أمْرَ ربِّهم، وأيضًا ليبيِّن أنَّ هذا الرِّجزَ مُنزلٌ عليهم بسببِ ظُلمهم، والضَّمير لا يُعطي هذا  .

وعبَّر في سورة الأعراف بالمُضمَر عَلَيهِمْ؛ لأنَّ آيات الأعراف سِيقت لمجرَّد العِبرة بقصَّة بني إسرائيل، وآيات البقرة سِيقت مساقَ التوبيخ، والقصد فيها بيان سببِ إنزال العَذاب عليهم مرَّتين  .

- وتنكير رِجْزًا؛ للتهويل والتَّفخيم  .

2- قوله: وَلَا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ قوله: مُفْسِدِينَ حالٌ مؤكدة؛ ليكسُوَ النهيَ عن الفساد قوةً، ويجعله بعيدًا من أن يُغفل عنه أو يُنسى  .

3- قوله: بِغَيْرِ الحَقِّ تَقييدٌ؛ لزِيادة التَّشنيع بقُبْح عُدوانهم؛ فإنَّ قتل الأنبياء لا يكون بحقٍّ البتَّةَ  .

4- قوله: بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ

- لم يَعطف الاعتداءَ على العِصيان؛ لئلَّا يفوت تناسبُ مقاطع الآي، وليدلَّ على أنَّ الاعتداء صارَ كالشيء الصادر منهم دائمًا  .

- وفيه: لَفٌّ ونشْر؛ حيث ذكر شيئين (يكفرون- ويقتلون)، وقابلهما بشيئين (عصوا- يعتدون)؛ وذلك من محاسن الكلام  .

- جوازُ إسناد الشيءِ إلى مكانه لا إلى الفاعل الأوَّل؛ لقولهم مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ؛ والذي يُنبت حقيقةً هو اللهُ سبحانه وتعالى  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (62-66)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63)

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ(64)

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65)

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ(66)

غريب الكلمات:

وَالصَّابِئِينَ: جمْع صابئ، وهو الخارج من دِينه إلى دينٍ آخَر، وأصله الخروج، يقال: صبأت النُّجُوم خرجت من مطالعها  . وهم فِرق؛ منها: الصابئة الحُنفاء  .

نَكَالًا: أي: تنكيلًا وعقوبةً، وعِبرةً وعِظةً لمن وراءهم، وأصله: المنع والامتناع؛ وسمِّي النَّكال؛ لأنَّه فعل به ما يمنعه من المعاودة، ويمنع غيرَه من إتيان مِثل صنيعه  .

خَاسِئِينَ: أي: باعِدين ومبعدين، وهو إبعاد بمكروهٍ، صاغرين ذَليلين، أو مُنزجِرين، ومنه: خسَأ البَصرُ، أي: انقبَض عن مَهانةٍ  .


المعنى الإجمالي:

يُخبر تعالى أنَّ الذين آمَنوا من أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومَن كان منهم على الدِّين الحقِّ في وقْته قَبلَ وقوع النَّسخ، أو حدوث التحريفِ، من اليهود، والنَّصارى، والصَّابئين- يخبر أنَّ الذين أحسنوا منهم، وأطاعوا، فلهم ثوابُهم عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يُخلِّفونه، وأمَّا بعد بعثةِ النبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فلا يَدخُل في هذا الوعدِ بـهذا الأجْر إلَّا مَن آمن به، والْتزَم بشَرعِه.

ثم ذكَّر سبحانه وتعالى بني إسرائيل حين أَخَذ عليهم عهدًا مُؤكَّدًا، بالإيمانِ به وبرُسلِه، والالتزامِ بشَرْعِه، وأنَّه رفَع فوقهم الجبلَ لتخويفهم؛ كي يُقرُّوا بما عُوهدوا عليه، وأمَرَهم بأخْذ التوراة بهِمَّة وحزْم، وأن يذكروا ما فيها، بأنْ يتلوها ويَعمَلوا بما فيها؛ رجاءَ أن يكونوا من المتَّقين.

ثم أخبَر سبحانه وتعالى أنَّهم نقَضُوا العهدَ، وأعرضوا عنه، فلولا أنْ أكرمَهم الله تعالى، فتداركهم بالتوبةِ، لكانوا من الهالِكين في الدُّنيا والآخِرة.

وقد عَرفتم يا معشرَ اليهود، الذين تَعدَّوْا حدودَ الله منكم، وتجاوزوا ما أمرهم الله به مِن تَرْك صَيد البَحر يومَ السَّبت، فمَسخَهم الله في صور قِردَةٍ حَقيرينَ ذَليلينَ، فجَعَل الله هذه العقوبةَ رادعةً لِمَن حول الممسوخين، وتذكرةً للمتَّقين؛ ليعتبروا بها.


تفسير الآيات:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

في توسط هذه الآية بين آيات ذِكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث، مناسبة بليغة؛ إذ بيَّن لهم في هذه الآية أنَّ باب الله مفتوح لهم، وأن اللجأ إليه أمر هيِّن عليهم، وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات، بعدما تقدم من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى، وما أصابهم من ضرْب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب من الله تعالى عليهم، وما في هذا من إفزاع لهم  فقال تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62).

أي: إنَّ الله تعالى لَمَّا ذكَر قبائح بني إسرائيل وذمَّهم، بيَّن طائفةً لم يَلحقْها هذا الذمُّ، ولَمَّا كان ذِكرُ بني إسرائيل خاصَّةً يُوهِم اختصاصهم بهذا الفضل، ذكَر سبحانه حُكمًا عامًّا يشمل عددًا من أتباع الشَّرائع الأخرى.

وعنَى بالذين آمنوا: أُمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لأنَّهم هم الذين يستحقُّون الوصفَ بالإيمان المطلَق؛ حيث آمنوا بجميع الكتُب، والرُّسل؛ ولكثرة إيمانهم، وشِدَّة إيقانهم. واليهود هم أتباعُ موسى عليه السَّلام قَبل نَسْخ دِينهم، وقبل تحريفِه، والنصارى أتباعُ عيسى عليه السَّلام قَبل نسْخ دِينهم، وقبل تحريفه، وأمَّا الصابئون فهم فِرق؛ منها: الصَّابئة الحُنفاء، الذين بَقُوا على فِطرتهم بتوحيد الله عزَّ وجلَّ، وتحريم الظُّلم والفواحِش، وغير ذلك، من غير تقيُّد بمِلَّة ولا نِحلة، ودون أن يُحدِثوا كُفرًا.

فمَن أحسن مِن هذه الأُمم السالِفة، وأطاع، فإنَّ لهم الثوابَ من عند الله عزَّ وجلَّ، ولهم السَّعادة الأبديَّة، فلا خوفَ عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يُخلِّفونه.

وهذا الحُكم بين هذه الطَّوائف من حيثُ هم؛ فإنَّ هذا إخبارٌ عنهم قَبل بعثةِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأمَّا بعدَ بعثةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فلا يُعدُّ مؤمنًا، ولا ينال هذا الأجْر مَن لم يؤمنْ برسالة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ولم يعملْ بمقتضاها  .

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63).

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ.

أي: واذكُروا حِين أخْذنا عليكم عهدًا مؤكَّدًا بالإيمان به وبرُسله، والالتزام بشَرْعه، ورَفعْنا فوقكم الجبلَ لتخويفكم؛ كي تُقرُّوا بما عُوهِدتم عليه، وتَعمَلوا به  .

خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

أي: قُلنا لهم: تلقَّوُا التوراةَ التي أعطيناكم إيَّاها، بهمَّةٍ وحَزمٍ، وجدٍّ ونشاط، واذكُروا ما فيها بأنْ تتلوها، وتتعلَّموا ما فيها، وتتدبَّروها، وتعمَلوا بمقتضاها، من أجل أن تكونوا من المتَّقين  .

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64).

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ.

أي: بعد هذا المِيثاق المؤكَّد أعرضتُم عنه، ونقضتموه بترْك العمل به  .

فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

أي: لولا أنْ أكرمكم الله تعالى، فتداركَكم بالتوبةِ وإرسالِ الرُّسل، وآخِرهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، لكُنتم من الهالِكين في الدُّنيا والآخِرة  .

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65).

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ.

أي: قد عرفتُم يا معشرَ اليهود، ما حلَّ بمَن جاوزوا منكم ما أُمِروا به مِن ترْك صيدِ البحر يومَ السَّبت، فاحتالوا على هذا الأمر، مُتعدِّين حدود الله عزَّ وجلَّ  .

فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ.

أي: لَمَّا فَعلوا ذلك، مَسخَهم اللهُ تعالى، فصيَّرهم بقُدرته سبحانه في صورة القِرَدة، حَقيرينَ ذَليلِين  .

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66).

أي: جعَلْنا هذه العقوبةَ رادعًا لِمَن حول أولئك الممسوخين قِردةً، وتذكرةً نافعةً للمتَّقين؛ لينزجِروا بها ويَعتبِروا  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- إذا ذُكِر الثناءُ بالشرِّ على طائفة، وكان منهم أهلُ خير، فإنَّه ينبغي ذِكرُ أولئك الذين اتَّصفوا بالخير؛ حتى لا يكون قدحًا عامًّا  .

2- مِن ثمرات الإيمان بالله واليومِ الآخِر، حصولُ الأجْر، وانتفاء الخوف ممَّا يُستقبل، وانتفاء الحزن على ما مضَى، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  .

3- الأخْذ بالكتاب المُنَزَّل يوجِب التقوى؛ لقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  .

4- الإنسان لا يستقلُّ بنفسه في التوفيق؛ لقوله تعالى: فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  .

5- تحريم الحِيَل، وأنَّ المتحيِّل على المحارم لا يخرُج عن العدوان؛ لقوله تعالى: الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ  .

6- أنَّ العقوبات فيها تنكيلٌ حتى لغيرِ الواقِع في الذَّنب؛ لقوله تعالى: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، ومن ذلك الحدود الشرعيَّة نكالٌ للفاعل أن يعودَ مرَّةً أخرى إلى هذا الذَّنب، ولغيرِ الفاعل  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- عُتوُّ بني إسرائيل؛ حيثُ لم يؤمِنوا إلَّا حين رُفع فوقهم الطور، كأنَّه ظُلَّة، وظنُّوا أنَّه واقع بهم؛ فحينئذٍ آمنوا  .

2- لُؤم بني إسرائيل؛ لأنَّهم بعد أن رجَع الجبلُ إلى مكانه تولَّوْا، كما قال تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وهذا من اللؤم  .

3- توبيخُ اليهود الموجودِين في عهد الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على عدمِ الإيمان به؛ ووجه ذلك: أنَّهم علِموا ما حلَّ بأسلافِهم من النَّكال بسببِ المخالَفة، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ...؛ فكان ينبغي أن يتعظوا بذلك، ويرتدعوا به عن مَعصيةِ الله تعالى ورسولِه عليه السلام  .


بلاغة الآيات:

1- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

- هذه الآية تكررت أيضًا في سورة المائدة وسورة الحج مع اختلاف بتقديم الصُّنوف وتأخيرها، واختلاف في إعراب الصَّابِئِينَ حيث نُصِبت هنا وفي سورة الحجِّ أيضًا، بينما رُفعت في سورة المائدة؛ وهذا لفائدةٍ تقتضي ذلك؛ فقيل: لأنَّ النصارى مقدَّمون على الصَّابِئِينَ في الرتبة؛ لأنَّهم أهل كتاب، فقدَّمهم في البقرة. والصابئون مقدَّمون على النصارى في الزمان؛ لأنهم كانوا قبلَهم، فقدَّمهم في الحج. وراعى في المائدة المعنيين فقدَّمهم في اللفظ وأخَّرهم في التقدير؛ لأنَّ تقديره عند البصريِّين، وأكثر الكوفيين: التأخير على معنى والصابئون كذلك  .

- ومن بديع البلاغة: أنْ قرن مع اليهود في ذلك ذكر بقيةٍ من الأُمم؛ ليكون ذلك تأنيسًا لوحشة اليهود من القوارع السَّابقة في الآيات الماضية، وإنصافًا للصالحين منهم، واعترافًا بفضلهم، وتبشيرًا لصالحي الأُمم من اليهود وغيرهم الذين مضَوْا؛ فقدْ وفَت الآية حقَّ الفريقين من الترغيب والبشارة، وراعت المناسبتين للآيات المتقدِّمة مناسبةَ اقتران الترغيب بالترهيب، ومناسبةَ ذِكْر الضدِّ بعد الكلام على ضدِّه  .

- ومجيء (إنَّ) هنا لمجرد الاهتمام بالخبر، وتحقيقه لدفع توهُّم أنَّ ما سبق من المذمَّات شامل لجميع اليهود؛ فإنَّ كثيرًا من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ضلت كانوا مثلهم في الضلال  .

- وابتُدئ بذكر المؤمنين للاهتمام بشأنهم؛ ليكونوا في مقدمة ذِكر الفاضلين، فلا يذكر أهل الخير إلَّا ويذكرون معهم  .

- وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ: التعبير في نفي الخوف بالخبر الاسمي؛ لإفادة نفْي جنس الخوف نفيًا قارًّا؛ لدلالة الجملة الاسميَّة على الدوام والثبات، والتعبير في نفي خوف الحزن بالخبر الفعلي وهو (يحزنون)؛ لإفادة تخصيصهم بنفي الحزن في الآخِرة بخلاف غير المؤمنين  .

وفي ختْم هذه الآية بقوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ مناسبة ظاهرة؛ لأنَّ من استقرَّ أجره عند ربه لا يلحقه حزنٌ على ما مضَى، ولا خوف على ما يُستقبل  .

2- قوله: ميثاقكم جاء على صيغة الإفراد ولم يقل: (مواثيقكم)؛ للدَّلالة على أنَّ كل واحد منهم قد أخَذ ذلك، ولبيان أنَّه كأن شيئًا واحدًا أُخذ من كل واحد منهم، كما أُخذ على غيره، فكان كله ميثاقًا واحدًا، ولو قيل: (مواثيقكم) لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد  .

 3- وَلَقَدْ عَلِمْتُم اللام في (لقد) لام توكيد، ويحتمل أن تكون جوابًا لقسم محذوف، ولكنه جيء على سبيل التوكيد باللام، و(قد) والقَسم المحذوف؛ لأنَّ مثل هذه القصة يمكن أن يُبهِتوا في إنكارها؛ وذلك لما نال في عقبى أولئك المعتدين من مسخهم قردة، فاحتيج في ذلك إلى توكيد، وأنهم علموا ذلك حقيقة  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (67-74)

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(67)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ(68)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ(69)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ(70)

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(72)

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(74)

غريب الكلمات:

فَارِضٌ: مُسنَّة، والفارض: المسنَّة من البَقر، أو الهَرمة، والفارض هُوَ الضَّخم من كل شَيْء، وأصل الفرض: التأثير في الشيء بقطع أو غيره  .

بِكْرٌ: أي: صغيرة لم تلد، وأصله: أول الشيء وبدؤه؛ ولذا سُمِّيت التي لم تُفتضَّ بكرًا  .

عَوَانٌ: أي: نصف بَين الصَّغيرة والمُسِنَّة، والمتوسِّطة بين السِّنينِ  .

فَاقِعٌ: أي: ناصع صاف؛ يقال: أصفر فاقع: إذا كان صادِقَ الصفرة، كقولهم: أسود حالك، وأحمر قان، وأخضر ناضِر؛ فهذه التوابع تدل على شِدَّة الوصف وخلوصه  .

ذَلُولٌ: التي قد أذلَّها العمل، وأصل الذل: الخضوع، والاستكانة، واللين. والذل: ضد العز، وخلاف الصُّعوبة. وقيل: بالضم ما كان عن قَهْر، وبالكسر: ما كان عن تصعُّب، وهو الذلول من الدَّواب  .

تُثِيرُ الْأَرْضَ: أي تقلبها للزراعة، وأصل الإثارة: الاستخراج والقلقلة من مكانٍ إلى مكان  .

مُسَلَّمَةٌ: أي: مُخلَّصة، ومبرَّأة من العيوب، وأصْل السلم والسلامة: الصحة والعافية، والتعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة  .

لَا شِيَةَ: لا لون فيها سِوى لون جميع جِلدها، والشية: مأخوذة من وشيت الثوب: إذا جعلت فيه أثرًا يُخالف معظمَ لونه، أو نسج على لونين مُخْتَلفين  .

فَادَّارَأْتُمْ: أي: تدافعتُم، واختلفتم، أو اختصمتم، وأصل الدَّرْء: دفْع الشيء  .


مشكل الإعراب:

1- قوله لا فَارِضٌ: لا: نافية، لا عمل لها. وفارضٌ: مرفوع، صفة لـ(بقرةٌ) و(لا) معترضة بين الصِّفة والموصوف. ويجوز أن يكون (فارض) خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: لا هي فارض. ومثله وَلَا بِكْرٌ ومثله لَا ذَلُولٌ  .

2- قوله: عَوَانٌ: مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي عوانٌ. ويجوز أن يكون صفة لـ(بقرة) والأول أحسن؛ لبُعد الموصوف  .


المعنى الإجمالي :

يُذكِّر اللهُ سبحانه بني إسرائيل بإخبار موسى لآبائهم بأمْر اللهِ تعالى لهم بذْبْح بقرة؛ كي يضربوا القتيلَ بجزء منها، فيَحيَا ويُخبر بقاتله، فاستنكروا على موسى ذلك، وتَعنَّتوا كعادتِهم، واتَّهموه بأنَّه يسخَر منهم، فاستعاذ باللهِ أن يكون من السُّفهاءِ الذي يَسخَرون من الناس.

فقالوا لموسى- مشدِّدين على أنفسِهم ومُتعنِّتين-: اسأل ربَّك يَصِفْها لنا؛ لنعرفها، فذكَر لهم موسى بأنَّها بقرةٌ متوسِّطة السنِّ، ليست بالكبيرة الهَرِمة، ولا بالصَّغيرة، وأمرهم أنْ يقومُوا بفعل ما أُمِروا به، فطَلبوا منه أن يسأل ربَّه أيضًا عن لون البقرة! فكان الجوابُ: أنَّها بقرة صفراءُ صافيةٌ، شديدةُ الصُّفرة، تُدخِل السرورَ على مَن نظر إليها.

فعادوا طالبِين من موسى مُجدَّدًا أن يسأل ربَّه أن يُبيِّن لهم مزيدًا من أوصافها؛ وحُجَّتهم أنَّ البقرة المطلوبة الْتبَستْ عليهم بين غيرها من البَقر، وأوْضَحوا بأنَّهم بإذن الله سيهتدون.

فقال موسى: إنَّ الله يقول بأنَّ هذه البقرة ليستْ مُذلَّلة بالعمل، لم تُعَدَّ لتقليب الأرض للحَرْث، أو سقي الزَّرع، وهي أيضًا سليمةٌ من جميع العيوب، ولا يُخالِط لونَ جلدِها الأصفر الفاقِع أيُّ لونٍ آخَر.

فقالوا حِينها: اتَّضح الحقُّ الآن، وجئتَ بالصِّفات التي تُميِّزها عن غيرها يا موسى، فوجدوها، وذبحوها، وقد قارَبوا ألَّا يفعلوا!

ثمَّ ذكَّرهم سبحانه حين قتَلوا نفْسًا، ثم تنازَعوا فيها؛ كلٌّ يَدفَع القتلَ عن نفسه، والله سبحانه مُظهِرٌ القاتلَ؛ ليُعلم ما كانوا يُخفونَه، ولينتفيَ النِّزاع بينهم.

فأمَرَهم الله جلَّ وعلا أن يضرِبوا القتيل ببعض البَقرة، ففعلوا، فحَيِيَ بإذن الله، وأخبرهم بقاتله، وكما أحيا الله هذا القتيلَ، كذلك يُحيي الموتى بعد مماتهم، فيبعثهم يومَ القيامة، ويُظهر الله تعالى آياتِه الواضحاتِ؛ لعلَّهم ينزجرون ويمتنعون عن عِصيانه.

ثمَّ غلُظت قلوبُهم، ولم يكن ينبغي لهم ذلك بعدَما عاينوا تِلك الحادثةَ الخارقة للعادة! فصارتْ قلوبهم في غِلظتها كالحجارة، أو أشدَّ صلابةً من الحجارة؛ فإنَّ الحجارة مع قسوتها أفضلُ من قلوب أولئك القوم؛ فإنَّ منها ما يتصدَّع فيخرج منه الماء، ومنها ما يسقُط من علوٍّ إلى سُفول من خشيةِ الله سبحانه، وما الله تبارك وتعالى بغافلٍ ولا ساهٍ عن أفعالهم، بل سيُجازيهم عليها أتمَّ الجزاء.


تفسير الآيات:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.

أي: واذكروا يا بني إسرائيل، حين أخبَر موسى عليه السَّلام آباءَكم بأمْر الله تعالى لهم بذَبْح بقرة؛ كي يضربوا القتيل بجزء منها، فيَحيا القتيل، ويُخبرهم بقاتله، ولم يُحدِّد الله تعالى لهم بقرةً معيَّنة ولم يخبرهم بأوصاف محدَّدة، بل أي بقَرة ذبَحوها، فإنَّها تُفيد في تحقيق المطلوب  .

قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا.

أي: إنَّهم استنكروا على موسى عليه السَّلام أمْره بذَبح بقرة، ورأوا أنَّ جوابه غيرُ محقِّقٍ لمقصودهم، فظنوا بموسى عليه السَّلام أنَّه هازئٌ وساخرٌ بهم في ذلك  .

قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.

أي: إنَّ موسى عليه السَّلام استعاذَ بربِّه عزَّ وجلَّ من أن يكونَ في عِداد السُّفهاء، الذين يَستهزِئون بالنَّاس  .

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68).

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ.

أي: يُخبِر سبحانه عن تعنُّت بني إسرائيل، وكثرةِ سؤالهم لموسى عليه السَّلام، وأنَّهم لَمَّا ضيَّقوا على أنفسهم ضُيِّق عليهم، ولو أنَّهم ذَبَحوا أيَّ بقرة لكفتْهم، لكنَّهم شدَّدوا، فشُدِّد عليهم، فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِي، أي: اسأل لنا ربَّك ما هذه البقرة؟ صفْها لنا؛ لنعرفَها  .

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ.

أي: قال لهم موسى عليه السَّلام: إن الله تعالى يقول: إنَّ البقرة التي سألتُم عنها ليستْ في سِنِّها بالكبيرة الهَرِمة، وليست بالصَّغيرة التي لم يَنكِحْها الفحلُ فتلِد، بل هي متوسِّطة في السِّنِّ بين الكبيرة جدًّا، والصغيرة جدًّا. أَمَا وقد أتاكم العلمُ، فاذبحوا البقرةَ التي أُمرتم بذَبْحها؛ لتصِلوا إلى قاتل قتيلكم  .

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69).

أي: طلَب بنو إسرائيل من موسى عليه السَّلام أن يَسألَ ربَّه عن لون البَقرة المطلوب ذبْحها، فجاءَهم الجوابُ بأنَّها بقرةٌ صفراءُ صافية، شديدةُ الصُّفرة، وتُدخِل السُّرورَ على مَن نظَر إليها؛ لشِدَّة حُسنها وجمال منظرها  .

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ (70).

أي: طلَبوا من موسى عليه السَّلام- من تعنُّتهم- طلبًا ثالثًا بسؤال ربِّه؛ كي يبيِّن لهم المزيدَ من صفات البقرة المطلوبِ ذبحُها، مُتذرِّعين في طلبهم هذا بحُجَّة الْتِباس البقرة المطلوبة من بين غيرها من البَقر، فلم يَهتدوا- بزَعْمِهم- إلى ما يُريدون، وأخَذوا على أنفسهم أنَّهم سيهتدون؛ ولكنَّهم علَّقوا ذلك بمشيئة الله تعالى  .

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71).

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا.

أي: قال لهم موسى عليه السَّلام: إنَّ الله تعالى يقول: إنَّ البَقرة التي أمرتكم بذَبْحها ليستْ مُذلَّلة بالعمَل، فليست بالتي أُعِدَّت لتقليبِ الأرض للحَرْث، أو سَقي الزَّرع، كما أنَّها سليمةٌ من كلِّ عيب، ولا يخالط لونَ جلدها الأصفر الفاقِع أيُّ لون آخَر  .

قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ.

أي: قالوا قد اتَّضح للتوِّ الحقُّ في أمْر البقرة، وجئتَ لنا يا موسى بصِفاتها التي تُميِّزها عن غيرِها، فنستطيع معرفتَها، فوجدوها وذبَحوها، وقد أوشكوا على ترك ذبْحها  .

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72).

أي: واذكُروا يا بني إسرائيل، حين قتلتم نفسًا، فتنازعتُم واختلفتم فيها، كلٌّ يَدفَع قتْلَها عن نفْسه  .

وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.

أي: إنَّ الله تعالى مُظهِرٌ هذا القاتل؛ ليُعلَمَ  .

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73).

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا.

أي: أمَرَهم الله جلَّ ثناؤه أن يضربوا القتيلَ ببعض البقرة؛ ليحيا المضروب، فضَربوه، فحيِيَ بإذن الله عزَّ وجلَّ، وأخبرهم بقاتله  .

كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى.

أي: كما أحيا اللهُ تعالى هذا القتيلَ في الدُّنيا، فكذلك يُحيي الموتى بعد مَماتِهم، فيبعثهم يومَ القِيامة  .

وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.

أي: يُظهر اللهُ تعالى لكم العلاماتِ الواضحةَ على كمال قُدرته في إحيائه الموتى، وبَعثِهم بعد موتهم؛ كي تنزجِروا عمَّا يضرُّكم، وتمتنعوا عن عِصيانه جلَّ وعلا  .

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74).

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً

أي: جَفَت قلوبُكم وغلُظت، ولم يكن ينبغي أن تكون كذلك من بَعدِ الأمرِ الذي عاينتموه، وهو إحياءُ القتيل، الذي هو سببٌ عظيمٌ للِين القلوبِ ورِقَّتِها، وانقيادِها للحقِّ؛ فقلوبكم في غِلظتها وشدَّتِها كالحجارة، أو أشدُّ صلابةً من الحجارة  .

وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله.

أي: إنَّ الحجارةَ مع قسوتها أفضلُ من قلوبِ أولئك القومِ التي لا تَلين ولا تخشع؛ ذلك بأنَّ هناك أنواعًا من الحجارة تَسيل منها أنهارٌ من المياه، ومنها أنواعٌ تلين وتتصدَّع فيَخرُج منها الماء، ومنها ما يَتردَّى من علوٍّ إلى سُفول؛ من خَشيةِ الله تبارك وتعالى  .

وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

أي: إنَّ الله سبحانه غيرُ غافلٍ عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساهٍ عنها، بل هو حافظٌ لها، وسيُجازيهم على ذلك أتمَّ الجزاء  .


الفَوائِد التربويَّة:

1- أنَّه ينبغي للإنسان أن يمهِّدَ للأمر، أو الخبر الذي يعتزم قوله، بما يؤدِّي إلى قَبوله؛ لقوله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً  .

2- أنَّ جميع الخَلْق محتاجون إلى الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام به عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ موسى صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان من أُولي العزمِ من الرُّسُل؛ ومع ذلك فهو محتاجٌ إلى الالتجاء إلى ربِّه تبارك وتعالى؛ لقوله تعالى: قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ  .

3- أنَّ الاستهزاءَ بالنَّاس من الجَهل، والحُمق، وقلة العقل؛ لقول موسى عليه الصَّلاة والسَّلام: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ  .

4- أنَّ مَن شدَّد على نفْسه، شدَّد الله عليه، كما حصَل لبني إسرائيل؛ فإنَّهم لو امتثلوا أوَّلَ ما أُمِروا، فذبَحوا أيَّ بقرة، لكفاهم، ولكنَّهم شدَّدوا، وتعنَّتوا، فشدَّد الله عليهم  .

5- أنَّه ينبغي الاعتناءُ بمعنى القِصَّة، وغرضِها، دون النظر المجرد إلى مَن وقعَتْ عليه؛ لقوله تعالى: بِبَعْضِهَا ولم يعينْ لهم ذلك  .

6- أنَّ المُبهَم في أمور متعدِّدة أيسرُ على المكلَّف من المعيَّن؛ وذلك إذا كانوا قد أُمروا أن يَضرِبوه ببعضها فقط  .

7- أنَّ بيانَ الأمورِ الخفيَّة التي يحصُل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نِعمة الله عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ  .

8- أنَّ الله سبحانه وتعالى يُخرِج ما يكتمُه أهلُ الباطل، ويبيِّنه للناس؛ لقوله تعالى: وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ  ، فلْيحذرِ الإنسانُ من أن يكتُمَ شيئًا لا يرضاه الله عزَّ وجلَّ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- تعنُّتُ بني إسرائيلَ، وسوءُ أدبِهم معَ أنبيائِهم؛ حيث قالوا لنبيِّهم عليه الصَّلاة والسَّلام: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، وقالوا أيضًا: الْآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ؛ فكأنَّهم يقولون: الآن رَضِينا بوصف هذه البقرة، فقاموا بذبْحها بعد تعنُّتٍ منهم، وكل هذا يدلُّ على استهتارهم بأوامر الله عزَّ وجلَّ  .

2- استكبار بني إسرائيل؛ حيث قالوا لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ، فأمروه أمرًا، ثم أضافوا ربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ إلى موسى، كأنَّهم متبرِّئون من ذلك، فلم يقولوا: «ادع ربَّنا»، أو «ادع الله»، وممَّا يدل على استكبارهم كونُهم طلبوا من موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، أن يُبيِّن لهم ما هذه البقرة، مع أنَّ البقرة معروفة، وهي عند الإطلاق تَشملَ أيَّ واحدة  .

3- أنَّ قول الرسول قولٌ لمرسِله إذا كان بأمْره؛ لقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا  .

4- أنَّ هذه الآية من آيات الله عزَّ وجلَّ، وهي أن تكونَ البقرة التي تفارق الحياةَ سببًا لحياة هذا القتيل؛ إذ لا رابطةَ في المعقول بين أن تُذبَح البقرة، ويُضرَب القتيلُ ببعضها، فيحيا، فلو قِيل بضربِه بجزءٍ مِن بقرة حيةٍ لربما توهَّم متوهمٌ أنَّه استمدَّ الحياةَ مِن حياتها، ولكن أمرهم بضربِه بجزءٍ مِن بقرة ميتة، فعادت له الحياةُ  .

5- لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النِّعم، ومع ذلك فهُم لم يَلينوا للحقِّ، بل قسَت قلوبُهم على ظهور هذه النِّعم  ! كما قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً.

6- أنَّ الجماداتِ تَعرِف اللهَ عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا عبَّر عن لونها بالاسم صَفراء ولم يُعبِّر بالفعل (يصفر)؛ لأنَّ اللون من الأشياء الثابتة التي لا تتجدَّد، وأفاد ذِكْر اللَّون في فَاقِعٌ لَوْنُها التوكيدَ، وهو أبلغُ من قول: (صفراء فاقعة)؛ لأنَّ اللون اسم للهيئة، وهي الصُّفرة  .

2- قوله: تَسُرُّ النَّاظِرينَ جاء الوصف بالفِعل تَسُرُّ؛ ليُشعرَ بالحدوث والتجدُّد. وتأخَّرَ هذا الوصفُ عن الوصف قبله صفراء؛ لأنَّه ناشئ عنه، أو كالناشئ. وجاء بصِيغة الجمْع في النَّاظِرينَ، وأدخل الألف واللام التي تدلُّ على الاستغراق؛ ليوضِّح أن أعينَ الناس كلِّهم طامحة إليها، متلذِّذة فيها بالنظر، فليست ممَّا تُعجِب شخصًا دون شخص  .

3- قوله: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ توسَّط قولُه: إِنْ شَاءَ اللهُ بين اسم إنَّ وبين خبرِها؛ ليحصل توافُق رؤوس الآي، وللاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة الله، وجاء خبر إنَّ لَمُهْتَدُونَ اسمًا؛ لأنَّه أدلُّ على الثبوت، وعلى حُصولِ الهداية لهم، وأُكِّد بحَرفَيِ التأكيد: إنَّ واللام  .

4- قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً

- قوله: ثُمَّ قَسَتْ  فيه مناسبة حسَنة، حيث كان حصولُ المعصية منهم- بعدَ رُؤية هذه الخارقة- مُستبعَدَ التصوُّر، فضلًا عن الوقوع  .

قوله: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ فيه تشبيه مُرسَل مُجمَل  ذُكرت فيه أداة الشَّبه وحُذِف وجهُ الشبه؛ حيث شبَّه قلوبهم في نبوِّها عن الحقِّ، وتجافيها مع أحكامِه بالحجارة القاسية، ثم ترقَّى في التشبيه، فجَعل الحجارة أكثرَ لِينًا من قلوبهم. وهو أيضًا من باب تشبيهُ المعقولِ بالمحسوس؛ فالحجارة أمرٌ محسوس، وقسوة القلب أمرٌ معقول  .

ووجه تشبيه قلوبهم بأنَّها كالحجارة في القَسوة ولم يشبهها بالحديد، وهو أشد من الحجارة وأصلب؛ لأنَّ الحديدَ قابلٌ للين بالنار، وقد لان لداود عليه الصَّلاة والسلام، والحجارة ليست قابلةً للين، فلا تلين قط  .

قوله: أشدُّ قَسوةً عبَّر بالمصدر الصَّريح، ومصدر الفِعل (قسى)، مع أنَّه ممَّا يخرج منه أفعلُ التفضيل (أقسى)؛ لأنَّ هذا أدلُّ وأبين على فَرط القسوة؛ ولأنَّه قصَد وصف القَسوة بالشدَّة، لا قصدَ معنى الأقسى، كأنَّه قيل: اشتدَّت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدُّ قسوةً. وفي هذا التعبير أيضًا زيادةُ تقريع مناسِب لسِياق هذه القَصص  .

5- وفي هذه الآيات المتقدِّمة فنُّ التكرير، وهو داخلٌ في باب الإطناب  ، كأنَّهم يُكرِّرون السؤالَ استكناهًا لحقيقة البقرة؛ لشدَّة تعنُّتهم  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (75-82)

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75)

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(76)

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ(77)

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(78)

فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ(79)

وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80)

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(82)

غريب الكلمات:

يُحَرِّفُونَهُ: يَقلبونه ويُغيِّرونه، وأصل تحريف الشَّيء وانحرافه: إمالته، والعدول به عن الاستقامة  .

أُمِّيُّونَ: جهلة غَفَلة، أو الذين لا يكتبون ولا يقرؤون من كتاب، وأصل (أم): الأصل والمرجع، فنُسِب الأُمِّي إلى ما عليه جِبلَّة الناس؛ لا يكتب ولا يقرأ على ما وُلِد عليه  .

أَمَانِيَّ: جمْع أُمْنِية، وهي تأتي بمعنى التِّلَاوة المُجرَّدة عن المعرفة؛ تَجري عند صاحبها مجرَى أمنية متمنَّاة على التخمين. وتأتي الأماني بمعنى: الأكاذيب، ومَا يتمناه الْإِنْسَان ويشتهيه أَيضًا  .


مشكل الإعراب:

قوله: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: (إنْ): حرف نفي بمعنى (ما).

و(هم): في محل رفع مبتدأ.

و(يظنون) فعل وفاعل في محل رفع خبر.

و(إلَّا): أداة حصْر؛ لتحقيق النفي، والاستثناء مفرغ. وهكذا كل (إنْ) مكسورة مخفَّفة وبعدها (إلَّا)؛ فإنَّ (إنْ) بمعنى (ما)، نحو: إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُور [الملك: 20]  وأمثالها  .


المعنى الإجمالي:

يحضُّ الله تعالى المؤمنين على قَطْع أملهم من إيمان اليهود؛ فإنَّ حالهم لا يَقتضي الطَّمع في إيمانهم؛ فإنَّهم يَسمعون كلامَ الله الذي هو التوراة، ثم يُبدِّلونه من بعد ما فَهِموه، وهم يعلمون أنَّهم كاذبون ومُفترون، وإذا قابلوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابَه أظهروا الإيمانَ بألسنتهم فقط، وحين يَختَلُون بأصحابهم يُنكِر عليهم أصحابُهم إخبارَهم النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابه بأنَّ ما في التوراة من صفات النبيِّ المنتظَر تنطبِق على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وبما وقع لآبائهم من العقوبات؛ وذلك لئلَّا يكون هذا الاعترافُ حُجَّةً للمؤمنين عليهم يومَ القيامة أمام الله، حيث عرَفوا الحقَّ ولم يتَّبعوه، وقال لهم أصحابهم مُنكِرين عليهم: لو كان لديكم إدراكٌ لفَهِمتم هذا الأمر. فأنكر الله تعالى عليهم قولَهم هذا، وهم يعلمون أنَّ الله يعلم ما يُخفونه وما يُعلنونه.

ثم أخبَر الله سبحانه أنَّ من اليهود عوامَّ، ليس لهم حظٌّ من التوراة إلَّا تلاوةُ ألفاظها فحَسْبُ؛ فهم لا يفقهون معانيَها، وليس معهم إلَّا مجرَّدُ ظنون.

ثم توعَّد الله عزَّ وجلَّ بالعذاب والهلاك اليهودَ، الذين حرَّفوا التوراةَ ثم يدَّعون أنَّها من عند الله؛ لأجْل الحصول على مكاسبَ دُنيويَّة، فأخْبَر أنَّ هؤلاء لهم عذابٌ شديد؛ جزاءَ ما زوَّروه بأيديهم وعلى ما أَخذوه من الحرام.

ثم ذكَر الله تعالى تزكيةَ اليهود لأنفسهم بأنَّ النار لن تلاقيَ أجسامَهم إلَّا أيَّامًا قليلة، فأمر الله نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يسألَهم إنْ كان لديهم ميثاقٌ من الله على ما زَعموه؛ فإنْ كان لهم، فاللهُ لا ينقض ميثاقَه، أم أنَّهم يدَّعون َعلى الله كذبًا؟!

فأخبَرهم الله جلَّ شأنُه أنَّ الأمر ليس كما ادَّعَوه؛ فالحُكم أنَّ مَن أشرك بالله، وأَحدقتْ به ذنوبُه، ومات عليها ولم يتُبْ منها، فهؤلاء هم الملازمون للنَّار، لا يخرجون منها أبدًا، وأنَّ مَن آمن بالله وملائكته وكتُبه ورُسله واليوم الآخِر، وعمِل صالحًا، فهؤلاء هم أهلُ الجنة المقيمون فيها، لا يخرجون منها أبدًا.


تفسير الآيات:

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن سبحانه أنَّ قلوب اليهود صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرُّؤ على بارئِها محجوبةً بالرَّيْن، كثيفةَ الطَّبع، بحيث إنَّها أشدُّ قسوةً من الحجارة، وتسبَّب ذلك في بُعدهم عن الإيمان- لَمَّا بيَّن سبحانه ذلِك أَيْئَسَ عبادَه المؤمنين من استجابة اليهود إلى الدِّين الحقِّ  ، فقال:

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ.

أي: أتُعلِّقون الطمعَ بما لا مطمعَ فيه، فترجون أن يؤمنوا لكم؟! أي: يُصدِّقون ويُقرُّون بقلوبهم وألسنتهم وجوارحِهم؛ لأجْل دعوتكم وطلبِكم منهم الإيمانَ  ؟!

وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الله.

أي: والحال أنَّ جماعةً منهم كانوا يَسمعون كلام الله يُتلَى في كتابه التوراة  .

ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ.

أي: إنَّهم من بعد سماعِهم لكلام الله عزَّ وجلَّ، ومن بعد أن أدْركوه بعقولهم ففهِموه جيِّدًا، يقومون بتبديله، وتغييره، وصرْف معانيه إلى معانٍ أُخرى على غيرِ مُرادِ الله تعالى  !

وَهُمْ يَعْلَمُونَ.

أي: والحال أنَّهم يعلمون أنَّهم حرَّفوه مُبطِلين، ومفترين على الله تعالى الكذبَ  !

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76).

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا.

أي: وإذا قابَل منافقو اليهود، المؤمنين -وهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه- أظْهَروا لهم الإيمان بألسنتهم، بما ليس في قلوبِهم  .

وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.

أي: حين ينصرِفُ هؤلاء المنافقون من اليهود، خالين بأصحابِهم في موضعٍ ليس فيه أحدٌ سواهم  .

قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ.

أي: قال أصحابُهم اليهود الذين لم ينافقوا، مُنكِرين على مَن نافق منهم: أُتخبِرون النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابَه، بما أعْلَمَنا الله تعالى به في التوراة وحكم به علينا؟! (وذلك كالإخبار بأنَّ محمَّدًا عليه الصَّلاة والسَّلام هو النبيُّ المنتظَر الذي تَنطبِق عليه الصِّفاتُ المذكورة لدَيْهم، والذي وجب علَيْهم الإيمان به، وكقضائه وحكمه على أسلافهم بما وقع عليهم من العذاب)  .

لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ.

أي: فيكون ذلك الإقرارُ حُجَّةً لهؤلاء المؤمنين علينا عند الله تعالى يوم القيامة، أنَّنا عَرَفْنا الحقَّ وترَكْنا العمل به  ؟!

كما قال تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: 31] .

أَفَلَا تَعْقِلُونَ.

أي: أليس لكم إدراكٌ بعقولكم؛ فتفهموا أنَّه لا ينبغي لكم إخبارُ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّه النبيُّ المنتظَر، فيكون ذلك حُجَّةً لهم عليكم عند الله تعالى يوم القِيامة  ؟!

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77).

أي: أيقولون مِثل هذا ولا يعلمون أنَّ إسرارَهم وإعلانهم عند الله جلَّ وعلا سواءٌ؛ فالسِّرُّ عنده علانية؟! فالله تعالى يعلم ما يُسرُّه اليهود من الكفر والتكذيب، وما يُخفونه من التلاوم بينهم على إظهارِهم ما أظهروا للمؤمنين من الإقرار، كما يَعلم ما يُعلنونه للمؤمنين بقولهم لهم: آمنَّا  .

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78).

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ.

 أي: إنَّ من اليهود مَن لا يحسن القراءة والكتابة، وليسوا على عِلمٍ بالتوراة، وإنَّما لديهم مجرَّد أحاديث وأمنيات باطلة اختلقوها من تِلقاء أنفسهم، كقولهم: لن يدخُل الجنة إلَّا من كان هودًا أو نصارى، وكقولهم أيضًا: لن تمسَّنا النار إلا أيَّامًا معدودات، إلى غير ذلك من تخرُّصاتهم  .

وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.

أي: نفَى عنهم العِلمَ، وبيَّن أنَّهم ليس معهم إلَّا مجرَّد ظنون  .

كما قال تعالى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [النساء: 157] .

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79).

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله.

أي: هلاكٌ عظيم، وعذابٌ هائِل سيحُلُّ بدُعاة الضَّلال من اليهود، الذين يُحرِّفون التوراة، فيخطُّون بأيديهم أشياءَ باطلةً مُختلَقة، ثم يدَّعون زُورًا وبهتانًا أنَّها حقٌّ من عند الله تبارك وتعالى  .

لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

أي: إنَّهم إنَّما قاموا بذلك الافتراء والتزوير؛ لأجْل غايةٍ خسيسة، وهي الحصولُ على مكاسبَ دُنيويَّة  .

فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ.

أي: لهم عذابٌ شديد، وهلاكٌ عظيم؛ جرَّاءَ ما كتبتْه أيديهم من الكذب والافتراء على الله عزَّ وجلَّ، ولهم العذابُ والهلاك أيضًا؛ جزاءً على أخْذهم الحرامَ عوضًا على ما عملتْه أيديهم من التَّزوير والتحريف  .

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ الله عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ (80).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

بعدَ أنْ ذكَر الله تعالى تحريفَهم التوراةَ، بيَّن سبَب جُرأتهم وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من جرائمَ، وأنَّهم مع ذلك يزكُّون أنفسهم فجَمَعوا بين الإساءة والأمْن  ، قال تعالى:

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً.

أي: إنهم قالوا: لن تلاقي أجسادنا نار الآخِرة، إلَّا أيامًا قليلةً، ثم ننجُوا منها  .

قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ الله عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ.

أي: قُلْ يا محمَّد، لأولئك اليهود الذين ادَّعوا لأنفسهم ما ادَّعوا: هل عندكم مِن الله تعالى ميثاقٌ يُثبت صحَّةَ دعواكم؛ فإنْ كان قد وقَع عهد، فلكم العُذر فيما قلتم؛ فإنَّ الله تعالى لا ينقُض ميثاقه، ولا يُخلِف وعده  ؟

أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

أي: أوْ هلْ تتقوَّلون على الله تعالى الباطِل، وتَختلِقون الكذبَ جَراءةً عليه سبحانه  ؟

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا قال اليهود: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، كذَّبهم الله تعالى وأخبَرهم بالحُكم الذي لا حُكمَ غيره، لا أمانيهم ودعاويهم الباطِلة  ، فقال:

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً.

أي: ليس الأمر كما تمنَّيتُم يا معشرَ اليهود، ولكن من أشرك بالله تعالى  .

كما قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [النساء: 123] .

وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ.

أي: أحدقت ذنوبُه وخطاياه بقَلبِه من كلِّ جانب، فليس له منفذٌ للخروج منها، ومات عليها قَبلَ التوبة منها  .

فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

أي: إنَّهم ملازِمون للنار على الدَّوام، لا يخرجون منها أبدًا  .

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82).

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.

أي: الذين صَدَّقوا وأقرُّوا بألسنتهم وقلوبهم، وصدَّقوا ذلك بجوارحهم، فعمِلوا الأعمالَ الصالحاتِ بإخلاصٍ لله تعالى، ومتابعةٍ للرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ  .

أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

أي: هؤلاء هم أهلُ الجنة المقيمون فيها على الدَّوام، لا يخرجون منها أبدًا  .


الفوائد التربويَّة:

1- تَسليةُ الله تعالى لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بما يُذهب عنه الأسى، والحزن؛ حيث بيَّن له حال هؤلاء، وأنَّهم قومٌ عُتاةٌ لا مَطمعَ في إيمانهم، كما قال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ  .

2- أنَّ مَن كان لا يؤمن بما هو أظهرُ، فإنَّه يبعُد أن يؤمن بما هو أخْفَى؛ لأنَّ مَن يَسمع كلام الله، ثم يُحرِّفه، أبْعَدُ قَبولًا للحقِّ ممَّن لم يسمعه، كما قال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  .

3- التَّحريف بعد عقْل المعنى أعظمُ، كما قال تعالى: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ وذلك لأنَّ الجاهل قد يُعذَر بجهله؛ لكن العالم الذي عقَل الشيء يكون عملُه أقبحَ؛ لأنَّه تجرَّأ على المعصية مع عِلمه بها  .

4- أنَّ العِلم من الفتح؛ لقولهم: بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ؛ ولا شكَّ أنَّ العِلم فتْحٌ يَفتح الله به على المرء من أنواع العلوم والمعارف ما يُنير به قلبَه  .

5- في توبيخ الله تعالى لليهود بقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ دلالةٌ على أنه يَنبغي للإنسان أن يكون عاقلًا؛ فلا يخطو خُطوةً إلَّا وقد عرَف أين يضع قدمه، ولا يتكلَّم إلَّا وينظر ما سيترتَّب على كلامه، ولا يفعل شيئا إلَّا وينظر ما سيؤول إليه فِعلُه  .

6- ذمُّ مَن لا يَعتني بمعرفة معاني كتاب الله عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ  .

7- أنَّ الإيمان وحده لا يَكفي لدخول الجنة، بل لا بدَّ من العمل الصالح،كما أنَّ العَمل وحده لا يكفي، بل لا بدَّ أن يكون صادرًا عن إيمان؛ لقوله تعالى: آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ؛ ولذلك لم ينفعِ المنافقين عَملُهم؛ لفقدهم الإيمانَ في قلوبهم  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ من سجايا اليهود وطبائعهم الغَدرَ والخيانة؛ لقوله تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ... الآية؛ لأنَّ في هذا نوعًا من الغَدْر بالمؤمنين  .

2- حُسن مجادلة القرآن؛ لأنَّه حصَر هذه الدعوى في واحدٍ من أمرين، وكلاهما منتفٍ: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  .

3- في قوله تعالى: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ الله عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ: أنَّ الله سبحانه وتعالى لن يُخلِفَ وعده؛ وكونه لا يُخلف الوعد يتضمَّن صفتين عظيمتين، هما: الصِّدق، والقدرة؛ لأنَّ إخلاف الوعد إمَّا لكَذِب، وإمَّا لعجز؛ فكون الله جلَّ وعلا لا يُخلف الميعاد يقتضي كمالَ صِدقه، وكمال قُدرته سبحانه وتعالى  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: أَفَتَطْمَعُونَ استفهام إنكاري للنَّفي، وفيه معنى التقرير لعدم إيمانهم، والتعجُّب كذلك، فكأنَّه قيل: فلا تَطمَعوا أن يؤمنوا لكم، أو فاعجبوا من طمَعِكم  .

2- قوله: عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فيه تَكرار أفعال متقارِبة في المعنى (عقل- علم)، وفائدته: التأكيد على شِدَّة قسوتهم، وعظمة جَراءتهم؛ إذ عقَلوا مرادَ الله فأوَّلوه تأويلًا فاسدًا، يعلمون أنَّه غيرُ مراد، أو علِموا أنَّ التأويل الفاسد يُكسبهم الوزرَ والعقوبة  .

3- في قوله:  يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ذِكر الأيدي تأكيدٌ، وهذا الموضع ممَّا يحسن فيه التأكيد، كما يُقال لمن يُنكر معرفة ما كتَبَه: هذا ما كتبتَه بيمينك، والقصد منه: تحقيقُ وقوعِ الكتابة، وأنَّهم في ذلك عامِدون قاصِدون  .

4- في قوله: فَوَيْلٌ... فَوَيْلٌ لَهُمْ... وَوَيْلٌ لَهُمْ

جاء التعبير بالجُملة الاسميَّة؛ دلالةً على الثبوت والدوام  .

ونُكِّرَت كلمة (ويل) للتعظيم والتهويل  .

وفائدة تَكرار ذِكر الويل في الكَسب؛ بيان أنَّ في أخذهم المالَ على ما كتبوه ذنبٌ آخَر؛ ففيه دفْعٌ للإيهام، وإزالةٌ للشبهة، بأنَّ مجموع الكتابة والكسب يَقتضي الوعيد العظيم دون كلِّ واحدٍ منهما  .

وفيه من البلاغة: الجمع والتقسيم  ؛ ففي قوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا جمْعٌ، وفي قوله: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ تقسيم  .

5- قوله:  يَكْتُبُونَ... يَقُولُونَ... يَكْسِبُونَ فيه التعبير بالفِعل المضارِع؛ لاستحضار الصُّورة، كأنَّها حاضرة للعِيان  .

6- قوله: أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

أمْ هذه تُسمَّى أم المعادلة لهمزة الاستفهام، والاستفهام هنا على سبيل التقرير للعِلم بوقوع أحدهما، أو على التقرير والتقريع  .

7- في قوله: سَيِّئَةً جاء التنكير للتعظيم؛ لأنَّ المقصودَ بها الشرك  .

8- في قوله: فأولئك، وقوله: أولئك كما ورد في هاتيْن الآيتيْن بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

ذِكر الفاء وحَذفها فيه معنًى لطيف؛ فقد يكون ورودها للدَّلالة على سببيَّة دخول النار بسُوء أفعالهم، وذلك عدلٌ منه سبحانه، وأمَّا دخول الجَنَّة فهو بفَضل الله تعالى ورحمته؛ ولذا حُذِفَت الفاء  .


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (83-86)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ(83)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ(84)

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(85)

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(86)

غريب الكلمات:

أُسَارَى: جمْع أَسْرى، وأَسْرى جمْعُ أسير؛ فأُسارَى جمْع الجمْع، وأصل الأسر: الحبس والإمساك، ومنه الشدُّ بالقيد، من قولهم: أسرت قَتَب البَعيرِ، وسُمِّي الأسير بذلك، ثم قيل لكلِّ مأخوذٍ ومقيَّد- وإن لم يكن مشدودًا -: أسير  .

خِزْيٌ: هوان، وهلاك، وأصل الخِزي: الإبعاد  .


مشكل الإعراب:

قَوْله: لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله: الفعل (تعبدون) مرفوع وعلامة رفْعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة. ورفْعه إمَّا على تقدير (أنْ لَا تعبدوا)، ولَمَّا حُذِفت (أَنْ) ارتفع الفِعْل. أو تكون (لا) نافية لا عمَلَ لها، ويكون النَّفي مقصودًا منه النَّهي. وقيل غير ذلك  .


المعنى الإجمالي:

يُذكِّرُ اللهُ سبحانه بني إسرائيل بالعهد المؤكَّد الذي أخَذه عليهم، وهو أن يعبدوه وحْدَه، وأن يُحسنوا إلى الوالدين، وإلى جميع مَن تربطهم بهم صِلةُ قرابة، وأن يُحسنوا كذلك إلى مَن فقَدوا آباءهم قبل أن يبلُغوا، وإلى الفقراء، وأن يُحسِنوا القول إلى كلِّ الناس، وأن يأتوا بالصَّلاة تامَّةَ الأركان والواجبات، ويُعطوا الزَّكاة المفروضة لمستحقِّيها، لكنَّهم نقَضوا هذا العهدَ الذي أخذ عليهم، وتولَّوا عنه بلا رَجعة، إلَّا عددًا قليلًا منهم قدْ أوفَوا بعهد الله تعالى.

ثمَّ ذكَّرهم الله أيضًا بعهدٍ آخَر قد أخَذَه عليهم من قبل، وهو أن لا يَقتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يخرج بعضُهم بعضًا من ديارهم بغير حقٍّ، وأنَّهم أقرُّوا بمعرفة هذا العهدِ وصحَّتِه، ولم يغبْ عنهم ولم يُنكروه، لكنَّهم نقضوه وفعَلوا ما نُهوا عنه، فقَتَل بعضُهم بعضًا، وأخرَج بعضُهم بعضًا من دِيارهم، وتعاونوا على أهل مِلَّتهم بالمعصية وتجاوُز حدود الله عزَّ وجلَّ.

وبالرُّغْم من هذا القَتل والإخراج المُحرَّميْنِ، إلَّا أنَّهم إذا أُسِرَ بعضهم يجيءُ الذين قاتلوهم من اليهود من الفريق الآخَر فيُخلِّصونهم من الأَسْر؛ يَمتثلون ما أُمروا به من افتداء الأسرى اليهود، مع أنَّهم مُحرَّم عليهم إخراجُهم، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك؛ إذ كيف يمتثلون بعضًا ممَّا في التوراة، ويتركون بعضًا؟!

ثم أخْبَر تعالى أنَّه لا جزاءَ لِمَن يفعل فِعلهم القبيح إلَّا الذلُّ في الدُّنيا، وفي الآخِرة لهم من العذاب أشدُّه، والله لا يَخفَى عليه شيءٌ من أعمالهم.

ثم بيَّن أنَّ هؤلاء الصِّنف من اليهود قد استبدَلوا في الحقيقة ما في الدُّنيا من نعيم زائلٍ بنعيم الآخِرَة الدائم؛ وذلك بسبب كُفرهم وتركهم شرائعَ الله تعالى؛ فلن يُخفَّف عنهم ما يستحقُّونه من العذاب يومَ القِيامة، ولن يُنقِذَهم أحدٌ منه.


تفسير الآيات:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83).

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ.

أي: واذكُروا يا معشر اليهود، حين أخَذْنا عليكم عهدًا مؤكَّدًا بعبادة الله وحْدَه لا شريكَ له  .

وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.

أي: وممَّا أُخِذ على بني إسرائيل من العهود المؤكَّدة أن يُحسنوا إلى الوالدين، وهذا يشمل كلَّ أنواع الإحسان القوليَّة والفعليَّة، وممَّا أُخِذ عليهم أيضًا: العهد بالإحسان- بجميع طرقه- إلى أنواع القَرابات كافَّةً، وإلى اليتامى- واليتيم هو مَن فقَدَ أباه قبلَ البلوغ، ذَكَرًا كان أم أُنثى- وإلى المساكين، وهم الفقراء  .

كما قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ... الآية [النساء: 36] .

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا.

أي: ومما أمر الله تعالى به اليهود أن يحسنوا بالقول إلى النَّاس عمومًا، فيكلمونهم بكلام طيب لين، يدخل فيه الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعفو والصفح، وغير ذلك  .

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ.

أي: وممَّا أُمِر به اليهودُ أيضًا: إقامةُ الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، أي: ائتوا بالصَّلاة تامَّةً بحقوقها الواجبة عليكم فيها، وأعطوا الزكاةَ مستحقِّيها بما فرَض الله تعالى عليكم في أموالِكم  .

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ.

أي: خاطَب اللهُ تعالى اليهودَ الحاضرين في زمن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّهم هم وآباؤهم قد ترَكوا ما أخذ الله تعالى عليهم من المواثيق التي ذُكرت في الآية، ترَكوها وراءَ ظهورهم، فنقضوها وأعْرَضوا عنها عن عمْد بعد العِلم بها، إعراضًا لا رجعةَ فيه إليها، عدا عددٍ قليل منهم قد عصمَهم الله تعالى ووفَّقهم، فوفوا بتلك العهود  .

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84).

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ.

أي: واذكروا حين أخَذْنا عليكم وعلى آبائكم من قبل، ألَّا يقتل بعضُكم بعضًا، ولا يُخرِج بعضُكم بعضًا من دِيارهم بغير حقٍّ  .

ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ.

أي: بعد أخْذ هذا الميثاق عليكم، بقيتُم عليه، وقد أقررتُم بمعرفته وصحَّته، وشهدتُم عليه، فهو لديكم باقٍ، لم يغبْ عنكم، ولم تُنكِروه  .

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85).

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ.

أي: إنَّهم من بعد ذلك الميثاقِ، والإقرارِ به، والشهادة عليه، نقَضوا الميثاقَ الذي أُخذ عليهم؛ إذ وقعوا في المخالفة بقَتْل بعضهم بعضًا، وإخراج بعضهم بعضًا من دِيارهم بغير حقٍّ  .

تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.

أي: تتعاونون على أهلِ ملَّتكم بمعصية الله تعالى، وتجاوز حدودِه  .

وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: (تفادوهم) قِراءتان:

1- (تُفَادُوهُمْ) على معنى أنَّ المفاداة من اثنين؛ لأنَّ الفداء: أن تأخذ ما عنده، وتُعطي ما عندك، فتَفعل به كما يُفعل بك  .

2- (تَفْدُوهُمْ) أي: تشتروهم من العدوِّ وتُنقِذوهم  .

وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ.

أي: إنَّه بعد أَسْر بعض اليهود من كِلا الفريقيْنِ المتحاربيْنِ يقوم الذين قاتلوهم من أهل مِلَّتهم، بتخليصهم من الأَسر، بعِوض أو بمبادلةٍ بين أسارى الفريقينِ؛ امتثالًا لما أُمِروا به في كتابِهم من افتداءِ الأَسرى منهم، مع أنَّه قد حُرِّم عليهم في كِتابهم أيضًا إخراجُهم من دِيارهم، ولم يجتنبوا هذا النهيَ  !

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.

أي: أنْكَر الله تعالى عليهم ذلك؛ إذ كيف يمتثِلون شيئًا ممَّا أُمروا به في التوراة، وهو فِداء أسراهم من أيدي العدوِّ، بينما يتركون أشياءَ أخرى من نفْس التوراة، وهي ارتكابُ ما نُهوا عنه من قتْل، وإخراج بعضهم بعضًا، ومظاهرة بعضهم العدوَّ على بعض  ؟!

فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

أي: ليس لِمَن وقَع في ذلك الانحراف الشَّنيع منكم معشرَ اليهود، سوى الذلِّ؛ عقابًا عاجلًا في الدنيا. وممَّا وقَع لهم من ذلك: تسليطُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ عليهم، فقَتَل منهم مَن قتَل، وسبَى مَن سبَى، وأجْلَى البقيةَ من دِيارهم  .

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ.

أي: ويوم تقوم السَّاعة، فيقوم النَّاسُ لربِّ العالمين، يُرَدُّ هؤلاء الذي فعَلوا ذلك منكم- أيُّها اليهود- أي: يرجعون من ذلِّ الدنيا إلى أعظم ما يكون من العُقوبات الأخرويَّة التي أعدَّها الله تعالى لأعدائه  .

وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

أي: يُهدِّدهم الله تعالى ويتوعَّدهم؛ فلكمالِ عِلمه ومراقبتِه لا يَخفى عليه شيءٌ، ولا يَنسى شيئًا سبحانه وتعالى، بل هو حافظٌ عليهم أعمالَهم، ومحصيها لهم؛ ليجازيَهم بها  .

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86).

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ.

أي: إنَّهم قد استبدلوا نَعيمَ الدُّنيا الفاني بنَعيمِ الآخِرة الباقي، وذلك ببذلهم الكفرَ بالله تعالى وترْك شرائعه، ثمنًا للاستحواذِ على ما يبتغون من حُطام الدُّنيا  .

فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ.

أي: لأجْل إيثارهم الدُّنيا على الآخِرة، لن يُخفَّف عنهم من عذاب يوم القيامة شيءٌ، لا زَمنًا ولا شدَّةً  .

كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر: 49-50] .

وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.

أي: لا يَستنقِذهم أحدٌ من عذاب الله تعالى  .


الفوائد التربويَّة:

1- في قوله تعالى: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [البقرة: 83] ، إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ ذي القُربى، كالتابع لحقِّ الوالدينِ؛ لأنَّ الإنسان إنما يتَّصل به أقرباؤه بواسطة اتِّصالهم بالوالدينِ، والاتِّصالُ بالوالدين مقدَّم على الاتِّصال بذي القربى؛ فلهذا أخَّر الله تعالى ذِكرَه عن الوالدينِ  .

2- أنَّ الأُمَّة كالنَّفْس الواحدة؛ لقوله تعالى: لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- في قوله سبحانه وتعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ [البقرة: 83] : جاء الأمْر بالإحسان إلى اليتيم بعدَ الأمر بالإحسان إلى الأقارب؛ لأنَّه لصغره لا يُنتفع به، ولخلوِّه عمَّن يقوم بشؤونه، يَحتاجُ إلى مَن يَنفعه، والإنسان قلَّما يرغب في صُحبة مِثل هذا، ولَمَّا كان هذا التكليفُ شاقًّا على النفْس، كانت درجتُه عظيمةً في الدِّين.

وأمَّا المساكين فقد تأخَّرت درجتُهم عن اليتامى؛ لأنَّ المسكين قد يُنتفع به في الاستخدام، فكان المَيلُ إلى مُخالطته أكثرَ من الميل إلى مخالطةِ اليتامى، ولأنَّ المسكين يُمكنه الاشتغالُ بتعهُّد نفْسه ومصالح معيشته، وليس اليتيم كذلك  .

2- إثبات أنَّ صفات الله تعالى ثبوتيَّة، ومنفيَّة، لكنَّ النفي المحضَ لا يُوجَد في صفات الله تعالى، وإنَّما جاء النفيُ الواقع في صفاته؛ لبيان كمال ضدِّ ذلك المنفيِّ، كما قال تبارك وتعالى: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  [البقرة: 85]   .


بلاغة الآيات:

1- قوله: لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ فيه قصرٌ بالنفي والاستثناء (لا... إلَّا)  .

- والأسلوب إخباري في معْنى النهي، وهو أبلغُ من صريح النهي؛ لِمَا فيه من إيهام أنَّ المنهيَّ سارع إلى الانتهاء  .

2- في قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ التفات؛ إذ خرَج من ضمير المتكلِّم في أَخَذْنَا إلى الاسم الغائب اللهَ. ولو جرَى على نسَقٍ واحد لقال: (لا تعبدون إلَّا إيَّانا)، لكن في العدول إلى الاسم الظاهر من الفخامة، والدلالة على سائر الصفات، والتفرد بالتسمية به، ما ليس في المُضمَر، ولأنَّ ما جاء بعده من الأسماء، إنما هي أسماء ظاهرة، فناسَب مجاورة الظاهر الظاهر  .

3- قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ

فيه التقديم بحسَب الأهمِّ؛ حيث قدَّم عِبادة الله تعالى، ثم قدَّم الأحوج إلى الإحسان بِالْوَالِدَيْنِ... ذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى... وَالْمَسَاكِينِ. وقدَّم الأمور بحسب الأنفع فيها؛ فقدَّم الإحسان على القول الحسن  .

وقوله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا فيه تأكيدٌ بوضع المصدر (حُسْنًا) موضِعَ الاسم (قولًا حَسَنًا)، وهذا إنَّما يُستعمل للمبالغة في تأكيد الوصف، فكأنَّه نفْس الحُسن، كرجل عدْل  ، أو على أنَّه مصدرٌ وَقَع صفةً لمحذوفٍ تقديرُه: وقولوا للناسِ قَوْلًا حُسْنًا، أي: ذا حُسْن  .

- وفي قوله: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ التِفات من الغَيبة إلى الخِطاب، حيث انتقل مِن الحديث عن بني إسرائيل القُدامى إلى خِطاب الحاضرين منهم في زمَن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحكمته: أنَّ الإقبالَ عليهم بالخِطاب أدْعى للقَبول، وأقرب للامتثال؛ إذ فيه الإقبال من الله على المخاطب بالخطاب  .

- وقوله: وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ عبَّر بالجملة الاسميَّة التي تدلُّ على الثبوت؛ للتأكيد على إعراضهم واستمرارهم فيه  .

4- قوله: تَقْتُلُونَ وقوله: وَتُخْرِجُونَ حال، أو خبَر نُزِّل فيه الغائِبُ مَنزلةَ الحاضر؛ لأنَّ المرادَ بهم أسلافُهم، وعبَّر بالمضارع؛ لقصد الدَّلالة على التجدُّد والحدوث، وأنَّ ذلك من شأنهم  .

5- في قوله: إِلَّا خِزْيٌ جاء تنكير الخزي؛ للتهويل والتعظيم  .

6- في قوله: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تقديمُ المسنَد إليه بِغَافِلٍ؛ للتَّخصيص، وتأكيد الوعيد  .     

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (87-90)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ(87)

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ(88)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ(89)

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ(90)

غريب الكلمات:

وَقَفَّيْنَا: أتْبَعنا وأردفنا على آثارهم، مأخوذ من القفا؛ يقال: قفوت الرجل: إذا سرت في أثره  .

بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريل عليه السلام؛ سمي بذلك لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، أو لأنَّه ينزل بالقدس، أي: بما يُطهر به نفوسنا من القرآن والحِكمة  .

غُلْفٌ: جمْع أغلف، أي: كأنها في غِلاف لا تفهم، ولا تَعقل شيئًا مما يقال، وأصل الغلف: الغشاوة وغشيان شيءٍ لشيء  .

يَسْتَفْتِحُونَ: أي: يستنصرون باسم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وببعثته؛ فالاستفتاح: الاستنصار، وطلب الفتح، أي: طلب الظفر  .

بَغْيًا: أي: حسدًا، وأصل البغي: طلب الشيء، وجنس من الفساد، والظلم، والترفع والعلو، ومجاوزة المقدار  .

فَبَاؤُوا: رجعوا، وانصرفوا بذلك، واستوجبوه. ولا يُقال (باء) إِلَّا بشر، ويقال: باء بكذا إذا أقرَّ به  .


المعنى الإجمالي :

يُخبِر الله سبحانه وتعالى عن إعطائِه التوراةَ لموسى عليه السَّلام، وإرسالِه الرُّسلَ إلى بني إسرائيل مِن بعدِ موسى عليه السَّلام، وأنَّه أعطى عيسى عليه السَّلام معجزاتٍ تُظهِر صِدقَه، وتُثبت نبوَّته، كما قوَّاه وأعانه بجبريل عليه السَّلام.

ثم أنكَر سبحانه على بني إسرائيل ما صَنعوه بمَن جاءهم من الرُّسل عليهم السَّلام، فكلَّما أتاهم رسولٌ من عند الله بأحكامٍ تُخالف أهواءَهم، كذَّبوا طائفةً منهم، وقتَلوا طائفةً أخرى.

ثم إنَّهم يدَّعون كذبًا واستكبارًا أنَّ سببَ عدَمِ إيمانهم هو أنَّ الله تعالى جعَل في قلوبهم أَغطيةً؛ فلا تتمكَّن من الفَهم، ولكن الأمْر ليس كما ادَّعَوا، بل الحقيقة أنَّ الله تعالى طرَدَهم من رحمتِه؛ مجازاةً لهم على جُحودهم بآياته، وتكذيبهم لرسلِه؛ فهم لا يُقِرُّون إلَّا بشيءٍ قليلٍ ممَّا يجب عليهم الإيمانُ به.

وحين جاءَ اليهودَ القرآنُ، وفيه تصديقٌ لِمَا عندهم من التوراة، وقد كانوا قبلَ مَبعث رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومجيئه بالقرآنِ يَستنصِرون على مَن يقاتلهم من المشركين بمبعثِه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّ اليهود سيكونون معه، وسيقتلون المشركين، فلمَّا أتاهم وعرَفوه، جَحَدوا به عمدًا؛ فاستحقُّوا الطردَ من رحمة الله عزَّ وجلَّ.

فما أقبحَ ما استبدلوا به أنفسَهم! وهو الكفرُ؛ إذ اختاروه وبذَلوا أنفسَهم للنَّار؛ وذلك حسدًا منهم لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ كان من غير بني إسرائيل. فاستوجبوا بذلك غضبًا من الله؛ بسبب جُحودِهم لرِسالته صلَّى الله عليه وسلَّمَ، إضافةً إلى ما تحملوه من غضَب الله أولًا؛ بسببِ ذنوبٍ مضَتْ منهم، ولكلِّ جاحد لنبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ عذابٌ يُهان فيه ويُذَلُّ.


تفسير الآيات:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87).

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ.

أي: أعطى الله تعالى موسى عليه السَّلام التوراة، ومِن بعدِه أرسل أنبياءَ إلى بني إسرائيل، فأتْبع بعضهم بعضًا على منهاج موسى وشريعتِه، بإقامة التوراة، والعملِ بما فيها إلى زمَن عيسى عليه السَّلام.

كما قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ الآية [المائدة: 44]   .

وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ.

أي: أخبر تعالى أنَّه أعطَى خاتمةَ أنبياء بني إسرائيل، عيسى عليه السَّلام، معجزاتٍ تُظهر صِدقَه، وتُثبت نبوَّتَه، كإحياء الموتى، وإبراء المَرضَى، وغير ذلك  .

وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.

أي: أيَّد الله تعالى عيسى عليه السَّلام بجبريل عليه السَّلام، يُقوِّيه ويُعينه  .

كما قال تعالى: إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ [المائدة: 110] .

أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ.

أي: يُنكِر اللهُ تعالى على بني إسرائيل تعامُلَهم الشَّنيع مع رُسله وأنبيائِه عليهم السَّلام، وأنَّهم كلَّما جاءَ نبيٌّ منهم؛ ليلزمَهم بأحكام تُخالِف أهواءهم، شقَّ ذلك عليهم، فتجبَّروا وبغوا عليهم، مقدِّمين هواهم على هُداهم، فكذَّبوا طائفةً منهم، وقتَلوا طائفةً آخرين  .

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88).

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ.

أي: إنَّهم يقولون كذبًا بأنَّ الله لم يَفتحْ لهم الطريق إلى معرفة ما جاءت به الرُّسُل والأنبياءُ عليهم السَّلام، بجعْل قلوبِهم داخلةً في غِلاف وأَغطيةٍ فلا تَفهم؛ فكيف تقوم عليهم الحُجَّة  ؟!

كما قال تعالى عن المشركين: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت: 5] .

بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ.

أي: ليس الأمرُ كما ادَّعى هؤلاء كذبًا بأنَّ الله تعالى خلَق قلوبَهم غلفًا لا تَعي، ثم أمرهم بالإيمان، وهم لا يفقهونه، كلَّا! بل حقيقة الأمر أنَّ الله تعالى قد طردَهم من رحمته؛ جزاءَ ما اختاروه لأنفسهم من الجحود بآيات الله تعالى وما جاءتْ به رُسلُه وأنبياؤه  .

فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ.

أي: إنَّهم آمنوا بشيءٍ يسيرٍ مما وجب عليهم الإيمان به، لكنه إيمانٌ لا ينفعهم؛ لأنه مغمورٌ بما كفروا به  .

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89).

سبب النُّزول:

عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخٍ منهم قالوا: (فينا والله وفيهم- أي: الأنصار واليهود- نزلت هذه القصة قالوا: كنا علوناهم دهرًا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون: إن نبيًّا يُبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه، نقتلكم معه قتْلَ عاد وإرم. فلمَّا بعث الله عزَّ وجلَّ رسوله من قريش واتبعناه كفروا به، قال الله عزَّ وجلَّ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه) الآية  .

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ.

أي: لَمَّا جاء اليهودَ القرآنُ الذي أَنزله الله تعالى على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، والمشتمِل على تصديق ما معهم من التوراة  .

وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا.

أي: قد كانوا من قَبلِ مجيء الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالقرآن يستنصرون بمجيئِه على أعدائهم من المشركين إذا قاتَلوهم، ويتوعَّدونهم بقتْلهم معه  .

فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.

أي: لَمَّا أتاهم ما يعرفونه من الحقِّ وصِفةِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، تَعمَّدوا الجَحدَ به عليه الصَّلاة والسَّلام بعد قِيام الحُجَّة بنبوَّته عليهم  .

فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ.

أي: بسبب ذلك الكُفر؛ طرَدَهم الله تعالى وأبْعَدهم من رحمتِه، وهذا الحكم يعمُّ كلَّ كافر  .

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90).

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ.

أي: بئس الشيءُ باعوا به أنفسَهم الكفرُ، يعني: أنَّهم اختاروا الكفرَ وأخذوه، وبذلوا أنفسهم للنَّار؛ لأنَّ اليهود علِموا صِدقَ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّ مَن كذَّبه فالنار عاقبتُه، فاختاروا الكُفر وسلَّموا أنفسهم للنار  .

بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.

أي: إنَّ الذي حمَلهم على اختيار الكفر، حسدُهم لمن شاء الله تعالى أن يَخصَّه بفضله العظيم مِن دون عبادِه، فحسَدوا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ على أنَّه هو الرسولُ المنتظَر؛ لأنَّه كان من ولد إسماعيل، ولم يكُن من بني إسرائيل  .

فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ.

أي: رجَع اليهودُ مستوجبين ومستصحبين غضبًا آخَرَ من الله تعالى عليهم؛ بسبب جحودِهم رسالةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ حسدًا منهم، إضافةً إلى الغضب الأوَّل الذي اكتسبوه لذنوبٍ سلَفتْ منهم  .

وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ.

أي: وللجاحدين نبوَّةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ من الناس كلِّهم عذابٌ من الله يُهانون فيه ويُذلَّون  .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّ المستكبِر يُعاقَب بنقيض حاله؛ لقوله تعالى: عَذَابٌ مُهِينٌ؛ فعُوقِبوا بما يَليق بذنوبهم؛ وعلى هذا جرَتْ سُنَّة الله سبحانه وتعالى في خَلْقه  .

2- أنَّ القلوب بفِطرتها ليست غلفاءَ؛ لقوله تعالى: بَلْ لَعَنَهُمْ اللهُ، وهذا الإضراب للإبطال، يعني: ليست القلوب غَلفاءَ لا تقبل الحقَّ، لكنْ هناك شيء آخَر هو الذي منَع من وصول الحقِّ؛ وهو لَعْنُ الله إيَّاهم؛ بسبب كُفرِهم  .

3- أنَّ العلم من أعظمِ نِعم الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ  .

4- أنَّ العقوبات تَتراكم بحسَبِ الذُّنوب؛ جزاءً وفاقًا؛ لقوله تعالى: فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف :

1- أن مَن بعد موسى مِن الرُّسل مِن بني إسرائيل تبَعٌ له؛ لقوله تعالى: وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  .

2- أنَّ من جملة تسخير الملائكة للخلْق أنَّهم يُؤيِّدون مَن أمَرَهم الله تعالى بتأييده، كما قال تعالى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى فيه تأكيدٌ بالقَسَم؛ والتَّصدير بالجملة القَسَميَّة؛ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بموسى عليه السلام وإيتائِه الكِتاب وإرساله  .

2- في قوله: فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ

تقديم المفعول (فريقًا) في الموضعيْن؛ ليدلَّ على التَّفصيل، وللاهتمامِ وتشويقِ السَّامعِ إلى ما فعَلوا بهم، وتوخِّيًا لرؤوس الآي  .

بدأ بالتَّكذيب كَذَّبْتُمْ قبل القَتْل تَقْتُلُونَ؛ لأنَّه أوَّل ما يفعلونه من الشر، ولأنَّه الأمر المُشترَك بين الفريقين: المُكذَّب والمقتول  .

الإتيان بالمضارع في تَقْتُلُونَ في غاية الفصاحة؛ إذ هو لبيان فظاعة هذا الأمر، ولاستحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، أو للإعلام بأنَّ الأمر مستمرٌّ؛ ففيه إشارةٌ لليهود الذين في زمَن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم؛ لأنَّهم أرادوا قتْله عليه الصَّلاة والسَّلام، لولا أنَّ الله تعالى عَصمَه منهم  ، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم   ))  .

وفيه كذلك مراعاة لفواصِل الآيات  .

3- في قوله: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ التفاتِ من الخطاب الذي في أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ واسْتَكْبَرْتُمْ وكَذَّبْتُمْ وتَقْتُلُونَ إلى الغَيْبة في قوله: وَقَالُوا؛ إشعارًا بإبعادهم عن رُتبة الخِطاب؛ لِمَا فُصِّل من مخازيهم الموجبةِ للإعراض عنهم  .

4- في قوله: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ حُذفت صفة (قليلًا)؛ لدلالة الفعل عليها، والتقدير (فإيمانًا قليلًا). ومَا صِلة؛ أُتيَ بها للتأكيد والمبالَغة في التقليل  .

5- في قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ وجَاءكُمْ رَسُولٌ تنكير (كتاب) و(رسول)؛ للتفخيم، وتعظيمًا لشأنه  .

6- قوله: عَلَى الْكافِرِينَ فيه وضْعٌ للظاهر موضعَ المُضمَر -على اعتبار الألف واللام للعهد-؛ وذلك للتسجيل عليهم بالكُفر، وللدَّلالة على أنَّ اللَّعنة لحقتْهم بسبب كُفرهم، ولبيان أنَّ هذا الحُكم يعُمُّ كلَّ كافر  .

7- قوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ فيه وضْعٌ للظاهر موضعَ المضمر؛ إشعارًا بعِلَّة كون العذاب المهين لهم، وأنَّه هو الكفر، ولو قيل: (ولهم عذاب مهين)، لم يكُن في ذلك تنبيهٌ على العِلَّة. وأيضًا لبيان أنَّ هذا العذابَ يَشمل كلَّ كافر  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (91-93)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(91)

۞ وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ(92)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(93)

غريب الكلمات:

الطُّورَ: الجبل الشاهق، أو اسم لكلِّ جبل، أو الجبل المنبت، أو اسمُ جبلٍ مخصوصٍ، وأصل طور: الامتدادُ في شيءٍ من مكان أو زمان  .


المعنى الإجمالي:

يُخبر تعالى عن اليهود أنَّهم حين أُمِروا بالإيمان بالقرآن كان ردُّهم بأنَّ إيمانهم بالتوراة يَكفيهم، وجحَدوا بما جاء بعد التوراة من الكتُب التي أنزلها الله تعالى، مع أنَّ ما فيها حقٌّ موافِقٌ للذي عندهم في التوراة.

فأمَر الله عزَّ وجلَّ نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يسألهم إنْ كانوا حقًّا مؤمنين بما في التوراة؛ فَلِمَ يَقتُلون أنبياءَ الله الذين جاؤوا بتصديق ما فيها؟!

ثمَّ ذَكَّرهم الله تعالى بما فعَلوه حين أتاهم موسى عليه السَّلام بالآيات الواضحات، الدَّالَّات على صِدق ما جاء به، لكنَّهم جعَلوا العِجل إلهًا يعبدونه بعد أنْ فارقهم موسى لمناجاة ربِّه، مُتعدِّين بذلك حدودَ الله تعالى.

وذَكَّرهم سبحانه أيضًا بما أَخَذ عليهم من عهد الإيمان به وبرُسله، والالتزام بشَرْعه، وخوَّفهم بأنْ رفَعَ الجبل فوقهم، وقيل لهم: خذوا التوراة التي أعطيناكموها بحَزمٍ وجِدٍّ، واسمعوا كلامَ الله وانقادوا له، فأجاب اليهود بأنَّهم سمِعوا بآذانهم، وعصَوْا بأفعالهم، وقد خالَط حبُّ العجل قلوبَهم؛ بسبب كفرهم، فإنْ كانوا يدَّعون الإيمان ويفعلون كلَّ تلك القبائح، فبِئس ذلك الإيمان الذي ادَّعوْه!


تفسير الآيات:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا.

أي: وإذا قيل لليهود الذين كانوا على عهد رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: آمِنوا بالقرآن الذي أَنزلَه اللهُ تعالى، ردُّوا على ذلك بأنَّه يَكفيهم الإيمانُ بالتوراة  .

وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ.

أي: إنَّ اليهود يَجحدون بما بعد التَّوراة من كتُب الله تعالى التي أنزلها إلى رُسلِه عليهم الصَّلاة والسَّلام، والحال أنَّ ما أنزله الله عزَّ وجلَّ هو الحقُّ الموافِق لِمَا عندهم من التوراة؛ فَلِمَ يؤمنون بما أُنزل عليهم، ويَكفُرون بنظيره؟! هل هذا إلَّا تعصُّب واتِّباع للهوى؟! فكُفرهم بالقرآن، كُفرٌ بما في أيديهم، ونقضٌ له  .

قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ الله مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

أي: قلْ يا محمَّد، لهؤلاء اليهود المتناقضين: إنْ كنتم صادقين في دَعواكم الإيمانَ بالتوراة، فَلِمَ قَتلتُم- والمقصود أسلافُهم  - الأنبياءَ الذين جاؤوكم بتصديق التوراة والحُكم بها وعدَم نَسخِها، وأنتم تعلمون صِدقَهم، وقد حرَّم الله عليكم في التوراة قتْلَهم، بل أمرَكم فيها باتِّباعهم وطاعتهم؟! وهذا تكذيبٌ لهم في قولهم: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا  .

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لمَّا بيَّن الله تعالى كذِبَ اليهود في دعواهم الاكتفاء بالإيمان بالتوراة، مع كُفرهم بالقرآن، ذكر أنَّهم لم يَصْدُقوا حتى في دعواهم الإيمانَ بالتوراة؛ فقد قابَلوا دعوة موسى عليه السَّلام- الذي يزعمون أنَّهم لا يؤمنون إلَّا بما جاءهم به- قابلوا دعوتَه بالكُفر والعِصيان، فقال سبحانه  :

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ.

أي: قد جاءكم يا معشرَ اليهود، موسى عليه السَّلام، بالآيات الواضحاتِ، والأدلَّة القاطعة على صِدقه وصِحَّة رِسالته، كالعصا واليَد، وغيرهما من المُعجِزات المؤيِّدة له  .

ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ.

أي: إنَّكم يا مَعشرَ يهود، كفرتُم بما جاءكم به موسى عليه السَّلام من توحيدِ الله تعالى، فجعلتُم العِجل إلهًا تَعبُدونه، من بعد ذَهاب موسى إلى الطُّور لمناجاة ربِّه سبحانه، وأنتم بهذا قد تَعدَّيتم حدودَ الله عزَّ وجلَّ، وليس لكم أن تفعلوا ذلِك وأنتم تعلمون أنَّه لا معبودَ بحقٍّ سواه، وليس في التوراة- التي تَدَّعون تمسُّككم بها فحسبُ- أمرُكم بعبادة العِجل؛ فدعواكم أنَّكم مؤمنون بالتوراة، باطلةٌ  .

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93).

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ.

أي: واذكُروا يا معشر اليهود، حين أَخذْنا عليكم عهدًا مؤكَّدًا بالإيمان بالله سبحانه وبرُسله، والالتزام بشرعِه، ورَفعْنا فوقكم الجبلَ لتخويفكم؛ كي تقرُّوا بما عُوهِدتم عليه، وتعملوا به  .

خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا.

أي: قلنا لهم تلقَّوُا التوراة التي أعطيناكم إيَّاها، بهِمَّةٍ وحزمٍ، وجِدٍّ ونشاط، واسمعوا لكلام الله تعالى سماعَ قَبول واستجابة وانقياد  .

قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا.

أي: كان جوابهم على ما سبق أنْ قالوا: سمِعْنا بآذاننا قولَك، وعصينا بأفعالِنا ما أُمِرْنا به  .

وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ

أي: خالَط حبُّ العِجل وعبادته شغافَ قلوبِهم، وتغلغل في أعماقها، كالماء الذي يَتغلغل في باطِن أعضاء الجسَد، وإنَّما وقع لهم ذلك؛ بسبب جُحودِهم الحقَّ  .

قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

أي: أنتم تدَّعون الإيمانَ، مع أنَّكم قتلتُم أنبياءَ الله، واتَّخذتم العِجل إلهًا من دون الله، ولم تَنقادوا لكلامِه؛ فما هذا الإيمان الذي تدَّعون؟! فإنْ كان هذا إيمانًا بزعمكم، فبِئس الإيمانُ الداعي صاحبَه إلى الطُّغيان، والكفرِ برُسل الله، وكثرةِ العصيان! فإنَّ الإيمان الصَّحيح يأمُر صاحبَه بكلِّ خير، وينهاه عن كلِّ شر؛ فتبيَّن بهذا كذبُهم، وتناقضُهم  .


الفوائد التربويَّة:

1- وجوب تلقِّي شريعة الله تعالى بقوَّة، دون كسَلٍ أو فُتور؛ لقوله تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ  .

2- في قوله تعالى: قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: 93] ، دلالةٌ على أنَّ الإيمان الصَّحيح يأمُر صاحبَه بالطاعات لا بالمعاصي  .

3- في قوله تعالى ذامًّا بني إسرائيل: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ [البقرة: 91] ، دلالةٌ على وجوب قَبول الحقِّ مِن كلِّ مَن جاء به  .

4- أنَّ الشرَّ لا يُسنده الله تعالى إلى نفْسه، وإنْ كان هو سبحانه الخالِقَ للخير والشرِّ، بل يَذكُره بصيغة المبنيِّ لِمَا لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- ممَّا يُستفاد من قوله سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا [البقرة: 91] ، أن الله تعالى لَمَّا رفَع مقدار بني إسرائيل بالدُّعاء إلى الإيمان بما أُسنِد إلى هذا الاسم العظيم في قوله: أَنْزَلَ اللهُ قالوا تسفيلًا لأنفسهم: نؤمِن بما أُنزل عَلَينا، فأَسقطوا اسمَ مَن يُتشرَّف بذِكره، ويُتبرَّك باسمه، وخصُّوا بعضَ ما أنزله سبحانه  .

2- إفحام الخَصْم بإقامة الحُجَّة عليه مِن فِعله؛ ووجه ذلك: أنَّ الله تعالى أقام على اليهود الحُجَّةَ عليهم بفِعلهم؛ لأنَّهم قالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا، لكنَّهم قتَلوا أنبياء الله الذين جاؤوهم بالحقِّ من ربِّهم، فعُلم إذًا أنَّ قولهم: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ليس بصحيح؛ لأنَّهم لو كانوا مؤمنين حقيقةً ما قتَلوا الأنبياء؛ ولهذا قال تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ؟!

3- مِن دَلائل النبوَّة والمعجِزات العلميَّة، إشاراتُ القرآن إلى العِبارات التي نطَق بها موسى عليه السلام في بني إسرائيل، وكُتبت في التوراة؛ فإنَّ الأمر بالسَّماع تَكرَّر في مواضع مخاطبات موسى لملأ بني إسرائيل بقوله: اسمَعْ يا إسرائيل، وجاء في القرآن: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [البقرة: 93] ، فهذا من نُكت اختيار هذا اللَّفْظ للدَّلالة على الامتثال دون غيرِه، وهذا مِثل التعبير بالعهد  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

الاستفهام للتبكيت والتوبيخ  .

وجاء قوله: تَقْتُلُونَ بصيغة المضارع، مع أنَّ الكلام عن الماضي بدليل قوله: مِنْ قَبْلُ، ومعلومٌ أنَّه لا يجوز أن يُقال: أنا أضربك أمس؛ وهذا إنما حسُن في هذه الآية؛ لأنَّ ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصِّفة اللازمة كقوله تعالى: واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ [البقرة: 102]  ولم يقل: ما تَلَت؛ لأنَّه أراد: مِن شأنها التِّلاوة، فأراد هنا: مِن شأنهم القَتْل، وللإعلام بأنَّ الأمر مستمرٌّ؛ ففيه إشارةٌ لليهود الذين في زمَن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم؛ لأنَّهم أرادوا قتْله عليه الصَّلاة والسَّلام، لولا أنَّ الله تعالى عَصمَه منهم. وربَّما يكون خِطابًا لمن كانوا في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال لهم: لِمَ ترضَوْن بقتْل الأنبياء من قبلُ؟ لأنَّ الراضي بالقتل بمنزلة القاتل، فصحَّ أن يُقال للرَّاضين بالقتل لِمَ تَقْتُلُونَ  .

وفيه ما يُعرف بالاحتباك  ؛ حيث حُذِف الشرطُ الأوَّل، (والتقدير: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلون أنبياء الله؟)، والجوابُ الأخير، (والتقدير: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم؟)  .

2- قوله: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فيه تأكيدٌ بالقَسَم؛ للاهتمام بالخبر، أو لتنزيلهم منزلة المنكرين؛ لعدم حِرصهم على موجب العلم  .

3- قوله: وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ عبر بالجملة الاسميَّة للدَّلالة على استمرارهم في الظُّلم وثُبوتهم الأصلي عليه  .

4- قوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ كرَّر رفْع الطور؛ لِمَا تعلَّق به من زيادة ليست مع الأوَّل وهي قولهم: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، مع ما فيه من التوكيد وإيجاب الحُجَّة على الخَصْم على عادة العرب، وتذكارهم بتعداد نِعم الله تعالى عليهم ونِقَمه منهم، ليزدجرَ الأخلاف بما حلَّ بالأسلاف  .

5- في قوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ

جاء التعبير بالفِعل المبنيِّ لِمَا لم يُسمَّ فاعله أُشْرِبُوا؛ إشارةً إلى أنَّ حبَّهم للعجل بلَغ مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه، كأنَّ غيرهم أشربهم إيَّاه  .

وفيه: إيجاز بالحذف، والتقدير: (حب العجل) أو (حب عبادة العجل)، وحسُن الحذف هنا، وأُسند الإشراب إلى ذات العِجل مبالغةً في حبِّهم له، أو لعبادته  .

وفيه: تشبيهٌ بليغ؛ حيث صوَّر قلوبهم لتمكُّن حبِّ العجل منها كأنها تَشرَب؛ وعبر بالشُّرب إشارةً إلى أنَّ تلك المحبة كانت مادَّةً لجميع ما صدَر عنهم من الأفعال، مثلما أنَّ الشُّرب مادةٌ لحياةِ ما تنبته الأرض  .

6- في قوله: يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ جاءت إضافة الأمر إلى إيمانهم من باب التهكُّم؛ إذ الإيمان الحقيقي لا يأمر إلا بخير، وكذلك إضافة الإيمان إليهم؛ لأنَّهم ليسوا بمؤمنين حقيقةً؛ ولإظهار أنَّ الإيمان المذموم هو إيمانُهم، أي: الذي دخَلَه التحريف والاضطراب  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (94-96)

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(94)

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(95)

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(96)

غريب الكلمات:

يُعَمَّرُ: يطول عُمره، والتعمير: إعطاء العُمر بالفِعل، وأصله: البقاء وامتداد الزمان  .

بِمُزَحْزِحِهِ: أي: بمُبعِده؛ فأصل الزحزحة: الإبعاد  .


المعنى الإجمالي:

لَمَّا زعَم اليهود أنَّ النَّعيم سيكون لهم وحْدَهم، أمَر الله تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يقولَ لهم: إنْ كان الأمر كما زعمتُم، فاجتمِعوا مع المسلمين، ثمَّ ادعُوا بالموت على أيِّ الفريقينِ منكما أكذبُ، لكنَّهم لن يفعلوا ذلك أبدًا؛ بسبب ما اكتسبوه من الكُفر والمعاصي، والله تعالى محيطٌ بهم وبكلِّ ظالم، وسيُجازيهم على أعمالِهم.

ثمَّ أخْبَر الله عزَّ وجلَّ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن اليهود أنَّه سيجدهم من أكثر الناس حِرصًا على البَقاء على قَيد الحياة، حتى فاقوا المشركين الذين لا يُؤمنون بِبَعثٍ ولا نُشور! يودُّ الشخصُ منهم أن يمكثَ حيًّا ألفَ عام، مع أنَّ هذا المُكث- ولو طال- لن يُبعده عن عذاب الآخِرة، والله تعالى يرَى كلَّ ما يفعله هؤلاء اليهودُ، وسيجازيهم عليه.


تفسير الآيات:

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ الله خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94).

أي: قلْ يا محمَّد، لهؤلاء اليهود: إنْ كان نعيم الآخرة مقصورًا عليكم وحدكم دون بقيَّة الناس- كما تزعمون- فهناك طريقةٌ تُظهِر المحقَّ في دعاويه من الكاذب المبطِل، وهي المباهلةُ، بأنْ تَدْعُوا بالموتِ على أيِّ الفريقينِ أكذبُ، وسيتبيَّن الأمر  .

وقد أَرشد الله تعالى رسولَه عليه الصَّلاة والسَّلام، إلى مباهلة وفْد نجران من النَّصارى بعد قِيام الحُجَّة عليهم في المناظرة، وعُتوِّهم وعِنادهم، فقال عزَّ وجلَّ: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: 61] .

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95).

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.

أخبَر تعالى عن عِلمه بعَجز اليهود عن تمنِّي ذلك مطلقًا؛ بسبب ما اكتسبوه من كُفرٍ ومعاصٍ، ومن ذلك تكذيبهم النبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام، وكتمانهم صفتَه الموجودة في توراتهم، فهم يعلمون أنَّ الموت طريقٌ إلى مجازاتهم على ما اكتَسبوه؛ ولذا فهم يكرهونه  .

وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.

أي: توعَّد اللهُ تعالى اليهود وهدَّدهم- ويدخل في هذا كلُّ ظالمٍ سواهم- بأنَّه سبحانه ذو عِلم بالظالمين، ليس بغافل عنهم ولا ساهٍ، بل هو حافظٌ لأعمالهم، وسيجازيهم على ظُلمهم  .

كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [الجمعة: 6-7] .

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96).

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا.

أي: مِن المؤكَّد يا محمَّد، أن تجِد هؤلاء اليهودَ أشدَّ الناس حرصًا على البقاء في الحياة الدُّنيا، وأشدَّهم كراهةً للموت؛ لعِلمهم بما لهم في الآخِرة من العذاب، وأن تجد حبَّهم للمُكث وطولِ العُمر في الدُّنيا فاق حتى أولئك المشركين الذين لا يُؤمنون بأحدٍ من الرُّسل والكتُب، ولا يُقرُّون بالبعث  .

يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ.

قيل: يودُّ أحدُ اليهود- وقيل: يودُّ أحدُ المشركين- مِن حِرصه على المُكث في هذه الحياة الفانية، أن يَطولَ عُمُرهُ حتى يبلغَ ألْفَ سَنةٍ  .

وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ.

أي: وما طولُ البَقاء في الدُّنيا لأحدهم بمُبعِده من عذاب الآخِرة؛ لأنَّه مهما طال العمرُ فلا بدَّ له من فَناءٍ  .

وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.

هذا توعُّدٌ لأولئك اليهود، وتهديدٌ لهم بالمجازاة على أعمالهم؛ فالله تعالى يرَى كلَّ ما يفعلونه، لا يخفى عليه شيءٌ من ذلك  .

كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة: 8] .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّ طول العُمُر لا يُفيد المرءَ شيئًا إذا كان في معصية الله تعالى؛ لقوله: وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ  .

2- دِقَّة فَهم السَّلف حين كرِهوا أن يُدْعَى للإنسان بالبقاء على سبيل الإطلاق من غير تقييدٍ بطاعة؛ فإنَّ الإمامَ أحمد كرِه أن يقول للإنسان: (أطال اللهُ بقاءَك)؛ لأنَّ طول البقاء قد ينفع، وقد يضرُّ، والأفضل أن يُقال: (أطال اللهُ بقاءَك على طاعةِ الله)، أو نحو ذلك  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- إثبات عِلم الله تعالى للمستقبل؛ لقوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا؛ فوقَع الأمرُ كما أخبَر به  .

2- جوازُ تخصيص العموم لغرَض؛ لقوله تعالى: وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فخصَّ عِلمه بالظالمين؛ تهديدًا لهم  .

3- أنَّ الناس يتفاوتون في الحِرص على الحَياة؛ لقوله تعالى: أَحْرَصَ؛ وأَحْرَص اسمُ تفضيل  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ

فيه تقديمُ الجار والمجرور لَكُمُ؛ إشعارًا بالاختصاص والحصر، أو للاهتمام  .

وفي قوله: مِنْ دُونِ النَّاسِ: تأكيدٌ لمعنى الاختصاص المستفاد من قوله: لَكُمْ، ومِن قوله: خَالِصَةً  .

2- في قوله: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا جاء التعبير هنا بحرف النفي (لن)، بينما في سورة الجمعة جاء التعبير بحرف النفي (لا) في قوله: وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ؛ وهذا من المناسبات اللَّطيفة، ومن محاسِن المعاني؛ لأنَّهم هنا في سورة البَقرة ادَّعَوْا أنَّ الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس، وهناك في سورة الجمعة ادَّعَوْا أنَّهم أولياء لله تعالى من دون الناس، والدَّعوى الأولى أعظمُ من الثانية، فبيَّن سبحانه فسادَ قولهم بلفظ: (لن)؛ لأنَّه أقوى الألفاظ النافية، واكتفى في إبطال الثانية بلفظ (لا)؛ لأنَّه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي  .

3- قوله: واللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ خبَر مستعمَل في التهديد؛ لأنَّ القَديرَ إذا علِم بظلم الظالم لم يتأخَّر عن معاقبته  .

وقوله: بِالظَّالِمِينَ فيه وضْع الظاهر موضعَ المُضمر؛ وذلك للتسجيل عليهم بالظُّلم، وقصدًا إلى تعميم الحُكم عليهم وعلى غيرِهم  .

4- في قوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا تخصيصٌ بعد تعميم- فخصَّص المشركين بالذكر عقب عموم الناس-؛ وذلك للتَّوبيخ العظيم لليهود؛ إذ هم أهل كتاب، ومع ذلك هم أحرصُ على طول البقاء في الدنيا ممَّن لا يُؤمن بكتابٍ ولا يُقِرُّ ببعث  !

في قوله: عَلَى حَيَاةٍ قيل نُكِّرت (حياة)؛ للدَّلالة على أنَّها حياة مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة - على حذف مضاف، أي: على طول حياة، أو على حذف صفة، أي على حياة طويلة  . أو للدَّلالة على كونِهم أحرصَ الناس على مُطلق حياة؛ لأنَّ من كان أحرص على مطلق حياة، وهو تحققها بأدنى زمان، فلأن يكون أحرص على حياة طويلة أولى، وعليه، فلا حاجة لتقدير محذوف  . وقيل فيه دَلالة على حِرصهم على أدْنى ما يَصدُق عليه أنَّه (حياة) ولو كانت تخلو من أي قيمة أو معنى  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (97-103)

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ(97)

مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ(98)

وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ(99)

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(100)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(101)

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(102)

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(103)

غريب الكلمات:

نَبَذَهُ: ترَكه ولم يعمل به، أو طرَحه لقلَّة اعتداده به، وأصل النبذ: طَرْح الشيء وإلقاؤه  .

بِبَابِلَ: اسم بلد، قيل: الكوفة، وقيل: بلد من سواد الكوفة، وقيل: نصيبين، وقيل غير ذلك  . وينسب إليها السحر والخمر  . وتوجد حاليًّا محافظة بالعراق تسمى بابل.

لَمَثُوبَةٌ: أي: جزاء ثابت، أو ثواب، وهو عبارة عن المنفعة الخالِصة المقرونة بالتعظيم، والمثوبة مختصَّة بالخير، كما أن العقوبة مختصَّة بالشر  .


المعنى الإجمالي:

حين أعلن اليهودُ عداوتَهم لجبريلَ عليه السَّلام، وزعَموا أنَّ الذي منَعَهم من الإيمان بالنبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هو ولايتُه لجبريلَ عليه السَّلام- أَمَر الله سبحانه نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يُخبرهم بأنَّ جبريل أنزل القرآن بأمْر الله، ولم يَنزل من تلقاء نفْسه، فعداوتهم له إنَّما هي عداوةٌ لله في الواقع، كما أنَّ القرآن الذي نزل به يُصدِّق ما سبقه من الكتُب السماويَّة، وهو دليلٌ على الحق، وفيه الإخبارُ بموعود الله للمؤمنين.

ثم أخبر تعالى أنَّ مَن عادَى اللهَ تعالى، أو ملَكًا من الملائكة، أو رسولًا من الرُّسُل فهو كافر، والله تعالى يُعادي كلَّ كافر.

ثم قال لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّه قد أنزل إليه دلائلَ واضحةً على صِدق نبوَّته، وإنَّها- لشدَّة وضوحها- لا يَجحدها إلَّا مَن هو خارجٌ عن الإيمان.

ثمَّ أخبَر الله تعالى أنَّ نقض العهود هو عادةٌ لدى اليهود؛ فكلَّما التزموا بعهدٍ، قام بنقضه جماعةٌ منهم؛ ذلك لأنَّ أكثر اليهود غير مُقرِّين بالحقِّ، ولا يُطبِّقونه قولًا ولا عَملًا.

ولَمَّا بُعث محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ من عند الله، وقد وافقتْ صِفتُه ما هو موجودٌ عندهم في التوراة، ترك جماعةٌ من اليهود العملَ بالتوراة التي تحضُّ على الإيمان بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، متجاهلين تعاليمَها، وكأنَّهم لا يعلمون ما تضمَّنتْه من صفاته، والحثِّ على متابعته.

واتَّبع هؤلاء اليهودُ ما اختلقتْه الشياطين في عهد نبيِّ الله سليمانَ عليه السَّلام من السِّحر، ونَسَبوه إليه، زاعمين أنَّه حصَل على مُلك عظيم بهذا السِّحر، واتَّبعوا أيضًا السِّحرَ المنزَّلَ على الملَكين: هاروت وماروت، في بابل بأرض العراق. ولا يقوم هذان المَلَكان بتعليم السحر لأحدٍ من الناس حتَّى يُقدِّما له النصيحةَ بأنَّهما مجرَّد ابتلاء لبني آدم، ويُحذِّراه من الإقدام على الكُفر بالله بتعلُّم السِّحر وممارسته. فمَن لم يَقبَل بنصحهما يتعلَّم السِّحرَ منهما، ويقدر من خلاله على التفريق بين الزَّوجين، ولكن لا يستطيع أن يضرَّ أحدًا إلَّا بمشيئة الله سبحانه، ويتعلَّم هؤلاء من المَلَكينِ ما هو ضررٌ عليهم ولا يعود عليهم بالنَّفع البتَّةَ، وقد علِم اليهودُ أنَّ مَن سلَك هذا الطريق، فليس له في الآخرةِ من نَصيب، ولبئسَ هذا العمل لو كانوا يعلمون مدَى ضررِه عليهم! ولو اختاروا طريقَ الإيمان والتقوى بدَلَ السِّحر، لأثابهم الله تعالى ثوابًا يكون خيرًا لهم من حظوظ الدُّنيا الفانية.


تفسير الآيات:

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97).

سبب النُّزول:

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((أقبلتْ يهودُ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنَّا نسألُك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتْنا بهنَّ، عرَفْنا أنَّك نبيٌّ واتبعناك، فأخَذ عليهم ما أخَذ إسرائيلُ على بنيه؛ إذ قالوا: اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، قال: هاتوا، قالوا: أخبِرْنا عن علامة النبيِّ، قال: تنام عيناه ولا ينام قلبُه، قالوا: أخبِرْنا كيف تؤنِّث المرأة وكيف تُذكِّر؟ قال: يَلتقي الماءانِ، فإذا علَا ماءُ الرجُل ماءَ المرأة أذْكَرت، وإذا علَا ماءُ المرأة ماءَ الرجُل آنثَتْ، قالوا: أخبِرْنا ما حرَّم إسرائيل على نفْسه؟ قال: كان يَشتكي عِرق النَّسا فلم يجِد شيئًا يلائمه إلَّا ألبانَ كذا وكذا، قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: قال بعضُهم: يعني الإبل، قال: فحرَّم لحومها، قالوا: صدقتَ، قالوا: أخبِرْنا ما هذا الرَّعد؟ قال: ملَكٌ من ملائكة الله عزَّ وجلَّ موكَّل بالسَّحاب، بيده أو في يده مِخراق من نار، يزجُر به السحاب يسوقُه حيث أمر الله، قالوا: فما هذا الصوتُ الذي يُسمع؟ قال: صوته، قالوا: صدقتَ، إنَّما بقِيَتْ واحدةٌ، وهي التي نبايعك إنْ أخبرتَنا بها، فإنَّه ليس من نبيٍّ إلَّا له مَلَك يأتيه بالخبَر، فأخبِرْنا من صاحبك؟ قال: جبريلُ عليه السَّلام، قالوا: جبريل! ذاك الذي يَنزل بالحَرْب والقِتال والعذاب! عدوُّنا! لو قلت: ميكائيل، الذي يَنزل بالرحمةِ والنَّبات والقَطر، لكان! فأنزل الله عزَّ وجلَّ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ إلى آخِر الآية  ))  .

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله.

أي: قلْ يا محمَّد، لهؤلاء اليهود الذين زعَموا أنَّ الذي منَعَهم من الإيمان برسالتك، أنَّ وليَّك جبريلُ عليه السَّلام، وأنَّه لو كان وليُّك أحدًا سواه من الملائكة لآمَنوا بك- قل لهم: مَن عادى جبريلَ عليه السَّلام، فليعلمْ أنه هو الذي نزَل بالقرآن على قلبِك، وجبريل لا يَنزل بالأمر من تِلقاء نفْسه، وإنَّما ينزل بأمْر الله تعالى، وهذا يَعني أنَّهم بقولهم ذلك يُعادُون الله تعالى في الحقيقة؛ أمَّا جبريل فهو رسولٌ محضٌ  .

كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: 192 - 194] .

مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.

أي: إنَّ القرآن نزَل والحال أنَّه متطابق مع الكتُب الإلهيَّة الأخرى التي سبقتْه كالتوراة، وموافِق لها، ومن ذلك ما فيها من الأمر باتِّباع محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهو دَلالة على الحقِّ، وبُشرى من الله تعالى للمؤمنين خاصَّةً، وفيه أنواعٌ من البِشارات لهم، ومن ذلك ما أعْلمَهم الله تعالى فيه بما أعدَّ لهم في الآخِرة من النَّعيم المقيم  .

مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98).

سبب النُّزول:

عن ابنِ أَبي لَيْلَى قال: ((إنَّ يهوديًّا لقِي عُمرَ فقال: إنَّ جبريل الذي يذكُر صاحبُكم عدُوٌّ لنا، فقال عمرُ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهْ إلى لِلْكَافِرِين قال: فنزلتْ على لسان عُمرَ))  .

مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ الله عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98).

أي: إنَّ مَن عادى الله تعالى، أو أحدًا ممَّن ذُكروا من الملائكة عمومًا، أو جِبريل وميكال خصوصًا، أو مِن بقيَّة رُسل الله الكِرام من البَشر كمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، مَن عاداهم أو أحدًا منهم فإنَّه كافر، والله تعالى يتَّخذه عدوًّا له؛ لأنَّه سبحانه يُعادي كلَّ كافر  .

عن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إنَّ اللهَ قال: منَ عادَى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحَربِ  ))  .

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99).

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ.

أي: قد أنزلنا إليك- يا محمَّد- فيما أُوحي إليك من القُرآن، آياتٍ هي دلائل واضحة، دالَّةٍ على صِدق نبوَّتك  .

وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ.

أي: هذه الآيات البيِّنات قد بلَغتْ من الوضوح والدَّلالة على الحقِّ، مَبلَغًا عظيمًا، ووصلتْ إلى حال لا يَجحدها ويمتنع من قَبولها إلَّا مَن خرَج عن دائرة الإيمان، والالتزام بشريعة الرَّحمن  .

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100).

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ.

هذا توبيخٌ وتعجُّبٌ من الله تعالى، مِن صنيع اليهود الذين لا يلتزمون بما عَهِد الله تعالى إليهم، وهو التمسُّك بأوامره سبحانه في التوراة، ومن ذلك الإيمانُ بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ واتِّباعه؛ فكلَّما وعَدوا بالالتزام بعهدٍ من عهود التوراة، نقَضَه جماعةٌ منهم وطرَحوه، تاركين الوفاءَ به  .

بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.

أي: إنَّ أكثرَ اليهود غير مصدِّقين بالحقِّ اعتقادًا وقولًا وعملًا، وعدَم إيمانهم هو الذي حمَلَهم على نبْذ العهود  .

لو صَدَق إيمانهم، لكانوا مِثل مَن قال الله فيهم: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23] .

قال تعالى: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ [الأنفال: 55-56] .

وقال سبحانه: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة: 13] .

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101).

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ.

أي: ولَمَّا أتى اليهودَ رسولٌ مرسَلٌ من قِبل الله عزَّ وجلَّ، وهو محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وقد جاءهم بصفته الموافقة لِما في التوراة من صِفاته وإثبات رِسالته، والتي يزعمون أنَّهم متمسِّكون وملتزمون بما فيها  .

نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.

أي: ترَك طائفةٌ من اليهود أصحابِ التوراة، العملَ بالتوراة التي أنزلها الله تعالى عليهم، بالدُّخول في دِين محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ترَكوا ذلك متجاهلين، وكأنَّهم لا يعلمون ما في التوراة من البشارة بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وذِكر صِفاته، والأمر باتِّباعه  .

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

مَن ترَك ما يَنفعُه مع إمكانيةِ الانتفاعِ به، فإنَّه يُبتُلى بالاشتغال بما يضرُّه، فكذلك هؤلاء اليهودُ؛ فلَمَّا ذكَر الله تعالى أنَّهم نبَذوا كتابَ الله، ذكَر اشتغالَهم بما يضرُّهم، فقال  :

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ .

أي: اتَّبع اليهود ما تختلقُه الشياطينُ وتتقوَّلُه، من السِّحر على عهد سليمان، وتَنسُبه إليه، حيث أخرجت الشياطين للناس السِّحر، وزعَموا كذبًا أنَّ سليمان عليه السَّلام كان يستعمله، وأنه حصَل له به المُلك العظيم  .

وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.

أي: إنَّ سليمانَ عليه السَّلام بريءٌ من تُهمة السِّحر التي أَلْصَقَها به اليهود، فلم يكُن كافرًا يمارس السِّحر، أو يُعلِّمه للآخرين؛ وذلك لأنَّ السِّحر كُفر، بل الذين كفروا بسبب السِّحر في الحقيقة هم الشياطين الذين يُعلِّمونه للناس؛ إضلالًا لهم  .

وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.

أي: واتَّبع اليهود أيضًا السِّحرَ، الذي أُنزل على الملَكين: هاروت وماروت، في بابل من أرضِ العِراق  .

وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ.

أي: وما يعلِّم هذانِ الملَكانِ السِّحرَ لأحدٍ من الناس، حتى يَنصحاه فيقولَا له: إنَّما نحن هنا لتعليم السِّحر؛ اختبارًا وابتلاءً لبني آدم، فلا تَكفُرْ بالله؛ بسبب تعلُّم السِّحر وممارسته  .

فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.

أي: فيتعلَّم الناسُ السِّحرَ من المَلَكينِ بما يَتصرَّفون به تصرُّفاتٍ مذمومةً، من أعظمِها التفريقُ بين الزَّوجين، مع ما بينهما من المودَّة والرَّحمة  .

عن جابرِ بن عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إنَّ إبليسَ يَضَعُ عرشَه على الماءِ ثمَّ يبعثُ سَراياهُ، فأدْناهم منهُ منزلةً أعظمُهم فِتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقولُ: فعلتُ كذا وَكذا، فيقولُ: ما صنعتَ شيئًا! قال: ثمَّ يجيءُ أحدُهم، فيقولُ: ما ترَكتُه حتَّى فرَّقتُ بينَه وبينَ امرأتِه، قال: فيُدنيهِ منهُ، ويقولُ: نِعمَ أنتَ!  ))  .

وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ.

أي: وما هؤلاء المتعلِّمون السِّحرَ من الملَكيْن، وفاعِلو تلك الأفعال القَبيحة، بضارِّين بذلِك أحدًا من الخَلْق، إلَّا بإذن الله تعالى الكوني، أي: بقُدرته ومشيئته سبحانه  .

وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ.

أي: إنَّ السِّحرَ الذي يتعلَّمه هؤلاء المشتغِلون به ضررٌ محضٌ عليهم في الدنيا، ليس فيه نفْعٌ مطلقًا  .

وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.

أي: قد علِم أولئك اليهودُ أنَّ مَن استبدل السِّحرَ بكتاب الله تعالى ومتابعةِ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، أنَّه ليس له في الآخِرة حظٌّ ولا نصيبٌ من الجَنَّة  .

وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.

أي: ولبئس البديلُ السِّحرُ الذي تعلَّموه، بديلًا عن كِتاب الله تعالى، ومتابعة رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، لو كانوا يَعلمون أنَّهم إنَّما باعُوا أنفسَهم، وحظَّهم من الآخِرة بما يَضرُّهم في الدُّنيا أيضًا، ولا ينفعهم  .

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103).

أي: إنَّهم لو اختاروا الإيمانَ والتقوى بدلَ السِّحرِ، لكان اللهُ يثيبُهم على ذلك ما هو خيرٌ لهم ممَّا طلبوه في الدُّنيا لو كانوا يَعلمون، فيَحصُل لهم في الدنيا من ثواب الإيمان والتقوى من الخير، الذي هو جَلْب المنفعة ودفْع المضرَّة، ما هو أعظمُ ممَّا يُحصِّلونه بالسِّحر من خير الدُّنيا، مع ما يُدَّخَرُ لهم من الثَّواب في الآخِرة  .

كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص: 80] .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّ الله تعالى قد يُيسِّر أسباب المعصية؛ امتحانًا للناس؛ لقوله تعالى: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ  .

2- أنَّه يجب على الإنسان أن يَبذُلَ نُصحَه للناس، وإنْ أوجب ذلك إعراضَهم عنه؛ لقوله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ  .

3- أنَّ الأسباب وإن عظُمت لا تأثيرَ لها إلَّا بإذن الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله، فينبغي اللجوءُ إلى الله دائمًا، سواء في جلْب المنافع، أو دفْع المضارِّ  .

4- في قوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ، دلالةٌ على أنَّ مَن ترَك ما ينفعه، ابتُلي بالاشتغال بما يضرُّه؛ فمَن ترَك عبادة الرحمن، ابتُلي بعبادة الأوثان، ومَن ترك محبَّة الله وخوفَه ورجاءَه، ابتُلي بمحبة غير الله وخوفِه ورجائِه، ومن لم يُنفق مالَه في طاعة الله، أنفقه في طاعة الشَّيطان، ومَن ترَك الذلَّ لربِّه، ابتُلي بالذلِّ للعبيد، ومَن ترَك الحقَّ، ابتُلي بالباطل  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قد وعَى القرآنَ وعيًا كاملًا، لا يتطرَّق إليه شكٌّ؛ لقوله تعالى: نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ؛ لأنَّ ما نفذ إلى القلب، حلَّ في القلب؛ وإذا حلَّ في القلب، فهو في حِرز مكين  .

2- أنَّ نبْذَ مَن عِنده كتاب وعِلم أقبحُ ممَّن ليس عنده ذلك؛ كما نبذ في قوله تعالى: فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ؛ لإظهار شدَّة القُبح من هؤلاء في نبْذِهم  .

3- أنَّ هذا النَّبذ الذي كان منهم لا يُرجى بعدَه قَبول؛ لقوله تعالى: وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ؛ لأنَّ النبذ لو كان أمامهم ربَّما يتلقَّونه بعدُ؛ كذلك لو كان عن اليمين والشِّمال، لكن إذا كان وراءَ الظَّهر، فمعناه استبعادُ القَبول منهم  .

4- إثبات الجَزاء، وأنَّه مِن جِنس العمل؛ فإنَّ الكافر لَمَّا لم يجعلْ لله نصيبًا في دُنياه، لم يجعل اللهُ له نصيبًا من نعيم الجَنَّة في أُخراه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ  .

5- أنَّ صاحب العِلم الذي يَنتفِع بعِلمه هو الذي يَحذَر ما يضرُّه؛ لقوله تعالى: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، فلو كانوا ذَوي عِلم نافع، لَمَا اشترَوا هذا العِلم الذي يضرُّهم، ولا ينفعُهم  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ فيه إضمار ما لم يَسبق ذكرُه؛ لأنَّه كالمعلوم؛ للدلالة على فخامة شأن صاحبِه؛ حيث يُجعل لفَرط شهرته كأنَّه يدلُّ على نفسه، ويُكتفَى عن اسمه الصريح بذِكر شيء من صفاته، فالهاء في قوله: فَإِنَّهُ تعود على جبريل، والهاء الثانية في: نَزَّلَهُ تعود على القرآن  .

2- قوله: وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ

فيه وضْع المصدر (هدى وبشرى) موضعَ اسم الفاعل (هاديًا ومبشِّرًا)، على سبيل المبالغة، كأنَّه لَمَّا حصل به الهُدى والبُشرى، جُعِل نفْسَ الهدى والبشرى. أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: ذا هُدًى  .

وقدَّم (الهدى) على (البشرى)؛ لوجود الهُدَى قبْل البُشْرى، ولسببيَّته فيها؛ لأنَّ البُشرى عبارة عن الخبر الدال على حُصولِ الخير العظيم، وهذا لا يحصُل إلَّا في حقِّ المؤمنين المهتدين  .

3- في قوله: مَنْ كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ صُدِّر الكلام بذِكر الجليل سبحانه؛ تفخيمًا لشأنهم، وإيذانًا بأن عداوتهم عداوةٌ للهِ عزَّ وجلَّ. وقدم الملائكة على الرسل، كما قدم الله على الجميع؛ لأنَّ عداوة الرسل بسبب نزول الوحي، ونزوله بتنزيل الملائكة، وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله تعالى ومن بعده على هذا الترتيب  .

4- قوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فيه عطف الخاص على العام، ويُسمَّى عند البعض (التجريد)  ، حيث أُفرد جبريل وميكال بالذِّكر بعد ذكر الملائكة مع أنَّهما من جُملتهم؛ تشريفًا لهما، ولبيان فَضلهما ورفعة شأنهما، كأنَّهما من جنس آخر، تنزيلًا للتغاير الوصفيِّ، منزلة التغاير الذاتي، أو للاعتناء بهم؛ لأنَّ الآية إنما نزلت بسببهما، ودفعًا لإشكال: أنَّ الموجبَ للكُفر عداوة جميع الملائكة، فنبَّه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكُفر  .

5- قوله: فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ

فيه وضع الظاهر موضعَ المضمر في موضعين: الأول: في قوله فَإِنَّ اللهَ ولم يقل: (فإنِّي)؛ لأجل حمل العباد على الامتثال لأمره بذكر ما هو أدعى لحصول خشيته ومهابته في نفوسهم. والثاني: في قوله: لِلْكَافِرِينَ ولم يقل: (لهم)؛ للدلالة على أنَّه تعالى عاداهم بسبب كفرهم، وللدَّلالةِ على أنَّ عداوة الملائكة والرُّسل كُفرٌ، وأن هذا الحكم يشمل كلَّ كافر  .

6- في قوله: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فيه التِفات من الغَيبة إلى الخِطاب لرَسوله عليه الصلاة والسلام في قوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ؛ إشعارًا بالقرب، وتسليةً له بأنَّ عادةَ هؤلاء نكثُ عُهودهم؛ فلا تبالِ بمَن طريقتُه هذه، وأنَّهم سلَكوا هذه الطريقةَ معك  .

7- في قوله: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ

استفهام، غرضُه الإنكار، وإعظامُ ما يُقدِمون عليه، وهذا أبلغُ في النكير عليهم، والتبكيت لهم  .

وفي التعبير بقوله: أَوَكُلَّمَا دلالة على أنَّ ذلك كالعادة فيهم، وفيه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عند كُفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأنَّ ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيَّتهم وعادتهم وعادة سلفهم  .

وجاء تنكير (عهدًا)؛ للدَّلالة على التَّكثير، أو للجِنس  .

8- في قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ نُكِّر الرسول للتفخيم، والجار بعده (من عند) متعلِّق بجاء، أو بمحذوف وقَع صِفة لرسول، لإفادة مزيد تعظيمه بتأكيد ما أفاده التنكيرُ من الفخامة  .

9- في قوله: مُصَدِّقٌ لِمَا أدخلت لام التقوية على مفعول مصدق (ما)؛ للدَّلالة على تقوية ذلك التصديق، أي: هو تصديق ثابت محقَّق لا يشوبه شيءٌ من التكذيب ولا التخطئة  .

10- قوله: وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ فيه تمثيلٌ للإعراض؛ لأنَّ مَن أعرض عن شيء تجاوزه، فخلَّفه وراء ظهره، وإضافة الوراء إلى الظهر؛ لتأكيد بُعْد المتروك بحيث لا يلقاه بعدَ ذلك، فجَعل للظهر، وراءَ وإن كان هو هنا بمعنى الوراء، فالإضافة كالبيانية  .

11- قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا فيه تقديم نفي كفر سليمان على إثبات كفر الشياطين؛ لأنَّه الأهمُّ تعجيلًا لإثبات نزاهته وعِصمته عليه السَّلام  .

12- في قوله: مَا تَتْلُو يُعَلِّمُونَ ووَمَا يُعَلِّمَانِ ويَقُولَا وفَيَتَعَلَّمُونَ ويُفَرِّقُونَ ووَيَتَعَلَّمُونَ ويَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ جاء التعبير فيها بالمضارع مع أنَّه حِكاية للحال الماضية؛ لأنَّه أدْعى لاستحضار ذلك وتصويره في النَّفْس، وللدَّلالة على الاستمرار، وإشارة إلى كثرته وفشوِّه  .

13- قوله: حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ

فيه إفرادُ الفتنة مع أنَّ قائل ذلك اثنان، فلم يقل (فتنتان)؛ لكونها مصدرًا، وحملُها عليهما من باب المبالغة كأنَّهما نفسُ الفتنة  .

وفيه: القصرُ بـ(إِنَّما)؛ لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيَانِه شأنٌ سواها؛ لينصرِفَ الناسُ عن تعلُّم السحر  .

14- قوله: مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ فيه تأكيد ضَرَر السِّحر بعطف جُملة وَلَا يَنْفَعُهُمْ على جملة مَا يَضُرُّهُمْ عطف تأسيس لا توكيد  .

15- في قوله: مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ تنكير الخلاق، مع تأكيد النَّفي بـ(مِن) الاستغراقيَّة؛ للدَّلالة على عِظم جُرم تَعاطي هذا السِّحر؛ فلذلك لم يكن لمتعاطيه أي حظٍّ من الخير في الآخرة  .

16- قوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ... لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

فيه: تأكيد بالقَسَم؛ لتقرير المعنى المقصود من الآية، أو لتنزيلهم منزلةَ المنكرين؛ لعدم جريهم على مُقتضَى العِلم  .

وفيه: تكرير (علموا) (يعلمون)، وفائدته: التَّسجيلُ عليهم بأنَّهم لا يَعلمون ما هو النَّفْع الحق  .

وفيه: تنزيل العالم منزلةَ الجاهل؛ فصدر الآية يدلُّ على ثبوت العلم بعدم نفع اشتراء السِّحر، وآخر الآية يَنفي عنهم العلمَ  .

17- قوله: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ فيه التعبير بالجملة الاسميَّة؛ للدَّلالة على ثبات المثوبة، والجزم بخيريتها، وحذف المُفضَّل عليه (السحر)؛ إجلالًا للمفضَّل (الإيمان والتقوى) من أن يُنسب إليه  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (104-113)

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ(97)

مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ(98)

وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ(99)

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(100)

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(101)

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(102)

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(103)

غريب الكلمات:

رَاعِنَا: من رعيتُ الرجل: إذا تأمَّلته، وتعرَّفْت أحواله. وكانت اليهود تقوله للنبي صلَّى الله عليه وسلم، على سبيل التَّهكُّم والسبِّ، يقصدون به رميه بِالرُّعُونَة من رعن، وأصلها هوج واضطراب  .

نَنْسَخْ: ننقل ونزيل ونُبطل، وأصل النَّسخ: رفْع شيءٍ وإثباتُ غيرِه مكانَه، أو تحويلُ شيءٍ إلى شيء  .

وَاصْفَحُوا: الصَّفح: ترْك التثريب واللومِ، والإِعراضُ عن الذَّنب؛ لأنَّه إذا أعرض عنه فكأنَّه قد ولَّاه صَفْحتَه، أي: عُرْضَه، وأصل الصفح: عرض الشَّيء وجانبُه، فصفحة العنق جانبها  .

بُرْهَانَكُمْ: حُجَّتكم ودَلالتكم، وأصله: وضوح الشَّيء  .


المعنى الإجمالي:

نهى اللهُ المؤمنين أن يقولوا لنبيهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ كلمة (رَاعِنَا)، التي كانت اليهود تقولها، تقصِد بها السُّخريةَ من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ونسبته إلى الرعونة، وإنْ لم يكُن مرادُ المؤمنين كمراد اليهود، وأبدلَهم لفظةَ (انْظُرْنَا) التي لا تحتمل ما تحتمله كلمة (رَاعِنَا) من معنى سيِّئ، وأمَرَهم أن يستجيبوا لِمَا يأمرهم به، وأعْلَمهم أنَّ للكافرين عذابًا مُوجِعًا.

ثم يُخبر سبحانَه عبادَه المؤمنين أنَّ الكافرين عمومًا سواء من الكتابيِّين أو المشركين، لا يُحبُّون أن يُنزِّل الله على عباده المؤمنين خيرًا، ومن ذلك القرآنُ الكريم، لكنَّ الله سبحانه يختصُّ برحمته- والتي منها النبوَّة والرِّسالة- مَنْ أراد مِن عبادِه، كما منَحَها نبيَّنَا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ.

ثم أخبر الله عزَّ وجلَّ أنَّ ما يرفعه من حكم آيةٍ، أو ما يزيله من الآيات فيُمْحى من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، أو ما يؤخِّر نزوله منها، أنَّه في جميع هذه الحالات يأتِـي سبحانه ببديلٍ عنها يكون أفضلَ لعباده، أو مثلَه، وذلك من تمام قُدرته سبحانه، ومُلكِه النافذ على جميعِ خَلْقه؛ فهو يَحكُم في عبادِه بما يشاء، وليس لهم مَن يَجلِب لهم خيرًا، أو يَدفَع عنهم شرًّا أو ينصرهم دون الله.

ثم حذَّر سبحانه جميعَ الناس؛ مؤمنهم وكافِرهم من سؤال النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ تعنُّتًا،كطلبهم رؤيةَ بعض الآيات، كما فعَل اليهودُ مع موسى عليه السَّلام؛ فإنَّ مَن يختار الكفرَ فقد انحرَفَ عن الطريق القويم.

ثم بيَّن الله سبحانه وتعالى أنَّ كثيرًا من اليهود والنَّصارى يتمنَّوْن أن يترُك المسلمون دِينهم؛ وذلك لحسدِهم المؤمنين على ما مَنَّ اللهُ به عليهم من الهِداية التي جاء بها محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وذلك بعد أن اتَّضح لأهل الكِتاب يقينًا أنَّ ما جاء به هو الحقُّ.

ثمَّ أمرَ اللهُ المؤمنين أن يُعرِضوا عنهم، ويَعْفوا ويَصفحوا حتى يأتيَ الله بحُكمه فيهم، وقد جاء أمرُ الله لاحقًا، بأنْ أمرَ المؤمنين بقِتالهم، إنْ لم يدفعوا الجزيةَ.

ثم حثَّ اللهُ المؤمنين على عِبادته، فأمَرهم أن يؤدُّوا الصَّلاة تامَّة بأركانها وواجباتها، ويؤتوا الزكاة المشروعة، ووعَدهم سبحانه بأنَّ كلَّ ما يفعلونه من خير سيجدونه عند الله، فهو سبحانه لا يَخفَى عليه شيءٌ، فهو مطَّلع على جميعِ أفعالهم.

ثم أخبرَ سبحانه أنَّ اليهود يدَّعُون أنَّ الجنة لن يَدخُلَها إلَّا من كان يهوديًّا، وأنَّ النصارى يدَّعون أيضًا أنَّ الجنة لن يَدخُلَها إلَّا مَن كان نصرانيًّا، وأخْبَر جلَّ وعلا أنَّ تلك الادعاءاتِ إنَّما هي مجرَّد أمانيَّ كاذبةٍ، وأمَر الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يَطلُب منهم الحُجَّة على ما يَدَّعون إنْ كانوا مُحقِّين.

بل إنَّ الأمر ليس كما يدَّعون ويتمنَّوْن، بل الحقيقة أنَّ مَن أخلصَ العمل لله تعالى وحده، سائرًا على نهجِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فله ثوابُه عند الله، ولا خوفٌ عليه ممَّا يستقبله من أمور الآخِرة، ولا يحزنُ على ما فاته في الدُّنيا.

ثم أخْبَر الله تعالى أنَّ اليهود والنَّصارى يدَّعي كلٌّ منهم أنَّ دِين الآخَر ليس فيه شيءٌ من الحقِّ، مع أنَّهم يتلون كُتُبهم، والتي تتضمَّن تكذيبهم فيما زعَموا، فالإنجيل يتضمَّن صِدق موسى وتقريرَ التوراة، والتوراةُ فيها التبشير بعيسى وصحَّة نبوَّته، وكذا قال بمِثل قولهم أُناسٌ من أهل الجَهل ليس لديهم عِلمُ مَن يتلون الكتاب.

ثم أخبر اللهُ تعالى أنَّه سيَقضي يوم القِيامة بين هؤلاء المختلِفين، والذين قال بعضُهم لبعض: لستُم على شيءٍ من الحقِّ، وسيَجزي اللهُ تعالى كلَّ مُبطِل على باطلِه.


تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا.

أي: نُهِي المسلمون عن قول هذه الكلِمة التي كانتِ اليهود تقولُها- وإنْ كانت من اليهودِ قبيحةً، ومِن المسلمين ليستْ كذلك- لما فيها من مُشابهةِ الكفَّار، ولكونها وسيلة إلى بلوغ غرَضهم، فالمسلمون يَعنُون بها طلبَ المراعاة، واليهود يعنون بها الرُّعونةَ؛ سخريةً من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ  .

وَقُولُوا انْظُرْنَا.

أي: أمَر الله تعالى عبادَه المؤمنين بلفظةٍ لا تحتمِل إلَّا معنًى حسنًا، بديلًا عن قولهم: راعِنا، للنبي صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهي: انظُرْنا، أي: انتظرنا وأمهِلْنا حتى نفهم عنك ونتعلم منك  .

وَاسْمَعُوا.

أي: أمَرَهم الله تعالى أن يَسمعوا لأوامره سَماعَ استجابةٍ وطاعةٍ  .

وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

أي: أخبَر سبحانه عمَّن جحَد آياتِ الله تعالى من اليهود ومِن غيرهم، أنَّ لهم في الآخرة عذابًا مؤلِمًا موجِعًا  .

قال تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: 46] .

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105).

مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ.

أي: لا يحبُّ الكفَّارُ من أهل الكتاب، أو مِن المشركين أن يُنزِّل الله تعالى على المؤمنين أيَّ خيرٍ منه سبحانه، ومِن ذلك الوحيُ المنزَّل على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: القرآن الكريم  .

وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

أي: إنْ كان الكفَّارُ لا يودُّون لأحدٍ من المؤمنين خيرًا ينزل عليه من الله تعالى، فاللهُ يُريد ذلك؛ فهو الذي يُؤثِر برحماته مَن شاء مِن عباده بعِلمه وحِكمته، ومن ذلك منْح النبوَّة والرِّسالة لمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فهو رحمة له ولغيره، وهو سبحانه ذو العَطاء الواسِع الكثير  .

كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: 113] .

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106).

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

أ- في قوله تعالى: نَنْسَخْ قِراءتان

1- (نُنْسِخْ) من أنسختُ الكتاب إنساخًا، أي: وجدته منسوخًا  .

2- (نَنْسَخْ) من نَسَخَ، بمعنى أزال، وغيَّر  .

ب- وفي قوله تعالى: نُنْسِهَا قِراءتان

1- (نَنْسَأْها) من التأخير؛ لأنَّ نَسَأَ أي أخَّر  .

2- (نُنْسِهَا) من النِّسيان  .

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ

أي: ما نرفع من حكم آيةٍ فنبدِّله ونغيِّره  .

أَوْ نُنْسِهَا

أي: أو ما نُزِلْه من الآيات؛ فنَمْحُه من قلبِ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم  .

وعلى قراءة: أَوْ نَنْسأهَا يكون المعنى: أو ما نؤخِّر نزوله منها  .

نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.

أي نأتِ بخيرٍ من الذي نسخناه أو محوناه من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أو بمثله في خيريَّته ووجوه نفْعه  .

وعلى قراءة ننسأها يكون المعنى: نأتِ بخيرٍ من الذي نسخناه أو أخَّرنا نزوله أو بمثله في خيريَّته ووجوه نفْعه  .

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

أي: إنَّ الله تعالى يَنْسَخُ ما يشاء، ويُثبت ما يشاء، ويَحكُم بما يشاء، فهو القويُّ والقادِر على ذلك، ولا يُعجزه شيءٌ أبدًا، والخطاب للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأُمَّتُه تبعٌ له فيه  .

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107).

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.

أي: ما دام أنَّ الله تعالى مالكٌ لجميع خلْقه، ومتصرِّف فيهم بما يَشاء؛ إذ له الخَلْق والأمر، فكذلك يحكُم في عباده بما يَشاء، فيُحلُّ ما يشاء، ويُحرِّم ما يشاء، ويُبيح ما يشاء، ويحظُر ما يشاء، وهو الذي يحكُم ما يريد ولا مُعقِّب لحُكمه  .

وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.

أي: ما لكم سوى الله عزَّ وجلَّ أيُّ أحدٍ يتولَّاكم، فيَجلِب لكم الخير، وليس لكم سوى الله تعالى أيُّ أحدٍ ينصرُكم، فيدفع عنكم الشرَّ  .

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108).

سبب النُّزول:

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((قال رافعُ بن حُرَيمِلةَ ووهْبُ بن زيدٍ لرسولِ الله: يا محمَّد، ائتنا بكتاب تُنزله علينا من السَّماء نَقرؤه، أو فجِّر لنا أنهارًا، نَتَّبعْك ونُصدِّقك، فأنزل اللهُ في ذلك: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ إلى قوله: سَوَاءَ السَّبِيلِ))  .

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ.

نَهى الله تعالى في هذه الآيةِ الناسَ، مؤمنهم وكافرهم، عن سؤال رسولِهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- الذي أُرسل للناس كافَّةً- أسئلةَ تعنُّتٍ أو اعتراض، أو اقتراحٍ للآيات، كما كان سلَف اليهود يَسألون موسى عليه السَّلام أسئلةً من هذا القَبيل  .

كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة: 101- 102] .

وقال سبحانه: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [النساء: 153] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: 89 - 93] .

وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كانت المسائلُ المنهيُّ عنها مذمومةً؛ فبعضها كفر، وبعضها قد تصِل بصاحبها إلى الكُفر، حذَّر الله تعالى من ذلك فقال  :

وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.

أي: مَن أخذ الكفر عِوضًا عن الإيمان، فقد حادَ عن وسَط الطريق، وانحرَف إلى جوانبه التي تُفضِي به إلى طُرق الهلاك  .

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109).

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا.

أي: إنَّ كثيرًا من اليهود والنَّصارى يتمنَّون بكلِّ قلوبهم أن يرتدَّ المؤمنون عن دِينهم، فيَكفروا  .

وقد سعَوا في ذلك، وأعمَلوا المكايد، كما قال تعالى: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران: 72] .

وقال سبحانه عن المنافقين: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء: 89] .

حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.

أي: إنَّ تلك الأمنيةَ الصادرة عن كثيرٍ من أهل الكتاب؛ سببُها الحسدُ المتمكِّن والمتأصِّل في نفوسهم، للمؤمنين على ما آتاهم اللهُ تعالى من فَضلِه، بالهداية إلى دِينه القويمِ، وهذا الحسَد إنَّما صدَر منهم بعدَ أن تبيَّن لهم الحقُّ المبِين  .

فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا.

أي: اتركوا عِقابَ أهلِ الكِتاب على مساوئ كلامِهم، وغلِّ قلوبهم، ومكْر أعمالهم؛ واترْكُوا لَومَهم ومعاتبتهم، وأَعْرِضوا عن ذلك كلِّه، وكأنَّ شيئًا لم يكُن  .

قال تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: 186]   .

حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ.

أي: حتى يُحدِث اللهُ تعالى لكم من أمْره فيكم ما يشاء، ويَقضي فيهم ما يُريد، بما يَشفِي غليلَكم، ويُذهِب غيظَ قلوبِكم  .

وقد أتَى هذا الأمرُ لاحقًا، بقتال الكفَّار مِن أهل الكِتاب، أو أخْذ الجِزيةِ منهم؛ ونُسِخ الأمرُ بالعفو والصَّفح بقوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29]   .

عن أُسامةَ بنِ زيد رضي الله عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ركِب على حِمارٍ، عليه قَطيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ  ، وأسامةُ وَراءَه، يعودُ سعدَ بنَ عُبادَةَ في بني حارثِ ابنِ الخَزرَجِ، قبلَ وَقعةِ بدرٍ، فسارَا حتى مرَّا بمجلسٍ فيه عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، وذلك قبلَ أن يُسلِمَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ، فإذا المجلسُ أخلاطٌ منَ المسلمينَ والمشركينَ؛ عبَدَةِ الأوثانِ، واليهودِ، وفي المسلمينَ عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ، فلمَّا غَشِيَتِ المجلسَ عَجاجَةُ الدابَّةِ، خمَّر ابنُ أُبَيٍّ أنفَه برِدائِه وقال: لا تُغَبِّروا  علينا، فسلَّم رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ عليهم، ثم وقَف، فنزَل فدَعاهم إلى اللهِ، وقرَأ عليهمُ القرآنَ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ: أيُّها المرءُ، لا أحسَنَ ممَّا تقولُ إنْ كان حقًّا، فلا تؤذِنا به في مجالسِنا، فمَن جاءك فاقصُصْ عليه. قال عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ: بَلى يا رسولَ اللهِ، فاغشَنا في مجالسِنا؛ فإنَّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المسلمونَ والمشرِكونَ واليهودُ حتى كادوا يتَثاوَرونَ، فلم يزَلْ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُخَفِّضُهم حتى سكَتوا، ثم ركِب رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ دابَّتَه، فسار حتى دخَل على سعدِ بنِ عُبادَةَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((أيْ سعدُ، ألم تَسمَعْ ما قال أبو حُبابٍ- يريدُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ- قال كذا وكذا)). فقال سعدُ بنُ عُبادَةَ: أيْ رسولَ اللهِ، بأبي أنت، اعفُ عنه واصفَحْ، فوالذي أنزَل عليك الكتابَ، لقد جاء اللهُ بالحقِّ الذي أَنزَل عليك، ولقدِ اصطَلَح أهلُ هذه البَحرَةِ على أن يُتَوِّجوه ويُعَصِّبوه بالعِصابَةِ، فلمَّا رَدَّ اللهُ ذلك بالحقِّ الذي أعطاك شرِق بذلك، فذلك فعَل به ما رأيتَ. فعَفا عنه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه يَعفُونَ عنِ المشركينَ وأهلِ الكتابِ كما أمَرهمُ اللهُ، ويَصبِرونَ على الأَذى؛ قال اللهُ تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الآية. وقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فكان رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يتَأَوَّلُ في العفوِ عنهم ما أمَره اللهُ به، حتى أذِن له فيهم، فلمَّا غَزا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بدرًا، فقتَل اللهُ بها مَن قتَل من صَناديدِ الكفَّارِ وسادَةِ قريشٍ، فقفَل رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأصحابُه منصورينَ غانِمينَ، معَهم أُسارى من صَناديدِ الكفارِ، وسادَةِ قريشٍ، قال ابنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ ومَن معَه منَ المشركينَ عَبَدَةِ الأوثانِ: هذا أمرٌ قد تَوَجَّهَ، فبايَعوا رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على الإسلامِ، فأسلَموا   ))  .

إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

أي: إنَّ الله تعالى يَفعَل ما يشاء، فهو القويُّ والقادِر على ذلك، ولا يُعجِزه شيءٌ أبدًا  .

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110).

أي: حثَّ الله تعالى عِباده المؤمنين على الاشتغال بما ينفعُهم أكثرَ، وهو أداءُ الصَّلاة بحدودها وفروضها تامَّةً كما أمَر الله عزَّ وجلَّ، وإيتاء الزَّكاة كما شُرعت، ووعدهم بأنَّهم مهما فعَلوا من خير، فلن يَضيعَ، بل هو محفوظٌ ومدَّخَرٌ لهم عند البصير العليم، الذي لا تَخفى عليه خافيةٌ من أعمالهم الظاهِرة والباطِنة  .

كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [النساء: 77] .

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111).

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى.

أي: وقالت اليهودُ: لن يَدخُلَ الجنَّةَ إلَّا مَن كان يهوديًّا، وقالت النَّصارى: لن يَدخُل الجَنَّةَ إلَّا مَن كان نصرانيًّا  .

تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ.

أي: إنَّ تلك الدَّعاوى التي يُطلقها اليهودُ والنَّصارى، إنَّما هي مجرَّدُ أباطيل وأمانيِّ نفوسٍ كاذبة، يتمنَّونها على الله تعالى بغير حقٍّ  .

كما قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [النساء: 123] .

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.

أي: هذا أمرٌ من الله تعالى لرسوله محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بدعاء أصحاب تلك الدَّعوى من اليهود والنَّصارى، إلى إحضار الحُجَّة على دَعواهم تلك، إنْ كانوا محقِّين فيما يزعمون  .

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112).

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ.

أي: ليس الأمرُ كما قال الزَّاعمون بأمانيِّهم: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، ولكن مَن أخلص العملَ لله تعالى وحْدَه لا شريكَ له، وهو مع إخلاصه فيه مُتَّبِع لشريعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ  .

فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

أي: إنَّ للمسلمِ وجهَه لله تعالى مُحسِنًا، ثوابَه على ذلك عند الله عزَّ وجلَّ، فهم أهل الجَنَّة وحْدهم، آمِنون؛ فلا خوفَ عليهم ممَّا يستقبلونه من أمور الآخِرة، وهم في سُرور دائم؛ فلا يَحزنون على ما فاتهم من أمور الدُّنيا، فحصَل لهم المرغوب، ونجَوْا من المرهوب  .

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113).

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ.

أي: ضلَّل وكفَّر بعضُهم بعضًا، فادَّعى أهلُ كلِّ دِينٍ منهم، أنَّ دِين الآخَر باطل، ليس فيه شيءٌ من الحقِّ مطلقًا  .

وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ.

أي: والحال أنَّ هؤلاء المدَّعين من اليهود والنصارى، يَقرؤون كتُبَهم ويعلمون ما فيها من الحقِّ، فيقرأ اليهود التوراة، ويقرأ النَّصارى الإنجيل، وكِلا الكِتابينِ شاهدانِ عليهما؛ فهما يقولان بخِلاف ما يقولون؛ فالإنجيل يَتضمَّن صِدقَ موسى وتقريرَ التوراة، والتَّوراة تتضمَّن التبشيرَ بعيسى وصِحَّة نبوَّته، وكِلاهما يتضمَّنان صِدقَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فكيف يدَّعي كلٌّ منهما أنه ليس في دِين الآخر شيءٌ من الحقِّ مطلقًا  ؟!

كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.

أي: أخبَر الله تعالى عن قوم نفَى عنهم العِلم بما كانت اليهودُ والنصارى به عالِمين، أنَّهم قالوا -بسبب جهلِهم- نظيرَ ما قاله اليهودُ والنَّصارى بعضُهم لبعض، من أنَّهم ليسوا على شيءٍ من الحقِّ، وهذا تعريضٌ من الله تعالى بهؤلاء اليهود والنَّصارى؛ زيادةً في التشنيع على ما قالوه لبعضهم، حيث اشتَركوا وهم أهلُ كتاب، مع أهلِ الجَهالة في المقالة نفْسها  .

فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.

أي: إنَّ الحَكَم العدل سبحانه وتعالى، يتوعَّد هؤلاءِ المختلِفين- القائِلِ بعضُهم لبعض: لستُم على شيء من الحقِّ- بأن يقضيَ ويَفصِل بينهم يومَ تقومُ الساعة، ويقومُ الناس من قُبورهم، وأنَّه سيَجزي كلَّ مبطل على باطله؛ فإنَّه لا نجاةَ لِمَن لم يؤمِن بجميع الأنبياء والمرسَلين عليهم الصَّلاة والسَّلام  .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّ الإيمان مقتضٍ للأخلاق الفاضِلة؛ لأنَّ مراعاة الأدب في اللَّفظ من الأخلاق الفاضِلة، وقد أمَر الله تعالى بها، مخاطبًا بذلك أهلَ الإيمان، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا  .

2- من الأدَب الحِرصُ على اختيار الألفاظ الحسَنة، ومِن ذلك تجنُّب الألفاظ التي تُوهِم سبًّا، وشتمًا؛ لقوله تعالى: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا  .

3- أنَّ خيرَ الله تعالى لا يَجلِبه ودُّ وادٍّ، ولا يردُّه كراهةُ كارهٍ؛ لقوله: وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ  .

4- يجب على المسلم الحذرُ من كلِّ تصرُّف يصدُر عن اليهود والنصارى، والمشركين عمومًا، مع اتِّخاذهم أعداءً؛ ولذا يحرُم على المسلمين أن يُوَلُّوا الكفَّارَ أيَّ قيادة؛ لأنَّهم ما داموا لا يودُّون للمسلمين الخيرَ، فلن يقودوهم له، مهما كان الأمرُ، كما قال تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 105]   .

5- مراعاةُ الأحوال، حيثُ قال تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ  .

6- في قوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ بِشارةٌ للمؤمنين بأنَّ الله سبحانه وتعالى سيغيِّر حالَهم المقتضية للعفو والصَّفح، إلى قوَّةٍ يَستطيعون بها جهادَ العدوِّ  .

7- إقام الصلاة لا يعني مجرَّد أدائها، وإنما هو القيام بحقوقها الرُّوحيَّة في صورتها العَمليَّة، وذلك بالتوجُّه إلى الله سبحانه، ومناجاتِه، والانقطاعِ إليه عمَّا عداه، وإشعار القلْب بعظمته وكبريائه، فبهذا الشُّعور ينمو الإيمان، وتَقوى الثقةُ بالله تعالى، وتتنزَّه النَّفسُ عن أن تأتيَ الفواحش والمُنكَرات، وتستنير البصيرةُ؛ فتكون أقوى نفاذًا في الحق، وأشدَّ بُعدًا عن الأهواء، فنفوس المصلِّين جديرة بالنَّصر؛ لِمَا تُعطيها الصَّلاة من القوَّة المعنويَّة، ومن الثِّقة بقُدرة الله عزَّ وجلَّ  .

8- أنَّ إقامة الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة من أسباب النَّصر؛ لأنَّ الله ذكَرها بعد قوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: 109] ؛ وقد جاء ذلك صريحًا في قوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 40-41]   .

9- أنَّ مَن اغترَّ بالأماني، وطمِع في المنازل العالية بدون عملٍ لها، ففيه شَبَهٌ من اليهود، والنَّصارى، كما قال تعالى: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  .

10- في قوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ... التحذير من التعصب في الدين والترامي بالكفر، وتفريق كلمة المسلمين، والله تعالى قد أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، وقد امتاز أهل الحق، من هذه الأمة بالسنة والجماعة، عن أهل الباطل الذين يزعمون أنهم يتبعون الكتاب ويعرضون عن سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعما مضى عليه المسلمون  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ أحكام الله سبحانه وتعالى تختلفُ في الخيريَّة من زمانٍ إلى زمان؛ فقد يكون الحُكم خيرًا للعباد في وقت، ويكون غيرُه خيرًا لهم في وقتٍ آخَرَ، كما قال سبحانه وتعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا   .

2- أنَّ القادر على تغيير الأمور الحِسيَّة قادرٌ على تغيير الأمور المعنويَّة كذلك؛ فكما أنَّ الله تعالى قادرٌ على تغيير الأمور الكونيَّة، فهو كذلك قادرٌ على تغيير الأمور الشرعيَّة؛ لقوله تعالى بعد ذِكر النَّسخ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  .

3- ذِكر ما يَطمئنُّ به الإنسان حين يُخشى أن يُقلِق الأمرُ فِكرَه ويَشغل قلبَه؛ لقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا  .

4- تأكيد ذمِّ الأسئلة المتعنِّتة؛ لقوله تعالى: رَسُولَكُمْ؛ فكأنَّه يعني أنَّه لَمَّا كان رسولكم، فالذي ينبغي منكم تُجاهَه عدمُ إعْناته بالأسئلة  .

5- عِلم اليهود والنصارى بأنَّ الإسلام مَنقبةٌ عظيمة لمتَّبعه؛ لقوله تعالى: حَسَدًا؛ لأنَّ الإنسان لا يُحسد إلَّا على شيء يكون خيرًا، ومنقبةً عظيمة، ويدلُّ على ذلك، قوله تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 105]   .

6- بيان خُبث طويَّة هؤلاء الذين يودُّون وقوعَ المسلمين في الكُفر؛ لقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، فليس هذا صادرًا من كتاب، ولا مِن إساءة المسلمين إليهم، ولكنَّه من عند أنفسهم؛ فهي أنفُسٌ خبيثة تودُّ الكفرَ للمسلمين حسدًا  .

7- عدلُ الله عزَّ وجلَّ في مخاطبة عِبادِه، حيث قال سبحانه: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ؛ لأنَّ هذا من باب مراعاة الخَصم، وأنَّه إنْ كان لكم بيِّنة فهاتوها؛ وهذا- لا شكَّ- من أبلغِ ما يكون من العدْل، وإلَّا فالحُكم لله العليِّ الكبير، وهؤلاء لا بُرهان لهم على ما ادَّعَوه بدليل أنَّهم لم يأتوا به  .

8- أنَّ أهلَ الجنة هم الذين جمَعوا بين وصفينِ؛ الأوَّل: الإخلاص لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ؛ والثاني: اتِّباع شرْعه؛ لقوله تعالى: وَهُوَ مُحْسِنٌ  .

9- عِظم الثواب؛ لإضافته إلى الله الوهَّاب، في قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِ  .

10- انتفاء الخوفِ والحزن لِمَن عبَدَ اللهَ عزَّ وجلَّ بهذين الوصفين؛ وهما الإخلاص والمتابعة، كما قال تبارك وتعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: فيه الافتتاح بحسن النِّداء، وإثبات وصْف الإيمان لهم؛ للإعانة على الاستجابة للأمر بعد النِّداء  .

2- في قوله: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا بُدِئ بالنهي؛ لأنَّه أسهل؛ لأنَّه من باب التروك، ثم أُتي بالأمر بعده الذي هو أشقُّ؛ لحصول الاستئناسِ قبلُ بالنَّهي  .

3- قوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ

فيه: الإظهار في موضع الإضمار في قوله وَلِلْكَافِرِينَ؛ للدَّلالة على سبَب العذاب، وأنَّ سبَّ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم كُفرٌ، ولبيان أنَّ هذا العذاب يعمُّ كلَّ كافر  .

وفيه: تقديم الجار والمجرور وَلِلْكَافِرِينَ؛ للتَّخصيص أو التقوية  .

وفيه جاء تنكير (عذاب) للتهويل والتخويف، وجاء وصفه بصيغة فعيل أَلِيمٌ؛ للدَّلالة على شدَّته، والمبالغة في الوصف  .

4- قوله: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ

- فيه تقديم الجار والمجرور عَلَيْكُمْ؛ للاختصاص، وتقوية المعنى، ولإظهار كامل العناية بشأن المُنزَل والمُنزَل عليه  .

5- في قوله: وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

فيه تأكيدُ الخبر بالجملة الاسميَّة (وَاللهُ يَخْتَصُّ - وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ) التي تدلُّ على الثُّبوت، والتعبير بالمضارع (يختصُّ) لتحقيقِ الوُقوع واستمراره أيضًا  .

وفيه: وضْع الظاهر وَاللهُ ذُو موضِعَ الضمير (وهو ذو)؛ للتعظيم، ولتحصل خشيةُ الله تعالى، وتقَع هيبتُه في نفوس عباده  .

6- في قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ...

الاستفهام في الآيتَينِ دخَل على النَّفي؛ لذا فهو للتقرير  .

والخِطاب في (تعلم) ظاهره للواحِد - وهو النبي صلَّى الله عليه وسلَّم - والمراد إمَّا خطاب لغير معيَّن، بتَشبيه مَن ليس حاضرًا للخطاب (الغائب) منزلةَ المخاطَب، بحيث يصير مخاطبًا؛ لشهرة هذا الأمر، وليعمَّ كلَّ مخاطَب صالح له، فيشمل هذا الخطاب ابتداءً اليهودَ والمشركين، ومَن عسى أن يشتبه عليه الأمر، وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين، وإمَّا المراد به ظاهِره وهو الواحِد، فيكون المخاطَبُ هو النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لكنَّ المقصودَ منه المسلمون، فينتقل من خِطاب النبيِّ إلى مخاطبة أمَّته على طريق الانتقال الكِنائيِّ، والمقصد من تلك الكِناية التعريضُ باليهود، وهذا أبلغُ وأوجزُ في لفظ الضَّمير من أن يُؤتَى بضمير الجماعة المخاطبين  .

وفيه التفاتان: أحدُهما: خروجٌ من خِطاب جماعةٍ في قوله: مِنْ رَبِّكُمْ إلى خطاب الواحد في قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ، والثاني: خروجٌ من ضميرِ المتكلِّم المعظِّمِ نفسَه في قوله: مَا نَنْسَخْ... نُنْسِهَا نَأْتِ...: إلى الغَيْبَةِ بالاسمِ الظاهر في قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ... فلم يقل: (ألم تعلموا أننا)  .

وفيه وضْع الاسمِ الجليلِ في قوله تعالى: (أنَّ الله) موضعَ الضَّميرِ في (أنَّه)؛ لتربية المهابة  .

7- قوله: إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبر فيه من الوعيد والتهديد ما لا يَخفى  . مع ما فيه من تأكيد الخبر بإنَّ، واسميَّةِ الجملة، وتقديمِ ما حقُّه التأخيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ  .

8- قوله: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى فيه لَفٌّ ونَشْر؛ إذ المعنى: وقالت اليهود: لن يَدخُل الجنة إلا مَن كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلَّا مَن كان نصارى، فلفَّ بين القولين  .

9- قوله: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ جمعَ الخبر (أمانيهم)، مع أن قولهم: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أمنية واحدة؛ لأنهم لشدة تمنيهم لهذه الأمنية، ومعاودتهم لها، وتأكدها في نفوسهم جُمِعت، ونظيره قولهم: معًا جياع، فجمَعوا الصفة ومؤدَّاها واحد؛ لأنَّ موصوفها واحد، وهذا من نفائس صناعة البيان  . وقيل: لأنَّ (تلك) كناية عن المقالةِ، والمقالةُ في الأصلِ مصدرٌ، والمصدرُ يقع بلفظِ الإِفرادِ للمفردِ والمثنَّى والمجموعِ، فالمرادُ بـ(تلك) الجمعُ من حيث المعنى  .

10- قوله: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُه عِنْدَ رَبِّهِ في كلمة رَبِّهِ وضع اسم الربِّ مضافًا إلى ضمير (مَن أسلمَ) موضِعَ ضمير لفظ الجلالة (الله)؛ لإظهار مزيد اللطف، وتقرير مضمون الجملة  .

11- قوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه التأكيد باسميَّة الجملة، وبذكر ضَمير الفْصل هُمْ، وفيه اختصاصٌ وتقويةٌ للحُكم  .

12- قوله: فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ خبرٌ مرادٌ به التوبيخ والوعيد، وناسب المجيء بالفاء فَاللهُ؛ لأنَّ التوعُّد بالحكم بينهم يوم القيامة، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والحسد- متفرِّع عن هذه المقالات ومسبَّب عنها، والجملة تذييل  .

وفيه: تقديم الظرف فِيهِ على متعلِّقه يَخْتَلِفُونَ؛ للاهتمام به، ولمراعاة فواصل الآيات  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (114-119)

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(114)

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(115)

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ(116)

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(117)

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(118)

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ(119)

غريب الكلمات:

فَثَمَّ: أي: هنالك  .

بَدِيعُ: مُبدِع، ومبتدئ، وأصله: ابتداء الشيء وصُنعه لا عن مِثال سابق  .

بَشِيرًا: أي: مبشِّرًا، وأصل (بشر) يدلُّ على ظهور الشَّيء مع حُسن وجمال، ومنه البِشارة، ولا تكونُ البشارة عند إطلاق الكلام إلَّا بالخَير، وقد تُقيَّد وتُحمَل على الشرِّ  .

نَذِيرًا: أي: مُنذِرًا، وأصل (نذر) يدلُّ على تخويف  .


المعنى الإجمالي:

يُخبِر الله تعالى أنَّه لا أحدَ أشدُّ تعدِّيًا على حدوده ممَّن منَع ذِكرَه في بيوته، وبذَل جهدًا في إفسادها، وهؤلاء جعَل الله سبحانه وتعالى عقابَهم بأنْ حرَمَهم من دخولها، إلَّا على وجه الخوف من الله، أو من عِباده المؤمنين، ولهم مع ذلك ذلٌّ وعارٌ في الدنيا، وأمَّا في الآخِرة، فلهم عقوبةٌ عظيمة.

ثمَّ أخبَر سبحانه عن عظيم مُلكه، وأنَّ له مُلكَ الدنيا كلها مشرقها ومغربها ومُلك ما بينهما؛ فأينما حوَّل الإنسانُ وجهَه فهناك وجه الله.

ثم ذكَر سبحانه النَّصارى الذين يزعمون أنَّ المسيح ابن الله، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا، بل له جميعُ ما في السَّموات والأرض، وكلُّهم بلا استثناء عبيدٌ له، مدبَّرون منقادون؛ فكيف يكون له ولدٌ منهم؟! تنزَّهَ عن ذلك وتقدَّسَ.

ثم أخبر أنَّه هو سبحانه مَن أوجد السَّمواتِ والأرضَ على غير مثال سابقٍ؛ فالذي قدَرَ على إيجادهما من العدم مع عظمتِهما، قادرٌ على إيجادِ ما دونهما؛ فكيف يُخرِجون عيسى عن قُدرته وإبداعه، ويَجعلونه جزءًا منه سبحانه؟!

ومِن صِفاته جلَّ وعلا أنَّه إذا أراد شيئًا، فإنَّما يقول له: كن فيكون، فمَنْ يدبِّر الأشياءَ بكلمته جلَّ وعلا لا يحتاجُ إلى توليد الأشياءِ منه؛ فكيف يجعلون عيسى ولدًا له؟! وإنَّما عيسى عليه السَّلام من مخلوقاته التي خلقَها بكلمة «كن».

ثمَّ أخبر تعالى عن مشركِي العرب الأميِّين، الذين ليس لديهم ما لدى أهل الكِتاب من العِلم، أنَّهم قالوا: هلَّا يكلِّمنا الله، أو تأتينا معجزةٌ؟! وذلك ليصدِّقوا بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فشابهوا بهذا القول الأُممَ السابقةَ من اليهود والنصارى؛ فقد قالوا كقولهم، وذلك نتيجة تشابُه قلوب الكفَّار في ردِّهم الحقَّ وتعنُّتهم، ثم أخبر الله تعالى أنه قد أظْهَر العلاماتِ الدالَّةَ على صِدق رُسله- ومنهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- بما لا يُحتاج معه إلى سؤال آخَر، لكن ذلك التبيِّين لا يستفيد منه إلَّا الذين يوقِنون.

ثمَّ خاطَب اللهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ، بأنَّه قد أرسله بالحقِّ، مبشرًا مَن أطاع بالفلاح والسَّعادة في الدَّارين، ومنذِرًا مَن عصى بالشقاء فيهما، وأعْلَمه أنَّه -بعدَ بيان ما أُمِر ببيانه من الحقِّ- ليس مؤاخذًا بمَنْ بقِي منهم على كُفره.


تفسير الآيات:

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114).

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا.

أي: لا أحدَ من المانعين شيئًا، أشدُّ جَراءةً وتعدِّيًا على حدود الله عزَّ وجلَّ ممَّن منَعَ العبادة في بيوت الله تعالى، واجتهد وبذَل وُسعَه في إفسادها حسيًّا ومعنويًّا  .

أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ.

أي: قد منَع اللهُ تعالى أولئك الذين يسعَون في خراب بيوت الله تعالى حسيًّا ومعنويًّا، منْ أنْ يدخلوها إلَّا وقلوبهم وجِلة؛ خوفًا من عقوبة إلهيَّة تحلُّ بهم، أو خوفًا من المؤمنين أن يعاقبوهم تسليطًا من الله تعالى لهم  .

لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

أي: لأولئك الذين تقدَّمت صِفتُهم في هذه الآية، ذلٌّ وعارٌ يحلُّ بهم في الدُّنيا، من قَتْلٍ، أو سَبيٍ، أو جزيةٍ، أو فضيحةٍ، أو غير ذلك، أمَّا في الآخرة فلهم عقوبةٌ عظيمة  .

وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115).

وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.

أي: إنَّ لله تبارك وتعالى مُلكَ الجِهة التي تطلُع منها الشَّمس، ومُلك الجِهة التي تَغيب منها، وله مُلك جميع ما بينهما من الجِهات والمخلوقات  .

فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله.

أي: إنَّكم حيثما كنتم وتوجَّهتم في صلاتكم نحو الجهة التي شرعها الله تعالى، فإنكم تتَّجهون إلى الله عزَّ وجلَّ في الحقيقة؛ لأنَّ المصلِّي إذا توجَّه إلى القبلة، فقد استقبل وجه الله سبحانه حقيقةً  .

وقيل المعنى: إنَّكم مهما حوَّلتم وجوهَكم إلى ناحيةٍ ما، فهنالك وجهُ الله تعالى، وسواء كان ذلك لأجْل استقبال القِبلة في الصَّلاة أو لا، في الحضَر أو السَّفر، أو لغير ذلك من أحوال  .

إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

أي: ختَم الله سبحانه هذه الآيةَ باسمين دالَّين على الإحاطة، فالله عزَّ وجلَّ واسعُ الرَّحمة والمغفرة والعِلم، واسع الجُود والعطاء، وغير ذلك من صِفاته الحُسنى، وهو ذو عِلمٍ محيطٍ بكلِّ شيء، لا يَغيب عن عِلمه شيء أبدًا  .

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116).

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا.

أي: قالت النصارى بزعمهم: المسيح ابن الله  .

سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.

أي: يتنزَّه الله ويتعالى علوًّا كبيرًا عن أن يكون له ولد، وليس الأمر كما افتروا، فهو سبحانه مالك جميع ما في السموات وجميع ما في الأرض، وهو خالقهم ومصرفهم كيف شاء، هو الغني وهم الفقراء، والجميع عبيد له بلا استثناء، فكيف يكون له ولد منهم؟! والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، كما أن الولد بعض الوالد وشريكه، فلا يكون مخلوقًا ومملوكًا له؛ لأن المخلوق مملوك مربوب، والابن نظير الأب، فكيف يكون مخلوقه ومملوكه بعضه ونظيره؟ والله تبارك وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه، فكيف يكون له ولد  ؟!

كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ.

أي: إنَّ كلَّ أحد لا يخرُج عن مشيئته وقُدرته ومُلكه سبحانه، بل الجميع- حتى مَن ادُّعِيت بُنوَّتُه لله تعالى كعيسى عليه السَّلام- عبيدٌ مقهورون مُدبَّرون، وهم منقادون وخاضِعون للنواميس الإلهيَّة في أبدانهم وغيرها، طوعًا أو كرهًا  .

كما قال تعالى: قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [يونس: 68-69] .

وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [النساء: 171] .

وقال سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 1-2] .

بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117).

أي: إنَّ مَن أوجد هذه السَّمواتِ والأرضَ مِن العدم، وأحْسَن خلقهما على غيرِ مِثالٍ سابقٍ مع عِظمهما وآياتهما الباهِرة، فهو قادرٌ على خَلْق ما دونهما؛ فكيف يُخرجون عيسى عليه السَّلام عن قُدرته وإبداعه، ويجعلونه نظيرًا وشريكًا وجزءًا مِنه سُبحانه جلَّ شأنُه؟! فإنَّ مبدِع العالَم العُلويِّ والسُّفليِّ لا يُعجزه أن يخلُق عبدَه بقدرته، من غير أبٍ؛ فكيف يدَّعون أنَّه ولدُه  ؟!

كما قال تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: 100-101] .

وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

أي: إنَّه سبحانه إذا أراد شيئًا، فحسبُه أن يقول له: كن، فيكون ذلك الشيء على وَفقِ ما يُريد الله تبارك وتعالى، ومن ذلك خَلْق المسيح عيسى عليه السَّلام، فقد خلَقَه بكلمة كن، وهذا منافٍ للتوليد؛ فمَن يدبِّر الأشياء بمجرَّد كلمته، ليس كمَن يحتاج إلى توليدِ الأشياء منه، فكيف يُوصَف بالتولُّد سبحانه، وهو في جميع ما يَقضيه إنَّما يقول له: كن، فيكون  ؟!

كما قال تعالى: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [مريم: 34-35] .

وقال سبحانه: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 47] .

وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 59] .

وقال جلَّ وعلا: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 81-82] .

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118).

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ.

أي: قال مُشرِكو العرب: هلَّا أَوحى الله عزَّ وجلَّ إلينا كما أَوحى إلى رُسله؟ أو يكلِّمنا بتصديق رسوله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؟ أو تأتينا معجزةٌ دالَّة على صِدق ما جاء به؟ وهذا الطَّلب قد صدَر منهم على سبيل التعنُّت والعِناد، وإلَّا فقد جاءتْهم آيات كثيرة دالَّة على صِدق بِعثة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومنها القرآن الكريم  .

كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [الأنعام: 124] .

وقال سبحانه: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: 90 - 93] .

كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ.

أي: قولهم ذلِك مطابقٌ لقول مَن قَبلهم من الأُمم السابقة من اليَهود والنصارى وغيرِهم  .

قال الله تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً [النساء: 153] .

تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ.

أي: قلوبُ الكفَّار متشابهةٌ في ردِّ الحق، والعِناد والتعنُّت؛ ولذا جاءتْ أقوالهم متوافقةً، وإن اختلفت مذاهبُهم وأساليبهم في ذلك  .

كما قال تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات: 52-53].

قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.

أي: قد أَظهَرْنا ووضَّحنا العلاماتِ الدالَّاتِ على صِدق الرُّسل عليهم السَّلام- ومنهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- بما لا يُحتاج معها إلى سؤالٍ آخَر، ولكنْ ذلك لِمَن كان اليقين من خِصالهم الدَّائمة؛ فهم يَتثبَّتون ويستوثقون، ويطلُبون معرفةَ حقائق الأشياء إلى درجة اليقين  .

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119).

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.

أي: يُخاطب الله تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ، مؤكِّدًا له بأنَّه قد أرسله بالحقِّ، فبِعثتُه حقٌّ، وما جاء به من عند الله عزَّ وجلَّ حقٌّ، وقد أرسله تعالى لعموم المكلَّفين من الإنس والجن، والحال أنَّه مبشِّر مَن أطاعه بنيل السَّعادة في الدنيا والآخِرة، ومحذِّر ومُخوِّف مَن عصاه بالشَّقاوة في الدُّنيا والآخِرة  .

وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: تُسْأَل قِراءتان:

1- (تَسْأَلْ) بفتح التاء، وجزْم اللام، على النهي عن السُّؤال عن ذلك أي: لا تَسألْ يا محمَّدُ، عنهم؛ فقد بَلَغوا غاية العذاب  .

2- (تُسْأَلُ) بضمِّ التاء والرَّفْع، أي: إنَّك لا تُسأل عن الكفَّار: ما لهم لم يُؤمِنوا؛ لأنَّ ذلك ليس إليك  .

وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.

أي: إنَّك لستَ مؤاخَذًا يا محمَّد، على بقاء الكفَّار -أصحاب النار الملازِمين لها- على كُفرهم؛ فلن تُسألَ عنهم بعد أنْ بلَّغتَهم بالحقِّ؛ فإنَّما عليك البلاغ فحسبُ، وحِسابهم على الله عزَّ وجلَّ. ولا تَسأَلْ يا محمَّد، عمَّ لأولئك من العذاب؛ فإنَّهم في حالٍ من الفظاعة والشَّناعة لا يتصوَّرها عقلُ إنسان؛ وذلك لشدَّةِ ما أُعِدَّ لهم من العذاب العظيم  .

كما قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 20-21] .


الفوائد التربويَّة:

1- في قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، إشارةٌ إلى أنَّ ذِكر الله تعالى باللِّسان لا بدَّ أن يكون باسمِه، أمَّا ذِكرُه بالضمير المفرَد فبِدعة، وليس بذِكر، مِثل طريقة بعض الصوفيَّة، الذين يقولون: أفضل الذِّكر أن تقول: (هو، هو، هو)  .

2- تَسليةُ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لأنَّ الإنسان المصاب إذا رأى أنَّ غيره أُصيب، فإنَّه يتسلَّى بذلك، وتخفُّ عليه المصيبة؛ فالله تعالى يُسلِّي رسوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّ هذا القول الذي قِيل له قد قِيل لِمَن قبْله، كما قال تعالى: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- في قوله سبحانه: مَسَاجِدَ اللهِ [البقرة: 114] ، دلالةٌ على شرَف المساجد؛ لإضافتِها إلى الله تعالى  .

2- أنَّه لا يجوز أن يُوضَع في المساجد ما يكون سببًا للشرك؛ لأنَّ مَسَاجِدَ اللهِ معناها: موضع السُّجود له؛ فإذا وُضِع فيها ما يكون سببًا للشرك، فقد خرجَتْ عن موضوعها، مثل أن يُقبَر فيها الموتى، فهذا محرم؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى الشِّرك  .

3- وجوب تطهير المساجد؛ وذلك لإضافتِها إلى الله عزَّ وجلَّ، وهي إضافة تشريف وتعظيم؛ ولذا قال تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ  .

4- أنَّ الناس في المساجد سواءٌ؛ لأنَّ الله تعالى أضافَها إلى نفْسه: مَسَاجِدَ الله  .

5- في قوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى  .

6- أنَّه ليس بين أمْر الله تعالى بتكوين شيءٍ، وتكوُّنه تراخٍ، بل يكون على الفوريَّة؛ لقوله تعالى: فَيَكُونُ: بالفاء، والفاء تدلُّ على التَّرتيب، والتعقيب  .

7- أنَّ المشركين يُقرُّون بأنَّ الله تعالى يتكلَّم بحرفٍ، وصوتٍ مسموع؛ لقوله تعالى: لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ  .

8- أنَّ الأقوال تابعةٌ لِما في القلوب؛ لقوله تعالى: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ؛ فلتشابُهِ القلوبِ تَشابهت الأقوالُ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ استفهامٌ يراد به النفي والإنكار والاستبعاد  .

2- قوله: أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ

فيه: بِناء الفِعل (يُذْكَر) للمفعول وحذْف الفاعِل؛ للاختصار؛ لأنَّ الذاكرين كثيرون جدًّا  .

وتقديم الجار والمجرور (فيها) على نائب الفاعل (اسمُه)؛ لأنَّ مساجدَ الله مذكورةٌ في اللفظ قبل اسم الله؛ فناسب تقديم المجرور لذلك  .

3- قوله: لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

فيه تنكير (خِزي)؛ للتعظيم والتهويل، ويدلُّ على أنَّ الذمَّ واقعٌ في النِّهاية العظمى  .

وتنكير (عذاب)؛ للتعظيم والتهويل، ووصفه بصيغة فعيل (عظيم)؛ للمبالغة  .

وفيه: تقديم الجار والمجرور في قوله: لَهُمْ... وَلَهُمْ... في الموضعيْن مع تَكراره؛ للتوكيد، وبيان شِدَّة العذاب  .

4- في قوله: وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

التنصيصُ على ذِكْرِ (المَشْرقِ والمَغْرِبِ) دونَ غيرِهما؛ لشرَفِهما حيث جُعِلا لله تعالى، أو يكون مِن حَذْفِ المعطوفِ للعِلم، أي: لله المشرقُ والمغربُ وما بينهما، كقوله: تَقِيكم الحَرَّ، أي: والبردَ  .

5- قوله: إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ تعليل مقرِّر لمضمون ما قَبلَه، وفيه تأكيدٌ بإنَّ، واسميَّة الجملة  .

6- قوله: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا في لفظ (اتخذ) تعريض  بالاستهزاء بهم بأنَّ كلامهم لا يلتئم؛ لأنَّهم أثبتوا ولدًا لله تعالى، ويقولون: اتَّخذه الله؛ والاتخاذ الاكتساب، وهو ينافي الولدية؛ إذ الولدية تأتي بدون صُنع، فإذا جاء الصنع جاءت العبودية لا محالة  .

7- في قوله: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ

جَمَعَ (قانِتون) حَمْلًا على المعنى لأنَّ (كُل) إذا قُطِعَتْ عن الإِضافة جاز فيها مراعاةُ اللفظِ ومراعاةُ المعنى، وحَسُنَ الجمعُ هنا؛ لتواخِي رؤوسِ الآي ومراعاة فواصلِها  .

وفيه: تأكيد الخبر باسميَّة الجملة، وتقديم له على قانتون فيه تأكيدٌ كذلك  .

8- في قوله: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ جاء تقديم الضمير في يُكَلِّمُنَا على الفاعل لفظ الجلالة اللهُ؛ لبيان إمعانهم في المكابرة والعِناد، وعدم الطاعة والانقياد  .

9- في قوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا جيء بالتأكيد (إِنَّا) وإنْ كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يتردَّد في ذلك؛ لمزيد الاهتمام بهذا الخبر، وتنويهًا بشأن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام  .


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (120-123)

وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(120)

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(121)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(122)

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ(123)

غريب الكلمات:

مِلَّتَهُمْ: أي: دينهم، وطريقتهم، ثم نُقِلت على أصول الشرائع، مشتقَّة من أمللت (أي أمليت)؛ لأنَّها تُبنَى على مسموع ومتلوٍّ، فإذا أريد الدين باعتبار الدُّعاء إليه قيل: ملة، وإذا أريد باعتبار الطاعة والانقياد له قيل (دين)  .


مشكل الإعراب  :

قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ:

(الَّذِينَ): مبتدأ أوَّل. و(أُولَئِكَ). مبتدأ ثانٍ، و(يُؤْمِنُونَ بِهِ): خبَرُ المبتدأ الثاني، وجُملة (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) خبَر للمبتدأ الأوَّل (الَّذِينَ). و(يَتْلُونَه): جملة في محل نصب حال من (الكِتَاب)، أو مِن الضَّمير المنصوب في (آتَيْنَاهُمُ). ولا يجوز أن تكون جملة (يَتْلُونَه) خبَر (الَّذِينَ)؛ لأنَّ هذا يُوجِب أن يكونَ كلُّ مَن أوتي الكتاب يتلوه حقَّ تلاوته، وليس هم كذلك، إلَّا إذا كان المقصود بـ(الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) هم الأنبياء، فيجوز ذلك، وقيل غير ذلك  .


المعنى الإجمالي:

يُخبر اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّ أهلَ الكتاب من اليهود والنَّصارى لن يرضَوْا عنه حتى يَعتنِقَ دِينَهم؛ لأنَّهم يرَوْن أنَّهم على هُدًى، فأعْلَمه الله تعالى بما يردُّ به على هذا الزَّعم، وهو أنَّ الهُدى الحقيقيَّ هو هدى الله، الذي جاء به مِن عند الله عزَّ وجلَّ.

ثمَّ خاطَب اللهُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ- وأمَّتُه تبعٌ له- محذِّرًا من اتِّباع أهواء أهل الكِتاب، من بعد أنْ آتاه اللهُ من العِلم ما يدلُّه على الحقِّ، فإنَّه إنْ فعَل ذلك واتَّبع أهواءَهم، فلن يجدَ حِينها أيَّ أحدٍ يتولَّاه، فيَجلِب له خيرًا، أو أيَّ أَحدٍ ينصُره، فيَدفع عنه شرًّا.

ثم أخْبَر تعالى أنَّ مَن اتَّبع كتابه حقَّ الاتِّباع مِن أهل الكِتاب- ومِن اتِّباعه أنَّه لا يُحرِّفه ولا يبدِّل شيئًا ممَّا فيه- فإنَّه يعدُّ مؤمنًا به حقَّ الإيمان، وسيؤدِّي به ذلك الاتِّباعُ إلى الإيمان بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فإنَّ في كتبهم تَصديقًا به، وذِكرًا لصفاته صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأمَّا مَن يكفُر بكتابه منهم- ومِن كُفره به تحريفُه وتبديلُه، وجحْدُ ما ثبَت فيه من نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ- فأولئك هم الخاسِرون.

ثمَّ خاطَب الله تعالى بني إسرائيل وذكَّرهم بنِعمه التي أسْبَغها عليهم، ويعني بها النِّعمَ التي أنعم بها على آبائهم، وأنَّه فضَّلهم على سائرِ الأمم من أهل زَمانهم، ثم بعد أنْ ذكَّرهم بنِعمه وفَضْله عليهم، حذَّرهم وخوَّفهم بأن يتقوا عذاب يوم القيامة، الذي لا تَقضي فيه نفْسٌ عن نفس حقًّا وجَب عليها، ولا يُقبل منها فِداء، ولا تُفيدها شفاعةٌ إذا كانت كافِرة، ولا أحَد يُنقذهم من عذابِ الله تعالى.


تفسير الآيات:

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120).

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبعَ مِلَّتَهُمْ.

أي: ولن تَرضى عنك اليهودُ، حتى تترُكَ دِينَ الإسلام وتعتنقَ دِينَهم، ولن ترضَى عنك النَّصارى، حتى تترُكَ دِينَ الإسلام وتعتنقَ دِينهم  .

قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهُدَى.

أي: قل يا محمَّد- إجابةً لهم في عدَم اتِّباع ملَّتهم-: ليس الهُدى ما أنتم عليه كما تدَّعون، بل الذي أُرسلتُ به هو هُدَى الله الحقيقيُّ؛ فإنَّه الدِّينُ المستقيم، والصَّحيح، والكامِل  .

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.

أي: يُخاطِب اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ- والأمَّة تبَعٌ له في ذلِك- محذِّرًا من اتِّباع أهواء اليهود والنَّصارى، خاصَّةً من بعد إكرام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأمَّته بالوحي المُنزَّل عليه، وفيه العِلمُ بطريق الحقِّ، والعلمُ بطُرق الضَّلالة والكُفر  .

مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.

أي: إنِ اتبعتَ أهواءَهم يا محمَّد، فاعلمْ بأنَّه ليس لك حينذاك أيُّ أحدٍ يتولَّى أمرَك؛ فيجلِب لك خيرًا، أو أيُّ نصيرٍ ينصرُك من الله تعالى؛ فيَدفَع عنك شرًّا  .

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121).

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.

هذا مدحٌ لمن أقام كتابَه من أهل الكتاب، فآمن به واتَّبَعه حقَّ الاتباع، ولم يجترئ على تحريفه، وإنكار ما يحمله من البشارة بمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم، المذكور فيه بصفته ونعته، فآمن به واتبعه.

وهو مدحٌ لمؤمني أهل الكتاب، في مقابل ذمِّ أولئك الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه منهم  .

قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة: 68] .

وقال سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157] .

وقال عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا [القصص: 52-53] .

وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.

أي: إنَّ مَن يكفُر من أهل الكتاب بكتابه الذي أُوتيه من عند الله عزَّ وجلَّ- ومِن ذلك تحريفُه وتبديلُه، وجَحْد نبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ الثابتة فيه- فإنَّه قد بخَس نفْسَه حظوظَها من رحمة الله عزَّ وجلَّ  .

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122).

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.

أي: يا بَنِي يعقوب كونوا مثلَ أبيكم في متابعة الحقِّ، واذكُروا نِعمه تعالى على آبائكم ذِكرًا يحملكم على شُكرها بالخضوع لله تعالى، وذلك بالدُّخول في دِينه، واتِّباع رسولِه الكريم صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومنها النِّعم المذكورة في هذه السُّورة الكريمة  .

وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.

أي: واذكُروا تفضيلي لكم على سائرِ الأمم من أهل زَمانِكم، بإرسال الرُّسُل منكم، وإنزال الكتُب عليكم، وغير ذلك من النِّعم الخاصَّة  .

كما قال تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: 32] .

وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: 20] .

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَّرهم الله تعالى بنِعمه، عطَف على ذلك التحذيرَ من حلول نِقَمه بهم يومَ القِيامة  ، فقال:

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.

أي: أمَرهم الله تعالى أن يعتقدوا ويَفعلوا ما يكونُ حاجزًا يَقِيهم من عذابِه سبحانه، في يوم القِيامةِ الذي لا تَقضِي فيه نفْسٌ عن نفْسٍ حقًّا وجَب عليها لغيرها، ولا يُغني فيه أحدٌ- كائنًا من كان- عن أيِّ أحدٍ شيئًا، ولو كان من عَشيرته الأقرَبِين، أو كان الشيءُ قليلًا ويسيرًا جدًّا  .

كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان: 33] .

وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ.

أي: لا يُقبَل منها فِداءٌ  .

كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ [آل عمران: 91] .

وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة: 36] .

وقال تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا [الأنعام: 70] .

وقال عزَّ وجلَّ: فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا... الآية [الحديد: 15] .

وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ.

أي: لا تنفعُ من أيِّ نفْسٍ شفاعةٌ لنفْسٍ أخرى إذا كانت كافرةً على الإطلاق.

كما قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48] .

وقال سبحانه عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100-101] .

أمَّا المؤمنة فتُقبل منها، إنْ كانت الشفاعةُ بإذن الله تعالى، مع رِضاه سبحانه عن المشفوعِ له  .

كما قال تعالى:وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] .

وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ.

أي: ليس لهم أحدٌ يُنقِذهم من عذابِ الله تعالى  .

كما قال تعالى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [الطارق: 10] .

وقال سبحانه: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: 25-26] .

وقال عزَّ وجلَّ: فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف: 28] .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّ المرء إذا اتَّبع غير شريعة الله، فلا أحدَ يحفظه من الله؛ ولا أحدَ يَنصُره من دونه، حتى لو كثُر أعوانه وجُندُه، واشتدَّت قوته؛ لأنَّ النصر والولاية تكون باتِّباع هُدى الله عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ  .

2- في قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ، دلالةٌ على أنَّه يجب تعلُّق القلب بالله تعالى وحْده؛ خوفًا، ورجاءً؛ لأنَّ المرء متى ما علِم أنَّه ليس له وليٌّ ولا نصيرٌ من دون الله تعالى؛ فلا يتعلَّق إلَّا بالله تعالى وحده  .

3- أنَّ للإيمان علامةً، وعلامتُه العمل؛ لقوله تعالى: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ بعدَ قوله عزَّ وجلَّ: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ الكُفر مِلَّة واحدة؛ لقوله تعالى: مِلَّتَهُمْ، وهو باعتبار مضادَّة الإسلام مِلَّةٌ واحدة، أمَّا باعتبار أنواعه، فإنَّه مِلل  .

2- أنَّ ما عَدا هُدى الله ضلال؛ قال الله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: 32] ؛ فكلُّ ما لا يُوافق هُدى الله -كالبِدع- فإنَّه ضلال، وليس ثَمَّة واسطةٌ بين هدى الله، والضَّلال  .

3- أنَّ ما عليه اليهود والنصارى ليس دِينًا، بل هو هوى؛ لقوله تعالى: أَهْوَاءَهُمْ، ولم يقُل: مِلَّتهم كما في الأوَّل، ففي الأوَّل قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ لأنَّهم يعتقدون أنهم على مِلَّة ودِين، ولكن بيَّن الله تعالى أنَّ هذا ليس بدِين، ولا مِلَّة، بل هو هوى، وهم ليسوا على هدًى  .

4- أنَّ مَن اتَّبع الهوى بعد العِلم، فهو أشدُّ ضلالةً؛ لقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ...  الآية  .

5- أنَّ الكافر بالقرآن مهما أصاب من الدُّنيا فهو خاسر؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ، فيكون خاسرًا، ولو نال من الدُّنيا ما نال من زِينتها وزخرفها  .

6- علوُّ مرتبة مَن يتَّبعون الكتاب حقَّ الاتِّباع؛ للإشارة إليهم بلفظ البعيد: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ

جاء النفي بلن؛ مبالغةً في التأييس  .

ووُحِّدت لفظة المِلَّة (مِلَّتهم)، وإنْ كان لهم ملَّتان؛ لأنَّهما يجمعهما الكُفر، فهي واحدة بهذا الاعتبار، أو للإيجاز! فيكون من باب الجمْع في الضمير؛ لأنَّ النصارى لن ترضى حتى تتبع ملتهم، واليهود لن ترضى حتى تتبع ملتهم  .

وإيراد (لا) النافية بين المعطوفَيْن؛ لتأكيد النفي  .

2- في قوله: قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى

الضمير (هو) ضمير فصل، والتعريف في (الهدى) تعريف الجِنس الدالُّ على الاستغراق؛ ففيه حصرٌ من طريقين: هما ضمير الفصل وتعريف الجنس، والجمع بينهما يفيد تحقيق معنى القصر وتأكيده؛ للعناية به، فأيُّهما اعتُبر طريق قصرٍ، كان الآخَر تأكيدًا للقَصر وللخبر أيضًا  .

وفيه: توكيد آخر بـ(إنَّ)؛ جاء اهتمامًا بتأكيد هذا الحكم، ولتحقيق الخبر، وإبطال تردُّد المتردِّد  .

3- قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ... مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ اشتمل على كثيرٍ من المؤكِّدات؛ تحذيرًا من الطمع في استرضاء اليهود أو النصارى بشيء، فأكَّد ذلك التحذير بعدة مؤكِّدات، وهي  :

القَسَم المدلول عليه باللام الموطِّئة للقَسم في (وَلَئِن).

الإجمال ثم التفصيل بذِكر اسم الموصول، وتبيينه بقوله مِنَ الْعِلْمِ.

جعْل (الذي جاء)، أي: (الذي أنزل إليه) هو العِلم كلُّه؛ لعدم الاعتداد بغيره لنُقصانه.

اسمية جملة الجزاء ما لَكَ مِن اللهِ....

تأكيد النفي بـ(مِن) في قوله مِن وَليٍّ.

تأكيد النفي بـ(لا) النافية بين المعطوفَيْن.

تأكيد مِن وَلِيٍّ بعطْف وَلَا نَصِيرٍ، الذي هو آيِلٌ إلى معناه العام.

4- في قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ فَذْلَكةٌ لِمَا تقدَّم، وجوابٌ قاطعٌ لمعذرتهم المتقدِّمة، وهو من باب ردِّ العَجُز على الصدر؛ ولأحد هذين الوجهين جاء الفصل بيْن الجمل، ولم تُعطَف بالواو  .

5- في قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ... وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

إعادةٌ للتحذير؛ مبالغةً في النصح، وللإيذان بأنَّ ذلك فذلكةُ القضية، والمقصودُ من القصة؛ وهو أنَّ نِعم الله عزَّ وجلَّ عليهم أعظمُ، وكفرَهم بها أشدُّ وأقبحُ  .

6- قوله تعالى: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ اختلف الترتيب بين العدل والشَّفاعة في آيتَي سورة البقرة، فهنالك قال: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة: 48] ، فقدَّم لفظ الشفاعة، وأخَّر لفظ العدل، وهنا قال: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 123]  ، فقدَّم العدل، وأخَّر الشفاعة، مسندًا إليه (تنفعها)، وفائدته نفي سآمة الإعادة بالتفنن في الخطاب، مع حصول التأكيد من التكرير، وأيضًا كل تعبير جاء أنسب لسياقه الوارد فيه لنكتةٍ لطيفة؛ أو أكثر  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (124-134)

۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127)

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128)

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129)

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(130)

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)

وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(132)

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(133)

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)

غريب الكلمات:

إِمَامًا: هو الذي يأتمُّ به الناس، فيتبعونه، ويأخذون عنه، من أَمَّ، وأصله: الأصل، والمرجع، والجماعة، والدِّين  .

مَثَابَةً: أي: مرجعًا لهم، يرجعُون إليه في حجِّهم وعُمرتهم كلَّ عَام، وأصل الثوب: العَودُ والرجوع، وأصل المثابة: الموضِع الذي يُرجَع إليه مرَّةً بعدَ أخرى، ويُقال للمنزل: مثابة. وقيل: مَثابَةً من الثواب، أي: يَحجُّون فيُثابون عليه  .

سَفِهَ: أصل السفه: ضد الحلم. والسفه، خِفَّة في البدن، واستُعمل في خِفَّة النفس؛ لنقصان العقل  .


المعنى الإجمالي:

ذكَّرَ الله تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ بما ابتَلى به خليلَه إبراهيم عليه السَّلام، من تكاليفَ فرَضَها عليه، فقام بها حقَّ القيام، فأعْلَمه الله تعالى بأنَّه سيجعله قُدوةً يأتمُّ به الناس، فسأله إبراهيمُ أن يكون مَن بعده مِنَ الأئمَّة من ذُريَّته، فأجابه الله تعالى بأنَّ الإمامةَ في الدِّين لا تُعطى لظالِم.

ثم ذَكَّر الله سبحانه نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ بما جعَل للبيت الحرام من مكانةٍ، وذلك بأن جعَلَه محلًّا يشتاق إليه الناسُ دائمًا، ولو زاروه مرَّاتٍ عديدةً؛ فإنَّهم يَرجعون إليه، وجعَله سبحانه مكانًا يأمَن فيه البشرُ على أنفسهم وأموالهم، بل أمانُه شمِل حتَّى الحيواناتِ والجمادات.

وأمَر الله تعالى باتِّخاذ مقاماتِ إبراهيمَ عليه السَّلام التي هي شعائرُ الحجِّ -كعَرفة، والمزدلفة- أماكنَ للعبادة.

ثم أخبَر الله تعالى أنَّه أوصى إبراهيمَ وإسماعيل وصيةً مؤكَّدةً، بالقيام بتطهير البيتِ طهارةً حِسيَّةً ومعنويَّة؛ من الشِّرك، والكفر، والأوثان، ومن الرِّجس، والنَّجاسات، وهذا التطهير مِن أجْل مَن يطوفون بالكعبة، ومَن يُقيمون في البيت للعبادة، وللمُصلِّين فيه.

ثم أخبر تعالى عن مسألةِ إبراهيمَ رَبَّه أن يجعل مكَّةَ بلدًا يَحُلُّ فيها الأمنُ الدائم، ويَرزق اللهُ المؤمنين فيها مِن أنواع الثِّمار، فأعْلَمه تعالى أنَّ الرِّزق الدُّنيوي للجميع؛ المؤمِن والكافِر، وليس مقصورًا على عبادِه المؤمنين فحسبُ، لكن هذا الرِّزق الذي سيُرزَقه الكفرةُ، رِزقٌ قليلٌ من حيثُ زمنُه وكميَّتُه، مقارنةً بنعيم الآخِرة الموعودِ به أهلُ الإيمان، ثم سيُلجِئُ الله سبحانه مَن كفَر إلى عذاب النار، وساء مستقرُّه ومصيرُه.

ثم يُذكِّر سبحانه نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ برفْع إبراهيمَ وإسماعيلَ لأُسُسِ الكعبة، وإعلائها؛ لتصيرَ جدارًا، وهما يَدْعُوانِ ربَّهما أن يتقبَّل منهما هذا العمل؛ فهو السَّميع لدُعائهما، والعليم بعملهما ونيَّتهما، وكذلك دعَوَا ربَّهما أنْ يجعلهما خاضعَيْنِ له سبحانه دومًا، ومستسلمَينِ لأمره، وأنْ يُنشِئَ من سُلالتهم جماعةً منقادةً لأوامِره، مُستسلمةً له، وقد أجاب الله عزَّ وجلَّ تلك الدَّعوةَ في المسلمين من العرب.

ودَعوَا ربَّهما أيضًا أنْ يُبيِّن لهما مواضعَ عِبادةِ الحجِّ، ومشاعره، وأنْ يتوبَ عليهما؛ فإنَّه هو الموفِّق للتوبة، والمتقبِّل لها، وهو الرَّحيم الذي يخصُّ برحمته مَن يشاء من عباده.

ودَعوَا ربَّهما أن يُرسل رسولًا إلى ذُريَّتهما من العرب، يقرأ عليهم القرآن، ويقوم بتعليمهم القرآن، والسُّنة، ويُطهِّرهم من أدران الشِّرك، وقد أجاب الله هذه الدعوةَ، فبَعَث محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ.

ثم أخبَر سبحانه أنَّه لا يَتركُ الحَنيفيَّةَ دِينَ الخليل إبراهيم راغبًا عنها؛ إلَّا مَن كانت له نفسٌ متَّصفة بالجَهل والطيش، وعدم الرشد؛ فقد اختار اللهُ إبراهيمَ واجتباه في الدُّنيا، وهو في الآخِرة من المفلِحين السُّعداء؛ فقد أمره ربُّه حين اصطفاه أن ينقاد إليه، ويُوحِّده ويُخلصَ له الدِّين، فأجاب هذ الأمرَ فورًا، ووصَّى إبراهيمُ بَنِيه بالإسلامِ لربِّ العالمين، وكذلك فعَل حفيدُه يعقوبُ عليه السَّلام، فوصَّى به أبناءه، وأعْلَمهم أنَّ الله اختار لهم هذا الدِّينَ؛ فلْيلتزموا به في حياتهم، حتى يأتيَهم الموتُ وهم متمسِّكون به.

ثم توجَّه الخِطابُ من اللهِ جلَّ وعلا إلى اليهود والنَّصارى المكذِّبين بمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فسألهم: هل كانوا حاضِرين حين أوْشكَ يعقوبُ على الموت، حين سأل بَنِيه إلى مَن سيتوجَّهون بالعبادة مِن بعد موته؟ فأجابوه بأنَّهم سيعبدون الله وحْدَه، الذي هو معبودُ والدِهم يعقوب، ومعبودُ آبائه من قبله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ولن يُشرِكوا في عبادته أحدًا، وهم له خاضعون مُستسلِمون.

ثم أخبَر الله تعالى اليهودَ والنصارى المكذِّبين بنبوَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، أنَّ هؤلاء الآباءَ والأجدادَ الصالِحين قد مضَوْا لسبيلهم، ولن ينفعَكم الانتسابُ إليهم، ولن يعودَ عليكم من هُداهم وعمَلِهم الصالح شيءٌ؛ فإنَّما لكم ما عملتُم، ولن تُجازَوْا على ما عمِلوه.


تفسير الآيات:

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124).

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.

أي: واذكُر يا محمَّد، ابتلاءَ الله تعالى لعبده وخليله إبراهيمَ عليه السَّلام بتكاليفَ فرَضها عليه ربُّه سبحانه، فأدَّاها إبراهيمُ عليه السَّلام على وجهٍ تامٍّ، موفِّيًا جميعَ ذلك  .

قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا.

أي: إنِّي مُصيِّرك يا إبراهيم، إمامًا يأتمُّ بك الناسُ، ويَقتدون بك  .

قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي.

أي: لَمَّا جعَل الله تعالى إبراهيم إمامًا، سأل ربَّه عزَّ وجلَّ أن تكون الأئمَّةُ من بعده من ذُريَّته  .

قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.

أي: أجاب الله تعالى عن سؤال خليله إبراهيمَ عليه السَّلام، بأنَّه لا يَمنح مرتبةَ الإمامة في الدِّين أحدًا من الظالِمين من ذريَّته؛ لأنَّ الإمامة تُعطَى لأوليائه، وأهلِ طاعته، دون أَعدائِه  .

قال تعالى: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: 113] .

وقال سبحانه: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ [النساء: 54-55] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 26] .

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كان من إمامة إبراهيمَ عليه السَّلام اتِّباع الناس له في حجِّ البيت، الذي شرَّفه الله سبحانه ببنائِه- قال سبحانه إثرَ ذلك ناعيًا على أهل الكتاب مخالفتَه وترْكَ دِينه، وموطِّئًا لأمر القِبلة  :

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا.

أي: واذكُر يا محمَّد، هذا الأمرَ؛ فقد جعل الله تعالى البيت الحرام محلًّا يَشتاقُ إليه الناسُ على الدوام، فيَرجعون إليه، ولو تردَّدوا إليه عِدَّةَ مرَّات، وهو معاذٌ لهم يأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم، وحتى الحيوانات والجمادات تكون آمنةً فيه  .

قال سبحانه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة: 126] .

وقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67] .

وقال سبحانه: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران: 97] .

وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا قراءتان:

1- (اتَّخَذوا) بفتح الخاء، على الخبَر عمَّن كان قبلنا من المؤمنين، أنَّهم اتخَذوا من مقام إبراهيم مصلًّى  .

2- (اتَّخِذوا) بكسر الخاء، والمعنى: اتَّخِذوا- أيُّها الناس- من مقام إبراهيم مصلًّى تُصلُّون عنده  .

وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى.

أي: اجعَلوا من مقامات إبراهيمَ عليه السَّلام، وهي شعائرُ الحجِّ، كعرفةَ ومزدلفةَ، ورمْي الجمرات، وغيرها- اجعلوها أماكنَ للعِبادة كالدُّعاء، وقد اتَّخذ الناسُ ذلك مقتدِين بإبراهيم عليه السَّلام، ويدخُل في ذلك، أداءُ ركعتَي الطَّواف خَلْفَ المقام المشهور بمقام إبراهيمَ عليه السَّلام  .

قال عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه: ((وافقتُ ربي في ثَلاثٍ: فقلتُ: يا رسولَ الله، لو اتَّخذنا من مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى، فأُنزِلتْ: واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى...))   .

وفي حديثِ جابرٍ الطويل: (... حتى إذا أتَيْنا البيتَ معه، استلم الرُّكنَ فرمَل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم نفذ إلى مقامِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ. فقرأ: واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فجعَل المقامَ بَينه وبين البيتِ- فكان أبي يقول: (ولا أعْلَمُه ذَكرَه إلَّا عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ  )- كان يقرأ في الرَّكعتَينِ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وقُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ))  .

وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ.

أي: أوْحَيْنا إليهم بوصيةٍ مؤكَّدة، أمرناهما فيها بتطهير بيت الله تعالى من الشِّرك، والكُفر والأوثان، ومِن الرِّجس والنَّجاسات، وأنْ يَبْنِياه بِنيَّةٍ خالصةٍ لله عزَّ وجلَّ  .

لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.

أي: أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ بتطهير البيت لأجْل مَن يطوفون بالكعبة، ومَن يُقيمون في البيت مجاورين للعِبادة- فيما يُعرف شرعًا بالاعتكاف- وللمُصلِّين فيه  .

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126).

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا.

أي: واذكُروا دعوة إبراهيم عليه السَّلام بحلول الأمْن الدَّائم للبلد الأمين: مكَّةَ  .

عن جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إِنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ  ، وإِنِّي حَرَّمْتُ المدينةَ ما بينَ لابَتَيْها  ، لا يُقْطَعُ عِضاهُهَا  ، ولا يُصادُ صيدُها))  .

وعن عبدالله بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إن إبراهيمَ حرَّم مكةَ ودعا لها، وحَرَّمت المدينةَ كما حرَّم إبراهيمُ مكةَ، ودعوت لها في مُدِّها وصاعِها مثلَ ما دعا إبراهيمُ عليه السَّلامُ لمكةَ  ))  .

وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

أي: سأل إبراهيمُ عليه السَّلام ربَّه سبحانه بأن يرزق مؤمني أهل مكة من أنواع الثمار المختلفة  .

قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص: 57] .

قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا خصَّ إبراهيم عليه السَّلام في دعائه بالرزق، المؤمنين، وكان رزق الله عزَّ وجلَّ شاملا للمؤمن والكافر  ، قال تعالى:

قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا.

أي: إنَّ الكافر ينال رزقه الدنيويَّ أيضًا لكنَّه قليلٌ زمنًا ووصفًا، بالنسبة لنعيم الآخرة الكامل، والدائم بلا انقطاعٍ ولا نهاية  .

ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

أي: أُلجئه وأَدفعه وهو مُكرَه إلى النار، وساء المصيرُ عذابُ النار بعدَ الذي كانوا فيه من متاعِ الدُّنيا  .

كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: 12] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان: 23-24] .

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  (127).

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ.

أي: واذكر رفْعَ إبراهيم لقواعد الكعبةِ، وإسماعيلُ يُعاونه بنقْل الحجارة، ورفعُ القواعِد يكون بإبرازها من الأرض وإعلائها؛ لتصير جِدرًا، فالبِناء إذا اتَّصل بعضُه ببعض، صار كالشيء الواحد، والجدار إذا اتَّصل بالأساس صار الأساسُ مرتفعًا  .

رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  .

أي: دعا كلٌّ من إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السَّلام ربَّهما سبحانه وتعالى، بأنْ يَتلقَّى بِناءَهما البيتَ بالقَبول والرِّضا عنه؛ فهو الذي يَسمع أقوالهما، ويَعلم أعمالَهما ونيَّاتِهما  .

قال عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما: ((... ثم جاء بعدَ ذلك، وإسماعيلُ يَبْرِي نَبْلًا لهُ تحتَ دَوْحَةٍ قريبًا من زمزمَ، فلمَّا رآهُ قام إليهِ، فصنَعَا كما يصنعُ الوالدُ بالولدِ، والولدُ بالوالدِ، ثم قال: إنَّ اللهَ أمرني بأمْرٍ، قال: فاصنعْ ما أمَرَ ربُّكَ، قال: وتُعينني؟ قال: وأُعينُكَ، قال: فإنَّ اللهَ أمَرني أن أبنيَ هاهنا بيتًا، وأشار إلى أَكَمَةٍ  مرتفعةٍ على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعَا القواعدَ من البيتِ، فجعَل إسماعيلُ يأتي بالحجارةِ وإبراهيمُ يَبني، حتى إذا ارتفعَ البناءُ، جاء بهذا الحَجرِ، فوضعَهُ لهُ فقام عليهِ، وهو يَبني، وإسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ، وهما يقولانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ، قال: فجعلَا يَبنيانِ حتى يدورَا حول البيتِ وهما يقولانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ))  .

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128).

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ.

أي: دعا كلٌّ من إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السَّلام بأن يجعلهما على الدَّوام، خاضعَينِ له سبحانه بطاعته، ومنقادَينِ لحُكمه، ومستسلمَينِ لأمْره  .

وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ.

أي: دَعَوَا اللهَ ربَّهما أن يَجعلَ من بعض ذريَّتهم جماعةً مستسلمة لله تعالى، طائعةً لأمره، وخاضعةً لحُكمه جلَّ وعلا، وقد استُجِيبت هذه الدعوةُ في المسلمين من العرَب  .

وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا.

أي: بيِّن لنا مشاعرَ الحجِّ، ومواضعَ العبادة فيه، وعرِّفها لنا؛ فنراها  .

وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

أي: وفِّقنا للتوبة، فنرجع من معصيتك إلى طاعتك؛ فأنت وحْدَك سبحانك التوَّاب؛ بتوفيقِ عبدك للتوبة أولًا، وقَبولها منه ثانيًا، وأنت وحْدَك الرَّحِيم؛ فتختصُّ برحمتك عبادَك المؤمنين  .

كما قال تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: 118] .

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129).

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ.

أي: دعا كلٌّ من إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السَّلام ربَّهما، بأنْ يبعث رسولًا من ذُريتهما، أي: من العرَب.

وقد استجاب الله تعالى دُعاءَهما، فبعث محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ  .

كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: 2] .

يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.

أي: يقرأ عليهم كتابَك الذي تُوحيه إليه، ويُعلِّمهم معاني القرآن، ويُعلِّمهم السُّنة؛ فهي التي تبيِّن معاني القرآن وأحكامَه، وتُعين على فَهمِه  .

قال سبحانه وتعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44] .

وَيُزَكِّيهِمْ.

أي: ويُطهِّرهم من الشِّرك بالله، ويُنمِّيهم ويُكثِّرهم بتوحيد الله تعالى وطاعته  .

إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

أي: أنت وحْدَك العزيز الذي لا يُعجِزه شيءٌ أراده، فأعطِنا وذُريِّتَنا ما طلبناه منك، وأنت وحْدَك الحكيم، الذي يَضعُ كلَّ شيء في موضعه اللائِق به، فأعطِنا ما يَنفعُنا وينفع ذُريتَنا  .

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130).

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.

أي: لا أحدَ يعدِل عن الحنيفيَّة؛ دِينِ إبراهيم الخليل عليه السَّلام، إلَّا مَن كانت نفسُه سفيهةً، أي: جاهلة، طائشةً، غير راشدة  .

قال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 67-68] .

وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا.

أي: يؤكِّد الله تعالى اختيارَه واجتباءَه لإبراهيمَ عليه السَّلام في الدُّنيا؛ فقد هداه ووفَّقه للإيمانِ والأعمالِ التي صار بها خليلَ الرحمن، وإمامَ الحنيفيَّة للناس  .

قال سبحانه: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 120-123] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27] .

وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.

أي: إنَّ إبراهيمَ عليه السَّلام من الفائزين السُّعداء في الدار الآخِرة، وفي الرَّفيق الأعلى مع إخوانه المرسَلين والأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام  .

كما دعَا إبراهيمُ عليه السَّلام بذلك، فقال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشعراء: 83] .

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131).

أي: أمَر الله تعالى خليلَه إبراهيمَ عليه السَّلام حين اصطفاه، بأن يُخلص دِينَه وتوحيدَه له سبحانه، وينقادَ إليه بكل ذلٍّ وخضوعٍ ومَحبَّة، فأجاب إبراهيمُ إلى ذلك على الفور  .

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132).

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ.

أي: عهِد إبراهيمُ عليه السَّلام بهذه الكلمة أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ، والتي تمثِّل الملَّةَ الحنيفيَّة، عهِد بها إلى أبنائه، وكذلك فعَل حفيدُه يعقوب بن إسحاق، فعهِد بها إلى أبنائه  .

كما قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: 26-28] .

يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

أي: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد اجتبَى لكم هذا الدِّين الذي تعرِفونه، فلا تُفرِّطوا فيه، ولا تُفارقوه في حياتِكم، بل الْزَموه وقُوموا به؛ ليرزقَكم الله تعالى الوفاةَ عليه، فمَن عاش على شيءٍ مات عليه  .

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا قرَّر سبحانه لبني إسرائيل أنَّ أباهم يعقوبَ ممَّن أوصى بنيه بالإسلام، قال مبكِّتًا لهم  :

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ.

أي: هل كنتم يا معشرَ اليهود، المكَذِّبين بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، شهودًا حاضرين حين أتتْ أباكم يعقوبَ عليه السَّلام مقدِّماتُ الموت  .

إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي.

أي: هل شهدتُم يعقوب، وهو يسأل أبناءَه مختبرًا لهم: أيَّ شيءٍ ستعبُدون من بعد وفاتي  ؟

قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا.

أي: أجاب أبناءُ يعقوبَ عليه السَّلام أباهم بأنَّهم يعبُدون معبودَه ومعبودَ آبائه- وهم: جَدُّه إبراهيم، وعمُّه إسماعيل، وأبوه إسحاق- وهو الذي لا مَعبودَ بحقٍّ سواه، لا يُشرِكون به في عبادته أحدًا من دونه  .

وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

أي: مُستسلِمون ومنقادون لأمْره، خاضِعون لعبادتِه  .

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134).

أي: يا معشرَ اليهود والنَّصارى، دَعُوا ذِكر الآباء والأجداد، كإبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ، والمسلمين من أولادِهم؛ إذ لا يَنفعُكم الانتسابُ إليهم وإلى أعمالهم الصالِحة، فخيرُهم لا ينفعُكم إنْ كسبتم شرًّا؛ فإنَّهم جماعةٌ قد مضَتْ لسبيلها، وكلٌّ منكم له عملُه الذي يخصُّه، وتَبِعَتُه، من خيرٍ أو شر، ولا يَلحق الآخَر من ذلك شيءٌ، ولا السُّؤال عنه، فلا تُحاسَبون بأعمال سَلفِكم، وإنَّما تُحاسَبون بأعمالكم  .


الفوائد التربويَّة :

1- أنَّه يَنبغي للإنسان أن يَدعوَ لذريَّته بالصَّلاح؛ لقوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  .

2- أهميَّة القَبول، وأنَّ المدار في الحقيقة عليه؛ وليس على مجرَّد العَمل، كما قال تبارك وتعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا  .

3- شدَّة افتقار الإنسان إلى ربِّه؛ حيث كرَّر إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السَّلام كلمة: رَبَّنَا؛ وأنَّهما بحاجة إلى ربوبيَّة الله الخاصَّة، التي تقتضي عنايةً خاصَّة، وممَّا يفتقر إليه الإنسانُ دائمًا تثبيت الله، وإلَّا هلَك؛ لقوله تعالى: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ؛ فإنَّهما مسلمان بلا شكٍّ، ولكن لا يدوم هذا الإسلامُ إلَّا بتوفيق الله تعالى  .

4- أهميَّة الإخلاص؛ لقوله تعالى حِكايةً عن إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السَّلام: مُسْلِمَيْنِ لَكَ: فقولهما: لَكَ يدلُّ على إخلاص الإسلام لله عزَّ وجلَّ  .

5- أنَّه يَنبغي التلطُّفُ في الخِطاب؛ لقول إبراهيمَ ويعقوبَ عليهما السَّلام لأبنائهما: يَا بَنِيَّ؛ فإنَّ نداءهم بالبُنوَّة أدْعى لقَبولِ ما يُلقى إليهم  .

6- أنَّه يَنبغي للإنسان أن يتعاهَدَ نفسه دائمًا حتى لا يأتيَه الموتُ وهو غافل؛ لقوله تعالى: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  .

7- أنَّ الأعمال بالخواتيم؛ لقوله تعالى: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  .



الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- فضيلة إبراهيمَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لقوله تعالى: رَبُّهُ؛ حيث أضاف رُبوبيَّته إلى إبراهيم، وهي ربوبيَّة خاصَّة، ولقوله تعالى: فَأَتَمَّهُنَّ؛ ولقوله سبحانه: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا  .

2- أنَّ الله سبحانه وتعالى يُثيب العاملَ بأكثر من عمله؛ فإبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّمَ لَمَّا أتمَّ الكلمات، جعَله الله تعالى إمامًا للناس، وأمَر الناس أن يتَّخذوا من مقامِه مصلًّى  .

3- أدَبُ إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ حيث لم يُعمِّم في هذا الدعاء؛ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ؛ خوفًا من أن يقول الله له: (مَن آمَن فأرْزُقه)، كما قال تعالى حين سأله إبراهيمُ أن يجعل مِن ذُريَّته أئمَّة: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، فتأدَّب في طلب الرِّزق: أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البَلد، لكن المسألة صارتْ بعكس الأُولى: ففي الأولى خصَّص الله دعاءَه، وهنا عمَّم  .

4- التوسُّل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائِه وصِفاته المناسبة لِمَا يدعو به المرء؛ لقوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ  .

5- في قوله تعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، جاء الإتيان بصِفتي العِزة والحِكمة في الدعاء ببَعْثِ الرسول؛ لأنَّ ما يجيء به الرسولُ كلُّه حِكمة، وفيه العِزَّة  .

6- أنَّ الأصل في العبادات أنَّها توقيفيَّة، أي: إنَّ الإنسان لا يتعبَّد للهِ بشيءٍ إلَّا بما شرَع؛ لقوله تعالى: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا  .

7- أنَّ المخالفين للرُّسُل سفهاء؛ لقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، وقوله في المنافقين: أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [البقرة: 13] ، وقوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة: 142] ؛ فإنَّهم وإن كانوا أذكياءَ، وعندهم علمٌ بالصناعة، والسِّياسة، إلَّا أنَّهم في الحقيقةِ سُفهاء؛ لأنَّ العاقلَ هو الذي يتَّبع ما جاءتْ به الرُّسُلُ فقط  .

8- في قوله تعالى حِكايةً عن إبراهيمَ عليه السَّلام: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِينَ، مناسبةٌ بين أَسْلَمْتُ ورَبِّ، وكأنَّ ذِكر الربوبيَّة هنا عِلَّةٌ لقوله تعالى: أَسْلَمْتُ؛ فإنَّ الربَّ هو وحده الذي يستحقُّ أن يُسْلَم له  .

9- في قوله تعالى: إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ، إشارةٌ إلى الوصية عند حضور الأجَل، ويُشترَط أن يكون الموصِي على وعيٍ بما يقول  .

10- جواز إطلاق اسم الأبِ على العمِّ تغليبًا؛ لقوله تعالى: وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ، وإسماعيل هو عمُّ يعقوب عليهما السلام  .

11- بيانُ عدْل الله سبحانه وتعالى، وأنَّه لا يُؤاخِذ أحدًا بما لم يعملْه؛ لقوله تعالى: وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ قُدِّم المفعول (إبراهيم) للاهتمام بمَن وقع عليه الابتلاء، ولتشريف إبراهيمَ بإضافة اسم الربِّ إلى اسمه  .

2- قوله: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا في هذه الآية نوعٌ طريفٌ من أنواع الفصاحة يُقال له: المراجعة، وهو أن يحكي المتكلم مراجعة في القول جرَت بينه وبين محاور في الحديث، أو بين اثنين غيره، بأوْجَز عبارة، وأبلغ إشارة، وأرشق محاورة، مع عذوبة اللفظ وجزالته، وسهولة السَّبك، وقد جمعت هذه الآية- التي عِدة ألفاظها ثلاث عشرة لفظة- معانيَ الكلام، من الخبر والاستخبار، والأمر والنهي والوعد والوعيد  .

3- في قوله: لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ

جمع الطائفين والعاكفين جمع سلامة؛ لأنه أقربُ إلى لفظ الفعل بمنزلة يطوفون، أي يُجدِّدون الطواف؛ للإشعار بعِلَّة من علل تطهير البيت، وهو قُرب هذين من البيت بخلاف الركوع والسجود، فإنَّه لا يلزم أن يكونَا في البيت ولا عنده؛ فلذلك لم يُجمعَا جمع سلامة  .

وقدَّم الطائفين على العاكفين؛ لقُرب الطَّواف من البيت واختصاصه به، بخِلاف العكوف؛ فإنه يكون فيه وفي غيره  .

4- في قوله: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ

خصَّ الركوع والسجود بالذِّكر من جميع أحوال المصلي؛ لأنَّهما أقرب أحواله إلى الله  .

وقُدِّم الركوع على السجود؛ لتقدُّمه عليه في الزمان  .

وتَرْك حرف العطف بينهما؛ لتقاربهما ذاتًا وزمانًا؛ ولأنَّ المقصود بهما المصلُّون، والرُّكَّعُ والسُّجود، وإنِ اختلفت هيآتهما، فيقابلهما فِعلٌ واحد وهو الصَّلاة، فناسب أنْ لا يُعطف؛ لئلَّا يتوهم أنَّ كلَّ واحد منهما عبادة على حيالها، وليستَا مجتمعتينِ في عبادة واحدة، وليس كذلك، وهذا بخلاف الطَّائِفينَ والعاكفينَ فقد ناسَب معهما العطفُ؛ لفرط التبايُن بينهما  .

وجُمعَا جمْعَ تكسير؛ لمقابلتهما ما قبلهما لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ من جمَعْي السَّلامة، فكان ذلك تنويعًا في الفصاحة، وخالف بين وزْنَي تكسيرهما؛ تنويعًا في الفصاحة أيضًا، وكان آخرهما السُّجود على فعول، لا على فُعَّل، لأجل كونها فاصلةً  .

5- قوله: بَلَدًا آمِنًا في هذه السورة قال: (بلدًا) على التنكير، وقال في سورة إبراهيم: (البلد)؛ وهذا إمَّا لأنَّ الدَّعوة الأولى وقعتْ ولم يكُن المكان قد جُعل بلدًا، والدعوة الثانية وقعتْ وقد جعل بلدًا، فكأنَّه قال: اجعل هذا المكان الذي صيَّرته بلدًا ذا أمْنٍ وسلامة، فيكون كل لفظ مناسبًا لمقامه  .

وإمَّا أن تكون الدعوتانِ وقعتَا بعدَما صار المكانُ بلدًا، إلَّا أنَّه تفنَّن في الموضعين، فحَذَف من كلٍّ ما أثبته في الآخَر احتباكًا، والأصْل: ربِّ اجعل هذا البلد بلدًا آمنًا، ويكون التنكيرُ للطلب مع المبالغة  .

6- في قوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ عبَّر بالمضارع في يَرْفَعُ مع أنه حكاية عن الماضي؛ لاستحضار الحالة  .

- وتأخير عطف وَإِسْمَاعِيلُ عن المفعول الْقَوَاعِدَ؛ لعلَّه للإيذان بأنَّ الأصلَ في الرَّفْع هو إبراهيم، وإسماعيل تبعٌ له  .

7- قوله: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

في ندائهما بلفظ رَبَّنَا تلطف واستعطاف بذكر هذه الصفة الدالة على التربية والإصلاح بحال الداعي  .

وفيه: تأكيدُ الجملة بـ(إنَّ)؛ لغرض كمالِ قوةِ يقينِهما بمضمونها، وقصرُ نعْتيِ السمع والعلم عليه تعالى؛ لإظهار اختصاصِ دُعائهما به تعالى، وانقطاعِ رجائهما عما سواه بالكلية  .

وفيه: الإتيان بضمير الفصل (أنت)؛ لبيان كمال الوصفين له تعالى بتنزيل سمع غيره وعلم غيره منزلة العدَم، ويجوز أن يكون قصرًا حقيقيًّا باعتبار متعلِّقٍ خاصٍّ، أي السميع العليم لدعائنا، لا يعلمه غيرك، وهذا قصرٌ حقيقيٌّ مقيَّد  .

8- في قوله: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ

تَكرار النداء بقوله: رَبَّنَا، وفائدته: إظهار الضراعة إلى الله تعالى، وإظهار أنَّ كلَّ دعوى من هاته الدعوات مقصودةٌ بالذات؛ ولذلك لم يُكرر النداء إلَّا عند الانتقال من دعوةٍ إلى أخرى  .

وقوله: لك يُفيد الحَصر، أي نكون مسلمين لك لا لغيرك، وهذا يدلُّ على أنَّ كمال سعادة العبد في أنْ يكون مسلمًا لأحكام الله تعالى وقضائه وقدَره، وأنْ لا يكون ملتفتَ الخاطِر إلى شيءٍ سواه  .

9- وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ فيه التأكيد باللام في الجملة الأولى (ولقد)، وبـ(إنَّ) وباللام في الثانيَّة (وإنه - لَمِن)؛ وذلك لأجل الاهتمام بالخبر الأخير، ولأنَّ الإخبار عن حالة مغيبة في الآخرة، يحتاج إلى مزيد تأكيد، بخلاف حال الاصطفاء في الدُّنيا؛ فإنه يُشاهد ويُنقل جيلًا بعد جيل  .

10- قوله: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فيه التفاتٌ من التكلُّم إلى الغَيبة، ولو جرى على الكلام السابق، لكان: (إذ قلنا له أسلم)  . والالتفاتُ مع التعرُّض لعنوان الربوبيَّةِ والإضافةِ إليه عليه السلام رَبُّه؛ لإظهارِ مزيدِ اللُّطفِ به، والاعتناءِ بتربيته  .

11- قوله: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ... فيه مؤكِّداتٌ عديدةٌ للدَّلالة على شِدَّة الاهتمام بهذا الأمر:

فالتعبير بالماضي وصَّى لتحقيق الوقوع  .

ولفظ الوصية أوكد من الأمْر؛ ولذلك جاء هنا في هذا المقام الذي يكون احتياط الإنسان لدينه أشدَّ وأتمَّ؛ ترغيبًا في قَبول الدِّين  .

وتخصيص بنيه بذلك؛ لأن اهتمامه بذلك كان أشدَّ من اهتمامه بغيره  .

وتعميم الوصية لجميع بنيه؛ يدل أيضًا على شدة الاهتمام  .

وإطلاق هذه الوصية غير مقيَّدةٍ بزمانٍ معيَّن ومكانٍ معيَّن  .

والزَّجر البليغ عن أن يموتوا غير مسلمين؛ للدلالة أيضًا على شدَّة الاهتمام  .

12- في قوله: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

جاء إدخال حرف النَّهي على ما ليس بمنهيٍّ عنه؛ لنكتةٍ لطيفة، وهي: إظهار أنَّ موتهم على غير الإسلام موتٌ لا خير فيه، وأنه ليس بموت السُّعداء، وأن من حق هذا الموت أن لا يحلُّ فيهم، وهذا نهيٌ عن تعاطي الأشياء التي تكون سببًا للموافاة على غير الإسلام، فتضمن هذا الكلام إيجازًا بليغًا، ووعظًا وتذكيرًا  .

وفيه: توكيدٌ لمعنى النهي بنون التوكيد المشدَّدة في تَمُوتُنَّ  .

13- قوله: قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ ... الآية

في الآية: نوعٌ من أنواع البلاغة يُسمَّى الاطِّراد  ، وهو أن يَطَّرِدَ للمتكلِّم أسماءُ الآباء مُرتَّبةً على حُكم ترتيبها في الميلاد  .

وفيها: ما  يسمى بـ(الاحتراس)  ؛ لأنَّه لو وقف عند آبَائِك لما اتَّضح صِحَّة المعنى؛ لأن مطلق الآباء يتناول من الأب الأدْنى إلى آدَم وفي آباء يعقوب عليه السلام مَن لا يجب اتباعُ ملته، فاحترس بذكر البدل عمَّا يرد على المُبدَل منه، لو وقْع الاختصار عليه  .

14- قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

فيه: التعبير بالجملة الاسمية؛ للتأكيد، ولإفادة ثبات الوصف لهم ودوامه، بعد أن أُفيد بالجملة الفعليَّة المعطوف عليها، معنى التجدُّد والاستمرار  .

وفيه: تقديمُ الجار والمجرور لَهُ على الخبَر مُسْلِمُونَ؛ لتقوية المعنى وزيادة توكيده  ، ومراعاةً لفواصل الآيات.

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (135-141)

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(135)

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(136)

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(137)

صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ(138)

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ(139)

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(140)

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)


غريب الكلمات:

حَنِيفًا: أي: مائلًا عن الدِّين الباطل إلى الدِّين الحقِّ، أي: مسلمًا مستقيمًا، وأصل الحنف: الميل  .

الْأَسْبَاطِ: هم ولد يعقوب عليه السلام، سُمُّوا بالأسباط؛ لأنَّه كان من كلِّ واحد منهم سِبط، والسِّبط بمنزلة القبيلة. والسِّبط في اللُّغة: الجماعة يَرجِعون إلى أبٍ واحد، وأصل السِّبط يدلُّ على امتدادِ شيءٍ  .

شِقَاقٍ: عَداوة ومباينة، ومخالفة، وأصل الشِّقاق: الانصِداع في الشيء  .

صِبْغَةَ الله: دِينه، وفِطرته لخلقه، وأصل الصِّبغة: تلوين الشيء بلونٍ ما  .


مشكل الإعراب:

1- قوله: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا:

مِلَّةَ: منصوبة بفعل مُقدَّر، تقديره: نتبع أو اتَّبعوا، أو الزموا مِلةَ، أو على نزْع الخافض، والتقدير: نقْتدي -أو اقتدوا- بملَّةِ إِبْراهيمَ، فلمَّا حُذِف حرْف الجرِّ انتصب.

حنيفًا: منصوب بفِعل محذوف أيضًا، تقديره: أعني. أو منصوب على الحال مِن مِلَّة، وذُكِّر حنيفًا مع أنَّ مِلَّة مؤنَّث؛ لأنَّ صيغة (فَعيل) يستوي فيها المذكَّر والمؤنَّث، أو أنَّ الملَّة بمعنى الدِّين. وقيل: حنيفًا حالٌ من إبراهيم  .

2- قوله: صِبغةَ اللهِ: منصوبة على أنَّه مفعولٌ مطلَق نائِبٌ عن عاملِه، أي: صبغنا صِبغةَ الله- كما انتصب (وعْدَ الله) بعد قوله: يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللهِ... [الروم: 5 - 6]  بتقدير: وعَدَهم النَّصرَ- أو على أنَّ (صبغة) بدلٌ من قوله: مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، أي: الملة التي جعَلها الله شعارَنا كالصِّبغةِ عند اليهود والنصارى، أو منصوبًا وصفًا لمصدر محذوف دلَّ عليه فِعل آمنَّا بِاللهِ، والتقدير: آمنَّا إيمانًا صِبغةَ الله. وقيل: منصوبة على الإغراء، أي: اتَّبِعوا صِبغةَ الله. وقيل: صبغة منصوبة على التمييز، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ  .


المعنى الإجمالي:

يُخبِر الله تعالى عن قولِ اليهودِ لأهل الإيمان: اتَّبعوا اليهوديَّةَ، تهتدوا. وعن قول النَّصارى لهم: اتَّبعوا النصرانيَّة، تهتدوا. فأمَر الله تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يقول لأصحاب المِلَّتينِ: إنَّ الهداية الحقيقيَّة ليستْ في دِياناتكم المحرَّفة، بل هي في اتِّباع دِين إبراهيمَ عليه السَّلام، الذي هو استقامةٌ على التوحيد، وميلانٌ عن الشِّرك.

ثمَّ أمَر الله سبحانه عبادَه المؤمنين أن يَصْدَعوا بإيمانهم به، وبما أنزله إليهم، وبالذي أُنزل على الرُّسُل الذين كانوا من قبلُ: إبراهيم، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، وعلى الأنبياء من ذريَّة يعقوب، وأنْ يُؤمنوا بما آتاه اللهُ عزَّ وجلَّ موسى وعيسى من الكتُب المُنزلة إليهما، والمعجزاتِ المؤيِّدة لهما، وأن يؤمنوا بما أعطاه الله لبقيَّة الأنبياء والرُّسُل عليهم السَّلام، من دون أن يُفرِّقوا بين أحد منهم، ولْيُعلنوا خضوعَهم التامَّ له جلَّ وعلا، وإذعانَهم وانقيادهم له سبحانه.

فإنْ آمَن اليهودُ والنَّصارى إيمانًا مِثل إيمانكم من جميع الوجوه، فقدْ سلَكوا سبيلَ الرُّشد، والتوفيق، وحقَّقوا الهداية، وإنْ أعْرَضوا فلْتعلموا أنَّهم إنما يقصدون مُنازعتَكم وعداوتَكم، لكن الله متكفِّلٌ بدفْع أذاهم عنكم، وسيَكفيكم أمرهم، فهو سبحانه يَسمعُ ما يقولون، ويَعلم ما يُخفون وما يُعلنون.

فاتَّبِعوا دِين الله والْزموه؛ فلا أحدَ أحسنُ من الله تعالى دِينًا، وكونوا له خاضِعين متذلِّلين.

ثم أمَر الله سبحانه نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يقولَ لأولئك اليهودِ والنَّصارى- الذين يُجادلونه والمؤمنين بغير حقٍّ- مُنكِرًا عليهم: أتُجادلوننا في الله بزَعْمِكم أنَّكم أَوْلى به منَّا؟! فكيف يكون ذلك وربُّ الجميع واحد، ولكلٍّ منَّا أعمالُه التي سيُجازَى عليها؟! فأنتم لستُم بأفضلَ منَّا، بل نحن أَوْلى بالله منكم؛ لأنَّنا لا نُشرِك به شيئًا، وأنتم تُشرِكون.

ثمَّ أنكر الله تعالى على اليهود والنصارى، ووبَّخَهم في زعمِهم أنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا على اليهوديَّة، أو النصرانيَّة، مع أنَّ هاتيْن الدِّيانتيْنِ قد حدَثَتا بعد هؤلاء الرُّسُل المذكورين، فأمَر الله نبيَّه أن يسألَهم: أهُمْ أعلمُ بما كان عليه هؤلاء الرُّسُلُ، أمِ اللهُ؟!

ولا أحدَ أشدُّ ظلمًا في كِتمان الشَّهادة؛ ممَّن يَكتُم ما أنزل الله في كُتبه، والله سبحانه وتعالى ليس بسَاهٍ عن هؤلاء اليهودِ والنَّصارى، بل هو على عِلمٍ بجميع أعمالِهم، ولا يَخفَى عليه منها شيء.

ثم أخْبَر اللهُ عزَّ وجلَّ اليهودَ والنَّصارى المكذِّبين بنُبوَّة محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّ هؤلاء الآباءَ والأجدادَ الصالحين، الذين تنتسبون إليهم، قد مضَوْا لسبيلهم، ولن ينفعَكم الانتسابُ إليهم، ولن يعودَ إليكم من صلاحِهم وعملِهم الصالح شيءٌ؛ فإنَّما لكم ما عملتُم، ولن تُحاسَبوا على ما عمِلوه.


تفسير الآيات:

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135).

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا.

أي: قالت اليهود للمؤمنين: كونوا هودًا، تَهتدوا، وقالت النَّصارى لهم: كونوا نصارى، تَهتدوا؛ فكلٌّ منهم حصَر الهدى في دِينه، بزعم أنَّ مُعتنقَه يصيب طريقَ الحقِّ  .

قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

أي: يا محمَّد، قلْ لهؤلاء اليهود والنصارى: إنَّ الهداية ليستْ في دِينكم من اليهوديَّة، أو النصرانيَّة، وإنَّما الهداية الحقيقيَّة في اعتناق دِين إبراهيم عليه السَّلام، الذي حقيقتُه الاستقامةُ على طريق التوحيد، والميلُ عن طريق الشِّرك، أي: عِبادة الله وحده لا شريكَ له. وإبراهيمُ عليه السَّلام لم يكُن من عبَّاد الأصنام، ولم يكُن يهوديًّا ولا نصرانيًّا  .         

كما قال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: 67] .

وقال سبحانه: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 161] .

وقال عزَّ وجلَّ: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: 123] .

قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136).

قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا.

أي: أعْلِنوا- أيُّها المؤمنون- أنَّكم مُقرُّون بقلوبكم وجوارحكم بالله تعالى، وبكلامه، الذي أنزله إليكم  .

عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((كان أهلُ الكتابِ يَقرؤُون التوراةَ بالعَبرانيةِ، ويُفسِّرونها بالعَربيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: لا تُصدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولوا  : آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا))  .

وعن عبدِ الله بن عَبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((كان رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقرأ في ركعَتيِ الفجرِ: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا، والتي في آل عمرانَ  : تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم))  .

وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ.

أي: صَدَّقْنا وأقرَرْنا بألسنتنا وقلوبِنا بما أنزله الله تعالى على رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام- من قبلِ أن يُبدَّل ويُحرَّف-: إبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوب، وعلى الأنبياء من ذريَّة يعقوب، وبما أعطاه اللهُ تعالى لموسى من التوراة والمعجِزات، وما أعطاه لعيسى من الإنجيل والمعجِزات كذلك، وما أُعطيَه بقيَّةُ الأنبياء عليهم السَّلام  .

لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ.

أي: لا نُؤمِن ببعضٍ ونكفُر ببعض، بل نحن بالجميعِ مؤمنون  .

وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.

أي: ونحن للهِ تعالى وحْدَه دون مَن سواه، مستسلِمون ظاهرًا وباطنًا، فله خاضِعون بالطَّاعة، ومذعِنون بالعبوديَّة  .

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137).

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا.

أي: فإنْ آمَن اليهودُ والنَّصارى إيمانًا مماثلًا من كلِّ الوجوه لإيمانكم- أيُّها المسلمون- ومِن ذلك الإيمانُ بجميعِ كتُب الله تعالى، وبجميع رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام- فقد رَشَدوا ووُفِّقوا للحقِّ والخير  .

وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ.

أي: فإنْ أعرَض أولئك اليهودُ والنَّصارى عن الحقِّ بعد إقامة الحُجَّة عليهم، فلم يُؤمِنوا بمِثل إيمانكم، فاعلموا- أيُّها المؤمنون- أنَّهم يَقصِدون المخالفةَ والمنازعةَ والعداوةَ لكم  .

فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

أي: فإنَّ الله تعالى سيَكفيك يا محمد أمْرَ أولئك اليهود والنصارى، الذين يقصدون عداوتَك؛ فإنَّ الله تعالى يَدفع أذاهم عنك وينصُرك عليهم؛ فهو سبحانه السميعُ لِمَا يقولون، والعالِمِ بما يُبطنون وما يُظهرون، من المكائدِ وأنواع الشُّرور  .

صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138).

صِبْغَةَ الله.

أي: اتَّبعوا الحَنيفيَّةَ مِلَّة إبراهيم عليه السَّلام، والْزَموا دِينَ الله تعالى الإسلام، وقوموا به خيرَ قِيام  .

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً.

أي: لا أحَدَ أحسنُ من الله تعالى دِينًا  .

وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ.

أي: ونحن له سبحانه دون مَن سواه، مخلِصون، خاضِعون، ومتذلِّلون، مع المحبَّةِ الواجِبة له سبحانه  .

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي الله وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139).

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ.

أي: قل يا محمَّد، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى -الذين يُجادِلونكم بغير حقٍّ- مُنكرًا عليهم صنيعَهم هذا: هل تُجادِلوننا وتُخاصموننا في توحيدِ الله تعالى لإبطالِ دِين الإسلام، بزعْم أنَّكم أَوْلَى بالله منَّا؟! وكيف تدَّعون ذلك وربُّ الجميعِ واحد  ؟!

وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ.

أي: وبالإضافةِ إلى أنَّ ربَّنا واحدٌ، ليس ربًّا لكم دُوننا، فلكلٍّ منا أعمالُه التي اكتسبها وسيُجازيه الله تعالى بها؛ فأنتم لستم بأفضلَ منَّا، بل نحن أَوْلى بالله منكم؛ لأنَّنا لا نُشرِك به شيئًا في عبادته، وأنتم تُشرِكون؛ فكيف تدَّعون زُورًا ما نحن أَوْلى به منكم  ؟!

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140).

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى.

أي: يُوبِّخ الله تعالى ويُنكِر على اليهود والنَّصارى الذين يحاجُّون في رُسل الله عزَّ وجلَّ بعد محاجَّتهم في دِين الله تعالى، فيَزعُمون أنَّ الرسل المذكورين كانوا على مِلَّتهم، إمَّا اليهوديَّة وإمَّا النصرانيَّة، زاعمين بذلك أنَّهم أَوْلى بأولئك الرُّسُل الكِرام من المسلمين، وهذا مِن سفَههم؛ فكيف يكون هؤلاء هودًا أو نصارى، واليهوديَّة والنصرانيَّة إنَّما حدَثتْ بعدَهم  ؟!

قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ.

أي: قل لهم: يا محمَّد -إنِ ادَّعوا أنَّ إبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارى-: هل أنتم أعلمُ بالدِّين الذي كانوا عليه، أم اللهُ  ؟!

كما قال الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 65-68] .

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ الله.

أي: لا أحدَ أشدُّ ظلمًا في كتمان الشهادة، ممَّن كتَموا ما أنزله الله تعالى في كتُبه، من أنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مُسلِمين، فكتموا ذلك ونَحَلوهم اليهوديَّةَ والنصرانيَّة  ، وقيل: ما كتموه ممَّا جاء في كتُبهم من العِلم بصِفات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ وإثبات نبوَّته  .

وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

أي: هذا تهديدٌ، ووعيدٌ شديدٌ لأولئك اليهود والنَّصارى، الذي يَكتُمون ما أُنزل إليهم من العِلم، بمجازاتِهم على ذلك؛ فاللهُ تعالى ليس بساهٍ عنهم، بل هو مُطَّلعٌ على أعمالِهم، وقد أحصاها صغيرَها وكبيرَها، لا تخفَى عليه منهم خافيةٌ  .

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141).

أي: يا معشرَ اليهود والنَّصارى، دَعُوا ذِكر الآباء والأجداد، كإبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ، والمسلمين من أولادِهم؛ إذ لا يَنفعُكم الانتسابُ إليهم وإلى أعمالهم الصالِحة، فخيرُهم لا ينفعُكم إنْ كسبتم شرًّا؛ فإنَّهم جماعة قد مضَتْ لسبيلها، وكلٌّ منكم له عملُه الذي يخصُّه، وتَبِعَتُهُ، من خيرٍ أو شر، ولا يَلحق الآخَر من ذلك شيءٌ، ولا السُّؤال عنه، فلا تُحاسَبون بأعمال سَلفِكم، وإنَّما تُحاسَبون بأعمالكم  .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّ أهلَ الباطل يَدْعون إلى ضلالِهم، ويدَّعون فيه الخير؛ لقوله تعالى حِكايةً عن بعضهم أنَّهم يقولون: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى وهذه دعوةٌ إلى ضلال، وقولهم:  تَهْتَدُوا فيه ادِّعاء أنَّ ذلك خير.

فمَثلًا دعاة التبرُّج والسُّفور يقولون: اتركوا المرأةَ تتحرَّر، أعطوها الحُرية، اتركوها تبتهج في الحياة، لا تُقيِّدوها بالغطاءِ، وتركِ التبرُّج، ونحو ذلك، وكذا كلُّ داعٍ إلى ضلالةٍ يزيِّن هذه الضَّلالة بما يَغرُّ البليد  .

2- أنَّه ينبغي للمؤمن أن يَشعُرَ أنه وإخوانه كنفْسٍ واحدة؛ لقوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فأتى بضمير الجمْع: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ... وَنَحْنُ...  .

3- في قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ [البقرة: 137] ، إشارةٌ إلى التوكُّل على الله عزَّ وجلَّ في الدَّعوة إليه، وفي سائرِ الأمور؛ لأنَّه إذا كان وحده سبحانه وتعالى هو الكافي، فيجب أن يكونَ التوكُّلُ والاعتمادُ عليه وحده؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3] ، أي: كافيه  .

4- عِظَم ذَنب كتْمِ العِلم؛ لقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ؛ فإنَّ العالِم بشريعة الله عنده شهادةٌ من الله بهذه الشَّريعة، كما قال الله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: 18] ؛ فكلُّ إنسان يكتُم علمًا، فقد كتَم شهادةً عنده من الله  .


الفوائد العلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ اليهوديَّة والنصرانيَّة المحرَّفتَينِ نوعٌ من الشِّرك؛ لأنَّ مجيءَ قولِه تعالى: وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ في مقابل دَعوتهم إلى اليهوديَّة والنصرانيَّة، يدلُّ على أنَّهما نوعٌ من الشرك  .

2- الإشارة إلى البَداءة بالأهمِّ وإن كان متأخِّرًا؛ لقوله تعالى: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ مع أنَّ ما أُنزل إلينا متأخِّرٌ عمَّا سبق  .

3- أنَّه لا حُجَّةَ لِمَن تولَّى عن شريعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلَّا الشِّقاق، والمجادلة بالباطل؛ لقوله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ  .

4- وقوع الشِّقاق بين أهل الكِتاب والمسلمين؛ وعليه فلا يمكن أن يتَّفق المسلمون وأهلُ الكتاب؛ فتبطُل دعوة أهلِ الضَّلال الذين يَدْعون إلى توحيدِ الأديان؛ لقوله تعالى: فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ  .

5- وجوبُ البَراءة من أعمال الكفَّار؛ لقوله تعالى: وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ  .

6- ثبوت الصِّفات المنفيَّة؛ وهي ما نفاه اللهُ سبحانه وتعالى عن نفْسِه؛ لقولِه تعالى: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ؛ فإنَّ هذه صفةٌ منفيَّة، وليست ثبوتيَّة، والصِّفات المنفيَّة متضمِّنة لإثبات كمال ضدِّها؛ فلكمالِ مُراقبتِه، وعِلمه سبحانه وتعالى، فليس بغافلٍ عمَّا نعمل  .

7- الردُّ على الجَبريَّة الذين يزعُمون بأنَّ الإنسان مُجبَرٌ على عَمَله؛ حيث أضاف سبحانه العملَ إلى العامِل في قوله تعالى: عَمَّا تَعْمَلُونَ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا

فيه التِفاتٌ من الخطاب في قوله: وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ إلى الغَيبة في هذه الآية: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا...؛ فائدته إبعادهم من مقام المخاطبةِ إعراضًا عنهم، وتعديدُ جناياتهم عند غيرهم  .

و(أو) ليستْ للتخيير؛ فكل فريق يدعو إلى دِينه، ويزعم أنه الهدى؛ فهي تقسيم بعد الجمع؛ لأنَّ السامع يردُّ كلًّا إلى مَن قاله، وموزَّعة عليهما على وجه خاصٍّ يَقتضيه حالُهما اقتضاءً مُغنيًا عن التصريح؛ ففيه لَفٌّ ونَشْر، مثل ما في قوله: وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجنةَ إلَّا من كان هُودًا أَوْ نصارى؛ اعتمادًا على ظهور المرام  .

2- قوله: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فيه تعريضٌ بأهل الكتاب، وإيذانٌ ببُطلان دعواهم اتباعَه عليه السلام، مع إشراكهم بقولهم: عُزير ابن الله، والمسيح ابن الله، وهو احتراس؛ لئلَّا يغترَّ المشركون الذين يزعُمون أنَّهم على ملَّة إبراهيم عليه السلام  .

3- في قوله: قُلْ آمَنَّا وقوله: قُولُوا آمَنَّا مناسبة حسنة، حيث أفرد الضَّمير في الكلام الذي للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لمزيدِ الاختصاص بمباشرة الردِّ على اليهود والنصارى؛ لأنَّه مبعوث لإرشادِهم وزجرهم، وجمَع الضمير في الكلام الذي للأمَّة؛ لمزيدِ الاختصاص بمضمون المأمور به في سِياق التعليم  .

4- قوله: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ فيه تنزيل المفرد فيها منزلةَ الجمْع في تناوله الآحاد مطابقةً؛ لأنَّ لفظ أَحَدٍ في معنى الجَماعة؛ ولذلك صحَّ دخول بَيْنَ عليه، ولأنَّ النكرة الواقعة في سِياق النفي تُفيد العموم لفظًا. ولأنَّ أَحَدٍ اسم موضوع لمن يصلُح أن يُخاطب ويستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث- إذا كانت همزته أصليَّة، وعلى أنَّها مُبدَلة من الواو فهو بمعنى (واحد)، وعمومُه لوقوعه في حيِّز النفي  .

5- قوله: فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ

فيه تأكيد الجملة الواقعة شرطًا بـ(إنَّ)، وتأكُّد معنى الخبَر بحيث صار ظرفًا لهم، وهم مظروفون له؛ كأنَّ الشقاق مستولٍ عليهم من جميع جوانبهم، ومحيطٌ بهم إحاطةَ البيت بمَن فيه  .

وقوله: فَسَيَكْفِيكَهُمُ عطف الجملة بالفاء مشعِرٌ بتعقُّب الكفاية عقيبَ شقاقهم، والمجيء بالسِّين يدلُّ على قُرب وقوع الكفاية؛ لأنَّها أقرب في التنفيس من (سوف)  .

6- في قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً

الاستفهام هنا معناه النَّفي والإنكار، أي: ولا أحدَ أحسن من الله صبغةً  .

وأَحْسَنُ هنا لا يُراد بها حقيقة التفضيل؛ إذ صِبغة غير الله منتفٍ عنها الحسن، أو يُراد بها التفضيل، باعتبار مَن يظن أنَّ في صِبغةِ غير الله حسنًا، وأنَّ التفضيل إنَّما يَجري بين الصِّبغتين، لا بين الصَّابغين  .

7- قوله: وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ

فيه تقديم الجار والمجرور لَهُ على عامله عابِدون؛ للاهتمام، ورعايةِ الفواصل  .

وفيه: إفادة قصر إضافي، وتعريض بالنَّصارى الذين اصطبغوا بالمعمودية، وعبدوا المسيح  .

على تقدير الجملة اسميَّة؛ ففيه: إشْعارٌ بدَوام العبادةِ. وإذا قدِّرت الجملة فعليَّةً بتقدير فِعل الإغراء (الزموا) بتقدير القول، أي: (الزمَوا صِبغة الله، وقولوا: نحن له عابدون)؛ فقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً  حينئذٍ يَجري مَجرَى التَّعليل للإغراء  .

8- قوله: وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ

فيه: تقديم الجار المجرور (لنا) و(لكم)؛ للاختصاص، أي: لنا أعمالنا لا أعمالكم  .

وعطف وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ فيه: احتراس؛ لدفع توهُّم أن يكون المسلمون مشاركين للمخاطبين في أعمالهم، مثل عطْف قوله تعالى: وَلِيَ دِينِ على قوله: لَكُمْ دِينُكُمْ [الكافرون: 6]   .

والتعبير بالجملة الاسميَّة ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ فيه: دَلالة على الدَّوام على الإخلاص، مع ما في تقديم الظرف (له) من الاختصاص وتقوية المعنى وتأكيده، ومراعاة فواصل الآيات  .

9- في قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ جاء الاستفهام للنفي والإنكار، والمعنى: لا أحدَ أظلمُ ممَّن كتَم...  .

وفيه كنايةٌ عن عدَم اغترار المسلمين بقول اليهود والنصارى: إنَّ إبراهيم وأبناءه كانوا هودًا أو نصارى، وليس هذا احتجاجًا عليهم  .

10- قوله: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ خبرٌ تضمَّن معنى التخويف والتهديد؛ لأنَّ القادر إذا لم يكن غافلًا، لم يكُن له مانع من العَمل بمقتضى عِلمه  .

11- قوله: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ

فيه: حُسن الختام، مع حُسن التَّقْسيم والاتِّساق  .

وفيه: تَكرار هذه الجُملة، والتكرار إمَّا لاختِلاف السِّياق؛ لأنَّ ذلك ورد إثْرَ شيءٍ مخالِف لِمَا وردتِ الجُمل الأولى بإِثْرِه، فالتَّكرار حَسَنٌ؛ لاختلاف الأقوال والسِّياق، وإمَّا أن يكون التَّكرار للمبالغة في الزَّجر عمَّا هُم عليه من الافتخار بالآباء والاتِّكال على أعمالهم  ، أو يكون تكريرًا لنظيره الذي تقدَّم آنفًا؛ لزيادة رسوخ مدلوله في نفوس السَّامعين؛ اهتمامًا بما تضمَّنه؛ لكونه معنًى لم يَسبقْ سماعُه للمخاطبين؛ فلم يُقتنَع فيه بمرَّةٍ واحدة  .


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (142-150)

۞ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(142)

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ(143)

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(144)

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ(145)

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146)

الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(147)

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148)

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(149)

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(150)

مشكل الإعراب:

قوله: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً:

إنْ: هي المخفَّفة من الثقيلة، واسمها (ضمير الشأن) محذوف.

لكبيرةً: اللَّام للفَرْق بين إن المخفَّفة من الثقيلة وإن النافية. وكبيرةً: خبر كان منصوب، واسم كان ضميرٌ مستترٌ تقديره (هي)، دلَّ عليه ما قبله من الكلام، والتقدير: وإنْ كانت التوليةُ، أو الصلاةُ، أو القِبلةُ  .


المعنى الإجمالي:

أخبَر اللهُ تعالى أنَّ الجاهلين من النَّاس من يهودٍ ومشركين ومنافقين- ممَّن لا يَعرِفون مصالح أنفسهم، بل يُضيعونها- سيتساءلون اعتراضًا- والرِّيبة تملأ قلوبَهم- عن السَّبب الذي صرَف المسلمين عن استقبال بيت المقدِس، فأمَر اللهُ نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يُجيبهم بأنَّ مُلك المشرق والمغرب وما بينهما هو لله سبحانه وتعالى وحْدَه؛ فله أن يأمُرَ باستقبال أيِّ جِهة أراد؛ فإنَّه يُوفِّق مَن يشاء إلى سلوك الطَّريق القويم في امتثال الأمر بالتوجُّه للكعبة وفي كلِّ ما يأمر به سبحانه.

ومِثلُ هذا التوفيق الذي وفَّقه الله تعالى أمَّةَ محمد صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى أفضل قِبلة، اختيارُ الله سبحانه وتعالى لهم ليكونوا أعدلَ الأُمم وخيرَها؛ ليشهدوا على بقيَّة الأمم التي تقدَّمتهم أنَّ أنبياءهم ورسلَهم أدَّوْا إليهم رسالة ربِّهم جلَّ وعلا، ويكون الرسولُ محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ شهيدًا على صِدق هذه الأمَّة فيما أخبَرت به من ذلك.

ثم خاطَب الله عزَّ وجلَّ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّه إنَّما شرَع له استقبال بيت المقدس أولًا، ثمَّ نسخَه بالتوجُّه إلى الكعبة؛ امتحانًا؛ لكي يَعلمَ مَن يُطيع الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ممَّن يرتدُّ عن دِينه، وإنْ كان أمر تحويل القِبلة شاقًّا على النفوس وعظيمًا، إلَّا على مَن وفَّقه الله لطريق الهداية، ثم طمْأنَ الله سبحانه المؤمنين بأنَّه لا ينبغي له جلَّ وعلا أن يُضيع ثوابَ صلاتهم إلى بيت المقدِس، قبل تحويل القِبلة، بل هو محفوظٌ عنده عزَّ وجلَّ؛ فهو سبحانه عظيم الرحمة بالنَّاس.

ثم قال الله سبحانه لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّه رأى تلفُّتَه الكثيرَ ناحيةَ السَّماء وهو يقلِّبُ وجهَه في جِهاتها، يترقَّب وحيًا يُعلِمه بتحويل القِبلة، ثم أخبره تعالى أنَّه سيوجِّهه إلى قِبلةٍ يُحبها صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأمرَهُ أن يتوجَّه في صلاته إلى جهة الكعبة، وفي أيِّ موضع كانوا، فعليهم أن يَستقبلوا الكعبةَ عند إرادة الصَّلاة، وقد علِم اليهود والنَّصارى مِن خلال كتُبهم أنَّ استقبال الكعبة مِن قِبل النبيِّ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين حقٌّ مفروض من الله تعالى، والله سبحانه لا يَخفَى عليه أمرُ هؤلاء الذين يَعلمون الحقَّ ويُنكرونه ولا يَتَّبعونه.

ثم بيَّن الله سبحانه لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ مدى تعنُّتِ اليهود والنَّصارى وتمسُّكهم بالباطل؛ فلئن جاءهم بكلِّ برهان، وأقام عليهم الحُجج على أنَّ الحقَّ هو ما جاء به من تحوُّل القِبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فإنَّهم لن يتَّبعوه فيما جاء به، ولا هو صلَّى الله عليه وسلَّمَ بمُتابِعِهم على قِبلتهم؛ لتمسُّكه بشَرْع الله، ولا أحدَ منهم يهوديًّا كان أو نصرانيًّا بتابعٍ قِبلةَ الآخَر، ثم حذَّر اللهُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ- وأمَّته تبَع له- مِن اتِّباع أهواء أهل الكتاب بعد أن اتَّضح لهم الحقُّ، فإنَّه إنْ فعَل سيكون معدودًا مع الذين ظَلموا أنفسهم.

ثم أخبَر تعالى أنَّ أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى يَعرِفون النبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّه مُرسَلٌ من ربِّه، وأنَّ ما جاء به حقٌّ، ومنه التوجُّه إلى الكعبة، وذلك من خلال كتُبهم- معرفةً يقينيَّة كما يَعرِفون أبناءَهم؛ فلا يشتبهون عليهم بغَيرِهم، ومع ذلك فإنَّ طائفةً منهم يُخفون الحقَّ عمدًا، والحالُ أنَّهم يُوقِنون بصحَّته!

ثمَّ أعْلمَ الله سبحانه نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأن يَعلم أنَّ الحقَّ هو ما جاءَه من ربِّه، ونهاه أن يَتسرَّب إلى قلبِه شكٌّ فيه.

ثم أخبَر تعالى أنَّ لكل أهل مِلَّةٍ قِبلةً يتوجَّهون إليها في صلواتهم، سواء كانت هذه القِبلة ممَّا شرَعه الله لهم، أو كانت ممَّا ابتدعوه من تِلقاء أنفسهم.

وأمَر سبحانه المؤمنين أن يُبادروا ويُسارعوا إلى الطَّاعات، ومن ذلك استقبال القِبلة التي أمرَهم الله بالتوجُّه إليها، ولتَحْفيزِهم على المسارعةِ إلى الطاعات، وأخبَرهم سبحانه بأنَّه أينما كان موتُهم فإنَّ الله عزَّ وجلَّ سيجمعهم يوم القِيامة،  فهو سبحانه لا يُعجِزه شيء؛ لأنه القادر على كلِّ شيء.

ثم أمَر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يَجعل الكعبة قِبلتَه أينما كان؛ فإنَّ ذلك هو الحقُّ الذي ليس فيه أدْنى شكٍّ، والله سبحانه ليس بساهٍ عن عمل أيِّ أحد، بل مطَّلعٌ على أعمال الجَميع، وسيُجازي أصحابَها بحسَبها.

ثم أعاد سبحانه الأمرَ لنبيِّه عليه الصَّلاة والسلام بأن تكون وِجهتُه في صلاته هي الكعبةَ أينما كان، وكذلك المؤمنون مأمورون بأن يَستقبلوا الكعبةَ في أيِّ موضع كانوا، وذلك التحويل قد وقَع؛ كيلا يحتجَّ اليهودُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين بأنَّه ليس لهم عَيبُ دِينهم أو انتقاصُه، ما داموا قد وافقوهم في صلاتِهم نحو بيت المقدِس؛ فبهذا التحويلِ للقِبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تُدحَضُ تلك الحُجَّة، ولكن تبقى حُجَّةٌ باطلةٌ لمشرِكي قريش بأنَّ المؤمنين ما داموا قد عادُوا إلى قِبلتهم، فلا بدَّ أن يتَّبعوا أيضًا دِينهم.

فنهى الله تعالى عباده المؤمنين عن أن تُساورَهم خشيةٌ من هؤلاء الظَّلمة، أو مِن حُجَجهم الداحضة، وأمرهم بأن يُفردوه جلَّ وعلا وحْدَه بالخشية، فإنَّه لا يستحقُّها أحدٌ سواه.

ثمَّ أخبَر سبحانه أنَّ مِن أسباب تحويل القبلة، إتمامَ شرائع الدِّين للمؤمنين، ورجاءَ أن يمتثلوا أوامرَ الله، ويسلِّموا بها؛ فينالوا هدايتَه سبحانه.


تفسير الآيات:

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا تكرَّر في الآيات السابقةِ التنويهُ بإبراهيم عليه السلام وملَّته، والكعبةِ، وأنَّ مَن يرغب عنها قد سفِه نفْسه، فكانت مثارًا لأنْ يقول المشركون: ما ولَّى محمدًا وأتْباعَه عن قبلتهم التي كانوا عليها بمكَّةَ- أي: استقبال الكعبة- مع أنه يقول: إنَّه على مِلَّة إبراهيم، ويأبى اتِّباع اليهوديَّة والنصرانيَّة؛ فكَيف ترك قِبلةَ إبراهيم واستقبلَ بيت المقدس؟! وقد علم اللهُ تعالى ذلك منهم فأنبأَ رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم بقولهم  .

سبب النُّزول:

عن البَراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ صلَّى نحوَ بيت المقدِس سِتَّةَ عَشرَ، أو سبعةَ عَشرَ شهرًا، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يحبُّ أن يُوَجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فتوجَّه نحو الكعبة، وقال السفهاء من النَّاس- وهم اليهود -: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فصلَّى مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ رجلٌ، ثمَّ خرَج بعدما صلَّى، فمرَّ على قومٍ من الأنصار في صلاة العصر نحوَ بيت المقدس، فقال: هو يَشهدُ أنَّه صلَّى مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأنَّه توجَّه نحوَ الكعبة، فتَحرَّف القومُ حتى توجَّهوا نحوَ الكعبة  ))  .

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا.

أي: سيتساءل الجُهَّال وخِفاف العقول من النَّاس- وهم اليهود، وأهل النِّفاق، والمشركون- سيتساءلون عن المسلمين مُعترِضين، بحيرةٍ وارتياب: أيُّ شيء صرَفَهم عن التوجُّه إلى بيت المقدِس في صلاتهم؛ فحوَّلوا وجوههم عنه  ؟!

قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.

أي: قلْ يا محمَّدُ، لهؤلاء المتسائلين: لله تعالى وحْده دون غيرِه مُلكُ المشرق والمغرب وما بينهما، فكلُّ الجِهات مخلوقةٌ ومملوكة له؛ فله أن يأمُرَ بالتوجُّه إلى أيِّ جِهةٍ شاء سبحانه  .

يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

أي: إنَّ الله تعالى يُرشد ويوفِّق بحِكمته مَن يشاء مِن خَلْقه إلى الطَّريق القويم، وقد هدى اللهُ تعالى المؤمنين إلى قِبلة إبراهيمَ عليه السَّلام التي ضلَّ عنها غيرُهم  .

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ  (143).

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا.

أي: مثل هذا الجَعْل الذي جعْلنا لكم، وهو هدايتُكم إلى أفضلِ قِبلة، جعلناكم أيضًا خيرَ الأمم وأعدلَها، وسطًا بيْن الإفراط والتفريط، وبين الغلوِّ والجَفاء  .

كما قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110] .

وعن معاويةَ بن حَيْدةَ القُشيريِّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أنتُم تُوفُون سَبعينَ أُمَّةً، أنتُم خيرُها وأكرمُها على الله  ))  .

وعن أبي سَعيد الخُدريِّ رضي الله عنه، قال: ((قرأ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال: عدلًا))  .

وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((يجيء النبيُّ يومَ القيامة، ومعه الرَّجل، والنبيُّ ومعه الرَّجُلان، وأكثرُ مِن ذلك، فيُدعى قومُه، فيُقال لهم: هل بلَّغكم هذا؟ فيقولون: لا! فيُقال له: هل بلَّغتَ قومَك؟ فيقول: نعم، فيُقال له: مَن يَشهد لك؟ فيقول: محمَّد وأمَّتُه، فيُدْعَى وأُمَّته، فيُقال لهم: هل بلَّغ هذا قومَه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما عِلمُكم؟ فيقولون: جاءَنا نبيُّنا، فأخبَرنا: أنَّ الرُّسل قد بلَّغوا، فذلك قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: 143]  قال: يقول: عدلًا  ، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143] ))  .

لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.

أي: جعَل الله تعالى هذه الأمَّةَ المحمديَّةَ خيرَ الأُمم وأعدَلَها؛ ليشهدوا على الأُمم الأخرى بأنَّ رُسلَهم وأنبياءَهم عليهم الصَّلاة والسلام قد بلَّغوهم رِسالة ربِّهم عزَّ وجلَّ  .

كما قال تعالى: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الحج: 78] .

وعن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((يُدعَى نوحٌ يومَ القِيامة، فيقول: لبَّيْك وسَعديك يا ربِّ، فيقول: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعمْ، فيُقال لأمَّته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير! فيقول: مَن يشهد لك؟ فيقول: مُحمَّدٌ وأمَّتُه، فيَشهدون أنَّه قد بلَّغ، ويكون الرَّسولُ عليكم شهيدًا؛ فذلك قولُه جلَّ ذِكرُه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، والوسط: العدْل  ))   .

وعن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: ((مَرُّوا بجَنازةٍ فأثنَوْا عليها خيرًا، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَجَبَتْ، ثم مَرُّوا بأخرَى فأثنَوا عليها شرًّا، فقال: وَجَبَتْ، فقال عُمَرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: ما وَجَبَتْ؟ قال: هذا أثنَيتُم عليه خيرًا، فوَجَبَتْ له الجنةُ، وهذا أثنَيتُم عليه شرًّا، فوَجَبَتْ له النارُ؛ أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ  ))  .

وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.

قيل: أي: يَشهد محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على صِدق الأمَّة فيما أخبَرت به عن تبليغ رُسُل الله تعالى رِسالتَه إلى أُممهم، وقيل: يَشهد محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّه بلَّغ أمَّته رسالةَ ربِّه، وقيل: يشهد بأنَّهم آمنوا به وبما جاء به من عند الله عزَّ وجلَّ  .

وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ.

أي: إنَّما شرَعْنا لك يا محمَّد التوجُّه أولًا إلى بيت المقدِس، ثمَّ صرَفْنا هذه القِبلة عنك إلى الكَعبة؛ امتحانًا؛ لنعلم-عِلمًا تقوم به الحجة على العبد، ويترتَّب عليه الثوابُ والعِقاب- من سيطيعك فيستقبل معك حيثما توجَّهت، ممن يَرتدُّ عن دِينه  .

وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ.

أي: وإن كان الشَّأْن أنَّ واقعة صرْفِنا لك يا محمَّد عن التوجه إلى بيت المقدس، وتوليتنا إيَّاك للكعبة، أمرٌ عظيمٌ، شاقٌّ، وثقيلٌ على النُّفوس، عدَا مَن أرشده الله تعالى للحقِّ، ووفَّقه للعمل به، فصَدَّق الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وتأسَّى به في التحوُّل إلى الكعبة  .

عن عبد الله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما، قال: ((بَيْنا النَّاسُ بقُباءٍ في صلاةِ الصُّبحِ، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أُنزِلَ عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يَستقبِلَ الكعبةَ، فاستقبِلوها، وكانتْ وجوهُهم إلى الشَّأمِ، فاستَداروا إلى الكَعبةِ   ))  .

وعن أنسٍ رضي الله عنه: ((أنَّ رَسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان يُصلِّي نحو بيت المقدِس، فنزلت: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: 144] ، فمرَّ رجلٌ من بني سَلِمة وهم ركوعٌ في صلاة الفجر، وقد صلَّوا ركعةً، فنادى: ألَا إنَّ القِبلة قد حُوِّلت، فمالوا كما هم نحوَ القِبلة  ))  .

وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ.

سبب النُّزول:

عن البَراء رضي الله عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم صلَّى إلى بيت المقدِس ستَةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عَشرَ شهرًا، وكان يُعجبه أن تكونَ قِبلتُه قِبلَ البيت، وأنَّه صلَّى أوَّلَ صَلاةٍ صلَّاها صَلاةَ العَصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرج رجلٌ ممَّن كان صلَّى معه فمرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهدُ بالله لقدْ صليتُ مع النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ قِبَل مكةَ، فدارُوا كما هم قِبلَ البيت... وفيه: أنَّه ماتَ على القِبْلة قَبلَ أنْ تُحوَّلَ، رِجالٌ قُتِلوا، فلمْ نَدرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ  ))  .

وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ.

أي: إنَّ الله تعالى يقول عن نفسه بأنَّه لا ينبغي له أن يُضيع ثوابَ صلاتكم إلى بيت المقدس قَبل ذلك، بل هو محفوظٌ عنده سبحانه وتعالى  .

إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى عظيم الرَّحمة بالنَّاس؛ ولذا لا يُمكن أن يُضيع أجرَ طاعة عمِلها عبادُه المؤمنون  .

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144).

سبب النُّزول:

عن البَراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ صلَّى نحوَ بيت المَقدِس سِتَّة عشرَ أو سَبعةَ عشرَ شهرًا، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يحبُّ أن يُوجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فتوجَّه نحو الكعبة، وقال السُّفهاء من النَّاس- وهم اليهود -: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فصلَّى مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ رجلٌ، ثم خرَج بعدما صلَّى، فمرَّ على قومٍ من الأنصار في صلاة العصر نحوَ بيت المقدس، فقال: هو يَشهدُ أنَّه صلَّى مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأنَّه توجَّه نحوَ الكعبة، فتحرَّف القوم حتى توجَّهوا نحوَ الكعبة  ))  .

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ.

أي: يُؤكِّد الله تعالى لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ رُؤيتَه له وهو يتلفَّت محوِّلًا وجهَه في جِهات السماء؛ متلهِّفًا لنزول الوحي بخبَر تحويل القِبلة إلى الكعبة  .

فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا.

أي: فلنوجهنَّك يا محمَّد، إلى قِبلةٍ عظيمةٍ تطمئنُّ إليها، وتحبُّها، وتقبلها  .

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

أي: أقبِلْ ببدنِكَ، واصْرِفْ وجهَكَ لأجْل الصَّلاة، إلى جهةِ الكعبة من المسجد الحرام  .

وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.

أي: وفي أيِّ موضعٍ وَجِهةٍ كنتم- أيُّها المؤمنون- فعليكم أن تستقبلوا الكعبةَ وتتوجَّهوا ناحيتَها عند إرادة الصَّلاة  .

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ.

أي: إنَّ اليهود والنَّصارى يَعلمون مِن كتُبهم أنَّ استقبال النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين الكَعبةَ، أمرٌ حقٌّ، قد فرَضه الله سبحانه وتعالى  .

وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: يَعْمَلُونَ قراءتان:

1- تَعْمَلُونَ بالخطاب  .

2- يَعْمَلُونَ بالغيبة  .

وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.

أي: إنَّ الله تعالى ليس بساهٍ عمَّا يعمل هؤلاء الذين يَعلمون الحقَّ، ويُنكرونه ولا يَتَّبعونه؛ فما يَعملونه من سوءٍ محفوظٌ عند الله تعالى؛ ليعاقبَهم عليه، وبالضدِّ؛ يَحفَظ للمؤمنين امتثالَهم لأوامره، فيُجازيهم بذلك  .

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145).

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ.

أي: والله لئن جِئتَ يا محمَّدُ، اليهودَ والنَّصارى بكلِّ برهان، وأقمتَ عليهم كلَّ حُجَّةٍ تُثبت أنَّ الحقَّ هو ما جِئتَهم به، من وجوب التحوُّل من قِبلة بيت المقدِس في الصَّلاة إلى التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام، فلن يَتركوا أهواءَهم، ويتَّبعوك في ذلك  .

وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ.

يُنزِّه الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن متابعة قِبلة اليهود أو النَّصارى، ويُخبر عن شدَّة متابعتِه لِمَا أمره الله تعالى به؛ فكما أنَّهم مستمسِكون بأهوائهم، فلا اليهوديُّ يتَّبع قِبلة النصرانيِّ، ولا النصرانيُّ يتَّبع قِبلة اليهوديِّ، فهو أيضًا مستمسِكٌ بأمر الله واتِّباع مرضاته، ولا يتَّبع أهواءهم في جميع أحواله، كما أنَّه لا يُمكنه إرضاؤهم بحالٍ؛ لأنَّ الاختلاف فيما بينهم، واقع؛ ولذا فليس بغريبٍ منهم أنْ لا يتَّبعوا كذلك قِبلةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ.

وفي هذا تَسليةٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين، وتثبيتٌ لهم على الحقِّ، وإنْ خالفهم مَن خالفَهم، وقطْعُ أطماع أهل الكتاب من متابعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين لقِبلتهم  .

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.

حذَّر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ- وأمَّته تبعٌ له في ذلك- مِن اتِّباع أهواء اليهود والنَّصارى، بالتوجُّه نحوَ قِبلتهم من بعد مجيء الحقِّ بالتوجُّه قِبل الكعبة؛ فإنَّه إنْ فعَل ذلك فهو معدودٌ مع الظَّالمين أنفسَهم بتَرْك الحقِّ، واتِّباع الباطل  .

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146).

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ.

أي: إنَّ اليهود والنَّصارى يَعرِفون من توراتهم وإنجيلهم أنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم حقٌّ، وأنَّ ما جاء به- مِثل صِحَّة التوجُّه نحوَ الكعبة في الصَّلاة- حقٌّ؛ يعرفون ذلك عن يقين تامٍّ، يُماثل يقينَهم بأبنائهم؛ إذ لا يَشتبهون عليهم بغيرِهم  .

وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.

أي: ومع وضوح الحقِّ، وتيقُّن معرفتِه، إلَّا أنَّ طائفةً منهم يَكتُمون النَّاس عن عمْد، ما في كتُبهم من صِفة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما جاء به من التوجُّه نحو الكعبة وهو الحق  .

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147).

أي: اعلمْ يا محمَّد، أنَّ الحقَّ وحده هو الذي جاءك من ربِّك، لا ما يقوله اليهود أو النَّصارى، أو غيرهم؛ فلا يحصُل لك أدنى تردُّدٍ وريبةٍ فيه  .

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148).

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في مُوَلِّيهَا قراءتان:

1- (مُوَلَّاهَا) بمعنى موجَّهٌ ومصروفٌ إليها  .

2- (مُوَلِّيهَا) بمعنى متوجِّهٌ إليها ومستقبلها  .

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا.

أي: إنَّ لكلِّ أهل مِلَّةٍ قِبلةً يستقبلونها في صلاتهم، سواء كانت ممَّا ابتدعوه من تِلقاء أنفسهم، أو كانت ممَّا شرَع الله تعالى لهم  .

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كانت توليتُهم وجوهَهم نحوَ القِبلة إنما هو لأجْل تزكيةِ النفس وخلاصِها، وكان ذلك لا يحصُل إلَّا بفعل الخير واجتنابِ الشرِّ؛ قال تعالى  :

فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ.

أي: بادِروا وسارعوا باغتِنام الطاعات، ومن ذلك استقبال القِبلة التي أمَر الله تعالى بها  .

أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا أمَر الله تعالى بالمسابقةِ إلى الخيرات، وكان أقوى ما يَحثُّ النفوسَ على المسارعةِ إلى الخير، ويُنشِّطها: ما رتَّب الله عليها مِن الثوابِ؛ قال  :

أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير.

أي: يحثُّ الله تعالى عبادَه على المسارعة إلى الأعمال الصَّالحات قبل الممات، بإعلامهم أنَّ مرجعهم جميعًا إليه، وسيُحشَرون إليه من أي جِهة ماتوا فيها؛ فهو سبحانه القادِر الذي لا يُعجِزه ذلك، ولا أيُّ شيءٍ سواه  .

كما قال تعالى: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: 48] .

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا عَظُم في شأن القِبلة انتشارُ أقوال أهل الكتاب في تنويعِ شغبِهم وجدالِهم، وكانوا أهلَ عِلم وكتاب، وقد مرَّت لهم دهورٌ وهم موسومون بأنَّهم على صواب، فاشرأبَّ لذلك النِّفاق، ودارت رَحَى الباطِل والشِّقاق، كان الحال مقتضيًا لمزيد تأكيد لأمرها؛ تعظيمًا لشأنها، وتوهيةً لشُبه السُّفهاء فيها، فقال جلَّ وعلا  :

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

أي: ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ يا محمَّد، في سفرٍ كان أو غيره، فتوجَّهْ نحوَ الكعبة للصَّلاة  .

وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ.

أي: إنَّ توجُّهك نحو الكعبة يا محمَّد، حقٌّ ثابت لا شكَّ فيه  .

وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

أي: إنَّ الله تعالى ليس بساهٍ عن عمَل أحد، بل هو مطَّلعٌ على الأعمال جميعِها، وسيُجازي صاحب كلِّ عملٍ بحسب ما قدَّمه، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر  .

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا تَقرَّر بما تكرَّر أنَّ تحويل القبلة فرضٌ في حقِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ حتمٌ لا فتورَ عنه، ولا رُخصة فيه؛ إلَّا ما استُثني، أدْخل معه أمَّته؛ ليَعُمَّهم الحُكم، ورَبَأ بالمؤمنين عن أن يكون لأحدٍ عليهم حُجَّة؛ فقال  :

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.

أي: ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ يا محمَّد، في سفرٍ كان أو غيره، فتوجَّهْ نحوَ الكعبة للصَّلاة، وفي أيِّ موضعٍ وَجِهةٍ كنتم- أيُّها المؤمنون- فعليكم أيضًا أن تستقبلوا الكعبةَ وتتوجَّهوا ناحيتَها عند إرادة الصَّلاة  .

لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ.

أي: حوَّلنا قِبلتَكم إلى الكَعبة؛ كي لا يحتجَّ اليهودُ عليكم قائلين: إنكم ما دُمتم قد وافقتمونا في قِبلتنا نحو بيت المقدس، فلِمَ تَعيبون دِينَنا، ولِـمَ لا تتبعون ملَّتَنا؟ لكن ستبقى حُجَّة الظالمين- وهم مشركو قريش- الذين يحتجُّون عليكم بالباطل قائلين: إنكم ما دُمتم قد عُدتم إلى قِبلتنا، فلا بدَّ أن تتَّبعوا دِيننا  .

فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.

أي: لا تخشَوا هؤلاء الظلمةَ المتعنتين، ولا حُجَجهم الباطلة، وأفرِدوا الخشية لي؛ فإنِّي وحْدي المستحقُّ لذلك  .

وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ.

أي: شرَعت لكم استقبال الكعبة؛ لأُكمل لكم شرائعَ ملَّتكم الحَنيفيَّة  .

وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.

أي: ومن أسباب تحويل القبلة إلى الكعبة أنْ ترجُوا بامتثال أوامر الله تعالى نيلَ هُداه، فتَعلموا الحق وتعملوا به؛ ابتغاءَ رِضاه  .


الفوائد التربويَّة:

1- تسلية النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وأصحابه رضِي الله عنهم، حيث أخبر الله تعالى أنَّه لن يَعترِض عليه في أمر تحويل القبلة إلَّا سفيهٌ؛ لقوله سبحانه: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا  .

2- في قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاء...، الإخبار بقولهم قبل وقوعه، وفائدته توطين النفس وإعداد ما يبكتهم، فإنَّ مفاجأة المكروه على النفس أشقُّ وأشدُّ، فالمرء يخبر بما يُتوقَّع حدوثُه؛ ليستعدَّ له  .

3- أنَّ الله سبحانه يمتحِن العبادَ بالأحكام الشرعيَّة، إيجابًا، أو تحريمًا، أو غير ذلك؛ لقوله عزَّ وجلَّ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ؛ فليتنبَّه المرء لهذا  .

4- أنَّ التقدُّمَ حقيقةً إنَّما يكون بتطبيق تعاليم الإسلام، وأنَّ الرجعيَّةَ حقيقةً إنَّما تكون بمخالفتها؛ لقوله تعالى: مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ؛ فإنَّ هذا حقيقة الرجوع على غير هدًى؛ لأنَّ الذي ينقلب على عقبيه كالأعمى لا يُبصِر ما وراءه  .

5- أنَّ امتثال بعض الأوامر الشرعيَّة، واجتناب بعض النواهي الشرعيَّة فيه مشقَّة على المكلَّفين، لكن بتمام الإيمان تزول هذه المشقَّة، وتكون سهلةً ويسيرة؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ  .

6- مراعاة الشَّريعة اجتماعَ المسلمين على وِجهةٍ واحدة؛ لقوله تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ؛ فالمسلمون في جميع أنحاء العالم يتَّجهون إلى قِبلة واحدة  .

7- وجوب الانقياد للحقِّ إذا ظهرت آياته؛ لقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ  .

8- في قوله تعالى: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ إشارةٌ إلى أنَّ من عرف الله تعالى حقَّ معرفته، فمن المحال أن يرتدَّ، فإن قيل: فقد يوجد من يحصل له معرفة الله ثم يرتدُّ. قيل: إن الذي يقدَّر أنه معرفة، هو ظنٌّ متصوَّرٌ بصورة العلم، فأمَّا أن يحصل له العلم الحقيقيُّ ثم يعقبه الارتداد- فبعيد  .

9- أنَّ الظلم، والعدل، وغير ذلك مقْرُونٌ بالأعمال لا بالأشخاص؛ فليس بيْن الله تعالى وبين أحدٍ من الخلق شيءٌ يُحابيه، ويُراعيه به؛ فكلُّ مَن خالفه فهو ظالم؛ لقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ  .

10- بيان أنَّ العلم حقيقةً هو علمُ الشريعة؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ: فأتى بـــ(أل) المفيدة للكمال، ولا شكَّ أنَّ العلم الكامل الذي هو محلُّ الحمْد والثَّناء هو العِلم بالشَّريعة  .

11- دلَّ قولُه تعالى: من بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ على أنَّ توجُّه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرِهم  .

12- تحذير الأمَّة من اتِّباع أهواء غير المؤمنين؛ لقوله تعالى إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ فإذا كان الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُوصَف بالظلم لو اتَّبع أهواءَهم، فمَن دُونه مِن باب أَوْلى  .

13- أنَّ كلَّ شيء خالَف ما جاء عن الله تعالى، فهو باطل؛ لقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ  .

14- تَكرار الأمر الهام؛ لتثبيته والثبات عليه، ودفْع المعارضة فيه، وبيان أهميَّته؛ لأنَّه كلَّما كُرِّر كان مقتضاه أنَّ الأمر ثابتٌ مُحكَم يجب الثبوت عليه؛ وذلك لأنَّ الله تعالى كرَّر الأمر باستقبال القِبلة في عِدَّة آيات  .

15- دفْع ملامة اللائمين ما أمكَن؛ لقوله تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ  .

16- أنَّ الظالم لا يَدفع ملامتَه شيء، بمعنى: أنَّه سيلوم وإنْ لم يكُن ثمَّة محلٌّ للوم؛ لقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- في قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ إثبات عِلم الله تعالى بما سيكون، وتحقُّق وقوع ما أخبر به؛ لأنَّهم قالوا ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم سيقولونه  .

2- فضيلةُ هذه الأمَّة، حيث هداها اللهُ إلى استِقبال بيته الذي هو أوَّل بيت وُضِع للنَّاس  .

3- فضْل هذه الأمَّة على جميع الأُمم؛ لقوله تعالى: وَسَطًا  .

4- عَدالة هذه الأمَّة؛ لقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ؛ والشهيد قولُه مقبولٌ  .

5- أنَّ هذه الأمَّة تشهد على الأُمم يوم القيامة؛ لقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  .

6- في قوله: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ دلالةٌ على أنَّ العمل من الإيمان، وهذا مذهب أهل السُّنة والجماعة؛ لأنَّ الله تعالى سمَّى الصَّلاة إيمانًا  .

7- في قوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، إثبات عُلوِّ الله تعالى؛ لأنَّ الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان يُقلِّب وجهَه في السَّماء؛ لأنَّ الوحي يأتيه من السَّماء  .

8- أنَّ النَّظر إلى السَّماء ليس سوءَ أدَبٍ مع الله؛ لقوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، لكن لا يَنبغي للمصلِّي أن يرفع بصرَه إلى السَّماء؛ لورود الوعيد الشَّديد به  .

9- أنَّ الإنسان لا يُؤاخذ بالمخالفة إلَّا بعد قِيام الحُجة؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  .

10- التلطُّف في الخِطاب للرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لقوله تعالى: لَمِنَ الظَّالِمِينَ؛ فلو قُلت لرجل: أنت ظالم، لكان أشدَّ وقعًا من قولك له: أنت من الظالمين  .

11- تقوية الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ على ما هو عليه من الحقِّ- وإنْ كتَمه أهل الكتاب-؛ لقوله تعالى: الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ  .

12- عِناية الله سبحانه وتعالى بالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ بذِكره بالربوبيَّة الخاصَّة؛ لقوله تعالى: مِنْ رَبِّكَ  .

13- أنَّه قد يُنهَى عن الشيء مع استحالة وقوعه؛ لقوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ؛ فإنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّمَ لا يمكن أن يكونَ من الممترين  .

14- عِناية الله سبحانه وتعالى بالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ بالتثبيت؛ لأنَّ قوله تعالى له: الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يَقتضي ثباته عليه؛ وقوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ يَقتضي استمرارَه على هذا الثَّبات، ولا شكَّ أنَّ في هذا من تأييد الرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وتثبيتِه ما هو ظاهِر  .

15- في قوله تعالى: عَمَّا تَعْمَلُونَ ردٌّ على الجَبريَّة بإضافة العَمل إلى الإنسان  .

16- أنَّ تنفيذ أوامر الله، وخشيته سببٌ للهداية بنوعيها: هداية الإرشاد؛ وهداية التوفيق؛ لقوله تعالى: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  .

17- في قوله تعالى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إثبات حِكمة الله سبحانه وتعالى  .


بلاغة الآيات :

1- قوله: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ

- فيه الإخبارُ بالشَّيء قبل وقوعه، وفائدتُه: توطين النفس، وإعداد الجواب، وإظهار المعجزة؛ فإنَّ مفاجأة المكروه أشدُّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدَّمه من توطين النفس، وأنَّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأردُّ لشغبِه  .

- وفي قوله: مِنَ النَّاسِ وصفَهم بهذا مع كونه معلومًا، وفائدتُه: التنبيه على بلوغهم الحدَّ الأقصى من السَّفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء؛ فإذا قُسم نوعُ الإنسان أصنافًا، كان هؤلاء صنفَ السُّفهاء، فيُفهم أنه لا سفيهَ غيرهم على وجهِ المبالغة  .

2- قوله: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ استفهامٌ على جِهة الاستهزاء والتعجُّب، وهو مُستعمَل في التعريض بالتخطئة، واضطراب العقل  .

3- في قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا

- جيء مع الشَّهادة بحَرْف الاستعلاء (على)، ولم يقل (لهم)؛ لأنَّ الشَّهيد كالرقيب والمهيمِن على المشهود له، وقيل: لتكونوا شهداءَ على النَّاس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار  .

- وأُخِّرت صِلة الشَّهادة أولًا في قوله: شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وقُدِّمت آخرًا في قوله: عَلَيْكُمْ شَهِيدًا؛ لأنَّ الغرَض في الأوَّل إثباتُ شهادتهم على الأُمم، وفي الآخر اختصاصُهم بكون الرسول شهيدًا عليهم، فيكون من باب تقديم الأهمِّ؛ لأنَّ المنَّةَ عليهم في الجانبين: ففي الأوَّلِ بثبوت كونهم شهداءَ، وفي الثاني بثبوتِ كونهم مشهودًا لهم بالتزكية  .

أو مِن باب الاتِّساع في الكلام للفَصاحة، وللاهتمام بتشريف أمْر هذه الأمَّة، حتى أنَّها تَشهَد على الأمم والرسل، وهي لا يَشهَد عليها إلَّا رسولُها، ولأنَّ شَهِيدًا أشبهُ بالفواصل والمقاطع من قوله: عَلَيْكُمْ، فكان قوله: شَهِيدًا، تمامَ الجملة، ومقطعها دون عليكم، وهذا من بدائع فصاحة القرآن  .

4- قوله: إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ

- فيه تذييلٌ، فائدته: التأكيدُ على عدَم إضاعة إيمانهم، وإظهار المِنَّة، والتعليم بأنَّ الحُكم المنسوخ إنما يُلغَى العملُ به في المستقبل لا في ما مضى  .

وذِكر اسم الجلالة من باب الإظهار في مقامِ الإضمار؛ للتَّعظيم  .

وتقديم بِالنَّاسِ على متعلِّقه وهو لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ؛ للتنبيه على عِنايته بهم إيقاظًا لهم ليشكروه، مع مراعاة الفواصل أيضًا  .

5- قوله: قَدْ نَرَى جيء بالمضارع مع (قد)- التي تكون للتكثير غالبًا إذا دخلت على المضارع؛ للدَّلالة على التجدُّد  ، والقاعدة: أن (قد) إذا دخلت على المضارع المسنَد إلى اللهِ تعالى فهي للتحقيقِ دائمًا  .

6- في قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا...

الفاء للتعقيب؛ لتأكيد الوعد بالصَّراحة بعد التمهيدِ بالكِناية في قوله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ  .

وفيه إضمار قَسَم باللام الموطِّئة للقَسَم؛ للمبالغة في التأكيد على وقوعِه؛ لأنَّ القَسَم يُؤكِّد مضمون الجملة المُقسَم عليها  .

ومجيء الوعد قبل الأمْر؛ لفرح النفس بالإجابة، ثم بإنجاز الوعْد؛ فيتوالى السرورُ مرَّتين، ولأنَّ بلوغ المطلوب بعد الوعدِ به آنسُ في التوصُّل من مفاجأة وقوع المطلوب  .

ونُكِّرت القِبلة؛ لأنَّه لم يَجرِ قبلها ما يَقتضي أن تكون معهودةً، فتُعرَّف بالألف واللام  .

7- قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ خبرٌ مؤكَّدٌ بمؤكِّدين (إنَّ، واللام)؛ لينفي ما يتبادر من ظاهر حالهم إذ أنكروا استقبالَ الكعبة أنَّهم أنكروه لاعتقادهم بطلانَه، وأنَّ المسلمين يظنُّونهم معتقدين ذلك، وليظهر موقعُ قوله: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ الذي هو تهديدٌ بالوعيد  .

8- قوله: وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ خبرٌ متضمِّنٌ الوعيد، وفيه التِفاتٌ من الغيبة في قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ إلى الخِطاب في قوله: تَعملون؛ ووجهه: أنَّ في خِطابهم بأنَّ الله لا يغفل عن أعمالهم تحريكًا لهم بأنْ يعملوا بما علِموا من الحقِّ؛ لأنَّ المواجهة بالشيءِ تقتضي شدَّةَ الإنكار، وعِظَمَ الشَّيءِ الذَّي يُنْكَر  .

9- في قوله: وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ

أَفرد القِبلة في قوله: قِبْلَتَهُمْ، وإن كانت مثنَّاة؛ إذ لليهود قبلة، وللنَّصارى قبلة مغايرة لتلك القِبلة؛ لأنَّ كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحقِّ، فكانتَا بحُكم الاتَّحاد في البُطلان قبلةً واحدة  ، وحسَّن ذلك المقابلةُ في اللفظ؛ لأنَّ قبْلَه ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  .

وفي هذه الجملة مبالغةٌ في النَّفي بعِدَّة مؤكِّدات، وهي: اسميَّة الجُملة، وتكرُّر الاسم فيها مرَّتين، وتأكيد النفي بالباء في قوله: بتابع  .

10- قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ

فيه: لُطفٌ للسامعين، وزيادةُ تحذير، واستفظاعٌ لحال مَن يترك الدَّليل بعد إنارته ويتَّبع الهوى، وتهييجٌ وإلهابٌ للثَّباتِ على الحقِّ؛ إذ قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله: وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ كلامٌ وارد على سبيل الفَرْض والتقدير  .

وقيل: إنَّ ظاهر الخِطاب وإنْ كان مع الرسول إلا أنَّ المراد منه غيرُه، بغرضه ألَّا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحدٌ من الأمَّة، وإنما جاء الخطاب له على سبيل التعظيم لذلك الأمر، والتفخيم لشأنه، حتى يحصُل التباعد منه  .

وقيل: تعليق وقوع الشيء على شرط لا يقتضي إمكان ذلك الشرط، ويفهم من ذلك الاستحالة؛ لأنَّ المعلَّق على المستحيل مستحيلٌ. والمعنى: لا تُعَدُّ ظالمًا، ولا تكونه؛ لأنك لا تتَّبع أهواءهم  .

وفيه: تأكيدُ التهديد، والمبالغة في هذا التحذير أيضًا، باشتمال مجموع الشَّرط والجزاء على عِدَّة مؤكِّدات، وهي: القَسَم المدلول عليه باللام، واللام الموطِّئة للقَسَم؛ لأنَّها تزيد القسم تأكيدًا، وحرف التوكيد في جملة الجزاء (إنَّ)، ولام الابتداء في خبرها، واسميَّة الجملة، وتركيبه من جُملةٍ فِعليَّة وجُملةٍ اسميَّة، وجَعْل حرف الشَّرْط الحرفَ الدالَّ على الشَّك، وهو (إِنْ)، والإتيان بـ(إذن) الدالَّة على الجزائية؛ فإنَّها أكَّدْت ربْط الجزاء بالشرط، والإجمال ثم التفصيل في قوله: مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ؛ فإنَّه يدلُّ على الاهتمامِ، وجعْل ما نزل عليه هو نفْسُ العلم.

والتعريف في الظَّالِمِين للدَّلالة على أنَّ هذا الوصف لهم سجيَّة ثابتة، وصيغة الجمع في الظَّالِمِينَ، ولم يقل: إنَّك ظالم؛ لأنَّ في الاندراج معهم إيهامًا بحصول أنواع الظلم، والتقييد بمجيء العلم؛ تعظيمًا للحق المعلوم، وتحريصًا على اقتفائه، وتحذيرًا عن متابعة الهوى، واستفظاعًا لصدور الذَّنب عن الأنبياء  .

11- قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ فيه إضمارُ ما لم يَسبق له ذِكر (الرَّسول)  ؛ لأنَّ الكلام يدلُّ عليه ولا يلتبس على السَّامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيمٌ وإشعارٌ بأنَّه لشُهرته وكونِه عَلَمًا معلومًا بغير إعلام  .

أو هو مِن من باب الالتِفات؛ لأنَّه قال تعالى: قدْ نرى تقلُّب وجهك... فَلَنُولِّينَّك... فولِّ وجْهَكَ، ثم قال: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ...، فهذه كلُّها ضمائرُ خِطاب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم التفَت عن ضمير الخِطاب إلى ضمير الغَيبة، وحِكمته والله أعلم: أنَّه سبحانه لَمَّا فرغ من الإقبال عليه بالخطاب، أقبل على الناس فقال: الذين آتيناهم الكتاب واخترناهم لتحمُّل العلم والوحي، يَعرِفون هذا الذي خاطبناه في الآي السَّابقة وأمرناه ونهيناه، لا يَشكُّون في معرفته...إلخ  .

12- قوله: كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ظاهر لفظ (الأبناء) الاختصاص بالذُّكور؛ فيكونُ ذَكَرهم هنا؛ لأنَّهم أشهرُ وأعرف، وهم لصُحبة الآباء- مباشرةً ومعاشرةً- ألزم، وبقلوبهم ألْصق، ويحتمل أن يُراد بالأبناء: الأولاد (الذُّكور والإناث)، فيكون ذِكرُهم هنا مَن باب التَّغليب  .

13- قوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فيه مبالغةٌ وتأكيدٌ بالنَّهي عن كونه منهم؛ لأنَّه أبلغ من النهي عن نفْس الفِعل. لأنَّ (لا تمترِ) نهيٌ عن الالتباس بالامتراء. وقوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ نهيٌ عن الكون بهذه الصِّفة، والنَّهيُ عن الكون على صِفةٍ، أبلغُ من النَّهي عن تِلك الصِّفة  .

14- قوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ:وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ وَ: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ...

فيه تَكريرٌ؛ لتأكيد أمْر القِبلة وتشديده؛ وفائدته: أنَّ النَّسخَ من مظانِّ الفِتنة والشبهة وتسويل الشَّيطان، والحاجة إلى التَّفصِلة بينه وبين البَداء  ، فكرَّر عليهم؛ ليثبتوا ويعزموا ويجدُّوا، ولأنَّه نِيط بكلِّ واحد ما لم يُنَطْ بالآخر فاختلفت فوائدها. وأيضًا لَمَّا عظُم في شأن القبلة انتشارُ أقوال السفهاء وتنوُّع شَغَبِهم وجدالهم، كان الحال مقتضيًا لمزيدِ تأكيدٍ لأمرها؛ تعظيمًا لشأنها، وتوهيةً لشبههم، فحصل من تكرير معظم الكلمات تأكيدٌ للحُكم؛ ليترتَّب عليه قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ. وأيضًا كرَّر هذا الحكم؛ لتعدُّد عِلله، فإنَّه تعالى ذكر للتحويل ثلاث عِلل: تعظيم الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم بابتغاء مرضاته، وجرْي العادة الإِلهية على أن يولي أهلَ كلِّ مِلَّة وصاحب دعوة وجهةً يستقبلها ويتميز بها، ودفْع حُجج المخالفين، وقرَن بكلِّ علة معلولها، كما يَقرن المدلول بكلِّ واحد من دلائله تقريبًا وتقريرًا، مع أنَّ القبلة لها شأن، وقيل غير ذلك في فائدة التَّكرار، كما أنَّ بعض العلماء قد ذكر في هذه الآيات مخصصاتٍ تُخرجها بذلك عن التأكيد  .


غريب الكلمات:

السُّفَهَاءُ: أي: الجُهَّال، والسَّفه: الجهل، وخِفَّة العقل، والضَّعْف والحُمق  .

وَلَّاهُمْ: صَرَفهم وحوَّلهم، وأصل الفِعل (ولي)، وإذا عُدِّي بـ(عن) اقتَضى معنى الإعراضِ والتركِ، وإذا عُدِّي بنَفْسه اقتَضَى معنى الولاية  .

وَسَطًا: عدلًا خيارًا  .

عَقِبَيْهِ: مثنَّى العقب: وهو مؤخَّر الرِّجل، وجمْعه: أَعقاب؛ يقال: انقلَب على عَقِبيه، مثل: رجع على حافرته، وارتدَّ على أدباره  .

تَقَلُّبَ: التقلُّب: تحوُّل الشَّيءِ عن جِهته  .

شَطْرَ: نحوَ، أو جِهَة  .

الْمُمْتَرِينَ: المتردِّدين، من المِرية: وهي التردُّد في الأمْر، وهو أخصُّ من الشك  .

مُوَلِّيهَا: مستقبِلُها  .

فلا تَخْشَوْهُمْ: أي: فلا تخافوهم، والخَشْية: أكثر ما تكونُ عن عِلمٍ بما يُخشَى منه، وقيل: هي خوفٌ يشوبُه تعظيم  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (151-157)

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151)

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(152)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153)

وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ(154)

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155)

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)

أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(157)

غريب الكلمات:

يُزَكِّيكُمْ: يطهِّركم، وأصل الزَّكاة: النَّماء والزِّيادة مع التَّطهيرِ  .

الْحِكْمَةَ: إصابة الحقِّ بالعلم والعقل، وأصل (حَكَم): المنْع، وأوَّل ذلك الحَكْم، وهو المنع من الظُّلم. والإحكام هو الفصل والتمييز، والفرق والتحديد الذي به يتحقَّق الشيء ويحصُل إتقانه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنْع كما دخَل في الحدِّ، فالمنع جزءُ معناه لا جميع معناه. والحِكمة اسمٌ للعَقل، وإنَّما سُمِّي حِكمة؛ لأنَّه يمنع صاحبه من الجَهل، وقيل: المقصود بها هنا: السُّنة  .

وَاشْكُرُوا لي: الشُّكر: ظهورُ أثَر نِعمة الله على لسانِ عبده: ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه: شهودًا ومحبَّةً، وعلى جوارحِه: انقيادًا وطاعةً، وأصلُه: الثناءُ على صانعِ المعروف، وهو ضدُّ الكُفر  .

وَلَا تَكْفُرُونِ: الكُفْر: السِّتر والتَّغطية، وهو ضدُّ الشُّكر، وكُفر النِّعمة: ستْرُها بترك أداء شُكرها، ونسيانُها  .

صَلواتٌ: أي: ثناء، وأصل الصَّلَاة: الدُّعاء  .


مشكل الإعراب:

قوله: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ:

أَمْوَاتٌ: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: لا تقولوا: هم أمواتٌ.

بَلْ: حرف إضراب، وعطف.

أَحْيَاءٌ: أيضًا خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: بل هم أحياءٌ، وقد راعى لفظَ (مَنْ)- وهو الإفراد- مرةً فأفردَ في قولِه: يُقْتَلُ، وراعى معناها مرةً أخرى- وهو العموم- فجمَع في قولِه: أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ. وجملةُ (هم أموات) في محلِّ نصب بالقول وَلَا تَقُولُوا؛ لأنَّها محكيَّة به، وجملة (بل هم أحياء) تحتمل أن تكون ابتدائيَّةً فلا يكون لها محلٌّ من الإعراب، وتحتمل: أن يكون محلها النَّصب بقولٍ محذوف أي: (بل قولوا هم أحياء)، ولا يجوز أن تنتصبَ بالقول الأوَّل وَلَا تَقُولُوا؛ لفساد المعنى  .


المعنى الإجمالي :

حين أَخبَر تعالى أنَّ مِن أسباب تحويل القِبلة من بيت المقدِس إلى الكعبة إتمامَ نِعمته ببيان شرائع ملَّة إبراهيم عليه السَّلام، أخبر تعالى أيضًا أنَّ تلك النِّعمة هي مِثل إنعامه من قبلُ بإرسال محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى العَربِ وهو منهم، يَعرِفون نَسبَهُ وأخلاقَهُ الفاضلة، فجاء إليهم ليقرأ عليهم القرآن، ويُطهِّرهم من أدران الشِّرك، وقذَر المعاصي، وسوء الأخلاق، ويوضِّح لهم معانيَ القرآن، ويَنشُر فيهم سُنَّته، ويُعلِّمهم أمورًا لم يكونوا يعلمونها من قبل، من الأخبار الماضية، أو الآتية، وكل ما لا تستقل بمعرفته العقول حيث لا سبيل إلى معرفته إلا من خلال الوحي، وأمر اللهُ عبادَه أنْ يذكروه عزَّ وجلَّ قولًا وعملًا، وسيكونُ جزاءُ ذلك أنْ يَذكُرهم سبحانه، وما أعظمَه من جزاء! كما أمرَهم جلَّ وعلا بشُكره على نِعمه، وعدم جُحودها.

ثم أمَر اللهُ عبادَهُ المؤمنين بالاستعانةِ في جميع أمورهم الدينيَّة والدنيويَّة بالصبر، وهو حبس النَّفْس وكفُّها عمَّا تكره، وأن يَستعينوا بالصَّلاة، مخبرًا سبحانه أنَّه مع الصَّابرين؛ معيَّةً خاصَّةً تَقتضي القُربَ منهم، ومحبَّتهم، ونَصْرهم وإعانتهم.

ونَهى سبحانه وتعالى عن القول الذي يُصاحبه اعتقادٌ بموتِ مَن يُقتلُ في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ، وأخبر أنَّهم أحياءٌ عند الله تعالى، يتمتَّعون فيها بنعيم الجنَّة، وإنْ كان النَّاسُ لا يَشعُرون بهذا الأمر.

ثمَّ أخبَر الله تعالى عبادَهُ المؤمنين أنَّه سيبتليهم بقليل من الخوف، والجوع، وذَهابِ بعضٍ من أموالهم، وموتِ بعضٍ منهم، وحُصولِ نقصٍ من ثمراتهم، وأمَر الله تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، أن يبشر الصَّابرين على الابتلاء، الذين يقولون عن يقينٍ جازمٍ عندما تُصيبهم المصيبة: إنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أي: إنَّهم مملكون للهِ، خاضِعون له، وسيَنتقلون إليه بعد موتهم، ومَصيرُهم بين يديه يومَ القيامة؛ ليجازيَ كلَّ شخصٍ بما عمِل، فأولئك الصَّابرون لهم من اللهِ عزَّ وجلَّ الثناءُ والتنويه بشأنهم، وتتنزَّل عليهم من ربِّهم سُبحانه الرَّحماتُ، وهؤلاء هم الذين أَرشدهم الله عزَّ وجلَّ للحقِّ، ووفَّقهم للعمل به.


تفسير الآيات:

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151).

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ.

أي: بيَّنَّا لكم شرائعَ ملَّة إبراهيم الحَنيفيَّة، فأمرْناكم باستقبال الكَعبة؛ نِعمةً من الله تعالى عليكم، مِثل ما أنعم عليكم أيضًا أوَّلَ مرَّة، بإرسال محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ منكم- أيُّها العربُ-؛ إذ يتحدَّث بلِسانكم، وتَعرِفون نَسبَه وخُلُقه؛ وذلك إجابةً لدعوة إبراهيمَ عليه السَّلام  .

وكان إبراهيم عليه السلام قد دعا ربَّهُ قائلًا: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: 129] .

يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.

أي: هذا الرَّسول الذي أنعمْنا عليكم بإرساله فيكم، أتَى ليقرأ عليكم القُرآن، ويُطهِّركم من دَنَس الشِّرك والكُفران، ورَذائل الأخلاق والعِصيان، ويبيِّن لكم السُّنَّة ومعاني كلامِ الرَّحمن  .

وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

أي: ويُنبِّئكم بأخبار مَن سلَف، وأخبار ما يأتي من الغُيوب  .

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152).

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ.

أي: عليكم بذِكري في مقابل تلك النعم التي تقدَّم ذكرها. وهذا الذِّكر المأمور به عامٌّ يَشمل ذِكر الله قولًا باللِّسان، وعملًا بالقلب وبالجوارح، ورتَّب الله عزَّ وجلَّ على هذا الذِّكر جزاءً عظيمًا، وهو أن يَذكُر هو سبحانَه مَن ذكَره  .

فعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((يقول اللهُ تعالَى: أنا عندَ ظنِّ عَبْدي بي، وأنا معه إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نفسِه ذَكرتُه في نفْسي، وإنْ ذَكَرَنِي في ملأٍ ذَكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم  ))  .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((وما اجتَمعَ قومٌ في بيتِ مِن بيوتِ اللهِ، يتْلون كتابَ اللهِ، ويَتدارسونه بينهم، إلَّا نَزلتْ عليهم السَّكينةُ، وغَشِيتْهم الرحمةُ، وحفَّتْهم الملائكةُ، وذَكرَهم اللهُ فيمَن عِنده  ))  .

وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ.

أي: اشكُروني على ما مَنحتُكم من نِعمٍ باللِّسانِ وبالقلب والجوارح، ولا تجحدوا إحساني إليكم. ومن أعظمِ ذلك: نِعمةُ الإسلام، وإرسالُ محمَّدٍ عليه الصَّلاة والسلام، والهدايةُ إلى الشَّرائع الصَّحيحة، ومنها استقبالُ الكعبة الشريفة  .

كما قال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7] .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا فرَغ تعالى من بيان الأمر بالشُّكر، شَرَعَ في بيان الصَّبر، والإرشادِ إلى الاستعانة بالصَّبر والصَّلاة؛ فإنَّ العبدَ إمَّا أن يكونَ في نِعمةٍ فيَشكرَ عليها، وإمَّا في نِقمةٍ فيَصبرَ عليها فقال تعالى  :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ.

أي: يا مَعشرَ المؤمنين، عليكم بالْتزامِ الصَّبر وأداءِ الصَّلاة؛ فهُما عونٌ لكم على عظيمِ الأعمال. وذلك مِثل تحمُّل الطاعات كالقِتال في سبيل الله، وترْك المحظورات، وعلى ما يُصيب العبدَ من مصيبات  .

إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ.

أي: إنَّه سبحانه وتعالى مع الصَّابرين معيَّةً خاصَّةً تَقتضي قُربَه منهم، ومحبَّتَه لهم، ونصْرهم وتأييدَهم، وإعانتهم  .

وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154).

وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ.

أي: ولا تقولوا: إنَّ مَن قُتل في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فهو ميِّت  .

كما قال تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 169 - 171] .

بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ.

أي: ليس الأمرُ كما ظننتم، فالحقُّ أنَّ الشُّهداءَ من بعد مقتلهم، وحتى قِيامِ السَّاعة، أحياءٌ عند الله تعالى، حياةً برزخيَّةً يتمتَّعون فيها في الجَنَّة، ويُصاحبهم الفرحُ العظيم بما أعطاهم الله تعالى من فضْله، ولكن لا يَشعُر النَّاسُ بهذا الأمر في الدُّنيا؛ فليس لديهم أيُّ إدراكٍ لرؤية ذلك، أو الشُّعور به  .

عن مَسروق بن الأَجدع، قال: ((سألْنا عبدَ اللهِ (هو ابنُ مسعودٍ) عن هذه الآيةِ: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ قال: أمَا إنَّا سألْنا عن ذلك، فقال: أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضرٍ، لها قناديلُ مُعلَّقةٌ بالعرشِ، تَسرحُ من الجنةِ حيث شاءت، ثمَّ تأوي إلى تِلك القَناديلِ، فاطَّلع إليهم ربُّهم اطَّلاعةً، فقال: هل تَشتهون شيئًا؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نَشتهي، ونحن نسرحُ من الجنةِ حيثُ شِئْنا؟! ففَعَل ذلك بهم ثلاثَ مراتٍ، فلمَّا رأَوا أنَّهم لن يُترَكوا من أن يَسألوا، قالوا: يا ربِّ، نُريد أن تردَّ أرواحَنا في أجسادِنا حتى نُقتَلَ في سبيلِك مرةً أخرى، فلمَّا رأى أنْ ليس لهم حاجةٌ تُرِكوا  ))  .

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155).

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ.

أي: ولَنَختبرنَّكم بشَيءٍ يَسيرٍ يقَع في قلوبِكم من الخوف، وفي أَجسادِكم من الجُوع، ولَنَبتلينَّكم بذَهاب بعض أموالِكم، وموتِ بعضِكم، كأبنائِكم وأَهلِيكم وأقارِبكم، وحُصولِ النَّقْص في ثِمارِكم  .

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.

أي: أخبِر الصَّابرين يا محمَّد، خبرًا يَسرُّهم لم يسبقْ أنْ أخبَرهم به أحدٌ من قبلُ  .

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156).

بيَّن سبحانه هنا مَن الصَّابرون الذين أمَر نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ ببِشارتهم، فأخبَر أنَّهم الذين يقولون- عن اعتقاد ويقين -: إنَّهم عبيدٌ مملوكون لله الذي له مُطلَق التصرُّف فيهم بحِكمته ورحمته، وإنَّهم منتقِلون من هذه الدُّنيا الفانية وممَّا فيها من مصائب، وصائِرون إليه وحْدَه يومَ المعاد، فيُجازي كلَّ عاملٍ بعمله  .

عن أمِّ سَلمةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((ما من مُسلمٍ تُصيبُه مُصيبةٌ فيقولُ ما أمره اللهُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعون! اللَّهمَّ أْجُرْني في مُصيبتي وأَخْلِفْ لي خيرًا منها- إلَّا أخلف اللهُ له خيرًا منها. قالت: فلمَّا مات أبو سَلمةَ قلتُ: أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمةَ؟! أوَّلُ بيتٍ هاجر إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! ثمَّ إنِّي قلتُها، فأخلف اللهُ لي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قالت: أرسل إليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَاطبَ بنَ أبي بَلْتَعةَ يَخطُبُني له، فقلتُ: إنَّ لي بنتًا وأنا غيورٌ، فقال: أمَّا ابنتُها فنَدعو اللهَ أن يُغنيَها عنها، وأَدْعو اللهَ أن يَذْهَبَ بالغيْرةِ  ))  .

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157).

أي: إنَّ هؤلاءِ الصَّابرين المبشَّرين الذين يقولون: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لهم من الله تعالى ثناءٌ عليهم وتنويهٌ بشأنهم، وتتنزَّل عليهم منه سبحانه الرَّحمات، وهؤلاء هم الذين أرْشدَهم الله تعالى للحقِّ، ووفَّقهم للعمل به  .


الفوائد التربويَّة :

1- وجوبُ الشُّكر؛ لقوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِي؛ و(الشُّكر) يكون بالقلب، وباللِّسان، وبالجوارح؛ ولا يكون إلَّا في مقابلة نِعمة  .

2- تحريم كفر النعمة؛ لقوله تعالى: وَلَا تَكْفُرُونِ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمة، فإنه يحبُّ أن يرى أثر نعمته عليه  .

3- قرَن الله تعالى بين الصَّبر والصَّلاة في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ؛ لأنهما عونانِ على مصالحِ الدنيا والآخِرة، وذَكَر الصبر ثُم الصلاة؛ لأنَّها تُعين على الصَّبر  .

4- أنَّ في جزاء الصَّبر المذكور تنشيطًا على الأعمال، والثَّبات عليها؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ؛ فإذا آمَن الإنسانُ بأنَّ الله معه، ازداد نشاطًا، وثباتًا  .

5- التَّنبيه على الإخلاص في القِتال؛ لقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللهِ  .

6- أنَّ ثوابَ الله سبحانه وتعالى للعامل أجَلُّ وأعلى؛ وذلك لأنَّ الشهيدَ عرَّض نفْسه للموت ابتغاءَ ثواب الله، فأثابَه الله تعالى بأنْ جعَله حيًّا بعد موته حياةً برزخيَّةً أكملَ من حياة الدنيا؛ لقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: 169]   .

7- اشتملتِ الآيتان من قوله: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ.... إلى وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ على توطين النُّفوس على المصائب قَبل وقوعها؛ لتخفَّ وتسهُل إذا وقعَتْ، وبيان ما تُقابَل به، وهو الصَّبر، وبيان ما يُعين على الصَّبر، وما للصَّابر من الأجْر  .

8- في قوله تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ... وأُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ: أنَّ للعبد من الصلوات والرحمة بقَدْر ما له من تحقيق الصَّبر، وهكذا كلُّ وصْف رُتِّب عليه خيرٌ وأجرٌ وثواب، وكلُّ وصفٍ نَهى الله عنه ورتَّب عليه وعلى الاتِّصافِ به عُقوبةً وشرًّا ونقصًا؛ لأنَّ الحُكم المعلَّق على وصْف يَزيد بزيادته، ويَنقُص بنُقصانه  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ كون الرَّسول صلى الله عليه وسلم مِنَّا يَقتضي أنْ تكون قريش أوَّل مَن يُصدِّق به؛ لأنَّهم يعرفونه، ويَعرِفون نَسبَه، ويَعرِفون أمانته؛ ولهذا وبَّخهم الله تعالى على الكُفر به، ووصْفِه بالضَّلال، والجُنون، فقال جلَّ وعلا: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم: 2] ، وقال جلَّ وعلا: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22]   .

2- أنَّ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ علَّم الأمَّة لفظَ القرآن، ومعناه؛ لقوله تعالى: وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ؛ ولهذا كان الصَّحابةُ رضي الله عنهم إذا استشكلوا شيئًا من المعنى، سألوه، فعَلَّمهم، ولكن الغالب أنَّهم لا يَستشكلون؛ لأنَّه نزَل بلُغتهم، وفي عصرهم، يَعرِفون معناه، ومَغزاه، وأسبابه  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا فيه تنكيرُ (الرسول) للتعظيم؛ ولتجري عليه الصِّفات التي كلُّ واحدةٍ منها نِعمةٌ خاصَّة  .

2- قوله: يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فيه تكرار الفعل (يعلم)؛ ليدلَّ على أنه جِنسٌ آخَر  .

- وقدّم هنا وَيُزَكِّيكُمْ على وَيُعَلِّمُكُمُ عكس ما في الآية السابقة في حِكاية قول إبراهيم عليه السَّلام: وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة: 129] ؛ لأنَّ المقام هنا للامتنان على المسلمين؛ فقُدِّم فيها ما يُفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم، وهي منفعة تزكية نفوسهم؛ اهتمامًا بها، وبعثًا لها بالحِرص على تحصيل وسائلها، وتعجيلًا للبشارة بها، فأما في دعوة إبراهيم فقد رُتِّبت الجمل على حسب ترتيب حصولِ ما تضمَّنتْه في الخارج، مع ما في ذلك التخالف من التفنُّن  .

3- قوله: وَلَا تَكْفُرُونِ فيه إيجازٌ بالحذْف؛ لأنَّه من كُفر النِّعمة، أي: ولا تكفروا نعمتي، ولو كان من الكفر الذي هو ضدُّ الإيمان، لكان: ولا تكفروا، أو ولا تكفروا بي، والنون نون الوِقاية، حُذفت ياء المتكلم بعدَها تخفيفًا؛ لتناسُب الفواصل  .

4- قوله: إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ تذييلٌ في معنى التعليل، أي: اصبروا؛ ليكون الله معكم؛ لأنَّه مع الصابرين  .

5- قوله: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ فيه إيجاز بالحذف؛ حيث حذف المبتدأ (هم)؛ لأهميَّة ذِكر الخبر؛ لأنَّهم ما كانوا يتصوَّرون أنَّهم أحياء  .

6- قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ

- فيه: تقديمُ الوعدِ بالبَلاء قبل كَونِه؛ وإنما أَخبرَ به قبل الوقوعِ ليُوطِّنوا عليه نفوسَهم، ويزدادَ يقينُهم عند مشاهدتِهم له حسبما أَخبرَ به  .

- وجيء بكلمة شَيْءٍ مفردة، ولم يقل: (بأشياء)؛ لبيان أنَّ كلَّ بلاءٍ أصاب الإنسان- وإنْ جلَّ- ففوقه ما يقلُّ إليه، وليخفِّف عليهم، ويُريَهم أنَّ رحمته معهم في كلِّ حال لا تزايلهم، وليعلموا أنَّه شيءٌ يسير، له عاقبةٌ حميدةٌ. ولئلَّا يوهِم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيءٍ مِن كذا، وشيء من كذا. أو قلَّله بالنِّسبة إلى ما يُصيب به معانديهم في الآخِرة  .

7- قوله: قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فيه التوكيد بـ(إنَّ)؛ لأنَّ المقام مقام اهتمام، ولأنه يُنزَّل المصاب فيه منزلةَ المنكر؛ لكونه مِلكًا لله تعالى وعبدًا له؛ إذ تُنسيه المصيبة ذلك، ويَحُول هولُها بينه وبين رُشده، واللام في لله للمِلك  .

8- قول الله سبحانه: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

- قوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ... الإشارة بـ(أولئك) الذي فيه معنى البعد؛ للإيذان بعلوِّ رُتبتِهم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ الحكم الذي يرد بعد اسم الإشارة مترتِّبٌ على تلك الأوصاف، وهذا بيانٌ لجزاء صبرهم  .

- قوله: صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ: جاءت صَلَواتٌ بصيغة الجمع؛ تنبيهًا على كثرتها منه، وأنَّها حاصلةٌ في الدنيا توفيقًا وإرشادًا، وفي الآخرة ثوابًا ومغفرة، وإضافة اسم الرب إلى ضَميرهم رَبِّهم؛ لإظهارِ مزيدِ العناية بهم، وأنَّ عليهم رحمةً واسعة فائضةً من مالك أمورِهم، ومبلِّغِهم إلى كمالاتهم اللائقةِ بهم  .

- قوله تعالى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ: فيه تَكرار اسم الإشارة أُولَئِكَ؛ لإظهارِ كمالِ العناية بهم  .

- وأيضًا في قوله تعالى: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ: تأكيدٌ بقوله: هُمُ وبالألف واللام، كأنَّ الهداية انحصرت فيهم، وباسم الفاعل؛ ليدلَّ على الثبوت؛ لأنَّ الهداية ليستْ من الأفعال المتجدِّدة وقتًا بعد وقت، فيخبر عنها بالفعل، بل هي وصفٌ ثابت  .

- والجُملتان الثابتتان في قوله تعالى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ تدلَّان على الاعتناء بأمر المخبَر عنه، وبُدئ بالجملة الأولى أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ؛ لأنَّها أهمُّ في حصول الثواب المترتِّب على الوصف الذي قبله، وأُخِّرت جملة وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ؛ لأنَّها تنزَّلت ممَّا قبلها منزلةَ العِلَّة؛ لأنَّ ذلك القول المترتِّب عليه ذلك الجزاء الجزيل لا يصدُر إلَّا عمَّن سبقت هدايته  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (158-163)

۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ(158)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(159)

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(160)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(161)

خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ(162)

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ(163)

غريب الكلمات:

شَعَائِرِ: جمْع شَعيرَة، وهي مَا جعَله الله تعالى عَلَمًا لطاعتِه  .

لا جُناحَ: لَا بَأْس، والجُناحَ: الإثم، وأصل الجنوح: المَيل والعدوان  .

تَطَوَّعَ: فَعَل خيرًا غيرَ واجب عليه  .

يُنْظَرُونَ: يُنتَظرون، ويُؤخَّرون  .


المعنى الإجمالي:

أخبَر الله تعالى أنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة من معالِم دِينه الظاهِرة، التي شُرِعت في الحجِّ، فمَن قصَدَ البيتَ ناويًا أداء النُّسك من حجٍّ أو عُمرةٍ، فلا يَتحرجنَّ من الطَّواف بينهما؛ لأجْل أنَّهم في الجاهليَّة يَعبُدون الأصنام عِندهما.

وتَرغيبًا في فِعل الطاعة والاستزادة منها أخْبَر تعالى أنَّ مَن يأتي بالطاعات، سواء ما كان منها مَفروضًا أو مستحبًّا، ويَزداد منها؛ فإنَّ الله مُجازيه على عمَله خيرَ الجزاء، فهو سبحانه شاكرٌ لا يُضيع أجْرَ مَن أحسن عملًا، عليمٌ لا يَخفَى عليه ذاك الإحسانُ.

ثم ذكَر الله- في معرِض الذمِّ- عُلماءَ اليهود والنَّصارى الذين يُخفون عن النَّاس ما في التوراة والإنجيل من الأدلَّة الواضحة، التي تُثبِت نبوَّةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وتبيِّن وصْفَه، وهذا الذمُّ يعمُّ كلَّ مَن فعَل فِعلهم فأخْفى الحقَّ الذي أنزله الله في القرآن الكريم من بعدِ أن بيَّنه سبحانه، هؤلاء جميعًا جزاؤهم الطردُ من رحمة الله تعالى، وأنْ تُلاحِقَهم اللَّعَناتُ من الملائكة والمؤمنين- وقيل: من جميع الخَلق- إلَّا مَن تراجع عن هذا الكِتمان للحق البيِّن، وعاد إلى ربِّه تائبًا مقرًّا بذنبه، وبيَّنَ ما كان أخْفاه من الحقِّ عن النَّاس- فأولئك يتوبُ الله عليهم كما أخبر، فهو سبحانه المتقبِّل لتوبة عِباده، بعد أن يُوفِّقهم لها، رحيمٌ بهم سبحانه وتعالى.

ثم أخبَر جلَّ وعلا أنَّ الذين جَحدوا دِين الله تعالى، فلم يَقبلوا به، ولم يَنقادوا إليه، ولم يتوبوا في حَياتهم، بل استمرُّوا على الكُفر حتى ماتوا عليه- أخْبَر أنَّ أولئك سيطردهم اللهُ تعالى من رحمته طردًا دائمًا، وتُلاحقَهم اللَّعنة من الله والملائكة وجميعِ النَّاس، وسَيُخلَّدون في تلك اللَّعنة والتي ستُصاحبهم في دُنياهم وحتى يوم القِيامة؛ لتظلَّ معهم وتلازمهم في جهنَّم، حيث لا يُخفَّف عنهم عذابُها، ولا هم يُمهلون فيُؤخَّر عنهم العذاب.

ثم أخْبَر تعالى أنَّ الإلهَ المستحِقَّ للعبادة واحدٌ، لا شريكَ له سبحانه، ولا معبودَ سواه، وهو الله سبحانه ذو الرَّحمات، التي أوْصَلها وعمَّ بها كلَّ البريَّات.


تفسير الآيات:

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158).

مناسبة الآية لِمَا قبلها:

قيل: لَمَّا بيَّن الله تعالى أنه إنما حوَّل القبلة إلى الكعبة، وكان في ذلك إحياءٌ لشرائع إبراهيم ودِينه، وكان السعيُ بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذُكِر في قصة بناء الكعبة، وسعي هاجر بين الجبلين- فلما كان الأمر كذلك ذكَر الله تعالى هذا الحُكم.

وقيل: لأنَّه تعالى لَمَّا قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ...، إلى قوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، قال: إنَّ الصَّفا والمروة من شعائر الله؛ وإنَّما جعلهما كذلك لأنَّهما من آثار هاجر وإسماعيل ممَّا جرى عليهما مِن البلوى  .

سبب النُّزول:

عن عُروةَ بن الزُّبَير قال: ((سألتُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، فقلتُ لها: أَرأيتِ قَوْلَ اللهِ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا؛ فواللهِ ما على أَحَدٍ جُنَاحٌ أنْ لا يطوفَ بالصَّفا والمروةِ، قالت: بَئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أختي! إنَّ هذهِ لو كانت كَمَا أَوَّلْتَهَا عليه، كانت: لا جُنَاحَ عليهِ أنْ لا يَتَطَوَّفَ بهما، ولكنَّها أُنْزِلَتْ في الأنصارِ، كانوا قبلَ أن يُسلِموا، يُهِلُّونَ لـمَناةَ الطَّاغية، التي كانوا يَعبُدونها عندَ المُشلَّلِ، فكان مَن أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يطوفَ بالصَّفا والمروةِ، فلمَّا أسلموا، سألوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن ذلكَ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا نتحرَّجُ أن نطوفَ بينَ الصَّفا والمروةِ، فأنزَلَ اللهُ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ الآية، قالت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: وقد سَنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الطَّوافَ بينهما، فليس لِأَحَدٍ أن يترُكَ الطوافَ بينهما، ثم أَخْبَرْتُ أبا بكرِ بنَ عبدِ الرَّحمنِ فقال: إنَّ هذا لَعِلْمٌ ما كنتُ سمعتُهُ، ولقد سمعتُ رِجالًا من أهلِ العِلم يَذكرونَ: أنَّ النَّاسَ- إلَّا مَن ذَكرتْ عائشةُ- ممَّن كان يُهِلُّ بمناةَ، كانوا يطوفونَ كلُّهم بالصَّفا والمروةِ، فلمَّا ذكرَ اللهُ تعالى الطَّوافَ بالبيتِ، ولم يذكُرِ الصَّفا والمروةَ في القرآنِ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كُنَّا نطوفُ بالصَّفا والمروةِ، وإنَّ اللهَ أنزَلَ الطوافَ بالبيتِ فلمْ يذكُرِ الصَّفا، فهل علينا من حَرَجٍ أن نطوفَ بالصَّفا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ الآيةُ. قال أبو بكرٍ: فأسمعُ هذهِ الآيةَ نزلتْ في الفَريقيْنِ كِلَيهما، في الَّذين كانوا يَتحرَّجونَ أن يَطوفوا بالجاهليةِ بالصَّفا والمروةِ، والذينَ يَطوفونَ ثم تَحرَّجوا أن يَطوفوا بهما في الإسلامِ؛ من أَجْلِ أنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بالطَّوافِ بالبيتِ، ولم يذكُرِ الصَّفا، حتى ذَكرَ ذلكَ بعدَما ذكرَ الطَّوافَ بالبيتِ  ))  .

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ.

أي: إنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة من معالم الدِّين الظاهِرة، التي شرَعها الله تعالى لعباده في الحجِّ  .

وفي حديث جابِرٍ الطويلِ في صِفة حَجَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، قال رضي الله عنه: ((ثمَّ خرَج من الباب إلى الصَّفا، فلمَّا دنا مِن الصَّفا قرأ: إنَّ الصَّفَا وَالمْرَوْةَ َمِنْ شَعَائِرِ اللهِ أبدأُ بما بدأَ اللهُ به، فبدأ بالصَّفا، فرقِيَ عليه  ))  .

فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا.

أي: مَن قصَد البيت الحرام لأداء مناسك الحجِّ، أو العمرة، فلا يَتحرَّجَنَّ من الطواف بين الصَّفا والمروة؛ لشُبهة أنَّه من أفعال الجاهليَّة وأنَّهم كانوا يُعظِّمونهما، ويطوفون بينهما  .

وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.

أي: مَن أتى بالطَّاعات المفروضة والمستحبَّة وازداد منها، فلْيعلمْ بأنَّ الله تعالى سيُجازيه بإحسانه؛ لأنَّ الله شاكِر لا يُضيع أجْرَ محسِن، عليمٌ لا يَخفى عنه إحسانُه  .

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159).

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ.

أي: إنَّ عُلماءَ اليهود والنَّصارى الذين أخْفَوا عن النَّاس ما في التَّوراة والإنجيل، من دَلائل إثبات مَبعث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وبيان صِفاته، الذي بيَّنه الله تعالى فيهما بوضوحٍ تامٍّ.

وهذه الآية تعمُّ كلَّ مَن كتَم عن النَّاس ما أوْضحَه الله تعالى في القرآن من البيِّنات، وهي الأدلَّةُ والبَراهين الواضِحة التي تُظهر الحقَّ وتُثبِته، والهدى- وهو العلمُ النَّافع المرشِد لطريق الحقِّ  .

أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.

أي: يطردُهم الله عزَّ وجلَّ من رحمته، ويطلُب اللاعنون من الله تعالى أن يلعنَهم، واللاعنون قيل: هم الملائكة والمؤمِنون  ، وقيل: هم جميعُ الخلائق، حتى البَهائم تلعنهم  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَن سُئِلَ عن علْمٍ علِمَهُ، ثُمَّ كتَمَه، أُلجِمَ يومَ القِيامَة بلِجامٍ من نارٍ  ))  .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((يقولون: إنَّ أبا هريرةَ يُكْثِرُ الحديثَ، واللهُ الموعدُ! ويقولون: ما لِلمُهاجرين والأنصارِ لا يُحَدِّثون مثلَ أحاديثِه؟! وإنَّ إِخوتي مِن المهاجرين كان يَشْغَلُهم الصَّفْقُ بالأسواقِ، وإنَّ إخوتي مِن الأنصارِ كان يَشْغَلُهم عملُ أموالِهم، وكنتُ امرأً مسكينًا، أَلْزَمُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على مِلءِ بطني، فأَحْضُرُ حينَ يَغِيبون، وأَعِي حين يَنْسَوْن، وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يومًا: لن يَبْسُطَ أحدٌ منكم ثوبَه، حتى أَقْضِيَ مقالتي هذه، ثم يَجْمَعَه إلى صَدرِه فيَنْسى من مقالتي شيئًا أبدًا، فبَسَطْتُ نَمِرَةً ليس عليَّ ثوبٌ غيرَها، حتى قضى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مقالتَه، ثم جَمَعْتُها إلى صدْري، فوالذي بعَثَه بالحقِّ، ما نَسِيتُ مِن مقالتِه تلك إلى يومي هذا، واللهِ لولا آيتانِ في كتابِ اللهِ، ما حدَّثْتُكم شيئًا أبدًا:  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ إلى قوله: الرَّحِيمُ))  .

وعن حِمران، قال: ((فلمَّا توضَّأ عثمانُ قال: واللهِ لَأُحَدِّثَنَّكم حديثًا، واللهِ لولا آيةٌ في كتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُموه! إني سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقولُ: لا يتوضأُ رجلٌ فيُحسِنُ وُضوءَه، ثم يُصلِّي الصَّلاةَ، إلا غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الصَّلاةِ التي تَلِيها، قال عُروةُ: الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، إلى قوله: اللَّاعِنُونَ))  .

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160).

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا.

أي: استثنى الله عزَّ وجلَّ منهم مَن رجَع عن كِتمانه، معترفًا لله تعالى بذنبه، مُصلحًا حالَ نفْسه، مبيِّنًا للنَّاس ما كتَمَه  .

فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

أي: هؤلاء الذين فعَلوا هذا الذي وصفتُ منهم، هم الذين أَقبل توبتَهم؛ فأنا التوَّاب- أي: كثير التوب- الذي يوفِّق عباده للتوبة أولًا، ويَقبلها منهم ثانيًا، فضلًا منِّي ورحمة، فبِتَوبتي أغفِر لهم المعاصي والسيِّئات، وبِرَحمتي أُيسِّر لهم الطَّاعات والخيرات  .

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161).

مناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا لعَن الله الكاتمين؛ واستثنى منهم التائبين، ذكَر المُصرِّين، معبِّرًا عن كتمانهم بالكُفر؛ لتعمَّ العبارةُ كلَّ كُفر، فقال  :

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ.

أي: إنَّ الكفار الذين ظلُّوا على كفرهم حتَّى مماتِهم، ولم يتوبوا  .

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

أي: إنَّ الله تعالى يطردُ أولئك الكفَّار من رحمته، وأمَّا الملائكة وجميع النَّاس فيَسألون الله عزَّ وجلَّ أن يُبعدَهم ويطردَهم من رحمته  .

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162).

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ.

أي: هم خالدون أبدًا في هذه اللَّعنة المستَتْبِعةِ للخلود الأَبديِّ في نار جهنَّمَ، التي لا يَنقُص فيها عذابُهم زمنًا ولا مِقدارًا؛ فهُم في عذابٍ دائمٍ وشديد  .

كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر: 36] .

وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ.

أي: لا يُمهلون فيُؤخَّر عنهم العذاب  .

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163).

أي: إنَّ معبودَكم واحدٌ، لا معبود بحقٍّ سواه، فهو المنفرِد في ذاته وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه جلَّ وعلا، وهو الذي وسعتْ رحمتُه كلَّ شيء، ومن رحمته: أنْ أَوجَد عباده، وعرَّفهم على نفْسه بآياته وآلائِه  .


الفوائد التربويَّة:

- دلَّ تقييدُ التطوُّع بالخير في قوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا على أنَّ مَن تطوَّع بالبِدع، التي لم يَشرَعْها الله ولا رسولُه، أنَّه لا يحصُل له إلَّا العناءُ، وليس في هذا التطوُّع خيرٌ له، بل قد يكون شرًّا له، إنْ كان متعمِّدًا، عالِمًا بعدم مشروعيَّة العمل  .



الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- قُبْح هذا الكِتمان الذي سلَكه المذكورون في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ؛ لأنَّه كتمانٌ بعدَ بيان؛ فليس لهم أن يقولوا: (لم نتكلَّم؛ لأنَّ الأمر مشتبهٌ علينا)؛ فالإنسان الذي لا يَتكلَّم بالشيء لاشتباه الأمْر عليه قد يُعذر، لكن الذي لا يَتكلَّم مع أنَّ الله بيَّنه للناس يكون هذا أعظمَ قُبحًا-والعياذ بالله  .

2- في قوله تعالى: عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 161] ، جاء ذِكرُ لعنة الملائكة والنَّاس- مع أنَّ لعنة الله وحده كافيةٌ في خزيهم ونكالهم- قد يكون لبيان أنَّ جميع مَن يعلم حالهم من العوالِم العلويَّة والسُّفليَّة يراهم محلًّا للعنة الله ومقْته، فلا يُرجى أن يَرأف بهم رائِف، ولا أن يَشفَع لهم شافِع  .

3- أنَّ الكافر يلعنه الكافِر؛ لقوله تعالى: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ وقد أخبَر الله تعالى عن أهل النَّار أنَّه كلَّما دخلتْ أُمَّة لعَنتْ أُختها، وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ [البقرة: 166]  إلخ؛ فالكافِر- والعياذ بالله- ملعونٌ حتَّى ممَّن شاركه في كُفره  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فيه تأكيدُ الجملة بـ(إنَّ)؛ لأنَّ المخاطبَين متردِّدون في كونهما من شعائر الله، وهم أميلُ إلى اعتقاد أنَّ السَّعي بينهما من أحوال الجاهليَّة  .

2- قوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

- تذييلٌ لِمَا أفادته الآية من الحثِّ على السَّعي بين الصفا والمروة، ومقصده: الإتيان بحُكمٍ كلِّيٍّ في أفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل، أو نوافل فقط، فليس المقصود من خَيرًا خصوص السعي؛ لأنَّ خيرًا نكرة في سياق الشَّرط، فهي عامَّة؛ ولهذا عُطِفت الجملة بالواو دون الفاء؛ لئلَّا يكون الخيرُ قاصرًا على الطوافِ بين الصفا والمروة  .

- وخُتمت الآية بصِفتين مناسبتَينِ، ووقعتَا الموقع الحَسَن؛ لأنَّ التطوُّع بالخير يتضمَّن الفعل والقصد، فناسَب ذكر الشُّكر باعتبار الفعل، وذِكر العِلم باعتبار القَصد  .

3- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ فيه التعبير بالفعل المضارع في يَكْتُمُونَ؛ للدَّلالة على أنَّهم في الحال كاتمون للبيِّنات والهدى، ولو وقَع بلفظ الماضي لتوهَّم السامعُ أن المعنيَّ به قومٌ مضَوْا، مع أنَّ المقصود إقامة الحُجَّة على الحاضرين  .

4- في قوله: أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ

- اختير اسم الإشارة للبعيد (أُولَئِكَ)؛ ليكون أبعثَ للسامع على التأمُّل فيهم، والالتفات إليهم، أو تحقيرًا لهم؛ لبُعدهم عن رحمة الله تعالى  .

- وإبراز الخبر في صورة جملتين مع تكرير الفِعل يَلْعَنُهُم؛ للتوكيد والتعظيم، وأتى بالفِعل المضارع يَلْعَنُهُم المقتضي للتجدُّد؛ لتجدُّد مقتضيه، وهو قوله تعالى: يَكْتُمُونَ  .

- وفي قوله تعالى: يَلْعَنُهُمُ اللهُ التفات، وكان السِّياق يَقتضي بأن يقول: (نلعنهم)، ولكنَّه التفت إلى الغائب؛ للدَّلالة على إظهار السخط عليهم، وليكون الكلام أوغلَ في إنزال اللَّعْن عليهم، وإلحاق الطَّرد بهم، وإبراز اسم الجلالة بلفظ الله فيه مِن الفخامة ما لا يكون في الضَّمير  .

5- في قوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ قُرِنَتِ الجملة فَأُولَئِكَ... بالفاء- التي تكون للتعقيب مع السُّرعة-؛ للدلالة على شيءٍ زائد على مفادِ الاستثناء، وهو أنَّ توبتهم يَعقبُها رِضَا الله عنهم  .

6- قوله: وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

- اعتراضٌ تذييليٌّ محقِّقٌ لمضمون ما قبْله  .

- وفيه التفاتٌ من الغَيْبة إلى التَّكلُّم؛ وفي هذا الالتفات تلويحٌ ورمزٌ إلى اختلاف المبدأ في فِعْليهِ تعالى السَّابقِ واللَّاحِقِ  .

- وجيء بالجُملة الاسميَّة؛ لدَّلالتها على الثَّبات والاستقرار؛ ليكونوا غيرَ آيِسِين من التوبة، بخِلاف قوله: يَلْعَنُهُمُ اللهُ، فالمقصود التجدُّد  .

7- قوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فيه ترتيبٌ بديع؛ حيث بدأ تعالى بنفسه، وناهيك بذلك طردًا وإبعادًا؛ ولأنَّ لعنةَ الله هي التي تجرُّ لعنة الملائكة والناس. ثم ثنَّى بالملائكة؛ لِمَا في النفوس من عِظم شأنهم، وعلوِّ منزلتهم وطهارتهم. ثم ثلَّث بالناس؛ لأنَّهم من جِنسهم، فهو شاقٌّ عليهم  .

8- قوله: خَالِدِينَ فِيهَا فيه إضمار النار قَبل الذِّكر؛ تفخيمًا لشأنها وتهويلًا، أو اكتفاء بدَلالة اللَّعن عليه  .

9- قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ فيه توكيد لمعنى الوحدانية، ونفْي الإلهيَّة عن غيره. بنفي كلِّ فردٍ من الآلهة، ثم حصْر ذلك المعنى فيه تبارك وتعالى، فدلَّ قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ على نِسبة الواحديَّة إليه تعالى، ودلَّ قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ على حصر الإلهية فيه من اللفظ الناصِّ على ذلك، وإن كانت الآية الأولى تستلزم ذلك؛ لدفع توهُّم وجود إلهٍ غيرِه، فأكَّده بقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وحُقَّ لهذا المعنى أن يكون مؤكَّدًا، وتُكرَّر عليه الألفاظ؛ إذ هو مبدأ مقصود العِبادة ومُنتهاه  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (164-167)

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165)

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ(166)

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(167)

غريب الكلمات:

الْفُلْكِ: السُّفن، وواحده وجمْعه بلفظٍ واحد، وأصل الفَلَك: الاستدارةُ في الشَّيء، ولعلَّ السُّفن سُمِّيت فُلكًا؛ لأنَّها تُدار في الماء  .

بَثَّ: فرَّق ونشَر  .

الْمُسَخَّرِ: المُذلَّل، وَالمُيسَّر  .

أَنْدَادًا: أمثالًا، ونُظراء مُناوئين، وشركاء  .

تَبَرَّأَ: تَباعَد وفارَق، ولـ(بَرَأَ) أصلانِ ترجع إليهما فروع معانيه؛ الأوَّل: التقصِّي ممَّا يُكره مجاورتُه، والتباعُدُ من الشيءِ ومزايلتُه، ومنه: البُرء والبَراء والتَّبرِّي والتبرُّؤ. الثاني: الخَلْقُ؛ يُقالُ: بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ يَبرؤُهمْ بَرْءًا  .

الْأَسْبَابُ: أي: الوصلاتُ، وأصل (سَبَب): الحَبْل يشدُّ بالشَّيْء فيجذب به، ثمَّ جُعِل كلُّ ما جرَّ شَيْئًا (سَببًا)، وسُمِّي كلُّ ما يُتوصَّل به إلى شيءٍ (سببًا)  .

كَرَّةً: رَجْعَة إلى الدُّنيا، والكَرُّ: الرُّجوع إلى الشَّيءِ بعدَ المرَّة الأولى، والعطف عليه بالذَّات أو بالفِعل  .

حَسَرَاتٍ: الحسراتُ جمْع حَسْرة، وهي أشدُّ النَّدامة على ما فاتَ ولا يُمكن ارتجاعُه؛ والغمُّ عليه، وأصل (حسر): كَشْف الشَّيْء؛ ومِنه الحَسرة، كأنَّه انحسرَ- انكشَف- عنه الجهلُ الذي حمَله على ما ارتكبَه، أو انحسَر قواه من فَرط غمٍّ، أو أدركه إعياءٌ مِن تدارُك ما فرط منه  .


المعنى الإجمالي :

عدَّد الله سبحانه وتعالى في مَطلع هذه الآيات بعضًا مِن نِعمه العظيمة، وآلائه الجَزيلة، مخبرًا أنَّ فيها أدلَّةً واضحة، وعلاماتٍ بيَّنة على وَحدانيته جلَّ وعلا، وعلى كمال صِفاته، لكنَّ هذه الدلائلَ والعلامات يَعيها مَنْ مَنَّ الله عليه بعقلٍ يتدبَّر به، فيَفهَم مقصود الله عزَّ وجلَّ منها.

وتِلك النِّعم التي عدَّدها الله عزَّ وجلَّ هي إنشاؤه السَّمواتِ والأرضَ، وما أودَع فيها من العجائب، والتعاقُب الدَّائم لليل والنَّهار، بحيث لا يتَّأخر أحدُهما عن الآخَر، واختلافهما ضِياءً وظُلمة، وحرًّا وبردًا، وطولًا وقِصرًا، والسُّفن التي تشقُّ البحرَ متنقلةً عبرَه من مكان لآخَر بما يعود نفعُه على النَّاس، والمطر الذي أنزله الله سبحانه وتعالى من السَّحاب، والذي بسبِبه أنبتت الأرض بعدَ أنْ كانت مجدبة، ونشرْه سبحانه في أنحائها الدَّوابَّ بمختلف أنواعها وأشكالها، وتنويعه الرِّيح ركودًا وهبوبًا، وجعْلها تهبُّ من اتجاهات عِدَّة، واختلافها في الشِّدَّة والضَّعف، والنَّفع والضر، وتذليله سبحانه السَّحابَ بين السَّماء والأرض لمصالح خَلْقه.

ثم ذكَر سبحانه أنَّ صِنفًا من النَّاس جعَلوا من بعض خَلق الله نُظراءَ له، يُساوونهم به في المحبَّة، فيُحبُّون هؤلاء النظراءَ كما يحبُّون الله، وأخبر أنَّ الذين آمَنوا حقًّا أكثرُ حبًّا لله من محبَّة هؤلاء لله تعالى وللأنداد.

ثم خاطَب اللهُ تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لو أبصرَ حال هؤلاء الذين اتَّخذوا الأندادَ مع اللهِ يُحبُّونهم كحُبِّه، وأبصروا هم أيضًا حالَهم تلك، حين يُعاينون عذابَ الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامة، فيَتيقَّنون أنَّ القوةَ والقدرة كلَّها لله تعالى وحده، وأنَّ ما أعدَّه الله من العذاب لِمَن يستحقُّه ممَّن كفر به أو أشرك لشديدٌ.

ويتبرَّأ المتبوعون على الشِّركِ والكفرِ والضلالِ ممَّن اتَّبعهم حين يُعاينون عذابَ الله تعالى، ويتيقَّن الأتباعُ حين يُعاينون العذاب كذلك، أنَّهم سيُعذَّبون فيها لا محالةَ، وتتقطَّع كلُّ وسيلة تمسَّكوا بها من قبلُ للنجاة، ومنها جعْلهم للهِ نُظراءَ يُساوونه بهم في المحبَّة، ويسقط الجميعُ في النار.

ويَتمنَّى حينها الأتباعُ لو تَسنح لهم فرصةٌ أخرى للرُّجوع إلى الدُّنيا؛ ليتبرَّؤوا من هؤلاء المتَّبَعين الذين خذَلوهم وتبرؤوا منهم، بعدَ أنِ اتَّخذوهم أندادًا من دون الله، لكن الله أخبَر أنَّه يُريهم أعمالهم الخبيثةَ كما أراهم العذابَ؛ ليتحسَّروا ويندموا، ويُعاتِبوا أنفسَهم: لِمَ فعَلوها، ولمَ لمْ يَعملوا أحسنَ منها، لكن هذا التحسُّر والندم لا يُفيدهم شيئًا؛ فإنَّهم باقون في النار غير خارجين منها.


تفسير الآيات:

إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

وقَعتْ هذه الآية موقعَ الحُجَّة مِن الدَّعوى؛ فإنَّه لَمَّا ذكر تعالى أنَّه واحد، وأنَّه منفرد بالإلهيَّة، لم يَكتفِ بالإخبار حتى أورد دلائلَ الاعتبار، ثم مع كونها دلائلَ، هي نِعم كذلك من الله على عباده، فكانت أوضحَ لِمَن يتأمَّل، وأبهرَ لِمَن يَعقل؛ إذ التنبيه على ما فيه النَّفع باعثٌ على الفِكر، فقال تعالى  :

إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.

أي: إنَّ في إنشاء السَّموات والأرض وابتداعهما، وما أودَع الله تعالى فيهما من العَجائب  .

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

أي: تعاقبِها الدَّائم، بحيث يَجيء أحدُهما، ثم يذهب، ويخلُفه الآخَر مباشرةً دون أن يتأخَّر عنه لحظة، وكذا اختلافهما في الضِّياء والظُّلمة، والحرِّ والبَرد، والطُّول والقِصَر  .

كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62] .

وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ.

أي: السُّفن التي تَسير في البحر، فيَنتفع النَّاسُ بالتنقُّل عبْرَها من مكان لآخَر، وبجلْب البضائع، وصَيد الأسماك، وغير ذلك  .

وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا.

أي: المطر الذي أنزله الله تعالى من السَّحاب، فأنبتتْ بسببه الأرضُ بعدَ أن كانت قاحلةً مُجدِبةً  .

وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ.

أي: نشَر في أقطارِ الأرض جميعها، كلَّ ما يمشي على وجهِها من مختلف أنواعِ الحيوان  .

وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ.

أي: تَنويعِها في الركود والهُبوب، وفي الاتِّجاه، والشِّدَّة والنَّفع، فتهبُّ من عِدَّة اتجاهات، وتختلف شِدَّةً وضعفًا، ونفعًا للنَّاس، أو هلاكًا وضرًّا  .

وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

أي: السَّحاب الواقِع في جوِّ السَّماء، المذلَّل بأمْر الله تعالى لمصالح الخَلْق  .

لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.

أي: في تِلك الأمور المذكورة، علاماتٌ ودَلالات واضحةٌ على وَحدانية الله تعالى، وعلى كمال صِفاته، وعظيم أفعاله، ولكن لِمَن لديه عقلٌ رشيد، يتدبَّر به، ويَفهم عن الله تعالى مقصودَه  .

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن الله عزَّ وجلَّ وحدانيته وأدلَّتها القاطعة، وبراهينها السَّاطعة، الموصلة إلى عِلم اليقين، المزيلة لكل شكٍّ، ذكَر هنا أنَّه مع هذا البيانِ التامِّ يوجد من الناس مَن لا يؤمن بوحدانية الله تعالى، فقال  :

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ.

أي: إنَّ بعض النَّاس يجعَلون من بعض الخَلق نُظَراءَ لله سبحانه، بمساواتهم معه في المحبَّة، فيحبُّونهم كما يحبُّون الله تعالى  .

وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.

أي: إنَّ المؤمنين أشدُّ حبًّا للهِ عزَّ وجلَّ من محبَّةِ أولئك لله تعالى ولأندادهم  .

وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: يرى قراءتان:

1- (تَرَى) ومعناها: ولو ترَى يا محمَّد هؤلاء المشركين عند رُؤيتهم العذابَ  .

2- (يَرَى) ومعناها: ولو رأى الذين كانوا يُشركون في الدنيا عذابَ الآخرة  .

وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ.

أي: لو عاينتَ يا محمَّدُ، حالَ هؤلاء الَّذين نَقَصوا اللهَ تعالى حقَّه، ونَقَصوا أنفسهم حقَّها باتِّخاذهم أندادًا يُحبُّونهم كحبِّهم لله، وعاينوا هم أيضًا حالهم تلك، حين يرون عذابَ الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامة فيَعلمون حينها يقينًا أنَّ القوة والقدرة كلَّها لله تعالى وحده، ويَعلمون شِدَّة عذابه لِمَن كفَر أو أشرك به، وأنه ليس للأنداد التي اتَّخذوها شيءٌ من تلك القدرة الإلهيَّة؛ فيتبيَّن لهم عندئذٍ عَجزُها وضعفُها، وأنَّها لا تدفع عنهم ضرًّا، ولا تجلب لهم نفعًا  .

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166).

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا.

أي: أخبر اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّ المتبوعين على الكفر والشرك والضلال، يتبرَّؤُون حين يعاينون عذاب الآخرة ممَّن اتبعهم واتخذهم أندادًا يحبهم كحبه لله تعالى، ويتنصَّلون منهم ومن عبادتهم لهم  .

كما قال الله عزَّ وجلَّ: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: 81-82] .

وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت: 25] .

وقال جلَّ وعلا: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ: 31-33] .

وقال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: 53] .

وقال سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 94] .

وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ.

أي: عايَن الأتباعُ عذابَ جهنَّم، وأيقَنوا أنهم وارِدوها، لكن لا حيلةَ لهم للفرار منها، وانقطعت كلُّ وسيلةٍ تشبَّثوا بها من قبلُ للنجاة؛ كاتخاذِهم أندادًا يساوونهم بالله تعالى في محبَّتِه، انقطعت بهم انقطاعًا شديدًا، فسقط الجميعُ- أتباعًا ومتبوعين- هالكينَ في النَّار  .

كما قال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:53] .

وقال سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 94] .

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167).

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا.

أي: تمنَّى أتباعُ الضَّلالة نادمينَ أنْ لو كانت لهم فرصةٌ أخرى للرُّجوع إلى الدُّنيا دارِ العمل؛ لِيتمكَّنوا فيها من التبرُّؤ ممن اتَّخذوهم أندادًا، ولِيُخلِصوا المحبَّةَ والعملَ لله تعالى وحده، ولِيَشْفوا غيظَ قلوبهم من مَتْبوعيهم الذين تبرَّؤوا منهم وخذَلوهم  .

كما قال سبحانه: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 91-102] .

وقال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: 27-28] .

كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ.

أي: أخبَر الله تعالى عن شُعورِهم بالنَّدم الشَّديد حين انكشف لهم خُبثُ أعمالِهم، وتفريطُهم في جَنْبِ الله تعالى، وقد تبيَّن لهم يقينًا أنَّ ما رأَوْه مِن عملِهم في الدنيا خيرًا قد تلاشى واضمحلَّ هباءً منثورًا، كسرابٍ من الأوهام تعلَّقوا به للنَّجاة، وحين أتَوْه لم يرَوْا من أعمالهم شيئًا، عدا أثرها مِن الحسَرات والعقوبات  .

وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.

أي: إنَّ هؤلاء الذين وصَف الله تعالى حالَهم، لا يَنفعُهم تحسُّرُهم وندمُهم؛ فهم باقون في النَّار، غيرُ خارجينَ منها إلى غيرِ حدٍّ ولا نهاية  .


الفوائد التربويَّة:

- كلَّما تدبَّر العاقلُ في هذه المخلوقات، وتغلغل فِكرُه في بدائع المبتَدَعات، وازداد تأمُّله للصَّنعة، وما أودع فيها مِن لطائف البِرِّ والحِكَم الباهرات- علِم بذلك أنَّها خُلِقت للحقِّ وبالحقِّ، وأنَّها صحائفُ آيات، وكتُب دلالات  .



الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ، دلالةٌ على أنَّ محبَّةَ الله سبحانه مِن العبادة؛ لأنَّ اللهَ جعَل مَن سوَّى غيرَه به فيها مشرِكًا متَّخذًا لله ندًّا؛ فالمحبَّةُ مِن العبادة، بل هي أساس العبادة؛ لأنَّ أساس العبادة مبنيٌّ على الحبِّ والتَّعظيم  .

2- أنه كلَّما ازداد إيمانُ العبد ازدادت محبَّتُه لله؛ وذلك لأن اللهَ سبحانه وتعالى رتَّب شدَّةَ المحبَّةِ على الإيمان فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، وقد عُلِم أنَّ الحُكْم إذا عُلِّق على وصفٍ فإنَّه يقوى بقوةِ ذلك الوصف، وينقُصُ بنقصِه؛ فكلما ازداد الإنسانُ إيمانًا بالله عزَّ وجلَّ ازداد حبًّا له  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ... 

- التأكيد بـإنَّ هنا للاهتمام بالخبَر؛ للفت الأنظار إليه، ويُحتمل أنهم نُزِّلوا منزلةَ مَن يُنكر أن يكونَ في ذلك آياتٌ لقوم يعقلون؛ لأنَّهم لم يجروا على ما تدلُّ عليه تلك الآيات  .

- وفي الآية: ترتيبٌ بديع في الذِّكر لهذه الدَّلائل والنِّعم؛ حيث بدأ أولًا بخلق السَّموات والأرض، ثم ثنَّى بذِكر ما نشأ عن العالَم العُلوي، ثم أتى ثالثًا بذِكْر ما نشأ عن العالم السُّفلي، ثم أتى بالمشترَك، ثم ختَم ذلك بما لا تتمُّ النِّعمة للإنسان إلَّا به  .

2- في قوله: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ جعل الصِّفة موصولًا الَّتِي صِلتُه تَجْرِي بصيغة المضارع؛ للدَّلالة على تجدُّد ذلك الوصف لها في كلِّ وقت يُراد منها، وذكر مكان تلك الصِّفة فِي الْبَحْرِ على سبيل التوكيد؛ إذ مِن المعلوم أنَّها لا تجْري إلَّا في البحر  .

3- في قوله: لَآياتٍ جاء التَّنكير للتفخيم كمًّا وكيفًا، أي: عظيمة كثيرة  .

4- قوله: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا

- فيه حذْف جواب (لو)؛ لقصْد التَّفخيمِ وتهويلِ الأمْر؛ لتذهبَ النفسُ في تصوير العذاب كلَّ مذهب ممكن، ولبيان أنَّه حصَل منهم إذ عاينوا العذابَ يوم القيامة ما لا يدخُل تحتَ الوصف من النَّدم والحسْرة، ووقوع العِلم بظلمهم وضَلالهم  .

5- قوله: إِذْ تَبَرَّأَ جيء بالفِعل بعد إِذ هنا ماضيًا، مع أنَّه سيحصُل في الآخرة، وهو مستقبلٌ في المعنى؛ للتَّنبيه على تحقُّق وقوعه  .

6- قوله: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ عدَل عن الجملة الفِعليَّة (وما يخرجون) إلى الجملة الاسميَّة؛ للمبالغة في الخلود، والإقناطِ من الخَلاص والرُّجوع إلى الدنيا، وللدَّلالة على أنَّ هذا الحُكم ثابتٌ، وأنه من صفاتهم  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (168-173)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(168)

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(169)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(170)

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172)

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(173)

غريب الكلمات :

الْفَحْشَاءِ: ما عظُم قبُحه وفحُش، مِن الأفعال والأقوال  .

أَلْفَيْنَا: وجْدنا  .

يَنْعِقُ: يَصيح؛ يقال: نعَق بالغنمِ يَنعِق بها إذا صاح بها، فلا تَدري ما يقول لها، إلَّا أنَّها تنزجر بالصَّوت عمَّا هي فيه  .

اضْطُرَّ: أُلْجِئَ، والاضْطِرَارُ: يُطلق على حمْل الإنسانِ على ما يَضُرُّهُ وما يكرهه، إمَّا بسببٍ خارج؛ كمَن يُضرَب، أو يُهدَّد، حتى يفعلَ منقادًا، ويُؤْخَذ قهرًا، وإمَّا بسببٍ داخل؛ كالقهر بقوَّةٍ يناله بدفعها الهلاك، كمَن اشتدَّ به الجوعُ فَاضْطُرَّ إلى أكْل ميتة  .

غير بَاغٍ: غير طالبٍ ما ليس له طلبُه  .

وَلَا عَادٍ: وَلَا متجاوزٍ الحَدَّ  .


المعنى الإجمالي:

يأمُر اللهُ جميعَ البَشر المؤمنَ منهم والكافرَ أنْ يأكلوا مِن كلِّ ما في الأرض نباتًا كان أو حيوانًا إذا توفَّر فيه شرطانِ: أنْ يكونَ ممَّا أحلَّه اللهُ، وأنْ يكون طاهرًا لا ضرَرَ فيه.

ونهاهم أنْ يتَّبِعوا خُطُوات الشيطان؛ وذلك بطاعتِه في تحريمِ ما أحلَّ اللهُ، أو تحليلِ ما حرَّم من المآكل، فإنَّه عدوٌّ لهم، ظاهرُ العداوة، لا يمكن أنْ يريدَ لهم نفعًا، بل يأمُرُهم بكل سيِّئٍ من الأعمال، وبجميع القبائحِ التي بلَغت في القُبح منتهاها، وأن يفتَرُوا على الله الكذبَ؛ باختلاقِ أفعالٍ باطلة، ونِسبتها إلى الله عزَّ وجلَّ بلا علم؛ كتحريمِ الحلالِ، وتحليل الحرام من المأكولات.

ويُخبِر تعالى عن المشركين أنَّهم إذا أُمِروا بالالتزام بما جاء مِن عندِ الله، وأن يكونَ ما يحلُّونه ويحرِّمونه على وَفْقِ الشَّريعة المنزَّلة، كان جوابهم أنَّهم لن يتَّبِعوا إلا ما وجَدوا عليه أسلافَهم، بما فيه من تحليلٍ وتحريم مخالفٍ لِما أراد الله، فأنكَر اللهُ عليهم هذه التبعيَّةَ والتَّقليد الأعمى، فكيف يتَّبِعون آباءهم وهم على حالٍ لا تؤهِّلُهم لأنْ يُتَّبعوا؛ فهم لا عقلَ لهم يُرشِدهم إلى الحق، ولا يحمِلون العِلم النَّافع الذي يقوِّم عمَلَهم، ويُنِير طريقهم.

ثم ضرَب الله مثلًا للكفَّار حين يدعوهم الداعي إلى الإيمان، ولا ينتفعون بما يَسمعونه منهم، فمَثَلهم كالبهائمِ التي يُصوِّت لها الراعي ويَصيح بها فتَسمع صوتَه ولا تَفهم ما يقول، فكذلك هؤلاء الكفَّار لَمَّا لم تُؤمن قلوبُهم أولَ مرة، تعطَّل انتفاعهم بحواسِّهم، فلا يسمعون الحقَّ سماعَ فَهم وقَبول، ولا يتكلَّمون به، ولا يُبصرون سبيله، فينتج عن ذلك أنَّهم لا يعقلون شيئًا من الحق.

ثم يأمر اللهُ تعالى المؤمنين أن يكونَ مأكولهم هو الطِّاهِرَ النافع من المطعومات، التي رزقهم إيَّاها، وأنْ يقوموا بشكره جلَّ وعلا بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم، فإنْ كانوا ملتزمين بالخضوعِ والطاعةِ لله عزَّ وجلَّ وحْدَه، فسيَمتثِلون هذين الأمرين.

وبَعدَ أنْ ذكَر اللهُ تعالى إباحةَ الأكْل الطيِّب لعباده، عدَّد لهم أجناس المحرَّمات؛ ليجتنبوها، فحرَّم تعالى لحومَ الأنعام التي ماتتْ حتفَ أنفها، ولم تُذكَّ ذكاةً شرعيَّة، والدَّمَ المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذُبِحَ على غير اسم الله تعالى، كالذي يُذبَح للأوثان، ويُسمَّى عليه بغير اسمه سبحانه، مع الجهر بذلك، ويُستثنى من تحريم أكْلها مَن ألجأته ضرورةٌ إلى الأكل منها، غيرَ مُتجاوزٍ للقَدْر الذي يَدفَع به الضرورة، فمَن كانت هذه حالتَه، فلا إثمَ عليه لو تناول منها، والله عزَّ وجلَّ غفورٌ، حيث رفع الإثم عنه، رحيمٌ حين وسَّع لعباده وشرَع لهم هذا الاستثناء؛ حتى لا يقعوا في الحرَج.   


تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168).

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا.

يُخاطب اللهُ تعالى جميع النَّاس؛ مؤمنهم وكافرهم، آذِنًا لهم بأن يأكلوا مِن جميع ما في الأرض من نباتاتٍ وحيوانات، بشرْط أنْ يكونَ حلالًا، وطاهرًا غيرَ ضارٍّ  .

وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.

أي: لا تسلكوا طريقَ الشَّيطان، ولا تَقتفوا أثرَه الذي أضلَّ فيه أتْباعه، وهو ما دعا إليه ممَّا هو خلاف طاعة الله عزَّ وجلَّ، ومن ذلك: تحريمُ ما أحلَّ اللهُ تعالى من المآكل، وتحليلُ ما حرَّم منها، والدَّعوة إلى تناوُل خبيثها، وتَرْك طيِّبها، لا تُطيعوا هذا العدوَّ الظاهر العدواة، الذي يُريد أنْ يقودَكم شيئًا فشيئًا إلى التَّهلُكة  .

كما قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [الأنعام: 140-142] .

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169).

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ.

أي: إنَّ الشيطانَ يأمُرُ بالأعمال السيِّئة الآثِمة التي تسُوءُ عاقبتُها، وتسُوء صاحبَها، كما يأمُرُ أيضًا بما هو أغلظ من ذلك مما يتناهى قُبحُه، ويتجاوزُ حدَّه كالزِّنا  .

وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

أي: يأمُرُ الشَّيطانُ النَّاسَ أيضًا باختلاقِ أعمالٍ باطلة تُنسب مشروعيَّتُها إلى الله عزَّ وجلَّ، كذِبًا وافتراءً عليه جلَّ وعلا، وإلا فليس لهم مستنَدٌ مِن علمٍ صحيحٍ يُثبتُ أمرَ اللهِ تعالى بها، ومن ذلك تحريمُ ما أحلَّ الله تعالى، أو تحليل ما حرَّمه مِن المأكولات  .

كما قال سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [النحل: 114-116] .

وقال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 27-28] .

وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 32-33] .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170).

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ.

أي: إذا قيل للمشركين: التزِموا باتِّباع الوحيِ الإلهيِّ فحسبُ؛ فأحِلُّوا حلالَه، وحرِّموا حرامَه، دون التَّقوُّلِ على الله تعالى بلا عِلمٍ واتِّباعِ الأوهام  .

قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا.

أي: أعرَضوا عن الوحي، وهو العلم النَّافع حقًّا، وأخَذوا بما وجَدوا عليه أسلافهم، فقلَّدوهم فيه، ومن ذلك تحريمُ ما أحلَّ اللهُ تعالى، وتحليلُ ما حرَّمه  .

أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.

أي: أيتَّبعون آباءَهم حتى لو كانوا على هذه الحالِ التي لا يستحقُّون أنْ يُتَّبعوا فيها؛ إذ ليس لديهم عقلٌ سليم يُرشِدهم إلى اتِّباع الحقِّ، ويزجُرُهم عن اتِّباع الباطل، ولا يحمِلون عِلمًا نافعًا يعمَلون على وَفْقِه عملًا صالحًا؛ فكيف يتَّبعون هؤلاء ومِثْلُهم لا يصلُحُ أنْ يُقتدى بهم  ؟!

كما قال سبحانه: مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [المائدة: 103-104] .

وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان: 20-21] .

وقال جلَّ وعلا: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات: 69-70] .

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171).

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً.

أي: شبَّه اللهُ تعالى الكفَّارَ عند دعوة الدَّاعي لهم إلى الإيمان -كالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ- شبَّههم بالبهائمِ التي يصوِّت لها راعيها، فتسمَعُ الصَّوت ولا تفهَمُ المعنى، فكذلك حالُ الكفَّارِ الَّذين لا ينتفعون مِن تلك الدَّعوة بشيء، لكنَّهم يسمعون ما تُقام عليهم به الحجَّة  .

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.

أي: إنَّ قلوبهم لَمَّا لم تؤمن، تعطَّل انتفاعهم الحقيقي بحواسِّهم تبعًا لذلك، فلا يسمعون الحق سماع فَهمٍ وقَبول، ولا ينطقون به، ولا يبصرون طريقه، فقلوبهم لا تعقل شيئًا من الحق  .

كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: 110] .

وقال عزَّ وجلَّ: أَمْ تَحْسَبُ أنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 44] .

وقال جلَّ وعلا: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179] .

وقال أيضًا: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46] .

وقال سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ [يونس: 42-43] .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ .

أي: يأمُرُ اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بالأكل ممَّا أحلَّ اللهُ تعالى لهم؛ من أنواع المطعوماتِ الطَّاهرة النَّافعة، التي رزَقهم إيَّاها، كما أمَرهم أيضًا بالقيام بشُكره؛ بقلوبهم، وألسنتِهم، وجوارحهم  .

كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة: 87-88] .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أيها النَّاسُ، إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمر المؤمنين بما أمَر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51] ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172] ، ثم ذكَر الرجلَ يُطيلُ السَّفرَ، أشعثَ أغبَرَ، يمدُّ يدَيه إلى السَّماءِ، يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعَمُه حرامٌ، ومشرَبُه حرامٌ، وملبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجابُ لذلك؟!  ))  .

وعن أنسٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إن اللهَ لَيَرضَى عن العبدِ أنْ يأكلَ الأَكْلةَ فيحمَدَه عليها، أو يشرَبَ الشَّربةَ فيحمَدَه عليها  ))  .

إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ.

أي: إنْ كنتم تُطيعون الله تعالى حقًّا، وتخضَعون له ممتثلينَ لأوامرِه، ومجتنبين لنواهيه، فكُلوا ممَّا رزَقكم اللهُ تعالى، واشكروه على ما أنعَم به عليكم  .

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا قيَّد سبحانه وتعالى الإذنَ لعباده بالطيِّب من الرِّزق، افتقَر الأمرُ إلى بيان الخبيث منه ليُجتَنَب، فبيَّن صريحًا ما حرَّم عليهم ممَّا كان المشركون يستحلُّونه ويحرِّمون غيرَه، وأفهَم حِلَّ ما عداه، وأنه كثيرٌ جدًّا؛ ليزدادَ المخاطَب شكرًا  ، فقال:

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ.

أي: قد حرَّم الله تعالى عليكم- أيُّها المؤمنون- الميتةَ التي ماتت حتْفَ أنفها دون ذكاةٍ شرعيَّة، والدَّم المسفوح، ولحم الخنزير- ويدخُل فيه شحمُه- وما ذُبح على غير اسم الله عزَّ وجلَّ، كالذي يُذبَح للأصنام، ويُسمَّى عليه بغير اسمه سبحانه، مع رفْع الصَّوت بذلك  .

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه.

أي: مَن ألجأتْه الضرورةُ إلى الأكْل من تلك المحرَّمات وهو غير مبتغٍ لتناولِها مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، وغير متجاوزٍ قدْرَ الضَّرورة، فلا يتناول منها إلَّا بمقدارِ ما يسدُّ جوعه، فمَن كانت حاله كذلك فليس عليه إثمٌ مِن تناولِ تلك المحرَّمات  .

ثم ذكَر تعالى تعليلَ الحُكمِ بانتفاءِ الإثم، فقال  :

إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

أي: إنَّ الله سبحانه وتعالى يَغفِر ذنوبَ عباده، فيسترها ويتجاوز عن المؤاخذةِ بها، ومن ذلك أنَّه رفَع بمغفرته الإثمَ عنهم في تناوُل ما حرَّمه؛ تجاوزًا منه سبحانه، وهو الرَّحيم بعباده، ومن رحمته أنْ شرَع لهم ذلك توسعةً منه  .


الفوائد التربويَّة:

1- أن مَن تعصَّب لمذهبٍ مع مخالفة الدليل ففيه شَبَهٌ من هؤلاء المذكورين في قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، والواجب أنَّ الإنسان إذا قيل له: (اتَّبِعْ ما أنزَل اللهُ) أنْ يقولَ: (سمِعْنا وأطَعْنا)  .

2- أن كلَّ مَن خالَف الحقَّ وما أنزَل اللهُ، فليس بعاقل، وليس عنده هدًى؛ لقوله تعالى: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [البقرة: 170]   .

3- توجيه المرء إلى طلَب الرِّزق من الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَا رَزَقْنَاكُمْ؛ فإذا كان هذا الرِّزق مِن الله سبحانه وتعالى فلنطُلْبه منه، مع فِعل الأسباب التي أمَرنا بها  .

4- أنَّ الشُّكر لله عزَّ وجلَّ من تحقيق العبادة؛ لقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  .

5- وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ يُؤخَذ ذلك من اللام في قوله تعالى: لِلَّهِ، ومِن تقديم المعمول (إيَّاه) في قوله تعالى: إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- إثبات رحمةِ الله سبحانه وتعالى بعباده من وجهين: أولًا: من أمرِه إيَّاهم بالأكل من الطيِّباتِ؛ لأنَّ بذلك حِفظًا لصحَّتِهم، ثانيًا: من قوله تعالى: مَا رَزَقْنَاكُمْ؛ فإنَّ الرِّزقَ بلا شكٍّ من رحمة الله  .

2- أنَّ التحريمَ والتحليل إلى الله تعالى؛ فهو حقٌّ خاصٌّ به وحده؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ  .

3- قوله تعالى: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فيه أنَّ الشِّركَ- وإن كانت نجاستُه معنويَّة- قد يؤدِّي إلى خُبثِ الأعيان؛ إذ هذه البهيمة التي أُهلَّ لغير الله بها نجسةٌ خبيثة محرَّمة، والتي ذُكِر اسمُ الله عليها طيِّبةٌ حلال  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ذكر (إنَّ) للاهتمام بالخبر؛ لأنَّ عداوةَ الشيطان معلومة لكل أحد، أو تُجعَل (إنَّ) للتأكيد بتنزيل غير المتردِّد في الحُكم منزلةَ المتردِّد أو المنكِر؛ لأنَّهم لاتباعهم الإشاراتِ الشيطانيَّةَ بمنزلة مَن يُنكر عداوته، وهي تُفيد معنى التعليل والربط في مِثل هذا، وتغني غناء الفاء، وهو شأنها بعد الأمر والنهي  .

2- في قوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ جاء بناء قِيلَ لِمَا لم يُسمَّ فاعله؛ لأنَّه أخصر؛ فلو ذُكِر الآمرون لطال الكلام؛ لأنَّ الآمِر بذلك هو الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام ومَن يتبعه من المؤمنين  .

3- في قوله: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ

- الهمزة للاستفهام المصحوب بالتوبيخ والإنكارِ والتقريع، والتعجُّب من حالهم؛ فهي بمعنى الردِّ لا بمعنى النَّفي، وإنَّما جُعلت همزة الاستفهام لذلك؛ لأنَّها تقتضي الإقرارَ بشيءٍ يكون الإقرارُ به فضيحةً، كما يقتضي الاستفهام الإخبارَ عن المستفهَم عنه  .

- وهذا التركيب من بديع التَّراكيب العربيَّة وأعلاها إيجازًا؛ فـ(لو) للشرط، وجوابها محذوف دلَّ عليه الكلامُ السَّابق، تقديره: لاتَّبعوهم، والمستفهَم عنه هو الارتباط الذي بيْن الشَّرْط وجوابه  .

4- قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ فيه من البلاغة: إيجاز بالحذف على طريقة (الاحتباك)، حيث حذف من الأوَّل ما أثبت نَظيره في الثاني، وحذف من الثاني ما أثبت نَظيره في الأول، والتقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعِق والذي يُنعَق به؛ فحذف من الأوَّل الأنبياء؛ لدلالة الذي ينعق عليه، وحذف من الثاني الذي يُنعَق به؛ لدلالة الذين كفروا عليه  .

5- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

- فيه إيجازٌ بالحذف بليغ؛ حيث عدَل هاهنا عن ذِكر تعداد المباحات، فأجملها لكثرتها، بينما ذكر في الآية التي تليها تفاصيلَ المحرَّمات لقلَّتها، كما حُذف جواب إنْ الشرطية، (فاشكروه)، وحذفه شائعٌ في كلام العرب؛ لدلالة السِّياق عليه  .

- وفي قوله: وَاشْكُرُوا للهِ التفات؛ إذ خرج من ضمير المتكلِّم في رَزَقْنَاكُمْ إلى اسم الغائب؛ لأنَّ هذا الاسم الظاهر متضمِّنٌ لجميع الأوصاف التي منها وصْفُ الإنعامِ والرزق، والشُّكرُ ليس على هذا الإذن الخاص، بل يُشكَر على سائر الإنعامات والامتنانات التي منها هذا الامتنان الخاص  .

- وفي قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: قدم المفعولَ به إيَّاه على الفعل والفاعل تَعبدُون؛ لإفادة الاختصاص؛ لأنَّه سبحانه مختصٌّ وحده باستحقاق العبادة  .


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (174 - 176)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(174)

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ(175)

ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(176)

غريب الكلمات:

شِقَاقٍ: أي: عداوةٍ واختلاف، ومباينةٍ ومباعدة، وأصل (شقَّ) يدُلُّ على انصداعٍ في الشَّيْءِ، ومنه الشِّقاقُ؛ لأنَّه يؤدِّي إلى انصِداع الجماعَة وتفَرُّقها  .


المعنى الإجمالي:

أخبَر تعالى عن اليهود الذين يُخْفُونَ نبوَّةَ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ التي قد ثبَتَت عندهم في التَّوراة، ويُخْفُونَ كذلك بعضًا من أحكام الله فيها، ويغيِّرونها؛ يبتغون نَيْلَ شيءٍ من الأموال والمناصب وغيرها من عَرَض الدُّنيا- أخبَر أنَّ جزاءَهم أنْ يأكلوا في بطونهم نارًا مقابلَ ما أكَلوه من الحرام عن طريق كِتمان العِلم الذي في كُتبِهم، ولا يكلِّمهم سبحانه وتعالى يوم القيامة كلامَ رضًا، ولا يُطهِّرهم من ذنوبهم، ولا يُثْني عليهم، ولهم فوق هذا كلِّه عذابٌ موجِع.

أولئك الكاتِمون للعِلم قد استبدلوا -بفِعلِهم هذا- بطريقِ الهداية طريقَ الغواية، واستبدلوا بنَيْلِ مغفرة الله تعالى استحقاقَ عذابِه، ثم تعجَّب سبحانه وتعالى مِن جُرأتِهم على هذا الفعل وهم يعلَمون أنَّ عاقبتَه النَّارُ، وكيف حبَسوا أنفسهم على ارتكابه وهو يوصلهم إلى العذابِ الشديد.

واستحقَّ أولئك العذابَ على ما كتَموه؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أنزَل كتابه عليهم بالحقِّ، فيجبُ ألا يُكتَم، بل الواجب بيان ما فيه؛ لذلك كان الإخفاءُ مخالفًا لمراد الله من إنزال الكتاب.

ثم أخبَر تعالى أنَّ الَّذين آمنوا ببعض الكتاب وكفَروا ببعض، وكتَموا منه أشياءَ، وأظهَروا أشياء- لَفِي جانبٍ بعيدٍ عن الحقِّ.


تفسير الآيات:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174).

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.

أي: إنَّ اليهود الَّذين كتَموا أمر نبوَّةِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ الثابتةِ في توراتهم، وكتَموا بعض أحكام الله تعالى فيها، وبدَّلوها- كتحريمهم ما أحلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ- يبتغون بهذا الكتمانِ نَيْلَ عَرَضٍ من حُطام الدُّنيا الفاني؛ من الأموال، والرِّئاسات، وغيرها  .

أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ.

أي: إنَّ جزاءَهم في الآخرة مِن جِنس ما عمِلوه في الدُّنيا، فكما أكَلوا في بطونهم ما حرَّم الله تعالى بما اكتَسَبوه من مالٍ حرامٍ؛ لكتمانِهم العِلمَ- فكذلك يُطعَمون يومَ القيامة نارًا في بطونهم؛ جزاءً وِفاقًا  .

وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

أي: لا يُكلِّمهم الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة بكلامِ إكرامٍ ورضًا يسُرُّهم؛ لأنَّه غاضبٌ عليهم، ولا يطهِّرهم من ذنوبهم، ولا يثني عليهم خيرًا؛ لأنَّ قلوبَهم وأعمالَهم دَنِسة، لا تستحقُّ المدحَ والثناء، ولهم مع ذلك كلِّه عذابٌ موجِعٌ، فجمَع الله تعالى لهم بين الألَمِ النَّفسانيِّ والجُسماني  .

ولَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى جزاءهم، أتبَعه بترجمةِ حالهم  ، فقال:

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175).

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ.

أي: إنَّ أولئك الَّذين وصَفهم الله تعالى بكتمانِ العلم، قد استبدلوا- بفِعلهم هذا- بطريقِ الهُدى الذي يقودُهم إلى رضوان الله عزَّ وجلَّ ونعيمِ الآخرة؛ استبدلوه به طُرُقَ الهَوَى التي أضلَّتهم عن الصِّراط المستقيم، وبفِعلهم هذا قد استبدَلوا أيضًا بنَيْلِ مغفرةِ الله تعالى استحقاقَ عذابِه  .

فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.

أي: تعجَّب  اللهُ سبحانه وتعالى من أولئك القوم الَّذين كتموا وحيَ الله تعالى، كيف حبَسوا أنفسَهم ووطَّنوها على ارتكاب هذا العمل المودِي بهم إلى عذابٍ شديد، وكيف تجرَّؤُوا على هذا الصَّنيع وهم يعلَمون سوء عاقبته  ؟!

ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر جلَّ وعلا جزاءهم، ذكَر السَّبب الموجِبَ لهذا العقاب العظيم، فقال  :

ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.

أي: إنَّهم استحقُّوا العذابَ على كتمانهم؛ بسبب أنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل كتابَه عليهم بالحقِّ، فحقُّه ألَّا يُكتَم، بل يبيَّن ما يحويه، وكتمانُهم شيئًا من الكتاب كتمانٌ للحقِّ، وذلك مخالِفٌ لمراد الله تعالى؛ لأنَّ ما يُكتَم مِن الحق يخلُفُه الباطلُ، فحقَّ عليهم العذابُ  .

وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ.

أي: إنَّ الَّذين آمنوا ببعض الكتاب وكفَروا ببعض؛ فكتَموا منه أشياءَ، وأظهَروا أشياءَ- قد فارَقوا الحقَّ، وجانَبوا طريقَ الصواب  .


الفوائد التربويَّة:

1- وجوب نشْر العِلم؛ لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ...، ويتأكَّدُ وجوب نشْره إذا دعتِ الحاجةُ إليه بالسؤالِ عنه؛ إما بلسان الحال، وإما بلسان المَقال  .

2- إقامة العَدل في الجَزاء؛ لقوله تعالى: أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ؛ فجعَل عقوبتَهم من النَّارِ بقَدْرِ ما أكَلوه من الحرام  .

3- أنَّ الاختلافَ ليس رحمة، بل إنه شِقاقٌ وبلاءٌ، كما قال سبحانه وتعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- إطلاق المسبَّب على السبب؛ لقوله تعالى: أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ؛ فإنَّهم لا يأكلون النَّار، ولكن يأكلونَ المالَ، وهو سببٌ للنار  .

2- في قوله تعالى: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ إثباتُ صفة التعجُّب لله تبارك وتعالى  .

3- إثبات العِلل والأسباب؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ، والباء للسببيَّة، وقد ذكَر بعض أهلُ العلم أنَّ في القرآن أكثرَ من مئة موضعٍ، كلُّها تُفيدُ إثبات العِلَّة؛ خلافًا للجَبْريَّة الَّذين يقولون: (إنَّ فِعْلَ الله عزَّ وجلَّ ليس لحِكمةٍ، بل لمجرَّد المشيئة)؛ تعالى اللهُ عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ: فيه تأكيدُ الأكْل وتقريرُه ببيان مقرِّ المأكول؛ فإنَّ فِي بُطُونِهِمْ متعلِّق بـ يَأْكُلُونَ، وذكَر بطونهم تنبيهًا على شَرَهِهم، وتَقبيحًا لتضييع أعظم النِّعم لأجْل المطعوم، وللتنبيه على مذهبهم، بأنَّهم باعوا آخرتَهم بحَظِّهم من المطعَم الذي لا خطرَ له  .

2- في قوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ

- (ما) تعجبيَّة، أو استفهاميَّة صحِبَها معنى التعجُّب؛ فهو تعجُّبٌ من حالهم في الْتباسِهم بموجبات النارِ من غير مبالاةٍ منهم. أو: فأيُّ شيءٍ صبَّرهم  ؟!

- وفيه: تنزيلُ غيرِ الواقع منزلةَ الواقع؛ لشدَّة استحضار السامع إيَّاه بما وُصِف به من الصِّفات الماضية؛ إذ شأن التعجُّب أن يكون ناشئًا عن مشاهدة صبرهم على العذاب، وهذا الصَّبر غيرُ حاصلٍ في وقتِ نزول هذه الآية  .

3- في قوله: ذَلِكَ بأنَّ اللهَ نزَّلَ الكتابَ بالحقِّ جِيء باسم الإشارة لرَبْط الكلام اللَّاحِق بالسَّابق، على طريقة العرب في أمثاله إذا طال الفصلُ بين الشيء وما ارتبَط به من حُكمٍ أو عِلَّةٍ، أو نحوهما  .

4- قوله: فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ فيه الإظهار في موضع الإضمار؛ حيث قال: فِي الكِتَابِ، ولم يقل: (فيه)، وفائدته: أن يكون التذييلُ مستقلًّا بنفسه؛ لجريانه مجرَى المَثَل  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (177 - 179)

۞ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(177)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178)

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)

غريب الكلمات:

البِرَّ: التوسُّع في فِعل الخير، والاتِّساع فِي الْإِحْسَان، ومن أصوله: الصِّدْقُ  .

بِعَهْدِهِمْ عَاهَدُوا: العَهد: حِفظُ الشيء ومراعاتُه، حالًا بعد حال، والمِيثاقُ، فَسمِّي الشيءُ الموثَّقُ الذي يلزم مراعاتُه عهدًا  .

عُفِيَ: تُرِك، والعَفْوُ: هو ترْك العقوبة، والتَّجافي عن الذَّنب؛ يُقال: عفوتُ عنه، أي: قصدتُ إزالة ذنبِه صارفًا عنه  .

الْقِصَاصُ: مُقابلةُ الفِعل بمثلِه، وتتبُّع الدَّم بالقَوَدِ (أي: قتْل القاتِلِ بالقتيل)، وأصل (قصَّ) يدلُّ على تتبُّع الشيءِ، ومن ذلك اشتقاق القِصاص في الجراح؛ لأنَّه يُفعل به مِثل فعله بالأوَّل، فكأنَّه اقتصَّ أثره  .

أُولِي الْأَلْبَابِ: أصحابِ العقول الزَّكيَّة؛ واللُّبُّ: العقل الخالص من الشَّوائب؛ وسمِّي بذلك لكونه خالصَ ما في الإنسان من معانيه  .


مشكل الإعراب :

1- قوله: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا:

البِرَّ: قُرِئ بالنَّصب والرَّفْع؛ فعَلى قِراءة النصب، فـالبرَّ خبَر ليسمقدَّم، وقوله: أَن تُوَلُّوا- وهو مصدر مُؤوَّل، أي: توليتُكم- في محلِّ رفْع اسم ليس مؤخَّر.

وأمَّا على قراءة رفع البر، فلا تقديم ولا تأخير. فـالبر اسم ليس، وأن تولوا خبرُها  .

2- قوله: وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ:

البِرَّ: إذا كان بمعنى البارِّ، فهو اسم لكنَّ- على قِراءة التَّشديد-، وخبرها مَن آمَن.

وعلى قراءة تخفيف لكنْ، فالبِرُّ مبتدأ مرفوع، ومَن آمَن خبر، ولا إشكال في هذا الوجه.

وأمَّا إذا كان على معناه البِر، فالتقدير: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَن آمن، أو: ولكنَّ ذَا البِرِّ مَن آمن، ثم حُذِف المضاف، وأُعرِب المضافُ إليه إعرابَه  .

3- قوله: وَالْمُوفُونَ: مرفوع، وفي رفْعه ثلاثةُ أوجه: إمَّا يكون عطفًا على الضمير في آمَن، أي: من آمنوا هُم والموفون، أو على (مَن) في قوله: مَن آمن، أو: يكون خبرًا لمبتدأ محذوف على إضمار (وهم) على المدح للمضمرين، والتقدير: وهم الموفون  .

4- قوله: وَالصَّابِرِينَ: مفعول به منصوب لفِعلٍ محذوف، تقديره: أمدح، أو أخص، أو أعني. أو يكون معطوفًا على ذَوَي القُرْبَى- ولا يتَّجه هذا الوجه إلَّا على القول برفْع وَالمُوفُونَ على العطف على الضَّمير في آمَن؛ ليكون داخلًا في صلة مَن؛ لأنه لا يُفصل بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه  .


المعنى الإجمالي:

أخبَر الله عزَّ وجلَّ أنه ليس في التمسُّك بالتوجُّه إلى ناحية المشرق أو المغرب برٌّ ولا طاعة، إنْ لم يكن عن أمْرِ الله تعالى، ولكن الخير الحقيقي هو الإيمانُ الجازم بالله تعالى، واليومِ الآخِر، وملائكتِه، وجميعِ كتبه، وكل أنبيائه ورُسلِه، وأنْ يُعطيَ العبدُ المالَ وهو محبٌّ له وحريصٌ عليه، لقرابته، ولليتامى، وللذين لا يجِدون ما يَكفيهم، وللمسافر الذي يمرُّ به وليس معه نفقةٌ توصله لوطنه، وللمستجدي الذي يطلُبُ العطاء، ولأجل فكِّ الرِّقاب.

كذلك من البِرِّ: الإتيانُ بالصَّلاة تامَّة، وإعطاء الزَّكاة المفروضة لمن يستحقُّها، والالتزام بالعهود والوفاء بها، سواء تلك التي مع الله، أو مع الخَلْق.

ومن البِرِّ أيضًا: الصَّبرُ في حال الفقر، والمرض، وحين القتال، وهو أنْ يحبِس المرءُ نفسه عن الجزَع والسَّخَط والشَّكوى؛ فكلُّ مَن اتصف بتلك الصِّفاتِ السالفة الذِّكْر، المشتملة على عقائدَ وأعمالٍ وأخلاق- هم الصَّادقون في إيمانهم، وهم المتَّقون؛ بفِعْلهم المأمورَ، واجتنابهم المنهيَّ عنه.

ثم أعلَم اللهُ المؤمنين بما فرَضه عليهم من المساواة، واعتبارِ المماثَلة في القِصاص بين القتلى، فيُقتل الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبد، والذَّكَر بالذَّكَر، والأُنثى بالأُنثى.

فإذا عفا أولياءُ المقتول عن الدَّم، سقَط القِصاص عن القاتل، ووجبتِ الدِّيَة، ففي هذه الحالة يجب على العافي ألَّا يُتبِع عفوَه المنَّ والأذى، ولا يكلِّفَ القاتلَ ما لم يوجبه الله تعالى، ولا ما فيه مشقَّة، ممَّا لا يدخُل تحت القُدرة، وعلى القاتل أنْ يُؤدِّيَ ما لزِمه إلى أولياء المقتول من غير مَطْلٍ ولا نَقْصٍ مما وجب عليه، ولا يسيء بقولٍ أو فعل لِمَن عفا عنه.

وفي هذه الأحكام التي شرَعها الله عزَّ وجلَّ من إباحةِ العفو عن القاتل، وأخْذ الدِّيَة بدلًا عن القِصاص: تيسيرٌ وتخفيفٌ من الله تعالى لهذه الأمَّة، ورحمةٌ منه بعباده، لكن مَن يتعدَّى حدودَ الله بعد حدوث العفو- كأن يَقتُلَ الوليُّ القاتلَ بعد عفوِه عنه، أو يُكرِّر القاتلُ جنايتَه مرَّةً أخرى- فللمعتدي في هذا الحال عقابٌ موجِعٌ.

ثمَّ أخبَر الله تعالى عبادَه أنَّ لهم في تشريع القِصاص حياةً، وسيتَّضح لهم ذلك إنْ أعمَلوا عقولَهم وتدبَّروا الآثارَ المترتِّبة على هذا التشريع، فإنَّ مَن أراد القتلَ إذا استحضَر أنَّ وراءه قِصاصًا ينتظرُه، سيكفُّ عن القتلِ، وإذا رأى النَّاسُ القاتلَ مقتولًا قِصاصًا، انزَجروا عن تَكرارِ هذا العمل.


تفسير الآيات:

لَيْسَ الْبِرَّ أنَّ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177).

لَيْسَ الْبِرَّ أنَّ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

أي: ليس الشَّأن في حصول الخير بلزوم التوجه في الصلاة نحو هذه الجهة أو تلك  .

وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ.

أي: مَن اتَّصفَ بهذه الأمورِ الآتيةِ من الاعتقادات والأعمال والأخلاق، فقد أخَذَ بمجامعِ الخيرِ كلِّه، فأمَّا الاعتقادات فهي الإيمانُ بالله تعالى، ومن ذلك: الإيمانُ بوجوده وربوبيَّته، وأُلوهيَّته، وأسمائه وصفاتِه، والإيمانُ باليومِ الآخر، ومنه: الإيمانُ بالبَعث والحساب، والجنة والنار، وغير ذلك من أمور الآخرة، والإيمانُ بملائكة الرحمن، كالإيمان بوجودِهم وأعمالهم وصِفاتهم، والإيمانُ بالكتب، كالإيمانِ بأنَّ نزولها من عند الله عزَّ وجلَّ، والإيمانُ بأنبيائه عليهم السَّلام، ومن ذلك: الإيمان بأنَّ رسالتهم حقٌّ من عند الله تبارك وتعالى  .

وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ.

أي: ومِن الأعمال الدَّاخلةِ في مسمَّى البِرِّ: أنْ يُعطيَ العبدُ المالَ وهو محبٌّ له وراغبٌ فيه، فيدفعه صدقةً لأقاربِه، وللصِّغار الَّذين فقدوا آباءهم وهم دون البلوغ ولا كاسبَ لهم، وللمساكين الَّذين لا يجِدون ما يَكفيهم ويُغْنيهم، وللمسافر المجتاز يريد نفقةً تُوصلُه لموطنه، وللطَّالبين حاجةً ممَّا يعرِضُ لهم مِن سوء، ولعِتْق الرِّقاب ونحوها  .

وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا.

أي: وأتَوْا بالصَّلاة تامَّةً ومستقيمة، وأعطَوُا الزَّكاة التي فرَضها اللهُ تعالى عليهم إلى مستحقِّيها، وأتمُّوا ما التزموا به من عهودٍ مع الله عزَّ وجلَّ ومع الخَلْق، فلم يَنقُضوها من بعدِ ميثاقها  .

وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.

أي: الَّذين حبَسوا أنفسهم عن الجزَع والتسخُّطِ وعمَّا يكرَهُه الله عزَّ وجلَّ، في حال فقرِهم، ومرَضِهم، وفي وقت اشتداد القتال في حربِ الأعداء  .

أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

أي: إنَّ أولئك المتَّصِفين بما سبَق ذِكرُه من عقائدَ وأعمالٍ وأخلاق، هم الصَّادقون في إيمانهم؛ لأنَّ أعمالَهم قد صدَّقت إيمانَهم، وهم المتَّقون؛ لأنَّهم فعَلوا ما أُمروا به، واجتنَبوا ما نُهوا عنه  .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى.

أي: فُرِض عليكم- أيُّها المؤمنون- تحقيقُ المساواة واعتبارُ المماثَلة في القِصاص بين القتلى، فيُقتَل الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبد، والذَّكَرُ بالذَّكَر، والأُنثى بالأُنثى، فلا تتعدوا بالقصاص إلى غير القاتل والجاني (كما لو قَتلت الأُنثى أُنثى أُخرى، فإنَّ الأنثى الجانية هي التي تُقتل، ولا يَحِلُّ أن يُقتل بهذه الأنثى المقتولة رجلٌ لم يقتلها، ومثل ذلك: الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبد، والذَّكَرُ بالذَّكَر)  .

فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ.

أي: إذا عفا أولياءُ المقتول فلم يُطالِبوا بدَمِه، سقَط القِصاصُ عن القاتل، ووجبت عليه الدِّيَةُ، والواجب على العافي عند قَبضِ الدِّيَة ألَّا يكلِّفَ القاتلَ ما لم يوجِبْه الله تعالى عليه، ولا يشُقَّ عليه بما لا طاقةَ له به، وعلى القاتل أداءُ ما لزِمه لأولياء المقتولِ من غيرِ مماطَلةٍ ولا إنقاصٍ للدِّيَة، ولا صدورِ إساءةٍ فِعليَّةٍ أو قوليَّةٍ منه لهم، فعلى أولياء المقتول حُسنُ الاقتضاء، وعلى القاتل حُسنُ القضاء  .

ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ.

أي: إنَّ ما شرَعه اللهُ عزَّ وجلَّ من إباحةِ العفوِ عن القاتل وأخْذِ الدِّيَة عوضًا عن القِصاص- حُكْمٌ فيه تخفيفٌ من الله تعالى لهذه الأمَّة، ورحمةٌ منه بعباده  .

فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

أي: مَن تجاوَز ما حدَّه الله تعالى مِن الأحكام السَّابقة للقِصاص- كأنْ يَقتلَ وليُّ المقتولِ القاتلَ بعد العفوِ عنه، أو يعودَ القاتلُ إلى جِنايتِه مرة أخرى- فإنَّ له عقابًا موجعًا، قيل: هو قتلُه في الدنيا، وقيل: عقوبتُه في الآخرة  .

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179).

أي: إنَّ في مشروعيةِ القِصاص حياةً، لِمَن أعمَل عقلَه؛ ليتدبَّرَ ويفهمَ عن الله تعالى مرادَه من هذا الحُكم، فينزجِر ويجتنِب القتل؛ فإنَّ مَن أراد القتل إذا علِم أنَّه يُقتَل قِصاصًا بمن قتَله، كفَّ عن القتل؛ فكان في ذلك حياةٌ له ولِمَن أراد قَتْلَه، وإذا رُئي القاتلُ مقتولًا انزَجر بذلك غيرُه، كما أنَّه كان في أهل الجاهليَّةِ مَن إذا قُتل الرَّجلُ مِن قومهم قتَلوا به أكثرَ مِن واحد من عشيرةِ القاتل؛ فشرَع اللهُ تعالى القِصاص، فلا يُقتَلُ بالمقتولِ غيرُ قاتلِه، وفي ذلك حياةٌ لقومِه  .


الفوائد التربويَّة:

1- في قوله: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ الترتيب في الإنفاق، فأولى من يتفقده الإنسان بمعروفه أقاربه، ثمَّ اليتامى؛ لأن مواساتهم بعد الأقارب أولى، ثمَّ المساكين الذين لا مال لهم حاضرًا ولا غائبًا، ثمَّ ابن السبيل الذي قد يكون له مالٌ غائب، ثم السائلين الذين منهم صادقٌ وكاذب، ثم ذَكَرَ الرِّقاب الذين لهم أربابٌ يَعُولُونهم. فكلُّ واحدٍ ممن أُخِّر ذكره أقلُّ فقرًا ممن قُدِّم عليه  .

2- ينبغي الصَّبرُ على جميع أنواع الضُّر، وقد استوعبتْ هذه الجملة وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ جميعَ أنواع الضرِّ؛ لأنَّه إمَّا يحتاج إلى الصبر في شيءٍ يَعوزُ الإنسانَ أو يُريده فلا يناله، وهو البأساء، أو فيما نال جِسمَه من ألَمٍ وسقمٍ، وهو الضرَّاء، أو في مدافعةٍ مُؤذيةٍ له، وهو البأس  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ في نصْبِ الصَّابِرِينَ- بتقدير: أخصُّ أو أمدَحُ- تنبيهًا على خَصيصيةِ الصَّابرين ومزيَّةِ صفتِهم الَّتي هي الصبرُ  .

2- في قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى دَلالةٌ على أنَّ تنفيذَ القِصاص من مقتضى الإيمان؛ لأنَّ الخطابَ موجَّهٌ للمؤمنين  .

3- أنَّ فاعلَ الكبيرة لا يخرُجُ مِن الإيمان بالكليَّة؛ لقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ؛ فجعَل اللهُ المقتولَ أخًا للقاتل، ولو خرَج من الإيمانِ لم يكُنْ أخًا له  .

4- أنَّ كونَ القِصاص حياةً يحتاج إلى تأمُّل وعقلٍ؛ لقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ فيه إيجازٌ بحذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامَه؛ إذ التقدير: (ولكن البِرَّ بِرُّ مَن آمن)، أو يكون من باب المبالغة إذا جُعِل (البارّ) نفْس البِر  .

2- قوله: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى

- قوله: عَلَى حُبِّهِ أي: مع حبِّ المال، ففيه تَتْميم  وتوكيدٌ واحتراس؛ للمبالغة، وللدَّلالة على عِظمِ الأجْر؛ فإنَّ بذْل الإنسان من الشَّيء الذي يحبُّه أبلغ، وأكثر أجرًا وأدْعى لزيادته  .

وقوله ذَوِي مفعولٌ أوَّل لـ(آتَى) قُدِّم عليه مفعولُه الثاني (المال)؛ للاهتمام به، أو لأنَّ في الثاني معَ ما عُطف عليه طُولًا؛ ولو رُوعي الترتيبُ، لفات تجاوبُ الأطراف في الكلام، وهو الذي اقتضى تقديمَ الحال أيضًا والله أعلم. وقيل: هو المفعولُ الثاني  .

3- في قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا إيثارُ التعبير بصِيغة الفاعِل في وَالْمُوفُونَ وعدم التعبير بالفعل (وأَوفوا)؛ للدَّلالة على وجوب استمرار الوفاءِ  .

4- قوله: وَالصَّابِرِينَ نُصِب على الاختصاص والمدح، ولم يُعطَف على ما قبله وَالْمُوفُونَ؛ إظهارًا لفضل الصَّبر في الشدائد، ومواطن القِتال على سائر الأعمال، وحسُن هنا التخالف في إعراب الصِّفات الكثيرة وعدم جعْلها كلِّها جاريةً على موصوفها؛ لأنَّ هذا موضع الإطناب في الوصف، والإبلاغ في القول، فإذا خُولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل؛ لأنَّ الكلام عند الاختلاف يَصير كأنَّه أنواع من الكلام، وضروب من البيان، ويُسمَّى ذلك قطعًا؛ لأنَّ تغييرَ المألوفِ يدلُّ على زيادة ترغيبٍ في استماع المذكورِ ومزيدِ اهتمامٍ بشأنه  .

5- وفي هذه الآية ترتيبٌ حسنٌ بديع:

- ففي قوله: آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ قدَّم الإيمان بالله واليوم الآخِر على الإيمان بالملائكة والكتُب والرسل؛ لأنَّ المكلَّف له مبدأ، ووسط، ومنتهًى، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذَّات، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخِر، وأمَّا معرفة مصالح الوسط فلا تتمُّ إلَّا بالرِّسالة، وهي لا تتمُّ إلَّا بأمورٍ ثلاثة: الملائكة الآتِين بالوحي، والمُوحَى به: وهو الكِتاب، والموحَى إليه: وهو الرَّسول  .

- وقوله: وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ فالمَلَك يوجد أولًا، ثم يحصُل بوساطة تبليغه نزولُ الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرَّسول، فقدَّم الملائكة والكتُب على الرُّسل، وإنْ كان الإيمانُ بوجود الملائكة وصِدق الكتُب لا يحصُل إلَّا بواسطة الرُّسل؛ لأنَّ ذلك رُوعي فيه الترتيبُ الوجوديُّ الخارجي، لا الترتيب الذِّهني  .

- وقدَّم الإيمانَ على أفعال الجوارح، وهو: إيتاءُ المال والصَّلاة والزَّكاة؛ لأنَّ أعمال القلوب أشرفُ من أعمال الجوارح، ولأنَّ أعمال الجوارح النافِعة عند الله تعالى إنَّما تنشأ عن الإيمان  .

- وفي قوله: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ قدَّم مَن كان أَوْلى أن يتفقدَّه الإنسان بمعروفه وهم أقاربه، ثمَّ عقَّبه باليتامى؛ لأنَّ مواساتهم بعد الأقارب أوْلى، ثمَّ ذكَر المساكين الذين لا مالَ لهم يكفيهم حاضرًا ولا غائبًا، ثمّ ذكر ابنَ السبيل الذي قد يكون له مال غائب، ثم ذكر السائلين الذين منهم صادقٌ وكاذب، ثم ذَكَر الرِّقاب الذين لهم أربابٌ يَعولُونهم؛ فكلُّ واحد ممَّن أُخِّر ذِكرُه أقلُّ فقرًا ممَّن قُدِّم ذِكره، والله أعلم  .

7- قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ

- فيه تعدية الفعلعُفِي باللام مع أنَّه يعدى بـ(عن)؛ لأنَّه يتعدَّى بـ(عن) إلى الجاني وإلى الذَّنب، فيقال: عفوت عن فلان وعن ذَنبه، وأمَّا إذا تعدَّى إلى الذَّنب والجاني معًا قيل: عفوت لفُلان عمَّا جنَى، فكأنه قيل: فمن عُفي له عَن جِنايته، فاستُغني عن ذِكر الجناية  .

- وتنكير شَيْءٌ؛ للإشعار بأنَّه إذا عُفي له طرَفٌ من العفو وبعضٌ منه، بأنْ يُعفى عن بعض الدَّم، أو عفا عنه بعضُ الورثة، فقد تمَّ العفو وسقَط القصاص، ولم تجبْ إلَّا الدِّية  .

- وفيه تسمية وليِّ الدم أخًا للقاتل؛ اعتبارًا بأُخوَّة الإسلام، أو استعطافًا له عليه، أو لكونه ملابسًا له مِن قِبَلِ أنَّه وليٌّ للدم، ومطالِبٌ به  .

8- التنكير في قوله: حَيَاةٌ يفيد التعظيم؛ فيدلُّ على أنَّ في القصاص حياةً متطاولةً  .


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (180 - 182)

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(180)

فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(181)

فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(182)

غريب الكلمات:

جَنَفًا: ميلًا ظاهرًا، وعدولًا؛ يقال: جنَف، إذا عدَل وجار  .


مشكل الإعراب:

قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ... الْوَصِيَّةُ:

الْوَصِيَّةُ: مرفوعةٌ بالابتداء، والخبرُ محذوف، أي: فعليكم الوصيةُ. ونائب الفاعل لـكُتِبَ حينئذٍ محذوفٌ، تقديره (هو)، أي: الإيصاء، دلَّ عليه قوله: الْوَصِيَّةُ. أو نائب الفاعل عَلَيْكُم.

أو تكون الْوَصِيَّةُ نائبَ الفاعِل للفِعل كُتِبَ، وجاز تذكيرُ الفِعل مع أنَّ لفظ الوصية مؤنَّث؛ لأنَّه أراد بالوصية الإيصاء، أو لكونِ القائمِ مقامَ الفاعل الْوَصِيَّةُ مؤنَّثًا مجازيًّا، وفُصل بينه وبين مرفوعه بفاصل؛ لأنَّ الكلام لَمَّا طال كان الفاصل بين المؤنَّث والفِعل كالعِوَض من تاء التأنيث، والعرب تقول: حضَر القاضي امرأةٌ، فيُذكِّرون؛ لأنَّ القاضي بين الفِعل وبين المرأة  .


المعنى الإجمالي:

فرَض اللهُ على المؤمنينَ في هذه الآياتِ حين يشرف أحدُهم على الموت، وتأتيه أسبابُه إنْ كان لديه مال: أنْ يوصيَ ببعضِه إلى والديه وأقاربِه، مَن كان منهم غيرَ وارثٍ، مِن غير سرَفٍ ولا تقتير، مراعيًا فيه الأقربَ والأحوجَ، من غير ضررٍ بالوَرَثَة، هذا الأمرُ بالوصيَّة أمرٌ ثابتٌ ومؤكَّدٌ على مَن اتَّصَف بالتَّقوى.

فمَن غيَّر الوصيةَ بعد سماعِه لها من الموصي بالزِّيادةِ أو النقصان، أو غيرِ ذلك، فقد تحمَّل هو الإثمَ، وبرِئَت ذِمَّة الموصي، والله تعالى سميعٌ عليمٌ وسيُجازي كلًّا بما يستحقُّ.

ومَن خشِي أنْ يَميلَ الموصي في وصيَّتِه عن الحقِّ والعدلِ، سواء بالخطأ غيرِ المقصود، أو كان متعمِّدًا، فلا إثمَ عليه أنْ يقومَ بنصيحتِه وتوضيحِ التَّصرُّف الصَّحيح للموصي، أو يقومَ بتعديلها بما يوافقُ الشَّرعَ بعد موتِ الموصي، وبهذا يزولُ فسادُ الوصية، ويحلُّ ما قد يحصُلُ مِن شِقاقٍ بين الموصي والوَرَثَة، أو بين الوَرَثَة مع الموصَى لهم.


تفسير الآيات:

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كان في الخِطاب السَّابق ذِكْرُ القَتْلِ، والقِصاص الذي هو حالُ حضور الموتِ، انتظَم به ذِكرُ الوصيَّة؛ لأنَّه حالُ مَن حضَره الموتُ، فقال تعالى  :

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180).

أي: فُرِضَ عليكم- أيُّها المؤمنون- إذا أتَتْكم أسبابُ الموت ومقدِّماتُه، وكان لديكم مالٌ: أنْ تعهَدوا ببعضِ هذا المال إلى الوالديْنِ اللَّذيْن لا يرثان لمانع، وإلى الأقارب الذين لا يرثون، وذلك مِن غير إسرافٍ ولا تقتير، ولا اقتصارٍ على الأبعدِ دون الأقرب، بل يُرتَّبون على القُربِ والحاجة، ودون إجحافٍ بالوَرَثةِ، فلا تُتجاوَزُ الوصيةُ لأولئك بأكثرَ من ثُلُث المال، وهذا أمرٌ ثابتٌ ومؤكَّدٌ على المتَّصفين بالتَّقوى  .

عن أبي أمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه، قال: ((سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في خطبتهِ عامَ حجةِ الوداعِ: إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى، قد أعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيةَ لوارثٍ  ))  .

وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ رضي الله عنه، قال: ((تشكَّيتُ بمكةَ شكوى شديدةً، فجاءني النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يعودني، فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إني أترك مالًا، وإني لم أترك إلا ابنةً واحدةً، فأوصي بثُلثَيْ مالي وأتركُ الثُّلثَ؟ فقال: لا. قلتُ: فأُوصي بالنِّصفِ وأترك النصفَ؟ قال: لا. قلتُ: فأوصي بالثلثِ وأترك لها الثُّلثين؟ قال: الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ   ))  .

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر اللهُ سبحانه وتعالى أمرَ الوصيةِ ووجوبها، وعظَّم أمرها، أتبَعه بما يَجري مجرى الوعيد في تغييرها، فقال تعالى  :

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181).

أي: فمَن غيَّر الوصية بعدَما سمعها من الموصي بأنْ زاد فيها أو أنقَص أو غير ذلك، فقد تعلَّق الإثمُ به، أمَّا الموصي من غير جَنَفٍ ولا إثم فقد برِئَتْ ذمَّته، والله تعالى يسمع ويعلَمُ حالَ الاثنينِ، الموصي والمبدِّلِ وصيَّتَه، ويجازي كلًّا بما يستحقُّ  .

فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182).

أي: فَمَنْ خاف أنْ يَحيد الموصي في وصيَّته عن الحقِّ، سواءٌ عن غير قصدٍ منه، أو متعمدًا؛ وذلك كأن يوصيَ لغير الورثة بأكثرَ من ثُلث ماله، فهذا لا إثمَ عليه إنْ نصَح الموصي في حياتِه بتبديل الوصيةِ، فبدَّلها، أو قام المصلحُ بتبديلها بعد موته، فعدَّلها على الوجهِ الشَّرعي، وبهذا يزول فسادُ الوصية، ويزول معه أيُّ شِقاقٍ وقَع بين الموصِي والوَرَثة، أو بين الوَرَثة والموصَى لهم  .


الفوائد التربويَّة:

1- أهميَّة صِلة الرَّحِم؛ حيث أوجب الله الوصيةَ للوالدينِ والأقربين بعد الموت؛ لأنَّ صِلة الرَّحِم من أفضل الأعمال المقرِّبةِ إلى الله تعالى  .

2- أنَّ المتَّقين هم الَّذين يراعون فرائضَ الله؛ ولذلك وجَّه الخطابَ إليهم؛ لقوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ  .

3- فضيلة القيام بالإصلاح؛ لقوله تعالى: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، خَصَّ الوالديْنِ والأقربين بالوصية؛ قيل: لأنَّهم مظنَّة النِّسيان من الموصي؛ لأنَّهم كانوا يُورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة، وقدَّم الوالدينِ للدلالة على أنَّهما أَوْلى وأحقُّ في البَدْءِ بالوصيَّةِ لهما  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ فيه تقديمٌ وتأخير، حيث أخَّر (الوصية) الذي هو نائِب فاعل (كُتِب)؛ للتشوُّف إليه  . وهذا بناءً على أنَّ (الوصية) نائب فاعل لـ(كتب)، وأمَّا على كون (الوصية) مرفوعة بالابتداء؛ فليس فيها تقديم ولا تأخير.

2- قوله: لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ قدَّم الوالدين؛ للدَّلالة على أنَّهما أرجحُ في الابتداء بالوصية لهما  .

3- قوله: حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ فيه تأكيد للوجوب بقوله: حَقًّا، وكذا قوله: عَلَى الْمُتَّقِينَ؛ فهو إلهاب وتهييج وتذكير بما أمامه من القدوم على مَن يسأله عن النَّقير والقِطمير  .

4- قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ فيه حصر، والضَّمير في قوله: إِثْمُهُ عائد إلى التبديل، أي: إنَّ إِثم ذلك التبديل لا يعود إلَّا إلى المبدِّل  .

- وفيه: إقامة الظاهر مقامَ المضمر؛ لزيادة الاهتمام بشأنه، ولو جرَى على نسَق الكلام السابق لقال: (فإنَّما إثمُه عليه وعلى مَن يبدِّله)؛ وذلك للتَّشهير والمناداة بفضائح المبدِّلين، وليشعر بعِلِّيَّة الإثم الحاصل، وهو التبديل  .

5- قوله: إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ في هاتين الصِّفتين: سَمِيعٌ عَلِيمٌ تهديدٌ ووعيدٌ للمبدِّلين؛ إذ لا يَخفى عليه تعالى شيءٌ، فهو يُجازيهم على تبديلهم شرَّ الجزاء  ، مع ما فيه من تأكيدِ الخبر بـإِنَّ واسميَّة الجملة، وما في صِيغة (فَعيل) من المبالغة.

الآيات (183 - 188)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(184)

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185)

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(187)

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(188)

غريب الكلمات:

فِدْيَةٌ: عِوض؛ وأصل (فدي): جَعْلُ شَيْءٍ مكانَ شَيْءٍ حِمًى له  .

الْفُرْقَانِ: المُخرِج من الشُّبهة، والمميِّز بيْن الحقِّ والباطل، وأصلُه من الفَرْق، وهو الانفصال، والتمييز والتزييل بين شيئين  .

الرَّفَثُ: المقصود به هنا الجِماع، والرَّفث في الأصل: هو التصريحُ بِمَا يجب أَن يُكنى عَنهُ من ذِكر النِّكَاح، وكلِّ كلامٍ يُستحيا مِن إظهارِه والإفصاح عنه؛ فيشمل الجماعَ ومُقدِّماتِه، وما يتَّصل به من قولٍ وفِعل  .

هُنَّ لِبَاسٌ لَكُم: أي: بمنزلة اللِّباس، وهو كنايةٌ عن شِدَّة المخالطة التي تُوجِبُ قِلَّةَ الصبر عنهنَّ، أو لأنَّ كلًّا منهما يستُر حالَ صاحبِه، ويمنعُه من الفجور؛ فأصلُ اللِّباس: المخالطة والمداخلة، والسِّتر كذلك  .

تَخْتَانُونَ: تخونون بارتكابِ ما حُرِّم عليكم، وهو افتِعالٌ من الخِيانة، وهي مخالفة الحقِّ بنقض العهد في السِّرِّ  .

عَاكِفُونَ: مُقِيمون، جمْع عاكِف؛ يقال: عكَف على كذا إذا أقام عليه  .

تُدْلُوا بها: تُصانِعوا، وتدْفَعوا بها، وأصل (دلي) يدلُّ على مُقاربةِ الشَّيءِ ومُداناتِه بِسُهولةٍ ورِفقٍ  .


مشكل الإعراب:

1- قوله: فِدْيَةٌ طَعَامُ:

فِدْيةٌ: مرفوعٌ بالابتداء، وخبرها محذوف، والتقدير: فعَليهِ فِديةٌ.

طَعَامُ: مرفوعٌ، بدلٌ مِن (فِديةٌ)، أو خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: (هي)- على قراءة تنوين (فديةٌ)، أو مجرور مضاف إليه لفِدية على قراءةِ ضم (فديةُ) من غير تنوين  .

2- قوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ:

قَرِيبٌ: خبرٌ أوَّل لـ(إنَّ).

وجملة أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ: خبَر ثان لـ(إنَّ)، وليس صفةً له  .


المعنى الإجمالي:

يُخبِر اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بفَرْض الصِّيام عليهم؛ من أجلِ تحقيقِ التَّقوى، وأنَّه قد فُرِض أيضًا على الأُمَم السابقةِ من قَبلهم.

ومِن تيسيره سبحانه على عبادِه أنْ فرَض الصيامَ أيَّامًا قليلة، وأنَّ مَن كان مريضًا، أو مسافرًا فأفطَر، فعليه قضاءُ ما أفطره، ثم خيَّر اللهُ تعالى مَن كان قادرًا على الصِّيام، بَيْن الصِّيام والفِطر، فإنْ أفطَر، فعليه إطعامُ مِسكينٍ عن كلِّ يوم أفْطَره، فإنْ أطعَم أكثرَ من مسكين فهو أفضلُ، والصَّوم أفضلُ من جميعِ ذلك؛ فمَن علِم ما فيه مِن الخير، فإنَّه لن يتهاونَ فيه، ثمَّ نسَخ عزَّ وجلَّ هذا التَّخييرَ في حقِّ القادر، فأوجَب عليه الصَّومَ، وبقِي الفِطرُ والإِطعام للعاجِز عن الصِّيام.

ومدَح اللهُ عزَّ وجلَّ شهرَ رمضان، مبيِّنًا إحدى أعظمِ فضائِله، وهي نزولُ القرآن فيه، ووصَفَه بأنَّه يُرشد النَّاس إلى كلِّ خير، وأنَّه مشتملٌ على الآياتِ الواضِحات، ومبيِّنٌ لطُرق الهداية، وفارقٌ بين الحقِّ والباطل، ثمَّ بيَّن جلَّ وعلا وجوبَ صيام هذا الشَّهر العظيم على مَن كان حاضرًا مُقِيمًا، وأمَّا مَن كان مريضًا أو مسافرًا فأفطر، فعليه القضاءُ لإكمالِ عِدَّة ما أفطَر؛ وهذا تيسيرٌ منه سبحانه على عِباده، وهو يحبُّ منهم أنْ يُعظِّموه شاكرينَ له على ما هداهم إليه من نِعمة الصِّيام، وفضْلِه بتيسيرِ الأحكام.

ثمَّ خَاطَب اللهُ تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم: إذا سألَك عِبادُ الله عن قُربه، فإنَّه قريبٌ، يستجيبُ دعاءَ مَن دَعاه، فعليهم أنْ يُطيعوه وينقادوا له، ويتيَقَّنوا أنَّه يُثِيب مَن أطاع، ويُجيب مَن دعا؛ لعلَّهم يُوفَّقون بهذا إلى الحقِّ.

ثمَّ أخبَر تعالى أنَّه أباح لعباده مُجامَعةَ نسائهم في ليالي الصيام؛ فإنَّ كلًّا من الزَّوجين بمثابةِ اللِّباس للآخَر، وأخبَرهم أنَّه علِم أنَّهم كانوا يُراودون أنفسَهم على مباشرةِ نسائهم ليلًا، وعلى الأكْل بعد النوم، قبل أن يطلُعَ الفجر، بل إنَّ بعضهم قد فعَلَ ذلك، فأباحَ اللهُ لهم الأكْلَ والشُّرب والجِماعَ في ليالي الصوم رحمةً بهم، إلَّا أنَّه سبحانه قد تجاوَز عنهم ما فعَلوه من قبلُ، وتاب عليهم، فأباح لهم ما كان حرامًا من المواقَعة للنِّساء، فلهم الآن أنْ يجامِعوهنَّ، قاصدين بذلك ما قدَّره الله تعالى من الولَدِ، وليلةَ القَدْر التي ينبغى ألَّا تشغَلَهم متعةُ الجِماع عنها، بل عليهم الحرصُ على طَلبِها، وممَّا أباحه اللهُ لهم أيضًا أنْ يأكلوا ويَشرَبوا في جميع أوقات اللَّيل، حتى يتضحَ بياضُ النَّهارِ من سواد اللَّيل، فحِينَها يجبُ عليهم الإمساكُ عن الأكْل والشُّربِ والجِماع إلى أنْ غُروبِ الشَّمس، ثمَّ نهى الله عزَّ وجلَّ المؤمنين عن الجِماعِ وهم معتكِفون في المساجدِ، مبيِّنًا أنَّ الأمورَ التي يجبُ اجتنابُها مِن الأكْل والشُّربِ والجِماع في نهارِ رمضانَ، والجِماع حالَ الاعتكاف في المساجد- محرَّماتٌ يجب أنْ يَجتنبوها، وألَّا يَقرَبوها، وكما بيَّن اللهُ أحكامَ الصِّيام بيانًا تامًّا، يُبيِّن أيضًا باقيَ أحكام الشَّريعة الأخرى في كتابه، وعلى لسانِ رسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ليعلَم النَّاسُ كيف يُطيعون الله؛ فِعلًا للمأموراتِ، واجتنابًا للمنهيَّاتِ.

ثمَّ نهاهم اللهُ سبحانه وتعالى عن أكْلِ أموال بعضهم بعضًا بغير حقٍّ، ونهاهم عن الاحتيالِ بأنْ يتوصَّلوا بحُكْم الحاكم إلى أكلِ طائفةٍ من أموال النَّاس بالحرام، مع عِلمهم بأنَّ ما يقُومون به حرامٌ.


تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ.

أي: يُخبِر اللهُ تعالى المؤمنينَ به وبرسولِه مِن هذه الأمَّةِ بفَرْض عِبادةِ الصِّيام عليهم  .

والصِّيام: هو التعبُّدُ لله تعالى بالإمساكِ عن الأكْلِ والشُّرب والجِماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس  .

كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.

أي: فُرِضَت عليكم عِبادةُ الصِّيام كَما فُرِضت أيضًا على الأُممِ السَّابِقة  .

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

أي: من أجل الوصولِ بصِيامِكم إلى مَرتبةِ التَّقوى  .

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) .

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.

أي: إنَّ هذا الصِّيامَ مفروضٌ عليكم في أيَّامٍ قليلةٍ، مَحصيَّة ساعاتُها  ، وهي أيَّامُ شهرِ رَمضانَ  .

فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

أي: مَن كان مِن المؤمنين في حالِ مرضٍ أو سَفَر، فأفطَر، فعليه أنْ يَقضيَ صيامَ الأيَّام الَّتي أفطَرها في أيَّامٍ أخرى  .

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ... وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

الناسخ والمنسوخ:

هذا الحُكمُ المذكور في الآية منسوخٌ؛ إذ لَمَّا فرَض الله تعالى الصَّومَ في صدْر الإِسلام، كان المسلِمُ يُخيَّر بين الصَّوم وإطعامِ مسكينٍ عن كلِّ يوم أفْطَره، فإنِ اختار الصيامَ كان خيرًا له، ثمَّ نَسَخ اللهُ عزَّ وجلَّ هذا التخييرَ في حقِّ القادِر على الصيام بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فأوجب عليه الصومَ، وبقِي الفطرُ والإِطعامُ للعاجز عنه  .

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.

أي: يجبُ على مَن استطاع الصِّيامَ ولم يصُمْ، أنْ يُقدِّمَ عن كلِّ يومٍ أفطَره طعامًا لمسكينٍ  .

فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.

أي: مَن أطعَم أكثرَ مِن مسكين، فذلك أفضلُ من إطعامِ مسكينٍ واحدٍ عن كلِّ يومٍ أفطَره  .

وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ.

أي: صيامُ ما كُتِبَ لكم، خيرٌ لكم مِن أنْ تُفطِروا وتُطعِموا  .

إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

أي: إذا عرَفتُم ما في الصَّومِ مِن الخيرِ لكم، فإنَّكم لن تتهاونوا في الصِّيام  .

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185).

شَهْرُ رَمَضَانَ.

أي: الأيَّامُ المعدودات هي شهرُ رمضانَ  .

الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.

قيل: المعنى: أنَّ القرآنَ نزَل جُملةً واحدة- أي:كاملًا- مِن اللَّوحِ المحفوظ إلى السَّماء الدُّنيا في ليلة القَدْر مِن شَهرِ رمضان  ، وقيل: المعنى: أنَّ ابتداءَ نزولِ القُرآنِ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان في ليلةِ القَدْر من شهرِ رَمضانَ  .

هُدًى لِلنَّاسِ.

أي: إنَّ القرآنَ يُرشد النَّاسَ، ويدُلُّهم على طريقِ الحقِّ  .

وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ.

أي: إنَّ القرآنَ مشتمِلٌ على آياتٍ واضحات، وهي دَلائلُ وبراهينُ جليَّةٌ، تبيِّن الحقَّ، وتُرشِد إليه، وتُثبِت صِدقَ ما في القرآن مِن أخبارٍ، وعَدْلَ ما فيه من أحكامٍ، وتَفصِل بين الحقِّ والباطل  .

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

أي: فمَن كان حاضرًا مُقِيمًا في بلدِه، فقد وجَب عليه صيامُ ما حضَرَه من أيَّام الشَّهر  .

وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

أي: إنَّ مَن كان في حالِ المرَض أو السَّفر، فأفطَر، فعليه أنْ يقضيَ الصِّيامَ في أيَّامٍ أخرى، بعدَد الأيَّام الَّتي أفطَرها  .

يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.

أي: إنَّما رخَّص اللهُ تعالى في الإفطار لِمَن كان مريضًا، أو مسافرًا، وشرَعَ قضاءَ ما أفطَره؛ لأنَّه يحبُّ أنْ يُخفِّف عن المؤمنين، ويُسهِّل عليهم أحكامَه  .

وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.

أي: ويُريد اللهُ تعالى أنْ تُكمِلوا العِدَّة، والمعنى: يريدُ اللهُ شرعًا- أي: يُحِبُّ- أنْ تُكمِلوا عدَّةَ شهر رمضان بقضاءِ الأيَّام الَّتي أفطَرْتموها منه  .

وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ.

أي: ويُريد اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ تُكبِّرُوه، والمعنى: يُريد اللهُ شرعًا- أي: يُحبُّ- أنْ تُعظِّموه بقول: اللهُ أكبَرُ، وذلك بعد انقضاءِ شهرِ رمضانَ؛ لِمَا أنعَم به عليكم من إرشادكم إلى هذا الشَّهرِ، وتشريع صومه وأحكامه، وتوفيقكم لتحقيق صيامه وإتمامِه  .

وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

أي: من أجْل أنْ تكونوا بتكبيرِكم اللهَ عزَّ وجلَّ، وبالقيام بغير ذلك من أنواع شكره كأداء فرائضه وترك محارمه، مِن الشَّاكرين لنِعمة اللهِ تعالى عليكم بصِيام شهرِ رمضانَ، وتيسيرِه أحكامَه عليكم  .

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186).

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.

أي: إذا سأَلك المؤمنون عن قُرْبي يا محمَّدُ، فأنا قريبٌ منهم، وأستجيبُ لدعاءِ مَن دعاني منهم، سواءٌ كان دعاءَ عبادةٍ فأُثيبهم عليها، أو دعاءَ مسألةٍ فأُعطيهم ما طلبوا  .

فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.

أي: فلينقادوا لي، ممتثِلين أوامري، ومجتَنِبين نواهيَّ، وليؤمنوا بأنِّي أُثيبهم على انقيادِهم لي، وأُجِيب دعاءَهم وتضرُّعَهم لي، من أجل إصابةَ الحقِّ بذلك، والتَّوفيقَ للعِلم النَّافع والعملِ الصالح  .

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187).

سبب النُّزول:

عن البَرِاء رضي الله عنه، قال: ((كان أصحابُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم إذا كان الرجلُ صائمًا، فحضَر الإفطارُ، فنام قبل أنْ يُفطِر، لَم يأكُلْ ليلتَه ولا يومَه حتى يُمسِيَ، وإنَّ قيسَ بنَ صِرْمَةَ الأنصاريَّ كان صائمًا، فلمَّا حضَر الإفطارُ أتى امرأتَه فقال لها: أعندكِ طعامٌ؟ قالت: لا، ولكن أنطلِقُ فأطلُب لك، وكان يومَه يعملُ فغلبتْه عيناه، فقالت: خيبةً لكَ، فلمَّا انتصَف النَّهارُ، غُشِي عليه، فذُكِر ذلك للنبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، فنزَلَتْ هذه الآيةُ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، ففرِحوا بها فرَحًا شديدًا، ونزلت  : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ))  .

وعن البَراءِ رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا نزَل صومُ شهر رمضان، كانوا لا يقرَبون النِّساءَ رمضانَ كلَّه، فكان رجالٌ يخُونون أنفسَهم، فأنزَل اللهُ: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ الآية)  )َ  .

وعن سَهْلِ بن سعدٍ رضي الله عنه، قال: ((أُنزِلت: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، ولم ينزل:مِنَ الْفَجْرِ، فكان رِجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربَط أحدُهم في رِجْليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسود، فلا يزال يأكل ويشرَبُ حتى يتبيَّنَ له رؤيتُهما، فأنزَل الله بعدُ: مِنَ الْفَجْرِ، فعلِموا أنَّه إنَّما يعني اللَّيلَ والنَّهارَ  ))  .

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.

أي: أُبِيح لكم في ليالي الصِّيام الإفضاءُ إلى نسائِكم، أي: مجامعتُهنَّ  .

هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ.

أي: إنَّ كلًّا مِن الزَّوجِ والزَّوجة بمثابةِ اللِّباس للآخَر، وذلك تعبيرٌ عن انضمامِهما متجرِّدَيْنِ، وشدةِ امتزاجِهما ببعضِهما حال الجِماعِ  .

عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ.

أي: عَلِم اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّكم كنتم- أيُّها المؤمنون- تخُونون أنفسَكم بمعصيةِ الله سبحانه، فلا تَفُون بأمرِ الله تعالى لكم بالامتناعِ عن الجِماعِ لياليَ الصِّيام، إلَّا أنَّه قد تاب عليكم بأنْ أحلَّ لكم هذا الَّذي حرَّم عليكم من قبلُ، وتجاوَز عنكم ما سلَف من التخوُّنِ  .

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ.

أي: فالآنَ بعد هذه السَّعةِ بإباحة جِماعِ نسائكم، لكم أنْ تُجامِعوهنَّ، واطلُبوا بجِماعِهنَّ ما قدَّر اللهُ تعالى لكم مِن الولد  ، وممَّا كتَب الله تعالى لكم أيضًا ليلة القَدْرِ، مِن ليالي شهرِ رمضانَ، فلا ينبغي لكم أنْ تشتغلوا بلذَّةِ الجِماعِ عنها، فتُفوِّتوا أجرها  .

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.

أي: أباح تعالى الأكلَ والشُّرب في أيِّ وقتٍ من الليل شاءه الصائمُ، حتى يظهَر ويتميَّز بياضُ النَّهار من سواد اللَّيل، وحينها يجبُ الإمساكُ عن الأكل والشُّربِ والجِماع إلى غروب الشمس  .

عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إذا أقبَل اللَّيلُ مِن هاهنا، وأَدبَر النَّهار مِن هاهنا، وغربتِ الشَّمسُ، فقد أفطَر الصَّائمُ  ))  .

وعن عَديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه، قال: (( لَمَّا نزلتْ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. عَمَدْتُ إلى عِقَالٍ أسودَ وإلى عِقَالٍ أبيضَ، فجَعلتُهما تحتَ وسَادتي، فجعلتُ أنظرُ في الليلِ فلا يَسْتَبِينُ لي، فَغَدَوتُ على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فذكرتُ لهُ ذلكَ، فقالَ: إنَّما ذاكَ سوادُ الليلِ وبياضُ النهارِ  ))  .

وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ.

نهى اللهُ تعالى المؤمنين عن الجِماعِ حالَ اعتكافهم للعبادة في بيوتِ اللهِ تبارك وتعالى  .

تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا.

أي: هذا الَّذي بيَّنه اللهُ تعالى مِن الأحكامِ في هذه الآيةِ- كتحريمِ الأكلِ، والشُّرب، والجِماعِ في نهار الصِّيام، وغير ذلك مِن محرَّمات- قد عرَّفها اللهُ تعالى لعباده، وبيَّنها، لتفصلها عن الحلالِ، وتتميَّزَ لهم، وعليهم أنْ يُبقُوا أنفسَهم بعيدةً عنها  .

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

أي: كما بيَّن اللهُ تعالى لعباده أحكامَ الصِّيام أتمَّ تبيينٍ، فكذلك يُبيِّن أيضًا سائرَ الأحكام الأخرى في كتابِه أو على لسانِ رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلامُ، ويوضِّحُها لهم أكملَ إيضاح؛ كي يقوموا بأحكامِه؛ فِعلًا لِما أمَر، واجتنابًا لِما نهى  .

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا حذَّر الله تعالى من الجُرأة على مخالفة حُكم الصِّيام غيرِ المأذون فيه في قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ، وهو ضربٌ من الأكْل الحرام- عطَف عليه أكلًا آخَرَ مُحرَّمًا، وهو أكلُ المال بالباطل  . وأيضًا لَمَّا سبَق في آيات الصِّيام تحريمٌ لأشياءَ خاصَّة في زمانٍ خاصٍّ- ذكَر عَقِبَه ما تحريمُه عامٌّ في زمانه، وهو أكْل أموال النَّاس بالباطل  ، فقال:

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.

أي: لايأخُذْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بغير الطُّرق التي أباحها اللهُ تعالى لذلك  .

ثم أفرد الله تعالى بالذِّكر أحدَ أنواع أكْل أموال الناس بالباطل، فقال:

وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ.

أي: لا تتوصَّلوا بحُكم الحاكم إلى أكلِ الأموال بغير حقٍّ؛ وذلك كأن يجحَدَ امرؤٌ الحقَّ الذي عليه، وليس عليه بيِّنة، ثمَّ يُخاصمه عند القاضي، فيطلُب القاضي من المدَّعِي بيِّنةً، فإن لم تكُنْ له بيِّنة طلَب من المدَّعَى عليه اليمينَ، فإذا حلَف بَرِئ، فتوصَّل إلى جَحدِ مالِ غيره بالمحاكمة، أو يتوصَّل إلى ذلك برِشْوة الحاكم بالمالِ؛ ليحكمَ له بتلك الأموالِ بغير حقٍّ  .

لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

أي: فتكونون بذلك آكِلينَ طائفةً مِن أموال النَّاس بالحرامِ، وأنتم تعلَمون أنَّكم واقِعونَ في الحرام  .


الفوائد التربويَّة:

1- النَّظر في حِكمة الله سبحانه وتعالى في تنويعِ العبادات؛ فمِنها ما هو ماليٌّ محضٌ: كالزَّكاة، ومنها ما هو بدنيٌّ محضٌ؛ كالصَّلاة، ومنها ما هو مركَّبٌ منهما: بدَنيٌّ، وماليٌّ: كالحجِّ، ومنها ما هو مِن قَبيل التُّروك: كالصِّيام؛ وذلك ليتمَّ اختبارُ المكلَّف؛ لأنَّ مِن النَّاس مَن يَهُون عليه العملُ البدنيُّ دون الماليِّ، ومنهم مَن يكونُ بعكسِ ذلك، وهكذا  .

2- تَسليةُ المكلِّف لِمَن كلَّفه بعمل؛ ليهُون عليه القيامُ به، ومن ذلك: الإشارةُ إلى تكليفِ غيرِه به من قَبلُ؛ لقوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذين مِنْ قَبْلِكُمْ، ومن ذلك أيضًا: التعبيرُ بكلماتٍ يكونُ بها تهوينُ الأمرِ على المكلَّف؛ لقوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودُاتٍ  .

3- يَنبغي سلوكُ الأسبابِ الموصِّلة إلى تحقيقِ التَّقوى؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أوجَب الصِّيامَ لهذه الغايةِ في قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  .

4- النَّظَر في حِكمةِ الله سبحانه وتعالى في التدرُّج بالتَّشريع؛ حيث كان الصِّيامُ أوَّلَ الأمرِ على سبيلِ التَّخيير، فإمَّا أنْ يصومَ، وإمَّا أنْ يُطعِمَ كما قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، ثمَّ تعيَّن الصِّيامُ على القادرِ بعد ذلك  .

5- أنَّ مِن شرط إجابةِ الدُّعاء أنْ يكونَ الدَّاعي صادقَ الدَّعوة في دعوةِ الله عزَّ وجلَّ؛ بحيث يكون مخلصًا مُشعِرًا نفسَه بالافتقار إلى ربِّه، ومشعِرًا نفسَه بكرَمِ الله وجُودِه؛ لقوله تعالى: إِذَا دَعَانِ  .

6- أنَّ الإنسانَ كما يخُون غيرَه قد يخُون نفسَه؛ وذلك إذا أوقَعها في معاصي اللهِ؛ فإن هذا خيانةٌ، وعلى هذا فنفسُ الإنسان أمانةٌ عنده؛ لقوله تعالى: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 187]   .

7- أنَّه ينبغي البُعدُ عن المحارمِ؛ لقوله تعالى: فَلَا تَقْرَبُوهَا  .

8- أنَّ العِلم سببٌ للتَّقوى؛ لقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، ووجهُه: أنَّه ذكَره عقِبَ قولِه تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ؛ فدلَّ هذا أنَّه كلَّما تبيَّنتِ الآياتُ حصَلت التَّقوى، ويؤيِّدُ ذلك قولُه تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28] ، فكلَّما ازداد الإنسانُ عِلمًا بآياتِ الله، ازداد تُقًى؛ ولهذا يُقال: مَن كان باللهِ أعرَفَ كان منه أخوَفَ  .

9- في قوله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: 187] ، إشارةٌ إلى علوِّ مرتبةِ التَّقوى؛ لكونِ الآياتِ تبيَّنُ للناسِ مِن أجلِ الوصول إليها  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف :

1- مِن فوائدِ التَّشبيه المذكور في قوله تعالى: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذين مِنْ قَبْلِكُمْ: استكمالُ هذه الأمَّةِ للفضائلِ الَّتي سَبَقت إليها الأممُ السَّابقة، وليكون للمسلمين فيه أُسوةٌ، وليجتهدوا في أداءِ هذا الفرض بأكملَ ممَّا فعَله مَن سبَقهم  .

2- ثبوتُ تفاضُلِ الأعمال؛ لقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، وتفاضُلُ الأعمال يستلزم تفاضُلَ العامل  .

3- في قوله تعالى: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ إثباتُ صِفة العلوِّ لله تعالى؛ لأنَّه أَنزَل القرآن، والإنزالُ إنَّما يكون من عُلْوٍ  .

4- أنَّ المشقَّةَ تَجلِب التَّيسيرَ؛ لقوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ؛ لأنَّ المرَضَ والسَّفر مَظِنَّةُ المشقَّةِ  .

5- في قوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ إثباتُ صِفة الإرادةِ لله تعالى، والمرادُ بها هنا: الإرادةُ الشَّرعيَّة، وهي بمعنى المحبَّة  .

6- قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي... إِذَا دَعَانِ تخلَّل الدُّعاء أحكامَ الصيام؛ إشارةً إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدَّة، بل وعند كلِّ فِطر  .

7- قيل: إنما قال تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌ ولم يقل: (فقل لهم إني قريب) إيجازًا لظهوره من قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي، وتنبيهًا على أنَّ السؤال مفروضٌ غير واقع منهم بالفعل، وفيه لطيفةٌ قرآنية، وهي إيهام أنَّ الله تعالى تولَّى جوابهم عن سؤالهم مباشرةً منه إليهم؛ إذ حذف في اللفظ ما يدلُّ على وساطة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ تنبيهًا على شدَّة قُرب العبد من ربِّه في مقام الدُّعاء، واحتيج للتأكيد بـ(إنَّ)؛ لأنَّ الخبر غريبٌ، وهو أن يكون تعالى قريبًا مع كونهم لا يرونه  .

8- قُيِّدَت هذه الآية بالمشيئة فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء، وأمَّا قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فأطلقت فيه إجابة الدعوة دون تقييدٍ بالمشيئة؛ قيل لأنَّ الآية التي قُيِّدت: جاءت في دعاء الكفار، وجاءت الآية الأخرى في دعاء المؤمنين فلم تُقيَّد بالمشيئة؛ لأنَّ دعاء المؤمن لا يُرَد إلا إذا كان بإثمٍ أو قطيعة، وما جرى مجرى ذلك  .

9- قيل: جاء قولُه تعالى: إِذَا دَعَانِ بعد قوله تعالى: الدَّاعِ مع أن الدَّاعي لا يُوصَف بأنه داعٍ إلَّا إذا دعا؛ لأن المراد بقوله تعالى: إِذَا دَعَانِ: إذا صدق في دعائه إيَّاي؛ بأنْ شعَر بأنَّه في حاجةٍ إلى الله تعالى، وأنَّ الله سبحانه قادرٌ على إجابته، وأخلص الدعاء لله عزَّ وجلَّ بحيث لا يتعلق قلبه بغيره  .

10- أنَّ الزَّوجةَ سِترٌ للزَّوج، وهو سِترٌ لها، وأنَّ بينهما مِن القُربِ كما بين الثِّيابِ ولابِسِيها، ومِن التَّحصينِ للفُروج ما هو ظاهرٌ؛ لقوله تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ  .

11- أنَّه ينبغي أنْ يكونَ الإنسان قاصدًا بوَطْئِه طلَبَ الولَدِ؛ لقوله تعالى: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ  .

12- جوازُ أنْ يُصبِح الصائمُ جُنُبًا؛ لأنَّ اللهَ أباح الجِماعَ حتَّى يتبيَّنَ الفجرُ، ولازِمُ هذا أنَّه إذا أخَّر الجِماعَ لَم يغتسِلْ إلَّا بعد طلوعِ الفجرِ، وقد ثبَت عن الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّه كان يُصبِح جُنُبًا مِن جِماع أهلِه، ثم يصومُ  .

13- أنَّ بياضَ النَّهار وسوادَ الليل يتعاقبانِ، فلا يجتمعانِ؛ لقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ  .

14- أنَّ الاعتكافَ مشروعٌ في كلِّ مسجد؛ لعموم قوله تعالى: فِي الْمَسَاجِدِ  .

15- استنبط بعضُ أهل العلم أنَّ الاعتكافَ يكون في رمضان في آخره؛ لأنَّ الله تعالى ذكَر حُكْمه عقِبَ آياتِ الصِّيام؛ وهذا هو الذي جاءت به السُّنَّة  .

16- جاء قولُه سبحانه وتعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فلا تقْرَبُوها؛ عقب محرماتٍ، فناسب أن يُنهى عن قربانها، والنهي عن قِربان شيءٍ أبلغُ من النهي عن فعله، وجاء في موضعٍ آخر: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فلا تَعْتَدُوها عَقِبَ أوامر؛ فناسب أن يُنهى عن مجاوزتها  .

17- حِرص الشَّارعِ على حِفظ الأموال؛ لقوله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ؛ فالأموالُ تقُوم بها أمورُ الدِّين، وأمورُ الدنيا؛ كما قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: 5]   .


بلاغة الآيات :

1- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فيه تَكرارٌ للنِّداء؛ لإظهارِ مزيدِ الاعتناءِ، ولبيان حُكمٍ آخَر من الأحكام الشرعيَّة، بعدما سبَق تفصيلُه في الآيات الماضية عن القِصاص  .

2- قوله: كُتِب مبنيٌّ للمفعول- وكذا أمثاله من المكتوبات- وحُذِف الفاعل للعِلم به؛ إذ هو: الله تعالى-؛ لأنَّها مشاقُّ صعبةٌ على المكلَّف، فناسَب أنْ لا تُنسب إلى الله تعالى، وإنْ كان الله تعالى هو الذي كتَبها، وحين يكون المكتوبُ للمكلَّف فيه راحةٌ واستبشار يُبنى الفعل للفاعِل، كما في قوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: 54] ، وقوله: كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: 21] ، وأمثالها، وهذا من لَطيف عِلم البيان  .

3- قوله: عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ فيه تقديمٌ وتأخير، حيث قدَّم شِبه الجملة عَلَيْكُمُ على نائب الفاعل الصِّيَامُ، والأصل تأخيرها عنه؛ لأنَّ البَداءةَ بذِكر المكتوب عليه آكَدُ مِن ذكر المكتوب؛ لتعلُّق الكَتْب بمَن يؤدِّي  .

4- في قوله تعالى: أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ عُبِّر عن رمضانَ بأيَّامٍ، وهي جمْع قِلَّة، ووُصفَت بمَعدوداتٍ، وهي جمْعُ قِلَّة أيضًا؛ تهوينًا لأمرِه على المكلَّفين، والمعدوداتُ كنايةٌ عن القلَّة؛ لأنَّ الشيءَ القليل يُعدُّ عدًّا؛ ولذلك يقولون: الكثيرُ لا يُعَدُّ، ولأجْل هذا اختير في وصفِ الجمْعِ مجيئُه بلَفْظ مَعْدُودَاتٍ، وإنْ كان مجيئُه بلفظ (مَعْدودَة)- على طريقةِ الجمْع المُكسَّر الذي فيه هاءُ تأنيثٍ- أكثرَ 

5- قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فيه حذْف معمول تَعْلَمُونَ؛ إمَّا للاقتصار، أي: إنْ كنتم مِن ذوي العِلم والتَّمييز، وإمَّا للاختصار؛ للدَّلالة عليه، وفَهمه من السِّياق  .

6- قوله: فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فيه حذْفٌ، ووضْعٌ للمُظهر المتأخِّر مكانَ المضمَر الأوَّل؛ إذ أصله: فمن شهد فيه فليصم فيه؛ فأضمر (فيه) الأولى، وهذا يُفيد التعظيم والمبالَغة في البيان  .

7- وفي قوله: عَنِّي و: إنِّي من قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ: التفاتٌ من غَيْبَة إلى تَكَلُّمٍ؛ لأنَّ قبلَه، وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ، والاسمُ الظاهرُ في ذلك كالضميرِ الغائبِ، وفيه ما لا يَخفْى من تشريفِه ورفعِ محلِّه  .

- وقوله فَإِنِّي: فيه تقريبُ الجواب، وتنبيهٌ على شِدَّة قُرب العبد من ربِّه في مقام الدُّعاء، وإخباره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة؛ إشعارًا بفرط قُربه وحضوره مع كلِّ سائل فقال: فإنِّي دون (فقل إني)، فإنَّه لو أثبت (قل)، لأوهم بُعدًا وليس المقام كذلك، ولكان قوله: فَإِنِّي، موهمًا فيحتاج إلى أن يقال: (إنَّ الله) أو نحوه، ومع ذلك فلا ينفكُّ عن إشكال؛ وإذا كان هذا التلطُّف بالسَّائلين؛ فما ظنُّك بالسالكين السائرين  ؟!

- واحتيج للتأكيد بـ(إنَّ)؛ لتأكيد كونه تعالى قريبًا منهم، مع كونِهم لا يَرَوْنه  .

8- وردَ قوله تعالى: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ بعد قوله سبحانه: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ من باب ذِكر الخاصِّ بعد العامِّ، وفائدته: بيان شدَّة شَناعة هذه الصورة، ولأنها جامعةٌ لمحرماتٍ كثيرة  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (189 - 195)

۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(189)

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(190)

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ(191)

فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(192)

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ(193)

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(194)

وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(195)

غريب الكلمات:

مَوَاقِيتُ: جمْع مِيقات، وهو مِفْعالٌ من الوقت، وهو الوقتُ المضروبُ للشيء، والوعدُ الذي جُعِل له وَقْتٌ، وقد يُقال المِيقَاتُ للمكان الذي يُجعَل وَقْتًا للشيء، كمِيقَاتِ الحجِّ  .

ثَقِفْتُمُوهُمْ: وجدتُموهم، وظفِرتم بهم، وأصل ثقِف: الحِذق في إدراك الشَّيء وفِعله، وإقامة عِوَج الشيء  .

التَّهْلُكَةِ: الهَلَاك، وهو مصير الشيء بحيث لا يُدرى أين هو  .


المعنى الإجمالي:

سأَل النَّاسُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن الحِكمة من تغيُّر أحوال القمَر صِغرًا وكِبرًا على مراحلَ، فأعلَمه الله سبحانه بالجواب الذي يردُّ به على تساؤلِهم، وهو أنَّ الحكمةَ من خَلْق ذلك أنْ يضبطَ به النَّاس شوؤنهم المؤقَّتة بأوقاتٍ؛ كصومِهم، وفِطرهم، وعدَّة نسائهم، وآجالِ ديونهم، وأوقات حَجِّهم، وغيرها.

ثم أخبَر سبحانه أنَّه ليس من الخير ما كان يفعلُه أهلُ الجاهليَّة من غير القُرَشيين، حيث يمتنعون حالَ إحرامِهم من دخول البيوت من قِبَل الأبواب، وإنَّما من الخَلْف، وأعلَمهم أنَّ البِرَّ والخيرَ في تقوى الله تعالى بامتثال أوامرِه، واجتناب مناهيه، وعليهم أنْ يدخلوا البيوتَ من أبوابها، وأن يلتزموا بالتَّقوى؛ بفعلهم المأمورَ، وتركِهم المنهيَّ عنه، رجاء أنْ يصِلوا بتقواهم تلك إلى الظَّفَر بما يطلُبون، والنَّجاةِ ممَّا يحذَرون.

ثمَّ أمَر الله المؤمنين بالقتال في سبيله، مَن يقاتِلُهم مِن مُقاتِلة الكفَّار، ولا يتجاوزوا ذلك إلى قَتْل النِّساء والأطْفال والشيوخ، وغيرهم ممَّن لم يشتركوا في قتالهم؛ فإنَّ ذلك تعدٍّ، والله تعالى لا يحبُّ المتجاوزين لحدودِ ما شرَع.

ثمَّ أمرَ اللهُ تعالى المؤمنين أنْ يقتلوا الكفَّار المقاتِلين لهم في أيِّ موضعٍ وجَدوهم، وأن يقوموا بإخراجِهم من الأماكن الَّتي أخرَجوا الَّذين آمَنوا منها من قبلُ؛ فإنَّ ما هم فيه من الشِّرك بالله تعالى أعظمُ من إزهاق أنفسِهم، كما أنَّ صدَّ المشركين للمؤمنين عن دِينهم؛ ليصيروا مِثلَهم، أشدُّ مِن أنْ يُقْتَلَ المؤمنون وهم مُتمسِّكون بدِينهم.

ونَهى الله المؤمنين عن ابتداءِ الكفَّار بقَتْلٍ وقِتالٍ في المسجد الحرام، لكن إذا ابتدأ الكفَّار فيه بذلك فليقتلهم المؤمنون؛ عُقوبةً لهم مثلما هي عُقوبة كلِّ كافرٍ مُعْتَدٍ، فإنْ تابوا وأسلموا وترَكوا القتالَ، فإنَّ الله يتجاوز عن سيئاتهم، ويرحمهم بتوفيقهم للخير.

ثمَّ كرَّر اللهُ الأمرَ بقتال المشركين؛ لئلَّا يكونَ ثمَّ إشراكٌ باللهِ، وتكون الطَّاعةُ والعبادة لله وحده. فإنْ ترَك هؤلاء المشركون القتالَ، وتابوا إلى الله فقد وجَب الكفُّ عن قتالهم؛ لأنَّه لا يستحقُّ المعاقَبةَ إلا مَن وقع في الظُّلم بشِرك، أو كُفر، أو قَتْل، أو مقاتَلة، وهؤلاء بتوبتِهم قد تخلَّصوا من الظُّلم.

ثم بيَّنَ اللهُ لعباده المؤمنين أنهم إن قاتَلهم المشركون في أحَدِ الأشهر الحُرُم، فليقاتلوهم فيه، فكما انتهكوا للمؤمنين حرمةَ شهرِهم الحرام، فإنَّ للمؤمنين أن يَنتهكوا حُرمةَ شَهرِهم جزاءً عادلًا، ومَن تعدَّى على المؤمنين، فليردُّوا عليه عدوانَه بمِثله، وأمَرَهم بتقواه عزَّ وجلَّ؛ حتَّى لا يتجاوزوا الحدَّ الَّذي رخَّص لهم في المعاقَبة به، وهو العقوبة بالمِثل، وليتيقَّنوا أنَّ اللهَ مع مَن اتَّقاه؛ فامْتَثل المأمورَ وترَكَ المحظورَ.

ثمَّ أمرَ اللهُ المؤمنين بإنفاق المال في أوجهِ القُرَب، ومنها: الإنفاقُ في جهاد أعداء الدِّين؛ إعلاءً لكلمةِ الله تعالى، ونَهاهم عن الوقوعِ فيما يكون سببًا لهلاكهم وعذابهم؛ وذلك بتَرْك ما أمَر الله تعالى به، أو بفِعْل ما نهاهم عنه، ومِنه: بُخْلهم عن الإنفاقِ في سبيل الله، وأمَرهم سبحانه أنْ يتحلَّوا بالإحسانِ في جميع أحوالهم، في معاملتِهم لخالقِهم، وفي تعاملِهم مع المخلوقين مثلهم؛ وذلك لأنَّ الله تعالى يحبُّ مَن كان متَّصفًا بالإحسانِ.


تفسير الآيات:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا أتمَّ الله سبحانه وتعالى البيانَ لِمَا أراده ممَّا شرَعه في شهر الصَّوم ليلًا ونهارًا، وبعض ما تبِع ذلك، وكان كثيرٌ من الأحكام يدور على الهلال، لا سيَّما الحجُّ، وكانت الأهلَّة كالحُكَّام تُوجب أشياءَ وتَنفي غيرها؛ كالصِّيام والدُّيون والزَّكوات، قال سبحانه  :

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.

أي: يسألُك أصحابُك يا محمَّد عن القمرِ حين يبدو هلالًا في بدايات الشَّهر ونهاياته: ما حِكمةُ هذا التغيُّر، خلافًا للشمس الباقية على هَيئةٍ ثابتة؟ فلقَّنه الله تعالى الإجابةَ بأنَّها خُلِقت؛ ليعرفَ النَّاسُ بها أوقاتَ حَجِّهم، وشهر صومهم، ويوم فِطرهم، وعِدَد نِسائهم، وغير ذلك من أحكامهم  .

وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا.

سبب النُّزول:

عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البَراء رضي الله عنه يقول: ((نزلت هذه الآيةُ فينا، كانت الأنصارُ إذا حجُّوا فجاؤوا لم يدخلوا من قِبَل أبواب بيوتهم، ولكن مِن ظهورها، فجاء رجل من الأنصار فدخَل من قِبَل بابه، فكأنَّه عُيِّرَ بذلك فنزلت  : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا))  .

وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا.

أي: إنَّ هذا العملَ مع اعتقاده قُربةً، ليس مِن الخير في شيء، فنفَى الله تعالى مشروعيَّتَه؛ وذلك أنَّ أهلَ الجاهلية من سوى القُرشيِّين، كانوا إذا أحرَموا بحجٍّ أو عُمرة لم يدخلوا البيوتَ من أبوابها؛ تعبُّدًا لله عزَّ وجلَّ، فإذا احتاجوا منها شيئًا دخلوا من خلفِها، يظنُّون ذلك خيرًا يتقرَّبون به إلى الله عزَّ وجلَّ  .

وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا.

أي: إنَّ البِرَّ الحقيقيَّ هو أنَّ يتَّقيَ العبدُ ربَّه عزَّ وجلَّ؛ بامتثال أوامره، واجتنابِ نواهيه، لا التعبُّد بما لم يشرَعْه الله جل وعلا؛ ولذا أمَر بإتيان البيوتِ مِن أبوابها كما هو الأصلُ الَّذي جرَتْ به العادة؛ إذ لا دليلَ يمنَعُ مِن ذلك حال الإحرام  .

وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

أي: افعَلوا ما أمَركم الله تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، ومن ذلك: تَرْكُ الابتداع، والالتزام بالاتباع، من أجل أنْ تظفَروا بما تطلُبون، وتنجُوا ممَّا تحذَرون  .

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190).

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.

أي: قاتِلوا- أيُّها المؤمنون-؛ لأجلِ الله تعالى وحْده، وإعلاءً لدِينه، وبالطريقة الَّتي شرَعها سبحانه، من يُقاتِلونكم من الكفَّار دون مَن سواهم  .

وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.

أي: لا تتجاوَزوا ما حدَّه اللهُ تعالى لكم ممَّا شرَعه مِن أحكام القتال، ومن ذلك عدمُ قتلِ النِّساء والأطفال والشيوخ، وغيرهم ممَّن لم يُعاونوا بأيِّ وسيلةٍ على قتالِ المؤمنين؛ وذلك لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يحبُّ مَن تجاوَز حدودَ ما شرعه، فوقَع في المحرَّمات، سواءٌ في القتال أو غيره  .

عن بُرَيدةَ بن الحُصَيب رضي الله عنه: ((أنَّ الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سَريَّةٍ، أوصاه في خاصَّتِه بتقوَى اللهِ، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغْزُوا باسمِ اللهِ في سبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَن كفَر باللهِ، اغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتُلوا وليدًا، وإذا لقِيتَ عدوَّك مِن المشركين فادعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ- أو خِلالٍ-، فأيَّتهنَّ ما أجابوك، فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم  ))  .

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191).

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ.

أي: اقتُلوا الكفَّارَ الَّذين يُقاتِلون المؤمنين، في أيِّ مكانٍ ظفِرْتم فيه بهم، وإن لم يكونوا في ساحةِ القتال  .

وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ.

أي: أخرِجوا هؤلاء الَّذين يقاتلونكم مِن دياركم الَّتي أخرَجوكم منها من قبلُ  .

وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ.

أي: إنَّ ما هم عليه من الشِّرك بالله تعالى والكفر به، أمرٌ أعظمُ من إزهاق نفوسهم، كما أنَّ محاولاتهم لصدِّ المؤمنين عن دِينهم؛ ليصيروا مِثلهم من المشركين، أشدُّ مِن أنْ يُقتلوا وهم مستمسِكون بدِينهم؛ فالفتنة تتكرَّر أضرارُها، بينما يحدُث ألَمُ القتلِ مرَّةً واحدة، والقتل يقطَع عن الدُّنيا، لكن الفِتنة قد تقطَع عن نعيم الآخرة  .

وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ، يُقَاتِلُوكُمْ، قَاتَلُوكُمْ قراءتان لكلٍّ منها:

1- وَلَا تَقْتُلُوهُمْ، يَقْتُلُوكُمْ، قَتَلُوكُمْ أي وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يقتلُوا بَعْضكُم، فإنْ قتلوا بَعْضكُم فاقتلوهم  .

2- وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ، يُقَاتِلُوكُمْ، قَاتَلُوكُمْ أي لا تحاربوهم حَتَّى يحاربوكم فَإِن حاربوكم فاقتلوهم، والمراد النهي عن قصدِهم بالقتال حتى يكون الابتداء منهم، والقِتَال من اثنين، والقَتْل من الواحد  .

وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.

أي: نهى اللهُ تعالى عِبادَه المؤمنين عن ابتداءِ الكفَّار بقتلٍ أو قتالٍ في المسجد الحرام حتى يكونوا هم الَّذين يبدَؤون بذلك، فإن قاتَلوكم أو قتَلوكم، فاقتُلوهم دَفْعًا لعُدوانهم عليكم  .

كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ.

أي: كما قرَّرنا القتل جزاءً على من قاتلكم أو قتلكم، فجزاء الكافرين (المعتدين) أيضًا القتلُ، وفي هذا تهديدٌ لهم  .

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

أي: فإنْ ترَكوا القتال وأسلَموا، فإنَّ الله تعالى يتجاوَزُ عن كلِّ ما سلَف منهم من سيِّئات، وبرحمته يوفِّقُهم للخير الَّذي يُثِيبهم عليه حسنات  .

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193).

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ.

أي: قاتِلوا المشركين الَّذين يقاتِلونكم حتى لا يكونَ ثَمَّ شِركٌ بالله تعالى، فتكون العبادة والطَّاعة لله عزَّ وجلَّ وحده دون غيره، فهذا هو المقصودُ مِن القتال  .

عن أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، قال: ((جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: الرجلُ يُقاتِلُ حَمِيَّةً، ويُقاتِلُ شَجاعَةً، ويُقاتِلُ رِياءً، فأيُّ ذلك في سبيلِ اللهِ؟ قال: مَن قاتَل لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا، فهو في سبيلِ اللهِ  ))  .

فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.

أي: فإنْ توقَّفوا عن قتالكم وأسلَموا، وأخلَصوا العبادةَ لله تعالى وحده، فقد تخلَّصوا من الظُّلم، فكُفُّوا عنهم؛ فإنَّه لا تحلُّ معاقَبة أحدٍ بقتاله أو قتله، إلَّا لِمَا وقَع منه من ظلمٍ بشِرك أو كُفر أو قَتْل أو مقاتَلة  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أُمرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فمن قال: لا إلهَ إلا اللهُ، فقدْ عصَم منِّي نفسَه ومالَه إلَّا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ  ))  .

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194).

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ.

أي: إنْ قاتَلوكم في أَحدِ الأشهر الحُرُم، فقاتِلوهم فيه، وقيل: المراد أنَّ الشهرَ الحرام الذي قضى فيه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمسلمين معه العُمرةَ (وهو شهر ذي القَعدة) أيضًا، جاء في مُقابِل الشَّهر الحرام (شهر ذي القَعدة) الذي صدَّهم فيه المشرِكون عن العُمرة في العام الَّذي سبَق عمرةَ القضاء  .

وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ.

أي: كما انتهكوا لكم حُرمةَ شهرِكم، فقد انتهكتم منهم حرمةَ شهرهم أيضًا، سواءً بسواءٍ، جزاءً عادلًا، وكذا كلُّ شيء يُحترم كالبلدِ الحرام، وغيره من جميع ما أمَر الشرعُ باحترامه، فمن تجرَّأ عليه وانتهك حُرمته، فإنَّه يُقتصُّ منه بمِثله  .

فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.

أي: هذا أمرٌ من الله تعالى بالعدلِ حتى في شأنِ المعاقَبة، فيُقتصُّ مِن المعتدي بمِثل عُدوانه، دون زيادة  .

وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا كانت النفوسُ لا تقف في الغالب على حدِّها الذي رُخِّص لها في المعاقَبة؛ وذلك لرغبتِها في التَّشفِّي قال تعالى  :

 وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.

أي: أمَر تعالى بلزوم تقواه، بعدمِ تجاوزِ ما وجب لهم من القِصاص، ولْيعلَموا معتقدين جازمين بأن اللهَ عزَّ وجلَّ مع عباده المتَّقين الَّذين يمتثلون أوامرَه، ويجتنبون نواهيَه، فيؤيِّدهم وينصُرُهم ويوفِّقهم  .

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195).

سبب النُّزول:

عن حُذَيْفَة رضي الله عنه: ((وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؛ قال: نَزلَتْ في النَّفَقةِ   ))  .

وعن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ رضي الله عنه، قال: ((كنَّا بمدينةِ الرُّومِ، فأَخْرَجوا إلينا صَفًّا عظيمًا من الرُّومِ، فخرج إليهم من المسلمينَ مِثْلُهم أو أكثرُ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، وعلى الجماعةِ فَضَالةُ بنُ عُبَيدٍ، فحمل رجلٌ من المسلمينَ على صَفِّ الرُّومِ، حتى دخل عليهم، فصاح النَّاسُ وقالوا: سبحانَ اللهِ! يُلْقِي بيَدَيْهِ إلى التهلُكةِ، فقام أبو أيوبَ الأنصاريُّ فقال: يا أَيُّها النَّاسُ، إنَّكم لَتُؤَوِّلُونَ هذه الآيةَ هذا التأويلَ، وإنما نَزَلَت هذه الآيةُ فينا مَعْشَرَ الأنصارِ، لَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإسلامَ وكَثُرَ ناصِرُوه، فقال بعضُنا لبعضٍ سِرًّا دون رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ أموالَنا قد ضاعَت، وإنَّ اللهَ قد أَعَزَّ الإسلامَ وكَثُرَ ناصِرُوه، فلو أَقَمْنا في أموالِنا فأَصْلَحْنا ما ضاع منها، فأنزل اللهُ تبارك وتعالى على نَبِيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَرُدُّ علينا ما قُلْنا؛ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] ، فكانت التَّهْلُكَةُ الإقامةَ على الأموالِ وإصلاحِها، وتَرْكَنا الغَزْوَ، فما زال أبو أيوبَ شاخصًا في سبيلِ اللهِ حتى دُفِنَ بأرضِ الرُّومِ  ))  .

ولا تعارضَ بين الرِّوايتينِ، بل إنَّ رِواية أبي أيُّوبَ رضي الله عنه هي مُبيِّنة ومفسِّرة للإجمالِ الوارد في رِواية حُذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه السَّابقة  .

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.

أي: أَنفِقوا قُربةً لله عزَّ وجلَّ في وجوه الطاعات- ومن ذلك: الإنفاق في جهاد أعداء الدِّين؛ لإعلاءِ كلمة الله تعالى- واجتَنِبوا إلْقاءَ أنفُسِكم فيما فيه هلاكُها وعذابُها، وذلك بتَرْك ما أمَر الله تعالى به، أو فِعْل ما نهى عنه، ومن ذلك: تَرْك الإنفاق في الجهاد؛ فليستِ التَّهلكةُ أن يُقتَل الرَّجُلُ في سبيل الله تعالى، ولكنَّ التَّهلكةَ في ترْك الإنفاق في سبيله سبحانه  .

وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.

أي: أمَر اللهُ تعالى عبادَه بأن يُحسنوا في كل شيء؛ في معاملتِهم للخالق عزَّ وجلَّ بعبادته كأنَّهم يرَوْنه، وفي معاملتِهم للمخلوقين؛ بذلًا للمعروف، وكفًّا للأذى؛ وذلك لأنَّ الله تعالى يحبُّ المحسنين  .

عن شدَّاد بن أوسٍ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: ((إنَّ اللهَ كتَب الإحسانَ على كلِّ شيٍء، فإذا قتلتم فأحسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسِنُوا الذَّبحَ، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، فليُرِحْ ذبيحتَه  ))  .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّ العاداتِ لا تجعَل غيرَ المشروع مشروعًا؛ لقوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا، مع أنَّهم اعتادوه واعتقَدوه من البِرِّ، فمن اعتاد شيئًا يعتقده بِرًّا، فإنَّ عليه أنْ يعرِضَه على شريعة الله  .

2- أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يأتيَ الأمور من أبوابها؛ ليحصلَ على مقصوده؛ لقوله تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا؛ فإن هذه الآيةَ كما تناوَلتِ البيوت الحسِّيَّة تناولت أيضًا الأمورَ المعنويَّة  .

3- أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا نَهَى عن شيءٍ فتَح لعباده مِن المأذون ما يقومُ مقامَه؛ فإنَّه لَمَّا نفى أنْ يكونَ إتيانُ البيوت من ظهورها من البِرِّ، بيَّن ما يقومُ مقامَه؛ فقال تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا  .

4- أنَّه ينبغي للمتكلِّم أنْ يذكُرَ للمخاطَب ما يهيِّجه على الامتثال؛ لقوله تعالى: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ  .

5- حُسن تعليمِ الله عزَّ وجلَّ؛ حيث يقرنُ الحُكمَ بالحِكْمَة؛ لقوله تعالى: وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ  .

6- فضيلة التَّقوى؛ حيث ينال العبدُ بها مَعيَّةَ الله؛ وإذا كان الله معك فإنَّه ينصُرك، ويُؤيِّدك، ويثبِّتُك، فهذا يدلُّ على فضيلة السَّبب الذي هو التقوى؛ لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، وقد أكَّد الله تعالى هذه المعيَّةَ للمتَّقين بقوله تعالى: وَاعْلَمُوا؛ فلم يقتصر على مجرَّدِ الإخبار بها، بل أمَرنا أنْ نعلَمَ بذلك  .

7- الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللهِ، ويدخل في هذا: القصد، والتنفيذ؛ بأنْ يكون القصدُ لله، وأن يكون التنفيذُ على حسَب شريعةِ الله؛ كما قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67]   .

8- أن المعتديَ لا يُجازَى بأكثرَ مِن عدوانه؛ لقوله تعالى: بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فلا يقول الإنسان: أنا أريد أنْ أعتديَ بأكثرَ للتشفِّي، ومن ثَمَّ قال العلماء: إنه لا يُقتَصُّ مِن الجاني إلَّا بحضرة السلطان أو نائبِه؛ خوفًا من الاعتداء؛ لأنَّ الإنسانَ يريدُ أنْ يتشفَّى لنفسِه، فربما يعتدي بأكثرَ  .

9- في قوله: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الأمر بالإنفاق في سائر وجوه القُربات والطاعات، ومن أهمها: صرف الأموال في قِتال الأعداء، وبذْلها فيما يقوى به المسلمون على عدوِّهم، وأنَّ الإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكةٌ للنفس بالشُّحِّ، وتهلكةٌ للجماعة بالعجز والضَّعف، وبخاصَّة في نظامٍ يقوم على التطوُّع، كما كان يقوم الإسلام 

10- في الأمرِ بالإحسان بعد ذِكْر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهيِ عن الإلقاء باليدِ إلى التَّهلُكة: إشارةٌ إلى أنَّ كلَّ هذه الأحوال يلابِسُها الإحسان ويحفُّ بها؛ ففي الاعتداء مثلًا يكون الإحسانُ بالوقوف عند الحدود، والاقتصاد في الاعتداء، وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرِّفق بالأسير والمغلوبِ، وبحِفْظ أموال المغلوبين وديارِهم من التَّخريبِ والتحريق، وغير ذلك  . وقوله: وَأَحْسِنُوا يشمَلُ جميعَ أنواع الإحسان؛ لأنَّه لَم يقيِّدْه بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسانُ بالمال، وبالجاه، وبالشَّفاعات، وغير ذلك  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- حِرص الصَّحابة رضي الله عنهم على العلم؛ لقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ  .

2- بيان عِلم الله، وسَمْعه، ورحمته؛ لقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ؛ علِم اللهُ بسؤالهم، وسمِعه، ورحِمهم بالإجابة  .

3- أنَّ الميقات المعتبرَ هو الذي وضَعه الله للناس- وهو الأهلَّة- فالأصل أنْ يكونَ هو الميقاتَ العالَمي؛ لقوله تعالى: مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ، وأمَّا التوقيتُ بالأشهر الإفرنجيَّة فلا أصلَ له  .

4- إثبات العَدْل لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، والجزاء من جِنس العمل  .

5- أنَّ ما كان سببًا للضَّرر فإنَّه منهيٌّ عنه؛ لقوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ  .

بلاغة الآيات:

1- قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ

- فيه اختصار بليغ؛ إذ نبَّه تعالى بقوله: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ على جميع المنافِع التي تكون في اختلاف أحوال القمر؛ لأنَّ تعديد جميع هذه الأمور يَقضي إلى الإطناب، والاقتصار على البعض دون البعض ترجيحٌ من غير مرجِّح؛ فلم يبقَ إلَّا الاقتصار على كونه ميقاتًا، فكان هذا الاقتصار دليلًا على الفصاحة العظيمة لهذا الكلام البليغ  .

- وإفرادُ الحجِّ بالذِّكر لبيان أنَّ الحجَّ مقصورٌ على الأشهُر التي عيَّنها الله تعالى لفرضه، وأنَّه لا يجوز نقْل الحجِّ من تلك الأشهُر إلى أشهرٍ أخرى، كما كانتِ العربُ تَفعَل ذلك في النَّسيء  .

2- قوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه إيجازٌ بديع؛ فقوله: فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ جواب الشرط، وكلُّ سامعٍ يعلم أنَّ وصْف الله تعالى بالمغفرة والرحمة لا يترتَّب على الانتهاءِ، فيَعلم أنَّه تنبيهٌ لحصول المغفرة والرحمة لهم إنِ انتهوا، وهذا من إيجاز الحذْف  .

3- قوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ

- وضع قوله: إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ موضعَ (على المنتهين)، أي: فلا تظلموا إلَّا الظالمين غيرَ المنتهين، فوضَع العِلَّة موضعَ الحُكم، وسمَّى جزاء الظالمين عدوانًا؛ للمشاكلة، والفاء الأُولى للتعقيب، والثانية للجزاء  .

- وفي قوله سبحانه فَلَا عُدْوَانَ نفيٌ عامٌّ يُراد به النَّهي، أي: فلا تعتدوا، وذلك على سبيل المبالغة؛ فالعدول عن النهي إلى النفي المحض العام، ألزمَ في المنع؛ إذ صار من الأشياء التي لا تقع أصلًا  .

4- قوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فيه الإخبار عن الحُرمات بلفظ قِصاص، وهو من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة  .

5- قوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ تفريعٌ  عن قوله: وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ، ونتيجةٌ له؛ ففيه من البلاغة: فَذْلَكة التقرير، وسُمِّي جزاءُ الاعتداء اعتداءً؛ مشاكلةً  .

6- قوله: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييلٌ للترغيب في الإحسان؛ لأنَّ محبة الله عبدَه غايةُ ما يطلبه الناس؛ إذ محبَّة اللهِ العبدَ سببُ الصلاحِ والخيرِ دُنيا وآخِرة، واللام للاستغراق العُرفي، والمراد المحسنون من المؤمنين  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (196 - 203)

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(196)

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ(197)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ(198)

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(199)

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200)

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(201)

أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(202)

۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(203)

غريب الكلمات:

أُحْصِرْتُمْ: مُنِعتُم، وأصل الحصْر: الجمْع والحبْس والمنع  .

اسْتَيْسَرَ: تَيَسَّرَ، وَسَهُلَ  .

الْهَدْيِ: مُختصٌّ- في هذا الموضِع- بما يُهْدَى إلى البيتِ من الأنعام؛ قربةً إلى الله، وواحدتُه: هديَّة، وهي: كلُّ ما يُهدَى إلى ذِي مَوَدَّةٍ  .

مَحِلَّهُ: المَحِلُّ: الموضِع الذي يَحلُّ فيه نَحْر الهدْي  .

أَذًى: مَا يُكره ويُغتمُّ به  .

نُسُكٍ: جَمْع نسيكة، وهي الذَّبيحة التي تُوزَّع على فُقراء الحرم، وأصل (نسك): يدُلُّ على عبادةٍ وتقَرُّبٍ إلى اللهِ تعالى؛ ومنه قيل للعابد: ناسِك، واختصَّ بأعمال الحجِّ  .

جُنَاحَ: إثْمَ، سمِّي بذلك لِمَيله عن طريق الحقِّ؛ فأصله: جَنَح، إذا مال وتعدَّى  .

أَفَضْتُمْ: دَفعتُم بِكَثْرَة، وأصل الفيض: جَريانُ الشيء بسُهولة  .

خَلَاق: نصيبٌ، وحظٌّ في الخير  .


مشكل الإعراب:

قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ:

فَمَا: الفاء رابطةٌ لجواب الشرط، و(ما) موصولةٌ بمعنى الذي، وهي مبتدأ في محلِّ رفْع، والخبر محذوف، أي: فعليه ما استيسر، ويجوزُ أن تكون (ما) في موضِع نصب مفعول لفِعلٍ محذوف، والتقدير: فلْيُهدِ ما استيسر  .


المعنى الإجمالي:

يأمر اللهُ تعالى مَنْ شرعوا في الحجِّ أو العمرة بإتمام ما شَرَعوا فيه منهما، بأركانه وواجباته، مُخلِصين لله تعالى في ذلك، فإنْ مُنعُوا من الوصول للبيت الحرام لمانعٍ من خوفٍ أو مرضٍ أو لسبب آخر، فلْيَذبحوا ما تيسَّرَ لهم من الإبل، أو البقر، أو الغنم، وأمرهم سبحانه ألَّا يحلُّوا من إحرامهم إذا أُحصروا إلَّا بعد أن يَبلُغَ الهديُ الذي أوجبه الله عليهم محلَّ نَحْره، وهو موضع الإحصار- فأمَّا غير المُحصَر فيذبحه في الحرم، وإنْ كان في حجٍّ فينحره في يوم النحر منه- ومَن احتاج إلى حلْق رأسه لمرض، أو كان في رأسه ما يُؤذيه كالقمل، فله أنْ يَحلقَه، فإنْ فعل فهو مخيَّرٌ بين أن يصومَ عِوضًا عن ذلك ثلاثةَ أيَّام، أو يُطعِمَ سِتَّةَ مساكين، لكلِّ مسكين نصفُ صاع، أو يذبح شاةً.

فإذا زال المانعُ، وقدَروا على الوصول إلى البيت الحرام، فمَنْ أتى بعمرةٍ ثمَّ حلَّ منها متمتِّعًا بذلك الحلِّ إلى أن يَشرَع في أعمال الحجِّ- وكذا مَن قرَن بين الحج والعمرة- فإنَّ عليه ذبحَ ما قدر على ذبْحِه من الإبل، أو البقر، أو الغنم، فمَن لم يجِد، فلْيصُمْ بدلًا من ذلك، عشرة أيام، ثلاثة منها في أثناء الحجِّ، وسبعة إذا عاد إلى أهلِه وموطنِه بعد فراغه من أداء نُسكه، وهذا الحُكم للمتمتِّع الذي ليس أهله من حاضري المسجد الحرام، ثم أمَر سبحانه وتعالى بتقواه، وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ولْيعلمِ العبادُ أنَّ الله شديدُ العقوبة لمَنْ خالف ما أمرَ به، وارتكبَ ما نهى عنه سبحانه وتعالى.

ثمَّ يخبر عزَّ وجلَّ عن توقيت الحجِّ، وأنه واقعٌ في أشهرٍ معلومة هي شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فمَن أحرم بالحجِّ في تلك الأشهر فعليه أن يجتنبَ جِماعَ النِّساء ومقدِّماته، ولا يتحدَّثَ بذلك في حضرتهنَّ، ويجتنبَ أيضًا جميعَ المعاصي والتي منها محظورات الإحرام، وسبابَ المسلم، ويدَعَ الجدالَ بالباطل، ومنه المجادلة في وقتِ الحجِّ وأحكامه، فقد بيَّنها تعالى أتمَّ بيان وأوضحَه، وعليه أن يدعَ المراءَ والمنازعة والمخاصمة. وأخبر سبحانه عبادَه أنَّ ما يعملونه من خيرٍ فإنَّه به عالمٌ، وسيجزيهم عليه أفضلَ الجزاء، وأمَرَهم بالتزوُّد من الأقوات التي تُعينهم على الوصول إلى البيتِ الحرام، وأداء العبادة، وأعْلمهم أنَّ خيرَ الزاد هو ما أعانهم على الوصول إلى نعيمِ الآخرة، وهو التقوى بامتثال أوامرِه سبحانه وتعالى، واجتناب نواهيه، وأمَر بها أصحابَ العقول الذين يُدركون حقيقةَ التقوى وثمارها.

ثم شرَع سبحانه في بيان بعض أفعال الحجِّ، فأمر الحُجَّاجَ أن يذكروه سبحانه عند المزدلفة بعدَ أن يدفعوا إليها من عَرفات، وهذا الذِّكر الذي أمر الله به يدخُل فيه الصلاةُ والدعاء عندها، ولْيذكروه سبحانه شُكرًا له على أنْ أرشدهم إلى طريق الهداية وإنْ كانوا من قبلِ أن يرشدهم إليها لفي زيغٍ وضلال، واذكروه كذلك وفقَ الصِّفة المشروعة التي هداكم إليها.

ثم أمَر الله عزَّ وجلَّ عبادَه من الحُمْس  وهم قريش الذين كانوا لا يُفيضون من عرفات، أمرهم بالإفاضة منها كما كانتِ العرب قاطبةً تُفيض منها، وأمرَ سبحانه الحجاجَ أيضًا أن يطلبوا منه التجاوزَ عن ذنوبهم، وسترها لأنه جلَّ وعلا غفَّار الذنوب، والرَّحيم بعباده المؤمنين.

ثم خاطَب اللهُ عباده الحجاج أنَّهم إن أتمُّوا مناسك حجهم، وتحللوا من إحرامهم فلْيكثروا من ذكره سبحانه وتعالى، ولْيكن ذكرهم له كذكرهم مآثر آبائهم، بل عليهم أن يذكروه بأشدَّ من ذلك.

ثمَّ أَرشدَ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى دُعائه بعد الأمْر بالإكثار من ذكره؛ فإنَّ ذلك أَحْرى بالإجابة، وذمَّ سبحانه مَن لا يسأله إلَّا متاعَ الدُّنيا، وليس له في ثواب الآخرة أي نصيب، ومدَحَ المؤمنين الذين يسألون الله عزَّ وجلَّ من خيرَيِ الدنيا والآخرة، ويَطلُبون منه سبحانه أن يَصرِفَ عنهم عذابَ النار، فأصحابُ هذا القِسم لهم ثوابٌ عظيم على حَجِّهم الذي قاموا به، وسيُجيبهم الله إلى ما دَعوا به من خيرَيِ الدنيا والآخرة، والله سريعٌ في إحصاء أعمال عبادِه، سريعٌ في مجازاتهم.

ثم أمرَ جلَّ وعلا عبادَه بالتكبير في أيَّام التشريق، ويشمل ذلك التكبيرَ عند ذبح الأضاحي، والتكبيرَ المطلَقَ في سائر الأوقات، والتكبيرَ المقيَّد بعدَ الصلوات المفروضة، والتكبيرَ عند رمي الجِمار، ثم يُخبر تعالى أنه لا حرَجَ على الحاجِّ في تعجُّله بخروجه من مِنًى قبل غروب شمس اليوم الثاني من أيَّام التشريق، أو تأخُّره ببقائه فيها إلى اليوم الثالث لرمْي الجمرات، ما دام أنَّه في كلا الأمرين ممتثلٌ ما أمر الله به، مجتنبٌ ما نهاه عنه، ثم أوصى اللهُ عبادَه بتقواهُ بإطاعةِ أوامرهِ والانزجارِ عن نواهيه، وليتيقنوا أنَّهم سيُحشرون إليه سبحانه يوم القيامة.


تفسير الآيات:

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196).

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ.

أي: يا مَن شرَعتم في أعمال الحجِّ والعمرة، عليكم إتمامَهما بأركانِهما وواجباتهما، بإخلاصٍ لله تبارك وتعالى  .

فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

أي: فإنْ منَعكم وحبسكم خوفُ عدوٍّ، أو إصابةٌ بمرض، أو وقوع علَّةٍ أخرى، عن الوصول إلى البيت الحرام، فاذبحوا ما تيسَّر من بهيمة الأنعام، من الإبل أو البقر أو الغنم  .

وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.

أي: لا تَحِلُّوا من إحرامِكم إذا أُحصِرْتم عن حجٍّ أو عُمرة، حتى يبلغَ الهديُ- الذي أوجبتُه عليكم- محلَّ ذَبْحه، وهو موضع الإحصار  .

وحُكم الآية عامٌّ يَشمل غيرَ المُحصَر كذلك، فمحلُّ نَحْره في الحجِّ: في الحَرم يومَ النَّحر، وأمَّا في العُمرة ففي الحرم أيضًا  .

فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.

سبب النُّزول:

عن عبد الرَّحمن بنِ أبي لَيلى أنَّ كعبَ بن عُجْرة حدَّثه قال: ((وقفتُ على رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم بالحُديبيَة ورأسي يتهافت قملًا، فقال: يؤذيك هوامُّكَ، قلت: نَعم، قال: فاحلِقْ رأسَك، أو احلِقْ، قال: فيَّ نزلت هذه الآيةُ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ إلى آخرِها، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو تصدَّق بفَرَقٍ  بين سِتَّةٍ، أو انسُكْ ممَّا تيسَّر   ))  .

وعن عبد الله بن مَعقِل قال: ((قعدْتُ إلى كعبِ بنِ عُجْرَةَ في هذا المسجدِ- يعني مسجد الكوفة- فسألتُه عن فديةٍ من صيام، فقال: حُمِلْتُ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والقَمْلُ يَتَناثَرُ على وجهي، فقال: ما كنتُ أرى أنَّ الجَهْدَ قد بلَغَ بك هذا، أمَا تَجِدُ شاةً؟ قلتُ: لا، قال: صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو أَطْعِمْ ستَّةً مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ مِن طعامٍ، واحلِقْ رأسَك، فنزلت فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّة   ))  .

فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.

أي: إنَّ مَن مرض فاحتاج إلى حلق رأسه، أو كان برأسه أذًى كالقمل فحلَق رأسه، فعليه أن يقومَ- عِوضًا عن هذا الفعل- بصِيام ثلاثة أيَّام، أو إطعام سِتَّة مساكين لكلِّ مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، فهو مخيَّرٌ بين هذه الثلاثة  .

فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.

أي: إذا زالتِ الموانعُ وقدَرتُم على الوصولِ إلى البيت الحرام، فمَن أتى منكم بالعمرة متمتِّعًا بحِلِّه منها بما أحلَّه الله تعالى له من محظوراتِ الإحرامِ- إلى أنْ يَشْرَعَ في أعمال الحج- ومِثل ذلك مَن كان قارنًا بين الحجِّ والعُمرة- فعليه ذبحُ ما قدَر عليه من بهيمةِ الأنعام؛ من الإبل، أو البقر، أو الغَنم  .

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ.

أي: إنْ لم يَجِد المتمتِّعُ هديًا أو لم يجِدْ ثَمنَه، فعليه أن يصوم عوضًا عن ذلك ثلاثةَ أيَّام في أثناءِ الحج، وسبعةً إذا فرَغ من أعمال الحجِّ ورجَع إلى أهلِه وموطنِه، ثمَّ أكَّد الله تعالى صيامَ هذه الأيام بذِكر كامِلِ عددِها  .

ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

أي: إنَّ وجوب الهدي وبدله من الصيام، إنَّما هو للمتمتِّع إنْ كان أهله من غيرِ حاضري المسجد الحرام، وقد قِيل بأنَّ حاضري المسجد الحرام هم مَن حوله ممَّن بينهم وبينه من المسافةِ ما لا تُقصر إليه الصلوات  ، وقيل: هم أهلُ الحرم فقط  .

وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

أي: امتثِلوا أوامرَ الله عزَّ وجلَّ، واجتنبوا نواهيَه، ومن ذلك: امتثالُ المأموراتِ، واجتنابُ المحظورات المذكورة في هذه الآية، واعتقِدوا جازمين بأنَّه سبحانه شديدُ العقوبةِ لِمَن خالَف أمْرَه، وارتكَب نَهْيَه  .

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197).

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ.

أي: إنَّ وقتَ الحجِّ واقعٌ في أشهُرٍ معلومات، وهي: شوَّال، وذو القَعدة، وعشرٌ من ذي الحجَّة  .

فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ قراءتان:

1- فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ على أنَّ لا هنا ناهية، أي يحرم وقوع ذلك  .

2- فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ على أنَّ لا هنا نافية، تدلُّ على النفي العام لجميع الرَّفث وجميع الفسوق، وهذا النفي بمعنى النهي  .

فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ.

أي: إنَّ مَن أحرَم بالحجِّ (ذلك لأن الشُّروعَ فيه يُصيِّره فرضًا ولو كان تطوُّعًا في حقِّه)، فعليه أنْ يجتنبَ جِماعَ النِّساء ومقدِّماته، ولا يتحدَّث بذلك في حَضرتِهنَّ، وعليه اجتنابُ جميع المعاصي، ومن ذلك: محظورات الإحرام، وسِباب المسلِم، ويجتنب الجدالَ بالباطل، ومن ذلك: المجادَلة في وقت الحجِّ وأحكامِه؛ فقد بيَّنها اللهُ عزَّ وجلَّ أتمَّ بيانٍ، وعليه أنْ يترُكَ المِراءَ والمنازَعة والمخاصَمة  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: سَمعتُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ: ((مَن حجَّ للهِ، فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ، رجَع كيومَ ولدَتْه أمُّه  ))  .

وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا نهاهم اللهُ عزَّ وجلَّ عن فِعل الرَّذائل والمنكَرات، حثَّهم على فِعْل الفضائل والخيرات بقوله  :

وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ.

أي: كل ما يُقدِّمه العبادُ من الخيرِ من كثيرٍ أو قليل، فالله عزَّ وجلَّ عالمٌ به فيُحصيه لهم، ويَجزيهم عليه بالثَّوابِ الجزيل  .

وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.

سبب النُّزول:

عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ((كان أهلُ اليمن يحجُّون ولا يتزوَّدون، يقولون: نحن المتوكِّلون، فإذا قدِموا مكَّةَ سأَلوا النَّاس؛ فأنزَل الله عزَّ وجلَّ  : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى))  .

وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.

أي: تزوَّدوا مِن أقواتكم بما يُعِينكم على الوصولِ للبيت الحرام، وأداءِ مناسِكِ الحجِّ؛ فإنَّ في التزوُّدِ استغناءً عن المخلوقين، وإعانةً للمحتاجين، ولَمَّا أمَرهم الله عزَّ وجلَّ بأخذِ الزَّاد الدُّنيويِّ غذاءً لأجسادهم، أرشَدهم إلى الزَّاد الأخرويِّ الموصل لدار النَّعيم الأبديِّ، غذاءً لقلوبهم، وهو استصحابُ التَّقوى؛ بامتثالِ أوامرِه، واجتنابِ نواهيه  .

وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.

أي: واتَّقونِ يا أصحابَ العُقولِ الصَّحيحة والأفهام السَّليمة، التي تُدركون بها حقيقةَ التَّقوى وثَمرتَها، وتُميِّزون بها بين الحقِّ والباطل  .

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198).

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.

سبب النُّزول:

عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ((كانت عُكاظٌ ومَجنَّةُ وذو المجاز أسواقًا في الجاهليَّة، فلمَّا كان الإسلامُ تأثَّموا من التِّجارة؛ فأنزَل اللهُ تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ» قرأ ابنُ عبَّاس هكذا))  .

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.

أي: إنَّه لا حرَجَ على المؤمنين في التكسُّب من التِّجارةِ في مواسم الحجِّ  .

فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.

أي: إذا دفَعْتُم مِن عرفاتٍ إلى مزدلفة، فاذكروا اللهَ تعالى عند مزدَلِفة، ويدخُلُ في ذلك الصَّلاةُ والدُّعاء عندها  .

وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.

أي: اذكُروا اللهَ عزَّ وجلَّ شُكرًا على هِدايتِه لكم، ومِن ذلك: الإرشادُ إلى مناسِكِ الحجِّ الصَّحيحةِ، واذكروه على الصِّفة الَّتي هداكم لها، أي: وَفْق ما شرَعه سبحانه، وقد كنتم مِن قبلِ هذا الهُدى في ضلالٍ عن الطَّريق المستقيم، كأداءِ مَناسِكِ الحجِّ في الجاهليَّة خلافًا لِما جاء به إبراهيمُ الخليلُ عليه الصَّلاة والسَّلام  .

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199).

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ.

أي: أمر الله عزَّ وجلَّ عباده من الحُمْس، وهم قريش الذين كانوا لا يقفون بعرفات، بأن يُفيضوا منها كما كانتِ العربُ كلُّها تُفيض منها  .

عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: ((كانت العربُ تطوف بالبيتِ عُراةً، إلَّا الحُمْسَ، والحُمْسُ قريشٌ وما ولَدَتْ، كانوا يطوفون عُراةً، إلَّا أنْ تعطيَهم الحُمْسُ ثيابًا، فيُعطي الرِّجالُ الرِّجالَ، والنِّساء النِّساء، وكانت الحُمْسُ لا يخرُجون من المزدَلِفة، وكان النَّاس كلُّهم يبلغون عرفاتٍ، قال هشام: فحدَّثني أبي، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: الحُمْسُ هم الَّذين أنزَل الله عزَّ وجلَّ فيهم: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، قالت: كان النَّاسُ يُفِيضون من عرفاتٍ، وكان الحُمْس يُفيضون من المزدلفة، يقولون: لا نُفِيض إلَّا من الحرَم، فلمَّا نزلت: أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، رجَعوا إلى عرفاتٍ  ))  .

وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

أي: أمَر اللهُ تعالى حُجَّاج بيته أنْ يطلبوا المغفرةَ منه سبحانه، أي: ستْرَ ذنوبهم، والتجاوز عنها؛ فهو سبحانه وتعالى أهلٌ لأنْ يُطلَبَ منه ذلك؛ لأنَّه غفورٌ ورحيمٌ بعباده المؤمنين  .

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200).

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا.

أي: فإذا أتممتُم أداءَ مناسكِ الحجِّ، وتحلَّلتُم من النُّسك، فأَكْثِروا مِن ذِكْر الله عزَّ وجلَّ؛ شُكرًا له سُبحانه على إنعامِه بالتَّوفيق لأداء هذه العبادةِ العظيمة، وليكُن ذِكرُكم لله تعالى لا يقلُّ عن ذِكركم لآبائِكم، وذِكرِ مآثرِهم، بل عليكم أنْ تَذكروه بأشدَّ من ذلك  .

فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.

مُناسبتُها لِمَا قبلها:

لَمَّا أمَر الله تعالى بذِكره، أرشدَ إلى دُعائه؛ فإنَّه مظنَّةُ الإجابة  ، فقال:

فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.

أي: فمِن الناس مَن لا يَسألُ اللهَ تعالى إلَّا مصالحَ دُنياه، فيَسأله متاعَها وزِينتَها، ولا نَصيبَ له في ثواب الآخِرة؛ لرغبتِه عنها، وقُصورِ همَّته على الدُّنيا  .

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201).

أي: ومن النَّاس مؤمِنون يسألون اللهَ تعالى من خيريِ الدُّنيا والآخرة- سواءٌ في مناسِك الحجِّ، أو بعدَ أدائها، أو في غيرِ ذلك من الأوقات- وهذا شاملٌ للعِلم النَّافِع والعمَل الصالح، والرِّزق الحسَن، والعافية، وغير ذلك، وأما حسنةُ الآخرةِ الَّتي يطلُبونها فهي نعيمُ الجنَّة، كما أنَّهم يسأَلون ربَّهم عزَّ وجلَّ أنْ يصرِفَ عنهم عذابَ النَّار  .

كما قال تعالى حكايةً عن موسى عليه السَّلام: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ [الأعراف: 156] .

وعن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عاد رجلًا من المسلمينِ قد خَفَتَ  فصار مِثلَ الفرْخِ، فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: هل كنتَ تدعو بشيءٍ أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنتُ أقولُ: اللهم ما كنتَ مُعاقِبي به في الآخرةِ، فعَجِّلْه لي في الدُّنيا، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: سبحان اللهِ! لا تُطيقُه- أو لا تستطيعُه- أفلا قلتَ: اللهمَّ آتِنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ؟ قال: فدعا اللهَ له، فشفاه  ))  .

وسأل قَتادةُ أنسًا رضي الله عنه: ((أيُّ دعوةٍ كان يدعو بها النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أكثرُ؟ قال: كان أكثرُ دعوةٍ يدعو بها يقولُ: اللهمَّ آتِنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرِة حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ، قال: وكان أنسٌ إذا أراد أنْ يدعوَ بدعوةٍ، دعا بها، فإذا أراد أنْ يدعوَ بدعاءٍ، دعا بها فيهِ  ))  .

وعن عبد الله بن السَّائبِ رضي الله عنه، قال: ((سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول ما بين الرُّكنين: ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ  ))  .

أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202).

 أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا.

أي: إنَّ أُولئك الَّذين يقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ- لهم ثوابٌ جَزيل على حَجِّهم الَّذي باشَروا معاناتَه بأنفسهم وأموالهم، وسيؤتيهم اللهُ تعالى حظًّا ممَّا سألوه من خيريِ الدنيا والآخرة، وذلك بحسَب أحوالهم، وما تقتضيه حِكمة الله عزَّ وجلَّ  .

وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ.

أي: إنَّه سبحانه يُحصي أعمالَ العباد بسرعة، دون الحاجة إلى عقد أصابع، أو استخدام آلةٍ، وبلا حاجةٍ إلى فِكرٍ أو رَوِيَّة، كما يفعَلُ الخَلق، وهو سريع المحاسَبة للخَلْق يوم القيامة دون أنْ يظلِمَ أحَدًا شيئًا، ودون الحاجةِ إلى تذكُّرٍ أو تأمُّلٍ، كما أنَّه سبحانه سريعُ المجازاة لعباده  .

وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203).

وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ.

أي: أمَر اللهُ تعالى عبادَه- مِن حُجَّاج بيته وغيرِهم- بتكبيرِه في أيَّام منًى، وهي أيَّامُ التَّشريق الَّتي تشمَل ثلاثةَ أيَّام بعد يوم النَّحر، ويتعلَّقُ بذلك التكبيرُ عند ذَبْح الهدي والأضاحيِّ، والتكبير المطلَق في سائر الأحوال، والتكبير المقيَّد بعد الصلوات الخمسِ المفروضة، والتكبير عند رَمْيِ الجِمار  .

فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى.

أي: إنَّه لاحرَج على الحاجِّ، سواءٌ خرَج من منًى قبل غروب شمس اليوم الثَّاني مِن أيَّام التَّشريق، أو بقِي فيها إلى اليومِ الثَّالث لرَمْيِ الجمَرات، فله أنْ يختارَ ما شاء، ما دام أنَّه ممتثلٌ ما أمَر اللهُ تعالى به، ومجتنبٌ ما نهى عنه، وخاصَّةً فيما يتعلَّقُ بالحجِّ من مأموراتٍ ومحظورات  ، كما أنَّ كُلًّا من المتعجِّلين والمتأخِّرين إذا اتَّقَوُا اللهَ تعالى في حجِّهم فلم يرفُثوا أو يفسُقوا، خرَجوا من حَجِّهم بلا إثمٍ، طاهرينَ من الذُّنوب كيوم ولَدَتْهم أمَّهاتهم  .

وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر الله عزَّ وجلَّ تفرُّق النَّاس مِن الحجِّ إلى سائر البلدان بعد اجتماعهم في مشاعرِ الحج، ذكَّرهم باجتماعِهم عنده يومَ القيامة، فأمَرهم بما ينفَعُهم في ذلك اليوم فقال  :

وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.

أي: امتثِلوا أوامرَ الله عزَّ وجلَّ، واجتنبوا نواهيَه في الحجِّ وغيرِه، واعْلَموا أنَّكم تُجمَعون إلى الله تعالى يومَ القيامة، فتُجازَوْن بأعمالِكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشَرٌّ  .


الفوائد التربويَّة:

1- وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ: يعني أتموهما للهِ لا لغيره، لا تُراعوا في ذلك جَاهًا، ولا رُتبةً، ولا ثناءً مِن النَّاس  .

2- تيسير اللهِ على العباد؛ لقوله تعالى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، والدِّينُ كلُّه مِن أوَّلِه إلى آخرِه مبنيٌّ على اليُسر  .

3- أنَّ العِلمَ بشدَّةِ عقوبةِ الله من أهمِّ العلوم؛ ولهذا أمَر الله سبحانه وتعالى به بخصوصِه؛ لأنَّه يُورِث الخوفَ مِن الله، والهرَبَ مِن معصيَتِه، فقال سبحانه: وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  .

4- تذكير الإنسان بحالِه قبل كماله؛ ليعرِفَ بذلك قدرَ نعمةِ الله عليه؛ لقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ  .

5- بيَّن الله تعالى أولًا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثم بيَّن أنَّ الأَوْلى أن يترك ذِكر غيره، وأنْ يقتصرَ على ذِكره سبحانه، ثم بيَّن بعد ذلك كيفيةَ الدُّعاء، فقال: فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ... وما أحسنَ هذا الترتيبَ! فإنَّه لا بدَّ من تقديم العبادة لكسْر النفس وإزالة ظُلماتها، ثم بعد العبادة لا بدَّ من الاشتغال بذِكر الله تعالى؛ لتنويرِ القلب، وتجلي نور جلاله، ثم بعد ذلك الذِّكر يشتغل الرجل بالدعاء؛ فإنَّ الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقًا بالذكر  .

6- قرنُ المواعظ بالتخويف؛ لقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- لَمَّا كان لفظ القرآن في بيان الرُّخصة، جاء بالأسهل فالأسهل، فقال تعالى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  .

2- سَعةُ فضلِ الله عزَّ وجلَّ، وتيسيرُه في أحكامه، بوقوع الفِدْية على التَّخيير، وجَعْلِ الأكثرِ من صيام الفِدْيَة بعد رجوعه؛ لقوله تعالى: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، كما جعَل الإنسانَ مخيَّرًا بين أنْ يبقى ثلاثةَ أيَّام، أو يتعجَّل في يومين  .

3- البُعْد حالَ الإحرام عن كلِّ ما يشوِّش الفِكر، ويشغَلُ النَّفس؛ لقوله تعالى: وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ  .

4- أنَّه ينبغي للإنسان في حالِ بيعِه وشرائه أنْ يكونَ مترقِّبًا لفضلِ الله، لا معتمِدًا على قوَّتِه وكَسْبِه؛ لقوله تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ  .

5- ظهور منَّةِ الله على عباده بما أباح لهم من المكاسبِ، وأنَّ ذلك مِن مقتضى ربوبيَّتِه سبحانه وتعالى؛ حيث قال تعالى: فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ  .

6- أنَّ الذِّكر المشروعَ ما وافَق الشَّرع؛ لقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ  .

7- قرنُ الحُكم بالعلَّة؛ لقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقَرْنُ الحُكم بالعلَّةِ في مِثل هذا يُفيد الإقدامَ والنَّشاطَ على استغفارِ اللهِ عزَّ وجلَّ  .

8- في الأمر بالذِّكر عند انقضاء النُّسك في قوله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ، إشارةٌ إلى أنَّ سائرِ العبادات تَنقضي ويُفرَغ منها، وذِكر الله عزَّ وجلَّ باقٍ لا يَنقضي ولا يُفرَغ منه، بل هو مستمرٌّّ للمؤمنين في الدنيا والآخرة  .

9- أنَّ الأجدادَ داخِلون في مسمَّى الآباء؛ لأنَّ العربَ كانوا يفتخِرون بأمجادِ آبائهم، وأجدادهم، وقبائلهم، كما قال تعالى: فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ  .

10- في قوله تعالى: وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ إثباتُ صِفة السُّرعة لله عزَّ وجلَّ  .

11- أنَّ الأعمالَ الَّتي يُخيَّر فيها العبدُ إنَّما ينتفي الإثمُ عنها إذا فعَلها على سبيل التَّقوى لله عزَّ وجلَّ دون التهاونِ بأوامره؛ لقوله تعالى: لِمَنِ اتَّقَى؛ فمَن فعَل ما يُخيَّر فيه على سبيل التَّقوى لله عزَّ وجلَّ والأخذ بتيسيره، فهذا لا إثمَ عليه، وأمَّا مَن فعَلها على سبيل التهاونِ، وعدمِ المبالاة، فإن عليه الإثمَ بتَرْك التَّقوى، وتهاونِه بأوامرِ الله تعالى  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: فمَنْ لمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ

في قوله تعالى: فمَنْ لمْ يَجِدْ؛ حُذف المفعول؛ لأجْل العموم؛ ليشمل مَن لم يجِد الهدي أو ثمنه؛ فاستُفيد زيادة المعنى، مع اختصار اللفظ  .

قوله: عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ: فيه فذلكة الحِساب  ، أي: جِماعُه؛ فقوله: عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ فَذْلَكةٌ لقوله: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ... وسَبْعَةٍ، وفائدتها: أنَّ الواو قد تجيء بمعنى (أو) التي للتَّخيير، فيحتمل المعنى فِصيام ثلاثة أيام أو سَبعة؛ ففُذْلِكت نفيًا لتوهُّم التخيير، وأيضًا ففائدة الفَذْلكة في كلِّ حساب أن يُعلم العدد جملةً كما عُلِم تفصيلًا؛ ليُحاط به من جِهتين، فيتأكَّد العِلم؛ فإن أكثر العرب لم يُحسنوا الحساب، وفي أمثال العرب: عِلمان خيرٌ من عِلم، وليُعْلَم أنَّ المراد بالسبعة هو العددُ دون الكثرة؛ فإنَّه يطلق لهما. وكذلك كامِلَةٌ تأكيدٌ آخَر؛ فهي صِفة مؤكِّدة تُفيد المبالغة في محافظة العدد، أو مبيِّنة كمال العشرة؛ فإنَّه أوَّل عدد كامل؛ إذ به تنتهي الآحادُ وتتمُّ مراتبها، وفيه زيادة توصية بصيامها، وألَّا يُتهاون بها ولا ينقص من عددها  .

وقوله: فَصِيَامُ... خبرٌ معناه الأمر بالصيام، وإنَّما عدَل عن لفظ الأمْر إلى لفظ الخبَر؛ لأنَّ التكليف بالشيء إذا كان متأكِّدًا جدًّا، فالظاهر دخولُ المكلَّف به في الوجود؛ فلهذا السبب عبَّر بالإخبار عن الشيءِ بالوقوع الذي استقرَّ؛ لتأكُّد الأمر به، ومبالغة الشرع في إيجابه  .

وفي قوله: إِذَا رَجَعْتُمْ التفات، وحمْلٌ على معنى (مَن)، أمَّا الالتفات؛ فإنَّ قوله: فَمَن تَمَتَّعَ فَمَن لَّمْ يَجِدْ اسمٌ غائب؛ ولذلك استتر في الفِعلين ضميرُ الغائب، فلو جاء على هذا النَّظم لكان الكلام (إذا رجَع)، وأما الحمل على المعنى فإنَّه أتى بضمير الجمع رَجَعْتُمْ، ولو راعى اللَّفْظ لأفرد فقال (رجع)  .

2- قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ إظهارُ الاسمِ الجليلِ الله في موضِع الإضمار، وتكريره؛ لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوْعة، ولئلَّا يُفهِم الإضمارُ تقييدَ شديدِ عِقابه بخشية ممَّا مضى فقال: وَاعْلَمُوا تنبيهًا على أن الباعث على المخافة إنَّما هو العلم أَنَّ اللهَ أي: الذي لا يُدانِي عظمتَه شيءٌ شَدِيدُ الْعِقَابِ؛ هذا مع مناسبة هذا الخِتام لِمَا بعده من النهي عن الرَّفث وغيره  .

3- قوله: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ فِي الْحَجِّ فيه إظهارٌ في مقامِ الإضمارِ؛ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بشأنه، والإشعارِ بعِلَّة الحُكم؛ فإنَّ زيارةَ البيت المعظَّم والتقرُّبَ بها إلى الله عزَّ وجلَّ من موجبات تَركِ الأمورِ المذكورة، وإيثارُ النَّفي على النَّهي للمُبالغة في النَّهي، حتى جُعلت كأنَّها قد نهي الحاج عنها فانتهى، فانتفت أجناسها، وللدَلالة على أنَّ ذلك حقيقٌ بألَّا يكون؛ فإنَّ ما كان مُنْكرًا مستقبَحًا في نفسه، فهو في الحجِّ أقبحُ  .

4- قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ عبَّر بـثُم لتفاوت ما بين الإفاضتين (من عرفاتٍ، ومن المزدلفة)، وأنَّ إحداهما صوابٌ (التي من عَرَفات)، والثانية خَطأ (التي من مزدلِفة). ووقوع العطف بحَرْف المهلة ثُم، الذي يستدعي التراخي مضافًا إلى التغاير، وليس بين الإضافة المطلَقة والمقيَّدة تراخٍ؛ لأنَّ التراخي كما يكون باعتبار الزَّمان، قد يكون باعتبار علوِّ المرتبة وبُعدها في العلوِّ بالنسبة إلى غيرها ويعرف بـ(التراخي الرتبي)  . وهذا بناءً على القول بأنَّ المقصود بالناسِ في الآية هم العرب، وأنَّ الإفاضةَ المقصودةَ هنا هي الإفاضةُ من عَرفات.


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (204 - 207)

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204)

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205)

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206)

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207)

غريب الكلمات:

أَلَدُّ الخِصَامِ: أي: شديد الخُصومة، أو أشَدُّهم خصومةً؛ أصل اللَّدد: الشِدَّة؛ والْأَلَدُّ: الخَصيم الشَّديد التَّأبِّي، والخِصام: جمْع خَصم، أو مصدَر خاصَم  .

الحَرْثَ: الزَّرع، والبساتين والمزارع، وأصْلُه: إلقاء البَذر في الأرض وتهيئتها للزَّرع، والكَسبُ والجَمْعُ  .

النَّسْلَ: الوَلد والنَّجْل، وهو في الأصل: الانفصالُ عن الشَّيءِ  .

المِهَادُ: الفِراش، والقَرار، وأصل مَهَد: من توطئة الشيء وتسهيله  .

يَشْرِي: يَبِيع  .


المعنى الإجمالي:

يُخبِرُ تعالى أنَّ صِنفًا من النَّاس هم من المنافقين، يستحسنُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ فصاحتَهم، ويُعجِبه منطقُهم، لكنَّ حديثهم متعلِّق بالدنيا فقط، ولا يتطرَّق لأمور الآخِرة، أو يُعجِبه ظاهرُ حديثهم عن أمور الدِّين، لكنَّه حديثٌ لا ينفع أولئك المنافقين إلَّا في الدُّنيا فقط، ولا يكتفي الواحدُ منهم بحُسن كلامه، بل يُؤكِّده بأنَّ اللهَ يعلَمُ بأن ما في قلبه موافقٌ لِما تكلَّم به، وهو كاذبٌ في ذلك، شديدُ الخصومةِ والمجادلةِ بالباطل، فاجرٌ في خِصامِه، ناطقٌ بالزُّورِ في قوله، فإذا خرَج مِن عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ سار في الأرضِ مفسِدًا فيها بالكفر، والظُّلم، والمعاصي؛ كإخافةِ السَّبيل، وقَطْع الطُّرق، ويُتلِف الزروعَ والثمارَ ونسلَ الحيوانات، واللهُ سبحانه لا يحبُّ كلَّ ما كان فسادًا.

وإذا خُوِّف هذا المنافقُ وأُمِر بتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ، ومنها تَرْكُ سعيه بالفساد، وإتلاف الزَّرع والحيوانات- استكبَر، وأخذَتْه الحميَّةُ بسبب وقوعه في الإثم، وحملَتْه الأَنَفةُ على ارتكابِ المزيدِ من السيِّئات، فكفى هذا المنافقَ عقوبةً نارُ جهنَّمَ، ولبئس الفراشُ والوِطاءُ جهنَّمُ.

وهناك صِنفٌ من النَّاس يبيعون أنفسَهم، ويبذُلون أرواحَهم من أجلِ أنْ ينالوا رضا الله عزَّ وجلَّ، والله ذو رأفةٍ بعبادِه، وخاصَّة مَن باعوا أنفسَهم له جلَّ وعلا، ومِن رأفته بهم توفيقُه لهم ورضاه عنهم.


تفسير الآيات:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204).

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

أي: إنَّ بعضَ النَّاس، مِن المنافقين، مَن تستحسنُ يا محمَّد، مَنطقَه وظاهرَ قوله، فتُعجِبك فصاحتُه، لكنه يتحدَّث في شؤون الدُّنيا بعيدًا عمَّا يتعلَّقُ بأمور الآخرة، أو يُعجِبُك ظاهرُ حديثِه عن أمور الدِّين؛ كنُصرةِ الإسلام والمسلمين، وحبِّ الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسلام، وغير ذلك، لكنه حديثٌ ينفَعُه في الدنيا فحسب، أما في الآخرة فلا ينتفع به البتَّةَ  .

وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ.

أي: ويُقرنُ حُسنَ كلامِه ويؤكِّد ظاهرَ حديثِه بأنْ يُخبِرَ أنَّ الله تعالى يعلَمُ بأنَّ ما في قلبه موافقٌ لِما نطَق به، وهو كاذبٌ في ذلك؛ فهو في الحقيقةِ يُبارِزُ اللهَ عزَّ وجلَّ بما ينطوي عليه قلبُه من الكفرِ  .

كما قال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون: 1 - 4] .

وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ.

أي: يُشْهِد اللهَ تعالى على أنَّه محقٌّ في قولِه ذلك؛ لشِدَّة خصومتِه، وتجدُه- لاعتمادِه على فصاحتِه- مُجادِلًا بالباطل، وناطقًا بالزُّور مِن القول، كاذبًا في حديثِه، وفاجرًا في خِصامِه؛ فالمُنافِق أسوأُ المخاصِمينَ، وأعوجُهم، وأشدُّهم عداوةً  .

عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أبغضَ الرِّجالِ إلى اللهِ الألدُّ الخَصِمُ  ))  .

وعن عبدِ الله بن عمرٍو رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((أربعُ خلالٍ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا خالصًا: مَن إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا عاهَد غدَرَ، وإذا خاصَمَ فجَر، ومَن كانت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصلةٌ منَ النِّفاقِ حتَّى يدَعَها  ))  .

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205).

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا.

أي: كما أنَّ مقالَه مُعْوجٌّ، واعتقاده فاسدٌ، فأفعاله كذلك سيِّئةٌ وقبيحة، فإذا خرَج وانصرف عنك هذا الذي يُعجِبُك قولُه، سار في الأرض مجتهدًا في إفسادِها بالكفر، والظُّلم، وعمَل المعاصي؛ كقَطْع الطَّريق، وإخافة السَّبيل، وغير ذلك  .

وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.

أي: هِمَّتُه في إتلاف الحَرْث، وهو: محلُّ نَماء الزُّروع والثِّمار، وإتلاف النسل، وهو: نتاجُ الحيوانات؛ فهذانِ لا قِوام للنَّاس إلا بهما، وبإتلافِهما يختلُّ نظامُ الحياة، كما أنَّه إذا سعى في الأرض فسادًا بالكفرِ والظُّلم والمعاصي، منَع اللهُ تعالى القطرَ من السَّماءِ عقوبةً؛ فتَتْلَف الزُّروع، وتموت الحيوانات  .

كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96] .

وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

أي: إنَّ الله تعالى لا يحبُّ تلك الأفعالَ، ولا مَن قام بها، وإنْ قال بلسانه قولًا يُعجِب النَّاسَ  .

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206).

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.

أي: إذا أُمِر هذا المنافقُ بتقوى الله عزَّ وجلَّ؛ بامتثالِ ما أمَر به، واجتنابِ ما نهى عنه، ومِن ذلك: تَرْكُ الإفساد في الأرض بالكفر والظُّلم والمعاصي، وإهلاكِ الزُّروع والحيوانات، إذا أُمر بذلك، استكبَر، وأخذَتْه حميَّةٌ بسبب وقوعِه في الآثام، وحملَتْه هذه الأَنَفةُ على ارتكاب المزيدِ من السَّيِّئاتِ  .

فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ.

أي: كفاه عقوبةً مِن غيِّه وضلالِه، صَلْيُه نارَ جهنَّمَ، ولبئس الفِراشُ والوِطاءُ جهنَّمُ، الَّتي وطَّأها لنفسِه بنِفاقِه وفُجوره  .

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207).

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ.

أي: إنَّ هناك صِنفًا من النَّاس يبيعون أنفسَهم، ويبذلونها ثمنًا لنيلِ مرضاةِ الله عزَّ وجلَّ  .

وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ.

أي: واللهُ ذو رحمةٍ عظيمة بعباده، ولعبوديَّتِهم له يرأَفُ بهم، وخاصةً مَن يبيعون أنفسَهم له سبحانه، ومِن رأفته بهولاء أنْ يوفِّقَهم لذلك، ويرضى عنهم  .


الفوائد التربويَّة:

1- الإشارة إلى ذمِّ الجدل والخِصام؛ لقوله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ؛ لأنَّ الخُصوماتِ في الغالب لا يكونُ فيها بركةٌ  .

2- التَّحذير من ردِّ النَّاصحين؛ لأنَّ اللهَ تعالى جعَل هذا مِن أوصاف هؤلاء المنافِقين؛ فقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، فمَن ردَّ آمرًا بتقوى الله، ففيه شَبَه مِن المنافقين، والواجب على المرء إذا قيل له: (اتَّقِ اللهَ) أنْ يقولَ: (سمِعْنا وأطَعْنا) تعظيمًا لتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ  .

3- الإشارة إلى إخلاص النِّيَّة؛ لقوله تعالى: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ  .

4- الموفَّقون هم الَّذين باعوا أنفسَهم وأرخصوها وبذَلوها طلبًا لمرضاةِ الله، ورجاءً لثوابه، كما قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ الأَنَفةَ قد تحمِلُ صاحبَها على الإثمِ؛ لقوله تعالى: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ  .

2- في قوله تعالى: وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ... إثبات عِلم الله عزَّ وجلَّ بما في الصُّدور؛ لأنَّ ما في القلبِ لا يعلَمُه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ  .

3- في قوله تعالى:وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ إثبات محبَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ للصَّلاح، فإنَّ نفيَه محبَّةَ الفسادِ دليلٌ على ثبوت أصلِ المحبة  .

4- في قوله تعالى: مَرْضَاتِ اللهِ إثبات الرِّضا لله؛ ورضَا اللهِ صفةٌ حقيقيَّةٌ لله عزَّ وجلَّ متعلِّقة بمشيئتِه  .


بلاغة الآيات:

1- قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ التعبير بالفعل المبني للمفعول (قِيلَ) فيه بلاغة تامَّةٌ في حذفِ الفاعل؛ ليشمَلَ كلَّ مَن يقول له ذلك؛ فيكون ردُّه لكراهةِ الحقِّ لا للقائل به  .

2- قوله: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فيه نوعٌ من البديع يُسمَّى التَّتميم، وهو إرداف الكلام بكلمة ترفع عنه اللَّبس، وتقربه للفَهم، كقوله تعالى: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: 38] ؛ وذلك أنَّ العِزَّة محمودةٌ ومذمومة، فالمحمودة طاعة الله، فلمَّا قال: بالإثمِ، اتَّضح المعنى وتمَّ، وتبيَّن أنها العزةُ المذمومة المؤثَّم صاحبُها  .

3- قوله: وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ تذييل، أي: رؤوفٌ بالعباد الصالحين الذين منهم مَن يشري نفْسَه؛ ابتغاءَ مرضاة الله، ومناسبة هذا التَّذييل للجملة: أنَّ المخبَر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله، وجَعَلوا أنفسهم عَبيدَه  .

- وعدَل عن الإضمار بِهم إلى الإظهارِ بِالعِبَادِ؛ ليكونَ هذا التذييلُ بمنزلةِ المَثَل مستقلًّا بنفسه، وهو من لوازم التذييل، وليدلَّ على أن سبب الرأفة بهم أنَّهم جعَلوا أنفسهم عبادًا له  .

4- وفي هذه الآية، والتي قَبلها من عِلم البديع: حُسن التَّقسيم  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (208 - 214)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(208)

فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(209)

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(210)

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(211)

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(213)

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)

غريب الكلمات:

السِّلْمِ: أي: الإسلام. وأصلُ السِّلم: الصُّلح، والسِّلم ضِدُّ الحرْب، والتَّعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة، والاستسلام والانقياد  .

خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: أي: سَبيلَه ومَسْلكَه، وآثارَه وعملَه، وخُطوات جمْع خُطْوَة، والخُطْوَة: ما بين القدمين  .

زَلَلْتُمْ: الزَّلَّةُ: استرسال الرِّجْلِ من غير قصْد، يقال: زَلَّتْ رِجله تَزِلُّ، والمَزِلَّةُ: المكان الزَّلق، وقيل للذَّنب من غير قصد: زَلَّةٌ؛ تشبيهًا بزلَّة الرِّجل  .

يَنْظُرُونَ: ينتظرون  .

الْغَمَامِ: جمع غمامة، وهو سحابٌ أبيضُ يُواري وجْهَ السماء، لكنَّه يُبقيها مستنيرة؛ سُمِّي بذلك لأنَّه يغمُّ السَّماء، أي يَسترُها ويُواريها، وأصل الغَمِّ: ستر الشيءِ  .

بَغْيًا: طُغيانًا وتعديًا بالباطِل، وظلمًا وعدوانًا، وحسدًا، أو نتيجةً للحسد، وأصل البَغْي: طلَب الشيءِ، وجِنس من الفَساد، والظُّلم، والترفُّع والعلو، ومنه قيل للحَسد: بغي؛ لأنَّ الباغي طالبُ الظلم، والحاسد يظلم المحسودَ جَهدَه؛ طلبًا لإزالة نِعمة الله تعالى عنه  .


المعنى الإجمالي:

يـأمُرُ اللهُ عبادَه المؤمنين بالعملِ بجميع شرائعِ الإسلامِ، محذِّرًا إيَّاهم مِن طاعة الشَّيطانِ، ومعلِّلًا ذلك بأنَّه عدوٌّ ظاهرٌ لهم؛ فلعداوتِه يُريد أنْ يقودَهم بطاعتِهم له إلى الهلاك، فإنْ وقَعوا في الزَّلل، وخالَفوا تعاليمَ الإسلامِ وشرائعه عامدين، وضلُّوا عن الحقِّ المبين- فلْيعلَموا أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يُعجِزه شيءٌ عن الانتقام منهم، ومجازاتهم؛ فإنَّه يقهَرُ مَن يشاء بقوَّتِه، ويعذِّب مَن أراد بمقتضى حِكمته.

ثم يُنكر سبحانه وتعالى على هؤلاء الذين زلُّوا بعد ما جاءتهم البينات، إعراضَهم عن الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنَّ فعلهم هذا يُعَدُّ وكأنَّه انتظارٌ منهم لموعد هلاكهم، وذلك حين إتيان الرَّبِّ عزَّ وجلَّ يوم القيامة وإتيان الملائكة، ليقضي سبحانه فيهم بعدله، فيجازيهم على كفرهم، فيهلكون.

ثم يأمُرُ اللهُ تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنْ يسأَل اليهودَ عمَّا أعطاهم سبحانه وتعالى مِن الحُجَجِ الواضحة، والبراهينِ والدَّلائلِ والمعجزات الَّتي تدلُّ على صِدْقِ ما جاءهم به الأنبياءُ والرُّسلُ عليهم السلام، لكنَّهم كفَروا وكذَّبوا، وأعرَضوا عن تلك الآيات، ثم توعَّد اللهُ مَن يختارُ الكفرَ عِوضًا عن نعمةِ الإسلام بعد أنْ بلَغَتْه- بالعقابِ الشَّديد.

ثم يُخبِرُ تعالى أنَّ الدُّنيا جُمِّلت في أعيُنِ الكفَّارِ وقلوبِهم، فرَضُوا بها، وآثَروها على نعيمِ الآخرة، ومع ذلك يستهزئون بالَّذين آمَنوا؛ لعزوفِهم عن الدُّنيا وزُخرفِها، وغفَل هؤلاء الكفَّارُ عن أنَّ المفاضلةَ الحقيقيَّةَ هي في الآخرة؛ حيثُ إنَّ الَّذين امتثَلوا أوامرَ الله واجتنبوا نهيَه هم أعلى منهم، وفوقهم؛ وذلك بدخولِهم الجنَّة، لهم فيها ما يشتَهون، والَّذين كفَروا تحتهم في النار في عذابٍ دائمٍ لا ينقطعُ عنهم، والله يُعطي المتَّقين من فضلِه في الجنَّةِ بلا إحصاءٍ ولا حَصْرٍ.

ثمَّ يُخبِرُ تعالى أنَّ النَّاس كانوا مجتمعينَ منذ عهدِ آدَمَ عليه السلام على دينٍ واحدٍ، وهو الإسلامُ، واستمرُّوا على ذلك الحالِ لمدَّةِ عشرة قرونٍ متواصلة، ثم اختلفوا بعدها في دِينهم حتى عبَدوا الأصنام، فبعَث الله الأنبياءَ ينهَوْن عن الكفر، ويُبشِّرون بالنَّعيم لِمَن أطاعهم، ويُنذِرون بالنَّار مَن عَصاهم، وكان أوَّلَهم نوحٌ عليه السلام، وأنزَل اللهُ مع أنبيائه كتبًا مِن عنده تشتملُ على الأخبارِ الصَّادقة، والأوامر العادلة؛ لتَفْصِل بين النَّاس في كلِّ ما تنازَعوا فيه، وتُوضِّح لهم الحقَّ مِن الضَّلال، والصوابَ مِن الخطأ؛ لتقومَ بذلك حُجَّةُ اللهِ على عِبادِه، ومع كونِ تلك الكُتُبِ قد أُنزِلت ليتَّفق عليها الَّذين اختَلفوا في دِينهم، فإنَّهم خالَفوا مرادَ الله تعالى، فاختلَفوا فيها أيضًا بعد أنْ علِموا بالأدلَّة القطعيَّةِ أنَّ ما فيها هو الحقُّ، وكان الباعثُ لهم على هذا الاختلافِ، تعدِّيَ بعضِهم على بعض بالباطل، فتنازَعوا فيما بينهم، لكنَّ اللهَ أرشَد المؤمنين إلى الطَّريق المستقيم، ووفَّقهم إلى التمسُّكِ بالحقِّ القويم، الذي اشتملت عليه كتبُ الأنبياء، واللهُ تعالى يُرشِدُ للطَّريق الواضحِ البَيِّن مَن يشاءُ مِن خَلْقِه.

ثمَّ يوجِّهُ اللهُ الخطابَ لعباده المؤمنين ألَّا يظنُّوا أنَّ الطَّريقَ إلى الجنَّة خالٍ من الصُّعوبات والعَقَبات فيه، بل هو طريقٌ وَعْرٌ وشائكٌ، محفوفٌ بالعوائقِ والمِحَن والبلايا، مثلما حصَل للأمم قبلهم؛ فقد اكتوَوْا بشدَّةِ الفقر والحاجة، وأصابتهم الأسقامُ والأوجاع، وخُوِّفُوا مِن قِبَل أعدائِهم بأنواع المخاوفِ، حتَّى بلَغ بهم الحال إلى أنْ يتساءَلَ الرُّسلُ والَّذين آمنوا معهم: متى سيأتي نصرُ اللهِ؟ ليرتاحوا من عناءِ ما يُكابِدونه، ومشقَّةِ ما يجدونه، فأكَّد اللهُ تعالى لعباده المؤمنين أنَّ نصرَه لا محالةَ آتٍ عن قريب.


تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.

أي: يا مَعشرَ المؤمنينَ اعْمَلوا بجميع شَرائعِ الإسلام  .

وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا أمَر الله تعالى بالعملِ بجميع شرائعِ الإسلام، حذَّر سبحانه ممَّا يمنَعُ مِن الالتزام بذلك، فقال  :

وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.

أي: لا تُطِيعوا الشَّيطان؛ فتَسلُكوا طُرقَه، فيقودَكم شيئًا فشيئًا إلى التَّهلُكةِ؛ فهو لكم عَدوٌّ ظاهِرُ العَدواة  .

فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209).

أي: فإن أخطَأْتم وخالَفْتم شرائعَ الإسلام عن عمدٍ، وضلَلْتُم عن الحقِّ عن عِلمٍ، من بعدِ قيام الحُجَجِ والبراهين عليه، فاعلَموا أنَّ اللهَ تعالى لا يُعجِزُه شيءٌ عن الانتقام منكم؛ إذ يقهَر مَن يشاءُ بقوَّتِه، ويُعذِّبُ مَن يشاء بمقتضى حِكمته؛ فإنَّ مِن حِكمته معاقبةَ العُصاةِ بما يُناسب معصيتَهم له سبحانه  .

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أنَّ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210).

أي: ما ينتظر هؤلاء الذين زلُّوا من بعد ما جاءتهم البينات، فكذَّبوا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم وما جاء به، إلَّا إتيان الرَّبِّ عزَّ وجلَّ يوم القيامة في ظُللٍ من الغمام، وإتيان الملائكة، فيقضي الله تعالى بين عباده، ويجازي كل عامل بعمله، فجميع أمور الدنيا والآخرة تؤول إلى الله عزَّ وجلَّ وحده، وحيئذ يكونُ الأمرُ قد انتهى وحقَّ عليهم الهلاك  ؟!

قال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان: 25-26] .

وقال سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [الأنعام: 158] .

وقال عزَّ وجلَّ: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: 21 - 23] .

وعن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: ((يجمعُ اللهُ الأوَّلين والآخِرين لميقاتِ يومٍ معلومٍ أربعين سَنةً، شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ ينظرون إلى فصلِ القضاءِ، فينزلُ اللهُ من العرشِ إلى الكرسيِّ في ظُلَلٍ من الغمامِ  ))  .

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211).

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ.

أي: أمَر اللهُ تعالى محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يسأَلَ اليهودَ عمَّا أعطاهم اللهُ تعالى مِن قبلِ مجيئِه عليه الصَّلاة والسَّلام، من دلائلَ ومُعجزاتٍ، وحُجَجٍ واضحات، شاهَدوها على أيدي أنبيائِه ورُسلِه عليهم السَّلام، دالَّات على صِدقهم وصِدْقِ ما جاؤوهم به، ومن ذلك: الإيمانُ بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ووجوبُ متابعته على دِينه، لكنَّهم مع ذلك كلِّه أعرَضوا، وكفَروا، وكذَّبوا  .

وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.

أي: مَن يترُكْ نعمةَ الإسلام، فيمتنِعْ عن قَبولِها بالدُّخول فيه، والعملِ بجميع شرائعه، ويختار عِوضًا عن ذلك الكفرَ به- فإنَّ اللهَ تعالى سيُعاقبه عِقابًا شديدًا  .

كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذين بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم: 28-29] .

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى مَن يُبدِّل نعمةَ الله مِن بعد ما جاءته، ذكَر السببَ الَّذي لأجله كانتْ هذه طريقتَه، فقال  :

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.

أي: زُيِّنت الدُّنيا بزُخرفِها ومباهجِها للكفَّار، فتغلغل حبُّها في شغافِ قلوبهم، وقصَروا أنظارَهم عليها، وآثَروها على نعيمِ الآخرة، فعليها يتكالَبون، وفيها يطلُبونَ ما يشتهون، وهم مع ذلك بالمؤمنين يستهزئون، ومنهم يضحَكون؛ وذلك لزُهدِهم في الدُّنيا، وعزوفِهم عن مناصبِها، وتَرْكِهم المفاخرةَ بزينتِها، والاستزادةَ منها  .

وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

أي: إنَّ الَّذين امتثلوا ما أمَر اللهُ تعالى به، واجتنبوا ما نهى عنه، هم الأَعْلَوْن في دار الخلودِ، وسيكونون فوقَ الَّذين كفروا يوم القيامة، بدخولِهم الجنَّةَ، يتمتَّعون فيها ويبتهِجون، ولهم فيها ما يشتهونُ  .

قال تعالى: إِنَّ الَّذين أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذين آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذين آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: 29-36] .

وقال سبحانه: أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: 49] .

وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

أي: إنَّ اللهَ تعالى يُعطي المتَّقين في الجنَّةِ مِن نِعَمه وعطاياه الَّتي لا تنتهي، مِن غير أنْ يخشى نفادَ خزائنه، أو وقوعَ نقصٍ من مُلكه، فلا يحتاج إلى حسابِ ما يُعطي، وإحصاءِ ما يُبقي، بل يُعطيهم ما يشتهون بلا حصرٍ ولا تَعداد؛ فرِزقُه واسعٌ لا نهايةَ له ولا نَفادَ  .

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى في الآية المتقدِّمة أنَّ سببَ إصرارِ هؤلاء الكفَّارِ على كُفرهم هو حبُّ الدُّنيا- بيَّن في هذه الآية أنَّ هذا المعنى غيرُ مختصٍّ بزمنِ نزول الآية، بل كان حاصلًا في الأزمنة المتقادمة؛ لأنَّ النَّاس كانوا أمَّةً واحدةً قائمةً على الحقِّ، ثم اختلَفوا، وما كان اختلافُهم إلا بسببِ البغيِ والتَّنازُعِ في طلبِ الدُّنيا، فقال سبحانه  :

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.

أي: إنَّ النَّاس كانوا مجتمعين منذ عهدِ آدمَ عليه السَّلام على دِينٍ واحد، هو دينُ الإسلام، وظلُّوا على ذلك مدَّةَ عشرةِ قرونٍ، فاختلَفوا في دِينهم حتى عبَدوا الأصنام، فبعَث الله النَّبيِّين ينهَوْن عن ذلك الكفرِ، مُبشِّرين مَن أطاعهم بالجنَّةِ، ومُنذِرين مَن عصاهم بالنَّارِ، وكان أوَّلهم نوحٌ عليه السَّلام  .

قال سبحانه: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 19] .

وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: 163] .

وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 17] .

وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.

أي: إنَّ اللهَ تعالى أنزَل مع النَّبيِّين عليهم السَّلام كُتبًا مِن عنده، مشتملةً على الأخبارِ الصادقة، والأوامرِ العادلة؛ أنزَلها لتفصِلَ بين النَّاس في كلِّ ما اختلَفوا فيه، فيتبيَّن لهم الحقُّ مِن الضَّلال، والصَّواب مِن الخطأ، وتُقامُ بذلك حُجَّةُ اللهِ تعالى على عبادِه  .

كما قال تعالى: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: 64] .

وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى إنزالَه الكتبَ على النَّبيِّين عليهم السَّلام، وكان هذا يقتضي اتِّفاقَ الَّذين اختلَفوا في دِينهم عليها، أخبَر تعالى أنَّهم خالَفوا مرادَ الله تعالى منها، فقال سبحانه  :

وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ:

أي: إنهم اختلَفوا في تلك الكتب المنزلة، وكان ينبغي أنْ يكونوا أَوْلى النَّاسِ بالاجتماع عليها، والتَّحاكُم إليها، وذلك مِن بعدِ ما علِموا بالأدلَّةِ القاطعات، والحُجَج الباهرات: أنَّ ما فيها هو الحقُّ، وإنَّما حمَلهم على ذلك تعدِّي بعضِهم على بعضٍ بالباطل، ووقوع النِّزاعاتِ والخصومات فيما بينهم  .

كما قال تعالى: وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية: 17] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 93] .

وقال سبحانه: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذين أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: 4] .

فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ.

أي: إنَّ اللهَ تعالى أرشَد المؤمنين للحقِّ الَّذي جاءت به كتبُ أولئك الأنبياءِ عليهم السَّلام، واختلَف فيه غيرُهم، ووفَّقهم أيضًا إلى الانقيادِ إلى هذا الحقِّ، والتمسُّك به، بعِلمِه وإرادتِه وتيسيره، ويدخُلُ في هؤلاء المؤمنين أمَّةُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم قطعًا، ويدخُلُ فيهم أيضًا كلُّ مَن آمَن مِن الأمم السَّابقة؛ كمَن آمَن مِن قوم نوحٍ عليه السلام  .

وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

أي: إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يُرشِد لطريق الحقِّ الواضح الَّذي لا اعوجاجَ فيه، ويوفِّق للسَّيرِ عليه: مَن يشاء مِن خَلْقه، وهو سبحانه لا يشاءُ إلا ما تقتضيه حِكمتُه البالغة  .

أَمْ حَسِبْتُمْ أنَّ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (214).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى اختلافَ الأممِ السَّابقة على ما جاءهم به أنبياؤُهم من الحقِّ، وضلالَهم عنه، وذكَر أنَّه هدى المؤمنين إلى الصِّراط المستقيم، بيَّن اللهُ تعالى هنا أيضًا وَعْثاءَ هذا الطَّريق الَّذي هُدُوا إليه، وما يكتنفُه مِن عقباتٍ، عليهم تجاوزُها، فقال سبحانه  :

أَمْ حَسِبْتُمْ أنَّ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.

أي: أظننتم- أيُّها المؤمنون- أن تَصِلوا إلى الجنَّةِ دون أنْ تُصيبَكم في الطريق إليها شدائد؟ كلَّا، لا تظنُّوا ذلك، بل لا بدَّ أنْ تعترضَ طريقَكم هذا عوائقُ، وتُصيبَكم فيه مِحَنٌ وبلايا، تُبتلَوْن بها وتمحَّصُون، كما وقَع للَّذين مضَوْا من قبلكم  .

كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أنَّ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 142] .

وقال عزَّ وجلَّ: أَحَسِبَ النَّاسُ أنَّ يُتْرَكُوا أنَّ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذين مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذين صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 2-3] .

مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ.

أي: إنَّ مَن مَضى مِن مُؤمِني الأممِ السابقة قد أصابهم الفقرُ وشدَّةُ الحاجة، وأصابتهم الأمراضُ والأوجاعُ، وخُوِّفُوا ورُعِبُوا مِن قِبَل أعدائِهم بأنواع المخاوفِ، فأُصيبوا في أموالهم بالبأساءِ، وفي أبدانهم بالضَّرَّاء، وفي قلوبهم بالخوفِ، حتى وصَلَتْ بهم الحال إلى أنْ يتساءَلَ رسلُ اللهِ ومَن آمَن معهم: متى يأتي نصرُ الله تعالى؟ ليخرُجوا ممَّا هم فيه مِن ضيقٍ وكربٍ وشدَّة  .

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاؤُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب: 9-11] .

وعن خبَّاب بن الأَرتِّ رضي الله عنه، قال: ((شكَونا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لهُ في ظلِّ الكعبةِ، قلنا لهُ: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو اللهَ لنا؟ قال: كان الرجلُ فيمَن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لَحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ، حتى يَسيرَ الراكبُ من صَنعاءَ إلى حضرموتٍ، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ   ))  .

أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ.

أي: أكَّد الله تعالى على أنَّ نصرَه قريب، وأنَّ فرجَه عاجلٌ، فمع العسر يأتي اليُسر، وكلَّما ضاق الأمر اتَّسَع  .

كما قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: 5-6] .

وعن أبي رَزينٍ العُقيليِّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ضحِك ربُّنا من قُنوطِ عبادهِ وقُربِ غِيَرِهِ))  .


الفوائد التربويَّة :

1- فضل الإيمان؛ لقولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ لأنَّ هذا النداء، نداء تشريف وتكريم  .

2- أنَّ الإيمان مقتضٍ لامتثال الأمر؛ لأنَّ الله صدَّر الأمر بهذا النداء؛ والحُكمُ لا يُقرَن بوصف إلَّا كان لهذا الوصف أثرٌ فيه  .

3- حقارة الدنيا؛ لوصفها بالدُّنيا، وهي من الدنوِّ زمنًا، ورتبةً: زمنًا؛ لأنَّها قبل الآخرة. ورُتبةً؛ لأنَّها قليلٌ بالنسبة للآخرة؛ ولهذا لا تجد في الدنيا حال سرور إلَّا مَشوبًا بتنغيصٍ قبله، وبعده؛ لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير؛ لأنَّ له فيه أجرًا  .

4- أنَّ العبرة بكمالِ النِّهاية؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  .

5- رحمة الله عزَّ وجلَّ بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ  .

6- أنَّه كلما قوِي إيمان العبد، كان أقربَ إلى إصابة الحقِّ؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا...  .

7- أنَّ الإيمان ليس بالتمنِّي، ولا بالتحلِّي؛ بل لا بدَّ من نيَّة صالحة، وصبرٍ على ما ينالُه المؤمن من أذًى في الله عزَّ وجلَّ  .

8- أنَّ الصَّبر على البلاء في ذاتِ الله عزَّ وجلَّ من أسباب دخول الجنة؛ لقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا... الآية  .

9- تبشير المؤمنين بالنصر؛ ليتقوَّوا على الاستمرار في الجهاد ترقبًا للنَّصر المبشَّرين به، كما قال تعالى: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ .

10- لَمَّا كان الفرج عند الشدَّة، وكلَّما ضاق الأمر اتَّسع، قال تعالى: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ فهكذا كلُّ مَن قام بالحقِّ، فإنَّه يُمتَحن  .

11- حِكمة الله عزَّ وجلَّ، حيث يبتلِي المؤمنين بمثل هذه المصائب العظيمة؛ امتحانًا حتى يتبيَّن الصادق من غيره  .

12- أنَّه ينبغي للإنسان ألَّا يسألَ النصر إلَّا من القادر عليه، وهو الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَتَى نَصْرُ اللهِ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- وجوب تَطبيق الشَّرع جملةً وتفصيلًا؛ لقوله تعالى: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً  .

2- قرن الحُكم بعلَّته؛ لقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ثم علَّل: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  .

3- الوعيد على مَن زلَّ بعد قيام الحجة عليه؛ لقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  .

4- أنَّه لا تقوم الحجَّة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلَّا بعد قيام البيِّنة؛ لقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ  .

5- في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أنَّ يَأْتِيَهُمُ اللهُ إثبات صفة الإتيان لله عزَّ وجلَّ  .

6- أنَّ الكفَّار لا يزالون يُسلِّطون أنفسهم على المؤمنين؛ لقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ بالفعل المضارع الذي يفيد التجدُّد والاستمرار  .

7- تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامِهم في إيمانهم؛ لقوله تعالى: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: اصبِروا؛ فإنَّ هذا دأبُهم وشأنهم أن يسخَروا منكم؛ فما دمتم تعرِفون أنَّ هذه عادة الكفَّار، فاصبروا؛ فإنَّ الإنسان إذا عرَف أنَّ هذا الشيء لا بدَّ منه فإنَّه يكون مستعدًّا، وقابلًا له، وغير متأثِّرٍ به  .

8- أنَّ مَن يُوصَف بالتبشير إنَّما هم الرُّسل، وأتباعهم؛ وأمَّا ما تسمَّى به دعاة النصرانيَّة بكونهم مبشِّرين، فهم بذلك كاذبون؛ إلَّا أن يُرادَ أنَّهم مبشِّرون بالعذاب الأليم، كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  .

9- رحمة الله عزَّ وجلَّ بالعباد، حيث لم يكِلْهم إلى عقولهم؛ لأنَّهم لو وُكِلوا إلى عقولهم لفسدتِ السَّموات والأرض، كما قال تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: 71] ؛ فكلُّ إنسانٍ يقول: العقل عندي، والصَّواب معي، ولكنَّ الله تعالى بعث النبيِّين، وأنزل معهم الكتاب؛ ليَحكُمَ بين النَّاس فيما اختلفوا فيه  .

10- أنَّه يجب على المرء الذي هداه الله ألَّا يعجب بنفسه، وألَّا يظنَّ أنَّ ذلك مِن حولِه، وقوته؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ، ثم قال تعالى: بِإِذْنِهِ أي أمرِه الكوني القدري؛ ولولا ذلك لكانوا مثل هؤلاء الذين ردُّوا الحق بغيًا وعدوانًا  .

11- الإيماء إلى أنَّه يَنبغي للإنسان أن يَسألَ الهداية من الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ خبٌر فيه نهايةٌ في الوعيد؛ لأنَّه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيدُ بذِكر العقاب، كما لو قال الوالد لولده: إنْ عصيتني فأنت عارفٌ بي، فيكون هذا الكلامُ في الزَّجر أبلغَ من ذِكر الضرب وغيره  .

2- قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ

هَلْ... استفهامٌ إنكاري في معنى النَّفي؛ ولذلك دخَلت (إلَّا)، وكون (هل) بمعنى النَّفي إذا جاء بعدها إلَّا كثيرُ الاستعمال في القرآن، وفي كلام العرَب  .

وفيه: التِفات؛ حيث أعرَض تعالى عن خِطابهم زَللتُم، وأخبَر عنهم إخبارَ الغائبِين يَنظرون؛ مسليًّا لرسوله عن تباطئهم في الدُّخول في الإسلام، وفيه تجديدٌ لنشاط السَّامع  .

3- في قوله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

إظهار اسم الجلالة مع أنَّ مقتضى الظاهر أن يُقال: (فإنَّه شديد العقاب)؛ لإدخال الرَّوع في ضمير السَّامع، وتربية المهابة، ولتكون هذه الجملة كالكلام الجامِع مستقلًّا بنفسه؛ لأنَّها بمنزلة المثل لأمرٍ قدْ علِمه الناس من قبلُ  .

4- في قوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

جيء في فِعل التزيين بصيغة الماضي زُيِّن، وفي فِعل السُّخرية بصِيغة المضارع يَسْخَرُونَ للدَّلالة على أنَّ معنى فِعل التزيين أمرٌ مستقرٌّ فيهم؛ لأنَّ الماضي يدلُّ على التحقُّق، وأنَّ معنى يَسْخَرُونَ متكرِّر متجدِّد منهم؛ لأنَّ المضارع يُفيد التجدد، ويعلم السامع أن ما هو محقَّق بين الفعلين هو أيضًا مستمرٌّ، وإنَّما اختُير لفِعل التزيين خصوص المضي، ولفعل السخرية خصوص المضارعة؛ إيثارًا لكلٍّ مِن الصِّفتين بالفِعل التي هي به أجدرُ؛ لأنَّ التزيينَ أسبقُ في الوجود، وهو منشأُ السخريَّة، والسخرية مترتِّبة على التزيين وتكرُّرها يَزيد في الذمِّ؛ إذ لا يليقُ بذي المروءة السُّخرية بغيره  .

وفيه وضْع الظاهر الَّذِينَ آمَنُوا موضعَ المضمر بِصفة أُخرى وَالَّذِينَ اتَّقَوْا، ومثله في كتاب الله كثير، وذَكر صِفة الإيمان وصِفة التَّقوى؛ ليظهر به أنَّ السعادة الكبرى لا تحصُل إلَّا للمؤمن التقي، وليكون بعثًا للمؤمنين على التقوى  .

وفي هذه الآية مُفارقةٌ في الجُمل؛ فقدْ عبَّر عن زِينة الحياة الدنيا في نظر الذين كفروا وعن سُخريتهم من المؤمنين بالفِعليَّة إشارة الى الحدوث، وأنَّ ذلك أمر طارئ لا يلبث أن يزول بصوارف متعدِّدة، أمَّا استعلاء الذين اتقوا عليهم فهو أمرٌ ثابت الدَّيمومة لا يطرأ عليه أي تبديل؛ ولذلك عبَّر بالاسميَّة واَلَّذِينَ اتَّقَوْا  .

5- قوله: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ خصَّ بالذِّكر الَّذِينَ أُوتُوهُ تنبيهًا منه على شَناعة فِعلهم، وقَبيح ما فعلوه من الاختلاف، وأتى بلفظ: مِن الدالَّة على ابتداء الغاية، منبِّهًا على أنَّ اختلافهم متَّصل بأوَّل زمان مجيء البيِّنات، لم يقعْ منهم اتفاقٌ على شيء بعد المجيء، بل بنفس ما جاءتهم البيِّنات اختلفوا، لم يتخلَّلْ بينهما فترة  .

6- قوله: فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ فيه تقديم لفظ الاختلاف على لفظ الحقِّ؛ للاهتمام به؛ إذ العناية إنَّما هي بذِكر الاختلافِ  .

7- قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَمْ  منقطعة بمعنى (بل)، وهمزة الاستفهام فيها للتقرير والتوبيخ، وإنكار الحُسبان واستبعاده. وقال لهم على طريقة الالتِفات التي هي أبلغُ: أَمْ حَسِبْتُمْ، أي: بل أحسِبتم...  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (215 - 220)

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(215)

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(217)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(218)

۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(219)

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(220)


غريب الكلمات :

حَبِطَتْ: أي: بطَلَت؛ فالحبط: البُطلان والألم، وأصلُه: أن تُكثِرَ الدابَّةُ أكلًا حتى ينتفخَ بطنُها  .

الْمَيْسِرِ: القِمارُ، وأصله مِن يَسرت: إذا ضربت بالقِداح  .

الْعَفْوَ: الفَضل، يعني: فضْل المال، يُقال: عفا الشَّيء: إذا كثُر  .

لأَعْنَتَكُمْ: ضيَّق عليكم وشدَّد، أي: لأهلكَكم، وأصل العنَت: العَسْف، والحَمْل على المكروه  .


مشكل الإعراب:

قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

وَالْمَسْجِدِ: المسجدِ: مجرور، وفي جرِّه أوجهٌ، أقربُها: أنَّه مجرورٌ عطفًا على سَبِيلِ اللهِ، أي: وصدٌّ عن سَبيلِ اللهِ وعن المَسجدِ. وعُطِف قوله: وَكُفْرٌ بِهِ على صَدٌّ قبل أن يَستوفي صَدٌّ ما تعلَّق به وهو والمَسجِدِ الحَرَامِ؛ وقيل: هو معطوف على الضَّمير في به في قوله: وكُفْرٌ بِهِ، أي: وكفرٌ به وكفرُ بالمسجِد، وهو من باب عطف الاسم الظَّاهر على الضَّمير من غيرِ إعادة حرف الجرِّ، والرَّاجح جوازُه مطلقًا؛ لكثرةِ السماعِ الوارد به، وضَعْفِ دليل المانعين، واعتضادِه بالقياس. وقيل: هو معطوفٌ على الشَّهرِ الحَرَامِ، أي: يسألونك عن الشهرِ الحرامِ وعن المسجدِ الحرام، ويكون سؤالهم عن شيئين، أحدهما: القتال في الشهر الحرام. والثاني: القتال في المسجد الحرام؛ لأنَّهم لم يسألوا عن ذات الشهر ولا عن ذات المسجد، إنما سألوا عن القِتال فيهما. وقيل غير ذلك  .


المعنى الإجمالي:

يقول الله تعالى لنبيِّه عليه الصَّلاة والسَّلام: إنَّ أصحابَك يا محمَّد، يسألونك عن مقدارِ وجنسِ وكيفيَّةِ ما يُخرِجونه نفقةً، وأمَره أن يُجيبَهم على هذا السُّؤال بأنَّ ما ينفقونه من الأموال لا يُشترط فيه شيءٌ معيَّن، ولا مقدارٌ محدَّد، بل يشمل أيَّ مالٍ، قليلًا كان أو كثيرًا، وأنَّ أولى مَن يُعطَى هذه النفقة هم الأقربُ رحمًا، وهم الوالدان ثم بقيَّة الأقارب، الأقرب فالأقرب، ومِن بَعدِ هؤلاء تُصرَف النفقة إلى أشدِّ النَّاس حاجةً؛ وهم الصِّغار الذي فقدوا آباءهم قبل بلوغِهم، وليس لهم مصدر كسْب، ثمَّ للمساكين الذين لا يجدون ما يسدُّ حاجتَهم، وللمسافر المجتاز الذي يحتاج إلى ما يوصله إلى مقصوده، ثم يُخبرهم تعالى أنَّ كلَّ ما يُقدِّمونه من معروفٍ وإحسانٍ فإنَّه ليس بخافٍ على الله سبحانه، بل هو مطَّلعٌ على تلك الأعمال، فيحصيها ويجازيهم عليها.

ثم يُعْلِم الله تعالى عباده المؤمنين بأنَّه فرَض عليهم القتال مع أنَّه مكروهٌ لهم؛ لِمَا فيه من المشقَّة، والتعرُّض للقتل والإصابة بالجروح، وما يحدُث فيه من خوف، لكنَّ الحقيقة أنَّ ما فيه من المنافع أعظم ممَّا ينتج عنه من أضرار، ومن تلك المنافع العظيمة المرجوَّة منه النصر على الأعداء، وغُنْم البلدان والأموال، والإكرام بالشهادة لمن مات محتسبًا، وحصول الأجر العظيم للمقاتلين في سبيل الله. وأمَّا العزوف عن القتال وإن كان محبوبًا وتميل إليه النفوس، إلَّا أنَّ ما فيه من الشرور يفوقُ على مصلحة قعودهم، ومن تلك الشرور المترتِّبة على القعود تسلُّط أعدائهم عليهم، وفَوات الأجر العظيم، وهكذا الحال في جميع أعمال الخير وإن كرِهتها النفوسُ، وأفعال الشرِّ وإن مالت لها النفوس، والله سبحانه وتعالى أعلم بما ينفعكم، وما يضرُّكم، فالتزموا أمره، واتَّبعوا شرعه.

ثمَّ يقول الله تعالى لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: يسألك المؤمنون عن القتال في الأشهر الحرم، ولقَّنه تعالى جوابَ ذلك بأنَّ القتال فيها عظيم لحرمتها، لكن ما يقومُ به المشركون من ثَنْي النَّاس عن سلوك الطريق القويم، وكفرهم بالله تعالى، ومَنْعهم النَّاسَ من الوصولِ إلى بيت الله الحرام، وإخراج أهلِه المؤمنين منه أعظمُ جُرمًا عند الله؛ فكلٌّ من تلك الخِصال التي يفعلونها بها فِتنة، والفتنةُ أشدُّ من القتل الذي وقَع من المسلمين في شهرٍ حرام. ثم أعلمَ اللهُ عبادَه بمدى حِقدِ الكفَّار عليهم وعلى دِينهم، وأنهم سيظلُّون يقاتلونهم في سبيل تحقيق غاية لهم، وهي أن يُثنوا المؤمنين عن دِينهم؛ ليعودوا كفَّارًا مثلَهم إنْ قدَروا على ذلك، لكنَّهم لن يستطيعوا ذلك أبدًا. ثم أخبر تعالى أنَّ مَن يرجع من المؤمنين عن دِينه، ويعود للكُفر، مستمرًّا عليه حتى موته بدون توبة، فأولئك تَبطُل أعمالُهم وتتلاشى، ولا يبقى لهم عملٌ صالح يُؤجَرون عليه لا في الدُّنيا ولا في الآخرة، وهم من أهل النار الملازمين لها على الدَّوام.

وأمَّا الذين أقرُّوا بالحقِّ منقادينَ إليه، والذين فارقوا الأوطان؛ فرارًا من مخالطة أهل الشرك، ومحافظةً على دِينهم، والذين قاتلوا أعداءَ الله؛ نُصرةً للدِّين، وإعلاءً لكلمته سبحانه، فأولئك الذين طَمِعوا في رحمة الله ونَيْل كرامته، وسيُكرمون بما رجَوه؛ ذلك بأنَّ الله غفورٌ يستُر ذُنوبَهم ويتجاوز عنها، ورحيمٌ بتوفيقِهم لتلك الأعمال، وبمجازاتهم عليها بالفلاح في الدَّارينِ.

ثم يقول تعالى مخاطبًا نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّ المؤمنين يسألونك يا محمَّد، عن حُكم كلِّ ما أَسْكَر من الشَّراب، وعن حُكم القِمار، وأمَره أنْ يُجيبَهم بأنَّ في شُرْب المسكِر، ولعب القِمار مفاسدَ كثيرة، وآثامًا كبيرة، منها ما يُحدِثانه من عداوة وبغضاء، وصدٍّ عن ذكر الله وعن الصَّلاةِ، وغير ذلك من المنكرات، وفيهما أيضًا منافعُ للناس كالذي تُحدِثه الخمرُ من الطرب والنَّشوة، أو القمارُ من المكاسِب الماديَّة، لكن عند المقارنة بين المفاسد والمنافع نجد أنَّ المفاسد والآثام المترتِّبة عليهما أكثر من النفع المتحصِّل منهما.

ثمَّ خاطب الله تعالى نبيَّه عليه الصَّلاة والسلام مخبرًا إيَّاه أنَّ المؤمنين يسألونه عن ماهية ما يُنفِقونه من أموالِهم، وأمَره أن يُجيبَهم بأنَّ الفاضلَ عن الاحتياجات الضروريَّة هو المال الذي يُنفق منه صدقةً في سبيل الله تعالى، وأخبره أنهم يسألونه أيضًا عن كيفية التعامل مع اليتامى بعد أنْ شقَّ عليهم التحرُّزُ الشديدُ من أموالهم، فأمره الله سبحانه أن يجيبهم بأنَّ المقصود إصلاح أموالهم، بحفظها واستثمارها لهم، فإنْ فعلوا ذلك لله تعالى دون أن يأخذوا عليه أجرًا فذلك خيرٌ لهم وأعظم أجرًا، وإنْ أخذوا مقابل ما قاموا به شيئًا من أموالهم كأن خالطوهم في طعامٍ أو غيره من الأموال فذلك جائزٌ على وجهٍ لا يضرُّ باليتامى؛ لأنَّهم إخوانهم في الدِّين، والأخ من شأنه أن يخالط أخاه. ومع هذا الإذنِ بالمخالطة تبقى الرِّقابة الإلهيَّة تحذيرًا لمن قد تسوِّلُ له نفسه أكْل أموال اليتامى؛ فالله يعلم مَن نيَّتُه إفساد مال اليتيم، ومَن نيَّته إصلاحه، وسيُجازِي الله تعالى كلًّا بحسب قصده. وهذا التشريع والرخصة من الله عزَّ وجلَّ إنما هي توسعةٌ على عباده، وإزالة للمشقَّة، وإلَّا فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يشقَّ عليهم، فيقعوا في الضِّيق والحرج؛ فإنَّه لعزَّتِه لا يُعجزُه شيء، ولحكمتِه سبحانه يضع كلَّ شيءٍ في موضِعه الذي يليق به.


تفسير الآيات:

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (215).

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.

أي: يسألك أصحابُك يا محمَّد، عمَّا يُنفَق جنسًا ومقدارًا وكيفيَّةً، فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنَّ ما تنفقونه من الأموال لا يُشترط فيه شيء معيَّن، ولا مقدار محدَّد، بل يشمل أيَّ مال، وسواء كان قليلًا أم كثيرًا، وأنَّ أولى وأحقَّ مَن تُنفق عليه الأموال هم أقرب النَّاس رحمًا وهم الوالدان، ثم بقيَّة الأقارب، الأقرب فالأقرب، ثم تصرف إلى أشدِّ النَّاس حاجةً من بعدهم، وهم الصِّغار الذين فقدوا آباءهم قبل بلوغهم ولا كاسب لهم، ثم للمساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم ويُغنِيهم، وكذا للمسافرِ المجتاز الذي يحتاج نفقةً تُوصِله لموطنِه  .

وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ.

أي: إنَّ كل ما تُقدِّمونه من معروفٍ وبرٍّ وإحسان وطاعة وقربة لله تعالى، فإنَّه لا يخفَى عليه، بل مطَّلِع على أعمالكم، يُحصِيها لكم، ويُجازِيكم عليها  .

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216).

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ.

أي: فُرِض عليكم- أيُّها المؤمنون- قتال الأعداء من الكفَّار والمشركين، مع أنَّه مكروهٌ لكم، لا تحبُّونه؛ لِمَا فيه من شدَّة ومشقَّة بالغة، ولِمَا يحدُث فيه من التعرُّض للقتل والإصابة بالجراح ووقوع المخاوف  .

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ.

أي: إنَّه مع وقوعِ هذه الكراهيةِ في النفوسِ للقتال، إلَّا أنَّ الحقيقة بخلاف ذلك؛ إذ فيه من الخير والمنافع ما هو أكثرُ وأعظمُ ممَّا يقع فيه من أضرار، ومن ذلك ما يَحصُل بسببِه من النَّصرِ على الأعداء، والتمكُّن من البلدان والأموال، وما تقع فيه من الشَّهادة لمن مات منهم محتسبًا، وحصول الحسنات العظيمة لهم، وغير ذلك، فأمَّا ترك القتال الذي هو محبوبٌ للنفوس ففيه من الشرور ما يَزيدُ على مصلحة قعودِهم، ومنها تسلُّط الأعداء، وفوات الأجور العظيمة، وهكذا الأمرُ في جميع أفعال الخير وإنْ كرِهتها النفوس، وأفعال الشرِّ، وإن أحبَّتها النُّفوس  .

وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.

أي: إنَّ الله عزَّ وجلَّ يعلم ما هو خيرٌ لكم ممَّا هو شرٌّ لكم، وأعلم منكم بما ينفعكم وما يضرُّكم، فاستجِيبوا له في جميع الأحوال  .

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217).

سبب النُّزول:

عن جُندُب بن عبد الله رضي الله عنه: ((أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بعث رهطًا، وبعَث عليهم عبدَ الله بن جحش، فلقُوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يَدرُوا أنَّ ذلك اليوم من رجب، أو من جُمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتُم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ. الآية، فقال بعضهم: إنْ لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجْر، فأنزل الله تعالى  : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ))  .

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ.

أي: يسألك المؤمنون يا محمَّد، عن القِتال في شهرٍ حرام (الأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحِجَّة، ومحرَّم، ورجب)  ، وقيل: السؤال وقع من المشركين للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ تعييرًا وتشنيعًا على المؤمنين الذين قتَلوا أحد المشركين في شهرٍ حرام، فأمره الله تعالى أن يُجِيب عن ذلك بأنَّ القتال فيه عظيم؛ لعَظمة تلك الأشهر وحُرمتها  .

وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ.

أي: ولكنْ ما يقومون به مِن مَنْع النَّاس من سُلوكِ طريق الحقِّ، أو من الاستمرار عليه لمن آمَن، وكفرهم بالله تعالى، ومنعِهم النَّاس عن الوصول إلى البيت الحرام لحجٍّ أو عمرة، وإخراج أهله المؤمنين منه، وهم عُمَّارُه والأحقُّ به من المشركين- أعظمُ إثمًا وجرمًا عند الله تعالى؛ فكلُّ واحدٍ منها فِتنة، والفِتنة أعظمُ وأشدُّ من القتل الذي وقع من المسلمين في شهرٍ حرام  .

وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا.

أي: سيظلُّ الكفَّار والمشركون على قتالكم، لا يَهدأ لهم بال، ولا يتوقَّفون عن قتال، لا لغرضٍ دنيويٍّ كالمال؛ بل لأجْل أن ترجِعوا عن دينكم فتُصبِحوا كفَّارًا مثلهم، هذا إن قدروا، لكنَّهم لن يقدروا، فهم عاجزون حقًّا عن ذلك  .

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: 36] .

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

أي: كلُّ مَن يرجِعْ منكم عن دِين الإسلام، فيختار الكفر ويستمرُّ عليه، حتى مماته، ولم يتُب من كفره، فقد بطَلت أعمالُه واضمحلَّت، فلم يبقَ له عملٌ صالح يُؤجَر عليه في الدُّنيا والآخرة، وهو من أهل النَّار الملازمينَ لها على الدوام  .

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

أعقَب اللهُ عزَّ وجلَّ الإنذارَ بالبشارة، ونزَّه المؤمنين من احتمال ارتدادِهم؛ فإنَّ المهاجرين لم يرتدَّ منهم أحدٌ  .

سبب النُّزول:

عن جُندُبِ بن عبد الله رضي الله عنه: ((أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بعث رهطًا، وبعَث عليهم عبدَ الله بن جحش، فلقُوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يَدرُوا أنَّ ذلك اليوم من رجب، أو من جُمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتُم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ. الآية، فقال بعضُهم: إنْ لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجْر، فأنزل الله تعالى  : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ))  .

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218).

أي: إنَّ الذين صدَّقوا وأقرُّوا بالحقِّ منقادينَ إليه، والذين انتقَلوا من موضعٍ إلى آخَرَ فرارًا من مخالطة المشركين ومساكنتِهم، وربَّما فارَقوا بذلك عشائرهم وأوطانهم؛ حفاظًا على دِينهم، والذين بذلوا جهدَهم في مقاتلة الأعداء نصرًا لدين الله تعالى، وإعلاءً لكلمته، فهؤلاء- ذَوُو الطبقة العالية الرفيعة- لائقون وجديرون حقًّا بأن يطمعوا في نَيل رحمة الله تعالى لهم، وأنْ يُدخِلَهم دار كرامته، وسيَحظَون بما أمَّلوا وطمِعوا فيه؛ ذلك أنَّ الله تعالى غفورٌ رحيم؛ فبمغفرته ستَر ذنوبهم وتجاوز عنها، وأذهب آثارها وعقوباتها في الدنيا والآخرة، وبرحمته وفَّقهم لتلك الأعمال الجليلة، ويمنحهم في الدَّارين الخيراتِ والمراتبَ النَّبيلة  .

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219).

سبب النُّزول:

عن عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا نزل تحريم الخمر قال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ قال: فدُعي عمر فقُرئت عليه، فقال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى فكان منادي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ إذا أقام الصَّلاة نادى أن لا يقربنَّ الصَّلاة سكرانُ، فدُعِي عمر فقُرئت عليه، فقال: اللهمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدُعيَ عمر فقُرِئَت عليه، فلما بلغ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال: فقال عمر: انتهينا، انتهينا  ))  .

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ.

أي: يسألك المؤمنون يا محمَّد، عن حُكم الخمر- وهي: كلُّ شرابٍ مسكِر يُغطِّي عقل صاحبه- وعن حُكم القِمار  .

قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا.

أي: قلْ لهم يا محمَّد، بأنَّ في شُرب المسكرات وتعاطِي القِمار إثمًا كبيرًا؛ إذ يُحدِثان عداوةً وبغضاءَ وصدًّا عن ذِكر الله تعالى وعن الصَّلاة، وغير ذلك من آثامٍ ومنكرات، هي أعظم ممَّا يتأتَّى منهما من منافع قد تحصُل في النفس والبدن والمال، كالذي تُحدِثه الخمر لشاربها من طربٍ ولذَّةٍ ونشوةٍ، وتشحيذٍ للذِّهن وغير ذلك، وما يأتي به القمار لصاحبه من مكاسبَ وأموال، ولذَّةٍ في اللعب والمغالبة، وقد ذكر الله تعالى آثامهما قبل منافعهما؛ ليقع في نفس المؤمن الاشمئزاز منهما أوَّلًا  .

كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 90-91] .

وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ.

أي: يسألك المؤمنون يا محمَّد: أيَّ شيء يُنفقون من أموالهم، فيتصدَّقون به؟ فأجبْهم بأنَّ مَن أراد منهم أن يُنفِق في سبيل الله تعالى، فليتصدَّق ممَّا زاد عن حاجاته الضروريَّة  .

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ....

أي: كما فصَّل الله تعالى هذه الأحكامَ كحُكم الخمر وغيره، وأوضحها غايةَ الإيضاح، فكذلك يُوضِّح الله جلَّ وعلا لنا بمِثل ذلك البيان سائر آياته وأحكامه الشرعيَّة؛ كي نتفكَّر من خلالها فيما شرَعه الله تعالى من أحكام تتعلَّق بشؤون الدارينِ، ولأجْل أن يقودَنا ما جاء فيها من وعدٍ ووعيد وثوابٍ وعقاب، إلى التفكُّر في الدنيا وسرعة انقضائها، وفي إقبال الآخِرة وبقائها، فنزهَد في الأولى، ونُعمِّر الثانية؛ عملًا بطاعة الله تعالى، وتركًا لشهوات يسيرة فانية  .

... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى السؤالَ عن الخمر والميسر، وكان في تَرْكهما إصلاحُ أحوالهم وأنفسهم، أمَر بالنَّظر في حال اليتامى؛ إصلاحًا لغيرهم ممَّن هو عاجزٌ أن يصلح نفْسَه، فيكون قد جمَعوا بين النَّفع لأنفسهم ولغيرهم  .

سبب النُّزول:

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((لَمَّا نزلت: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى [النساء: 10]  الآية انطلق مَن كان عنده يتيم فعَزل طعامَه من طعامه، وشرابَه من شرابه، فجعل يفضُل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكلَه، أو يفسد، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأنزل الله وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ، فخلطوا طعامهم بطعامه، وشرابهم بشرابه  ))  .

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ.

أي: يسألُك المؤمنون يا محمَّد، عمَّا اشتدَّ عليهم فعله مع اليتامى؛ إذ كانوا يعزلون لهم طعامَهم؛ خوفًا من تناوله معهم، فإذا فضَل منه شيءٌ حبسوه لهم حتى يأكلوه أو يتغيَّر، فأخبَر الله تعالى نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُجيبهم بأنَّ المقصودَ إنَّما هو إصلاحُ أموال اليتامى، بحفظها، واستثمارها، والاتِّجار فيها لهم، فإنْ لم تأخذوا أجرًا على قيامكم بذلك فذلك خيرٌ لكم وأعظمُ أجرًا، وإن أصبتم من أموالهم شيئًا في مقابل قيامكم بشؤونهم، كأنْ خالطتموهم في طعامٍ أو غيره من الأموال فجائز- على وجهٍ لا يضرُّ باليتامى-؛ لأنَّهم إخوانكم في الدِّين، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه  .

وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ.

أي: إنَّ الله تعالى وإنْ أذِن للمؤمنين في مخالطة اليتامى على ما سبق ذِكرُه، إلَّا أنَّه خوَّفهم وحذَّرهم من أن تُسوِّل لهم أنفسُهم شيئًا من الخداع لأكل أموال اليتامى بالباطل، فالمعوَّل في ذلك على النيَّة، فمَن خلط مال اليتيم بماله يريد مصلحته، فالله يعلم نيَّته وسيُثِيبه على ذلك، وإنْ حصَل أنْ دخل عليه شيءٌ من ماله من غير قصْدٍ، ولا طمعٍ، فلا حرج عليه؛ لأنَّ الله تعالى يعلم نيَّته، وأمَّا مَن قصد بتلك المخالطة التوصُّل بها إلى أكلِ ماله خديعةً، فالله عزَّ وجلَّ يعلم نيَّته، وسيعاقبه على ذلك  .

وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

أي: إنَّ هذا الحُكم إنَّما شُرِع رخصةً من الله تعالى وتوسعةً على عباده؛ وإلَّا فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يشُقَّ عليهم بنَهيِهم عن خلط أموالهم بأموال اليتامى؛ وأمْرِهم بتقدير طعامهم تقديرًا دقيقًا، بحيث لا يَزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها، فيقعوا بذلك في ضيقٍ وحرج؛ ويعاقبهم ربُّهم إنْ تركوا أمره، أو ارتكبوا نهيه؛ ذلك بأنَّ الله تعالى لا يعجزه شيء، وهو قاهرٌ لكلِّ شيء، وَفْق ما تقتضيه حِكمته؛ إذ يضَعُ كلَّ شيءٍ في موضعه اللائق به، فيعاقب مَن يستحقُّ ذلك لعناده، ويشرِّع ما فيه الخير والرحمة لعباده  .


الفوائد التربويَّة:

1- أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقَبول عمله؛ بل يكون راجيًا؛ حَسن الظنِّ بالله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: أولئك يرجون رحمة الله؛ لأنَّهم لا يغترون بأعمالهم؛ ولا يدلُّون بها على الله؛ وإنَّما يفعلونها وهم راجون رحمة الله تعالى  .

2- أنَّ الدِّين الإسلامي جاء بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد؛ لقوله تعالى: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا  .

3- المقارنة في الأمور بين مصالحها، ومفاسدها؛ لقوله تعالى: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا  .

4- مراعاة الإصلاح فيمَن ولاه الله تعالى على أحد؛ لقوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- حِرصُ الصحابة رضي الله عنهم على السُّؤال عن الِعلم؛ وقد وقع سؤالهم لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ في القرآن أكثرَ من اثنتي عشرة مرة  .

2- أنَّه لا حرَجَ على الإنسان إذا كرِه ما كُتِب عليه مِن حيثُ الطبيعةُ؛ أمَّا من حيث أمر الشارع به فالواجب هو الرِّضا، وانشراح الصدر به  .

3- ضَعْف الإنسان، وأنَّ الأصل فيه عدم العلم؛ لقوله تعالى: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  .

4- أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ هو مرجِع الصَّحابة في العلم؛ لقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ  .

5- أنَّ الأشهر قسمان: أشهر حُرم، وأشهر غير حرم، ويتفرَّع على هذه الفائدة: أنَّ الله يختصُّ من خلقه ما شاء؛ فهناك أماكن حرام، وأماكن غير حرام، وأزمنة حرام، وأزمنة غير حرام، وهناك رسل، وهناك مرسَل إليهم، وهناك صِدِّيقون، وهناك مَن دونهم، والله عزَّ وجلَّ كما يفاضل بين البشر، يفاضل بين الأزمنة والأمكنة  .

6- تقديم ما يُفيد العِلِّيَّة؛ لقوله تعالى: عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ؛ المسؤول عنه القتال في الشهر الحرام؛ لكنه قدَّم الشهر الحرام؛ لأنَّه العلة في تحريم القتال  .

7- تفاوت الذُّنوب؛ لقوله تعالى: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ إلى قوله تعالى: أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؛ وبتفاوت الذنوب يتفاوت الإيمان؛ لأنَّه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر  .

8- أنَّ من كان أقومَ بطاعة الله فهو أحقُّ النَّاس بالمسجد الحرام؛ لقوله تعالى: وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ؛ فمع أنَّ المشركين ساكنون في مكَّة؛ لكنَّهم ليسوا أهلَه، كما قال تعالى: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: 34]   .

9- الحذر من الكافرين؛ لقوله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ؛ وكلمة: لَا يَزَالُونَ تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، وأنَّ محاولتهم ارتدادَ المسلمين عن دِينهم مستمرةٌ  .

10- إطلاق الأخ على مَن هو دونه؛ لأنَّ اليتيم دون مَن كان وليًّا عليه؛ وهذه الأخوة هي أخوَّة الدين  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ فيه تقديم ما حقُّه التأخيرُ، حيث قدَّم قوله: وَكُفْرٌ بِهِ فجُعل معطوفًا على صَدٌّ قبل أن يَستوفي (صَد) ما تعلَّق به وهو (والمسجدِ الحرامِ)، ومُقتضى ظاهر ترتيب نظم الكلام أن يقال: (وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به وصدٌّ عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله)؛ فجاء بهذا الترتيب؛ للاهتمام بتقديم ما هو أفظعُ من جَرائمهم؛ فإنَّ الكفر باللهِ أفظعُ من الصدِّ عن المسجد الحرام، فكان ترتيب النَّظم على تقديم الأهم فالأهم؛ فإنَّ الصدَّ عن سبيل الإسلام يَجمع مظالمَ كثيرةً  .

2- قوله: حَتَّى يَرُدُّوكُم عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا فيه وقع الشَّرط إنِ اسْتَطَاعُوا موقعَ الاحتراس ممَّا قد تُوهِمه الغايةُ في قوله: حَتَّى يَرُدُّوكُمْ؛ ولهذا جاء الشَّرط بحرف (إنْ) المشعِر بأنَّ شرْطه مرجوٌّ عدمُ وقوعه؛ ففيه استبعادٌ لاستطاعتِهم، وتعريضٌ وإيذان بأنَّهم لا يستطيعون ردَّ المسلمين عن دِينهم، كقول الرجل لعدوِّه: إن ظفرتَ بي فلا تُبقِ عليَّ. وهو واثقٌ أنه لا يظفر به  .

3- في قوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ

- عبَّر بصيغة المطاوعة في (يرتدد)؛ إشارةً إلى أنَّ رجوعِهم عن الإسلام- إن قُدِّر حصوله- لا يكون إلَّا عن محاولةٍ من المشركين؛ فإنَّ مَن ذاق حلاوة الإيمان لا يَسهُل عليه رجوعُه عنه، ومَن عرَف الحق لا يرجع عنه إلَّا بعَناء  .

- ولم يأت هنا مفعول ثان، حيث لم يقل: (من يرتد عن دِينه إلى دِين كذا)؛ لأنَّه لا اعتبار بالدِّين الذي ارتُدَّ إليه، وإنَّما نِيط الحكم بالارتداد عن الإسلام إلى أيِّ دِين  .

- وفيه وضْع الظاهر (عن دينه) وضع المضمر (عنه)، للإشعار بفداحة الموقِف، وفَظاعة الجُرم والهلاك  .

4- قوله: وَهُوَ كَافِرٌ جملةٌ حاليةٌ من ضميرِ يَمُتْ، وكأنها حالٌ مؤكِّدَةٌ؛ لأنَّها لو حُذِفَتْ لفُهِم معناها؛ لأنَّ ما قبلَها يُشْعِرُ بالتعقيبِ للارتداد، وجيء بالحالِ هنا جملةً؛ مبالغةً في التأكيدِ، مِن حيث تكرُّرُ الضميرِ بخلافِ ما لو جِيء بها اسمًا مفردًا  .

5- قوله: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا... أُولَئِكَ فيه تَكرار الموصول (الذين)؛ لتعظيم الهجرة والجهاد، كأنَّهما مستقلَّان في تحقيق الرجاء  . أو: لَمَّا كان الإيمان هو الأصل أُفرد به موصول وحده، ولما كانت الهجرة والجهاد فرَعينِ عنه أُفردا بموصول واحد؛ لأنَّهما من حيث الفرعية كالشيء الواحد  .

6- قوله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

- جيء بـ(في) الدَّالة على الظرفية؛ لإفادة شدَّة تعلُّق الإثم والمنفعة بهما؛ لأنَّ الظرفية أشدُّ أنواع التعلُّق، وجُعلت الظرفية متعلِّقة بذات الخمر والميسر للمبالغة، والمراد في استعمالهما  .

- وفيه: تَنكير المسند (إثم)؛ وذلك للإيذان بفَداحته وخُطورته، ووصفُه بلفظة (كبير) بيان آخَر لفداحته وخطره  .

7- قوله: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فيه التِفات من غَيبة إلى خِطاب؛ لأنَّ قبله: وَيَسْأَلُونَكَ، فالواو ضميرٌ للغائب، وحِكمة هذا الالتفات ما في الإقبال بالخِطاب على المخاطَب؛ ليتهيَّأ لسماع ما يُلقى إليه وقَبوله، والتحرز فيه  .

8- قوله: إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

- تذييل لِمَا اقتضاه شرْط (لو) من الإمكان وامتناع الوقوع، أي: إنَّ الله عزيز غالب قادر، فلو شاء لكلَّفكم العنَتَ، لكنَّه حكيم يضع الأشياء مواضعها؛ فلذا لم يُكلِّفكموه.

- وفيه تأكيد الخبر بإنَّ، واسمية الجملة، والتعبير بصِيغة فعيل (عزيز حكيم)؛ للمبالغة في الوصْف مبالغةً محمودة  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (221 - 224)

وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(222)

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(223)

وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(224)

غريب الكلمات:

عُرْضَةً: مانعًا  .

أَنْ تَبَرُّوا: أي: ألَّا تبرُّوا، وأصل البِر: الصِّدقُ في المَحَبَّة  .


المعنى الإجمالي:

يَنهَى الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن نِكاح المشرِكات، إلَّا إذا دخلْنَ في دين الإسلام، ولَأَنْ يتزوج المؤمن بجارية مملوكة تؤمن بالله وتوحِّده، خيرٌ من تزوُّجه بامرأة حرَّة لكنَّها مشركةٌ، حتى ولو كان فيها ما يجعلهم يميلون إليها؛ من شدَّة حُسن، أو حسَب عظيم، أو نسَب شريف، أو مال كثير، ونهى الله أيضًا عباده المؤمنين أن يُزوِّجوا نساءهم من رجال مشركين، إلَّا إذا دخلوا في دين الإسلام، ولَأَنْ يُزوِّجوهنَّ بعبيدٍ مماليكَ يؤمنون بالله خيرٌ من أن يزوجوهنَّ برجال أحرار لكنَّهم مُشرِكون حتى لو كان فيهم ما يعجبهم من حُسن، أو حسَب، أو نسب، أو مال؛ وذلك لأنَّ مَن كان يَدين بدِين الشِّرك يقود مَن يعاشره ويخالطه إلى حبِّ الدنيا، وإيثارها على الآخرة، وإلى العمل بما يُدخِل النارَ، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى الجنَّة بما يُعلِّمه لعباده من شَرْعه من مأمورات ومنهيَّات، يقود العمل بمقتضاها لدخول الجنة، والنجاة من النار، كما يحثُّ على التوبة والاستغفار، ولزوم العمل الصالح الذي يكفِّر الآثام، فيتجاوز عنها سبحانه ويسترها. ويُظهِر اللهُ للناسِ براهينه وحُججه، ويوضِّح أحكامه وحِكمها؛ لعلَّهم بذلك أن يتذكروا ما نسُوه من الحق، فيعتبروا ويتَّعظوا.

ثم يُخاطِب الله عزَّ وجلَّ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ مخبرًا إيَّاه أنَّ المؤمنين يسألونه عن حالهم مع زوجاتهم وقت محيضهنَّ، هل يجتنِبونهنَّ مطلقًا أم يجامعوهنَّ، فلقَّنه الله الإجابة التي يجيب بها عليهم، فأمره أن يقول لهم بأنَّ الحيض دمٌ قذر ونجس؛ فليتركوا مجامعة النساء في فروجِهنَّ عند مجيئه، وليستمرُّوا على ذلك حتى ينقطعَ الدم، ويغتسِلْن فإذا فعَلْنَ ذلك فحينئذٍ لهم أن يُجامعوهنَّ في المكان الذي أباح الله تعالى لهم وهو القُبُل. وتشريعُ هذا الأمر من الله عزَّ وجلَّ جاء لأنَّه يحبُّ من عباده الذين يُطهِّرون بواطنَهم بالمداومة على التوبة، ويُطهِّرون ظواهرهم بالماء من الأنجاس والأحداث.

ثم يُخبِر تعالى عباده بأنَّ نساءهم مُزدرَعٌ لأولادهم، يُلقي الرِّجالُ فيهنَّ النطفة فتنزرع في الرحم، وينمو ليكتمل بشرًا بإذن الله تعالى، فلهم أن يجامعوا نساءهم على أيِّ جِهةٍ وكيفيَّة، ما دام في موضِع الحرث وهو القُبُل، وأمرهم سبحانه أن يعدُّوا لأنفسهم الخيرات والحسنات التي تفيدهم في آخرتِهم، ويجعلوا بينهم وبين غضب الله وعذابه ما يَقِيهم من ذلك بتجنُّب السيِّئات، وليتيقَّنوا أن مردَّهم إلى الله، ثم أمر نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ أن يُبشِّر المؤمنين بما سيجدونه عند الله من الأجر.

ثمَّ نَهى اللهُ عِبادَه أن يجعلوا الحَلِف به سبحانه مانعًا من القيام بفعل الخيرات، كالبرِّ بالوالدين والإحسان للقُربى، أو حاجزًا عن تحقيق التَّقوى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، أو أن يقف ذلك الحَلِفُ بينهم وبين السَّعي للإصلاح بين النَّاس، كمَن يحلف أنْ لا يفعل شيئًا من ذلك، فإنْ طُلب منه احتجَّ عن الامتناع بيمينه، فنهى الله عن ذلك، فإذا حدَث أنْ حلَف أحدهم، فليس ذلك بمانعٍ له من فِعل الخير، بل عليه أن يَحنث ويكفِّر عن يمينه، ويفعل الخير الذي حلَف ألَّا يفعله. والله سميع لجميع الأصوات- التي منها أصواتُ الحالفين- عليمٌ بجميع المقاصد والنوايا- التي منها نيَّة الحالفين؛ هل يقصدون خيرًا أو شرًّا.


تفسير الآيات:

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221).

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ.

أي: حرَّم الله تعالى على المؤمنين أن يتزوَّجوا بالنِّساء المشركات إلَّا إذا آمنَّ ووحَّدْنَ الله تعالى بدخولهنَّ في الإسلام  ، ولَأَنْ يتزوَّج المؤمن بأمَة مملوكة لكنَّها مؤمنة، خيرٌ له من أن يتزوَّج امرأة حرَّة مشركة، وإن بلَغ الإعجاب بها مبلغًا؛ لشدَّة حُسنِها، أو عِظَم حسَبِها، أو شَرَفِ نَسبِها، أو كثرةِ مالها  .

وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ.

أي: حرَّم الله تعالى على المؤمنين أن يُزوِّجوا نساءَهم المؤمنات لرجالٍ مشركين، إلَّا إذا آمنوا ووحَّدوا الله تعالى بدخولهم في الإسلام، ولَأَنْ تزوجوهنَّ بعبدٍ مملوك لكنه مؤمنٌ بالله تعالى، خيرٌ من أن تزوجوهنَّ برجلٍ حرٍّ مشرك، ولو بلغ إعجابكم به ما بلغ لحُسنه، أو حسبه، أو نسبه، أو ماله  .

أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ.

أي: إنَّما حرَّمتُ عليكم- أيُّها المؤمنون- تزوُّجَ المشركات وتزويجَ المشركين بالمؤمنات؛ لأنَّهم في حقيقة الأمر يقودونكم عبر معاشرتهم ومخالطتهم بسماع أقوالهم، ورؤية أفعالهم، ومعايشة أحوالهم إلى حبِّ الدُّنيا، وإيثارها على الآخرة، وإلى العمل بما يُدخِلكم النار؛ فلا تغترُّوا بهم، فيردوكم في التهلُكة، والشقاء الأبدي  .

وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ.

أي: إنَّ الله تعالى يدعوكم بما يُعلِّمكم مِن شَرْعه من أوامرَ ونواهٍ للعمل بها؛ لتقودَكم لدخول الجنة، وتوجبَ لكم النَّجاةَ من النار بما يمحو من خَطاياكم، التي من آثارها دفْعُ العقوبات، وذلك بالحثِّ على التوبة والاستغفار، ولزومِ العمل الصَّالح الذي يُكفِّر الآثام، فيتجاوز عنها ربُّكم، ويسترها عليكم  .

وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

أي: يوضِّح براهينه وحُججَه ويُظهِر أحكامه وحِكَمها؛ فيُوجِب لهم ذلك التذكُّر لِمَا نَسُوه من الحقِّ فيعتبروا ويتَّعظوا، ويميِّزوا بين الدعاء إلى النيران، والدعاء إلى الجنَّة ونَيْل الغفران  .

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222).

مناسبتها لِمَا قبلها:

هذه الآية عطفٌ على جملة: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221] ، بمناسبة أنَّ تحريم نكاح المشركات يؤذِن بالتنَزُّه عن أحوال المشركين وكان المشركون لا يقربون نساءهم إذا كنَّ حُيَّضًا، وكانوا يُفرِطون في الابتعاد منهنَّ مدَّة الحيض، فناسب تحديد ما يَكثُر وقوعه، وهو من الأحوال التي يُخالف فيها المشركون غيرَهم، ويتساءل المسلمون عن أحقِّ المناهج في شأنها  .

سبب النُّزول:

عن أنسٍ رضي الله عنه: ((أنَّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يواكلوها ولم يجامعوهنَّ في البيوت، فسأل أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، فأنزل الله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: اصنَعوا كلَّ شيء إلَّا النِّكاح، فبلغ ذلك اليهودَ، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدَع من أمرنا شيئًا إلَّا خالَفَنا فيه؟! فجاء أُسَيد بن حُضَير وعبَّاد بن بِشْر، فقالَا: يا رسول الله، إنَّ اليهود تقول كذا وكذا، فلا نجامعهنَّ؟ فتغيَّر وجهُ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، حتى ظننَّا أنْ قد وجد عليهما فخرجَا فاستقبلهما هديَّةٌ من لبن إلى النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرَفَا أن لم يجدْ عليهما  ))  .

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ.

أي: يسألُك المؤمنون- يا محمَّد- عن شأنِهم مع زوجاتهم حال حيضهنَّ، هل يجتنبونهنَّ مطلقًا، كما يفعل اليهود، أو يجامعوهنَّ  ؟

قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ.

أي: أجابهم الله تعالى بأنَّ الحيض دمٌ قذر، ونجس، وإذا كان كذلك، فمن الحِكمة أن يمنع عباده عنه؛ ولذا نهاهم سبحانه عن جِماع النِّساء في فروجهنَّ  .

وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: يَطْهُرْنَ قراءتان:

1- يَطَّهَّرْنَ أي: حتى يَغتسِلْنَ بالماء بعد انقطاع الدم  .

2- يَطْهُرْنَ أي: حتى ينقطعَ الدَّمُ عنهن  .

وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ.

أي: لا تجامعوا نساءَكم حال حيضهنَّ إلى أنْ ينقطع دم الحيض ويغتسلن، فإذا فعلن ذلك، فحينها لكم أن تُجامعوهنَّ في الموضِع الذي أباحَ الله تعالى فيه ذلِك، وهو القُبُل  .

إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.

أي: يأمركم الله تعالى بذلك، ويحثُّكم عليه؛ لأنَّه يحبُّ مَن يُطهِّرون بواطنَهم بالمواظبة على كثرة التَّوبة من جميع الذنوب، وإن تكرَّر منهم غشيانها، ويحب مَن يُطهِّرون ظواهرهم بالماء من الأنجاس والأحداث  .

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223).

سبب النُّزول:

عن ابن المُنكَدِر قال: سمعتُ جابر بن عبد الله قال: ((كانتِ اليهودُ تقول: إذا جامَعها من ورائِها جاءَ الولدُ أحولَ، فنزلت: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)). وزاد في حديث النُّعمان عن الزهري: ((إنْ شاءَ مُجَبِّيَة  ، وإن شاء غير مُجَبِّية، غير أنَّ ذلك في صِمامٍ واحد  ))  .

وعن أبي النَّضر أنَّه قال لنافع مولى ابن عمر: ((قد أُكثر عليك القول: إنَّك تقول عن ابن عُمر: (إنَّه أفْتى بأنْ يؤتى النساء في أدبارهنَّ)! قال نافع: لقدْ كذبوا عليَّ! ولكن سأخبرك كيف كان الأمر: إنَّ ابن عُمر عرَض عليَّ المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، قال نافع: هل تدري ما أمر هذه الآية؟ إنَّا كنَّا معشر قريش نُجَبِّي النِّساء، فلمَّا دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردْنا منهنَّ ما كنا نُريد من نسائنا، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمْنه، وكان نساء الأنصار إنَّما يؤتَين على جنوبِهنَّ، فأنزل الله سبحانه:  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ))  .

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.

أي: إنَّ نساءكم مُزدرَعٌ لأولادكم، مثلما تكون الأرض حرثًا للزارع حيث يبثُّ فيها الحَب؛ فينمو ويخرج نباتًا، فكذلك النِّساء حرث يضع فيه الرجال الماء الدافق (المَنِيَّ)، فينزرع في الرَّحم حتى ينمو ويخرج بشرًا سويًّا بإذن الله تعالى. ولكم يا معاشرَ الرِّجال، أن تجامعوا نساءكم على أيِّ جهة، وبأي كيفيَّة شِئتم، شريطةَ أن يكون جماعهنَّ دومًا في موضع الحرث، وهو القُبُل  .

وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.

أي: أعدُّوا الخيراتِ والحسناتِ لأجْل نفع أنفسكم في الآخرة، واجعلوا بينكم وبين غضب الله تعالى وعذابه حاجزًا يَقِيكم ذلك بتجنُّب الشرور والسيِّئات، وكونوا على يقين تامٍّ من أنكم ستلاقون الله تعالى يوم القيامة، وأنه مُجازٍ كلًّا منكم بعمله، إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًّا فشر، وبشِّر المؤمنين يا محمَّد بما يسرُّهم فالمؤمنون الذين يحبُّون لقاء الله تعالى، ويُعِدُّون للأمر عُدَّتَه، سيهنَؤون بلقائه سبحانه، وما يُقدِّموا لأنفسهم من خيرٍ سيجدونه عند الله عزَّ وجلَّ، ويُكرِمهم بدخول جنَّته  .

كما قال تعالى: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل: 20] .

وعن عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((من أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه، ومن كرِه لقاءَ اللهِ كرِه اللهُ لقاءَه. قالت عائشةُ أو بعضُ أزواجِه: إنَّا لنكرهُ الموتَ، قال: ليس ذاك، ولكنَّ المؤمنَ إذا حضره الموتُ بُشِّر برضوانِ اللهِ وكرامتِه، فليس شيءٌ أحبَّ إليه ممَّا أمامه، فأحبَّ لقاءَ اللهِ وأحبَّ اللهُ لقاءَه، وإنَّ الكافرَ إذا حُضِر بُشِّر بعذابِ اللهِ وعقوبتِه، فليس شيءٌ أكرهَ إليه ممَّا أمامه، فكرِه لقاءَ اللهِ وكرِه اللهُ لقاءَه  ))  .

وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224).

وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ.

أي: لا تجعلوا الحَلِفَ بالله تعالى حُجَّةً لكم تمنعُكم من القيام بفِعل الخيرات، كبرِّ الوالدين وذِي القربى، أو تمنعكم من تحقيقِ التَّقوى بامتثال ما أمر الله تعالى به واجتناب ما نهى عنه، أو تمنعكم من السَّعي في الإصلاح بين النَّاس بالمعروف، وذلك كأنْ يحلفَ امرؤٌ بالله تعالى على ألَّا يصل رحِمَه، فإذا طُلب منه أن يَفعل ما أمر الله تعالى به من صِلة الرَّحِم، قال: قد حلفتُ ألَّا أفعل ذلك، فيجعل الحلفَ بالله عزَّ وجلَّ حجَّة يتقوَّى بها على ترك الخيرات، فنهى الله تعالى عباده عن ذلك، فإذا حلف أحدُهم فليس له الامتناعُ من ذلك والتعلُّل باليمين، بل عليه أن يَحنثَ، ويكفِّر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير  .

قال تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 22] .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت -كما في حديث الإفك الطويل-: ((... فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآيات، فلمَّا أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه، وكان يُنفِق على مِسْطَح بن أُثَاثة؛ لقَرابتِه منه: والله لا أُنفق على مِسطحٍ شيئًا أبدًا، بعد ما قال لعائشة. فأنزل الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فقال أبو بكر: بلى والله، إنِّي لأحبُّ أن يغفر الله لي! فرجع إلى مسطحٍ الذي كان يُجْرِي عليه  ))  .

وعن زَهْدَمٍ الجَرْميِّ، قال: ((كنَّا عندَ أبي موسى، وكان بينَنا وبين هذا الحَيِّ من جَرْمٍ إخاءٌ ومعروفٌ، قال: فقدَّمَ طعامَه، قال: وقَدَّمَ في طعامه لَحْمَ دَجاجٍ، قال: وفي القوم رجلٌ من بني تَيْمِ اللهِ، أحمرُ كأنَّه مَوْلًى، قال: فلمْ يَدْنُ، فقال له أبو موسى: ادْنُ؛ فإنِّي قد رأيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأكلُ منه، قال: إنِّي رأيتُهُ يأكلُ شيئًا قَذِرْتُه، فحَلَفْتُ أنْ لا أَطْعَمَه أبدًا، فقال: ادْنُ أُخْبِرْكَ عن ذلك، أَتَيْنا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في رَهْطٍ من الأَشْعريِّينَ أَستحمِلُه، وهو يَقْسِمُ نَعَمًا من نَعَمِ الصدقة، قال أيُّوبُ: أَحسبُه قال: وهو غَضْبانُ، قال: واللهِ لا أَحْمِلُكم، وما عندي ما أَحمِلُكم عليه. قال: فانطلقْنا، فأُتِيَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بنَهْبِ إبلٍ، فقيل: أين هؤلاءِ الأشعَريُّونَ؟ فأَتَيْنا، فأَمَر لنا بخَمْسِ ذَوْدٍ غُرِّ الذُّرَى  ، قال: فانْدَفَعْنا، فقلتُ لأصحابي: أَتَيْنا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم نَستَحمِلُه، فحلف أنْ لا يَحمِلَنا، ثم أرسل إلينا فحَمَلنا، نَسِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يَمِينَه، واللهِ لَئِنْ تَغَفَّلْنا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمِينَه لا نُفلحُ أبدًا، ارجِعوا بنا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلْنُذَكِّرْه يمينَه، فرجَعْنا فقلنا: يا رسولَ الله، أَتَيْناكَ نَستحمِلُكَ فحَلَفْتَ أنْ لا تَحمِلَنا، ثم حَمَلْتَنا، فظَنَنَّا، أو: فَعَرَفْنا أنَّك نَسِيتَ يَمِينَك، قال: انطَلِقوا، فإنَّما حَمَلكم اللهُ، إنِّي واللهِ -إنْ شاء اللهُ- لا أَحْلِفُ على يَمينٍ، فأَرَى غيرَها خيرًا منها، إلَّا أَتَيْتُ الذي هو خيرٌ وتَحَلَّلْتُها  ))  .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((أعتَمَ رجلٌ عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثم رجع إلى أهلِه فوجد الصِّبيةَ قد ناموا، فأتاه أهلُه بطعامِه، فحَلَف لا يأكلُ من أجلِ صِبيتِه، ثم بدَا له فأكل، فأتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فذكر ذلك له. فقال رسولُ اللهِ: مَن حلف على يمينٍ، فرأى غيرَها خيرًامنها، فلْيأتِها، وليكفِّرْ عن يمينِه  ))  .

وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى يسمعُ جميع الأصوات ومن ذلك سماعه لأقوال الحالفين، وهو عزَّ وجلَّ عالِم بجميع المقاصد والنيَّات، ومن ذلك علمُه بمقاصد الحالفين هل يقصدون خيرًا أم شرًّا، وفي ذلك تحذيرٌ للعباد من أن يُظهِروا بألسنتهم، أو يُضمِروا في أنفسهم ما فيه مخالفةٌ لأمر الله تعالى أو ارتكابٌ لنهيه؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ مطلعٌ على ما ظهر وما بطن، لا يَخفى عليه شيء سبحانه  .


الفوائد التربويَّة :

1- أنَّه لا ينبغي أن يمتنعَ الإنسانُ من السؤال عمَّا يُسْتَحيَا منه؛ لقوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ  .

2- تقديم عِلَّة الحُكم عليه حتى تتهيَّأ النفوس لقَبول الحُكم، والطمأنينة إليه؛ ويكون قَبوله فطريًّا؛ لقوله تعالى: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ  .

3- فضيلة التوبة، وأنَّها أمر مطلوب، وأنها من أسباب محبَّة الله للعبد؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ  .

4- فضيلة الإيمان؛ لأنَّ الله علَّق البشارة عليه؛ فقال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ  .

5- الحثُّ على البرِّ، والتقوى، والإصلاح بين النَّاس؛ لأنَّه إذا كان الله تعالى قد نهانا أن نجعل اليمين مانعًا من فعل البرِّ؛ فكيف إذا لم تكُن هناك يمين  ؟!

6- فضيلة الإصلاح بين النَّاس؛ لقوله تعالى: وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ؛ فنصَّ عليه مع أنَّه من البرِّ؛ والتنصيص على الشيء بعد التَّعميم يدلُّ على العناية والاهتمام به  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّ الحُكم يدور مع عِلَّته وجودًا وعدمًا؛ لقوله تعالى: حَتَّى يُؤْمِنَّ؛ فدلَّ ذلك على أنَّه متى زال الشرك حلَّ النكاح؛ ومتى وجد الشرك حرم النكاح  .

2- أنَّ المؤمن خير من المشرك؛ ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يُعجب؛ لقوله وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ؛ ومثله قوله تعالى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة: 100] ؛ فلا تغترَّ بالكثرة؛ ولا تغترَّ بالمهارة؛ ولا بالجودة؛ ولا بالفصاحة؛ ولا بغير ذلك؛ وارجِع إلى الأوصاف الشرعيَّة المقصودة شرعًا  .

3- تفاضل النَّاس في أحوالهم، وأنهم ليسوا على حدٍّ سواء؛ لقوله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ  .

4- في قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أنَّ محبَّة الله من صفاته الفعليَّة- لا الذاتيَّة-؛ لأنَّها عُلِّقت بالتوبة؛ والتوبة من فِعل العبد تتجدَّد؛ فكذلك محبَّة الله عزَّ وجلَّ تتعلَّق بأسبابها؛ وكلُّ صفةٍ من صفات الله تتعلَّق بأسبابها، فهي من الصِّفات الفعليَّة  .

5- حُسن أسلوب القرآن؛ لأنَّه جمع في هذه الآية بين التطهُّر المعنوي الباطني، والتطهُّر الحسي الظاهري؛ لقوله تعالى: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وهي طهارة باطنة، وقوله تعالى: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ، وهي طهارة ظاهرة  .

6- أنَّه ينبغي للإنسان أن يَسعَى لكثرة النَّسل؛ لقوله تعالى: حَرْثٌ لَكُمْ  .

7- أنَّه ينبغي للإنسان أن يحافظ على امرأته التي سُمِّيت حرثًا له، كما يحافظ على حرث أرضه  .

8- من المستحْسَنِ إذا أراد المرءُ إخبار غيره بأمر هامٍّ أن يُقدِّم بين يدي الخبر ما يَقتضي انتباهَه؛ لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا؛ وهذا ممَّا يزيد الإنسان انتباهًا وتحسُّبًا  .

9- في قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ    تحذير غير المؤمنين من هذه الملاقاة؛ وذلك لقوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ؛ فدل ذلك على أنَّ غير المؤمنين لا بُشرى لهم  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ... وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ

- فيه: تنكير (أَمَة) و(عَبْد) مع التَّصدير بلام الابتداء؛ للمبالغة في النَّهي والزَّجر، واللام تُشبه لامَ القَسَم في التوكيد  .

2- قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ فيه إيجاز بالحذف؛ إذ المراد من السُّؤال عن المحيض السُّؤال عن (قِرْبان النِّساء في المحيض)؛ بدَلالة الاقتضاء، وقدْ علِم السائلون ما سألوا عنه، والجواب أَدلُّ شيء عليه  .

3- قوله: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ فيه وضْع المظهَر (النِّساء) موضعَ المضمَر (هُنَّ)؛ للاهتمام، والعناية بترك المأمور به  .

4- قوله: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ فيه إبداعُ الإيجاز في الإطناب، حيث عبَّر بلفظ الإتيان (فأتوهنَّ) هنا عن الوطء؛ لبيان المراد بالقِربان المنهيِّ عنه، فقد عبَّر بالاعتزال، ثم قفَّى بالقِربان، ثم قفَّى بالإتيان، ومع كلِّ تعبير فائدةٌ جديدة، وحُكم جديد  .

5- قوله: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ... فيه: توكيد الخبر بـ(إنَّ)، واسميَّة الجملة. وفيه: وضع المُظهَر موضعَ المضمر، حيث قال تعالى: إنَّ اللهَ يُحبُّ، ولم يقل: (إنَّه يحبُّ)؛ لتربية المهابَة  .

6- قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فيه كِناياتٌ لطيفة، وتعريضات مستحسَنة في التعبير عن جِماعِ النِّساء بهذه الألفاظ؛ وهذه وأشباهها في كلام الله آدابٌ حَسنةٌ، على المؤمنين أن يتعلَّموها ويتأدَّبوا بها، ويتكلَّفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم  .

- وفيه: تشبيه بليغ في تشبيه النِّساء بالحرث، لِمَا يُلقَى في أرحامهن من النُّطَف التي منها النَّسل بالبذور  .

- وفيه: وضْع المُظهَر موضعَ المُضمر؛ للعناية به؛ حيث قال: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ ولم يقل: (فأتوه)  .

7- قوله: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ فيه: تلوين الخِطاب؛ مرَّةً للمؤمنين، ومرةً لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ مبالغةً في التشريف والتكريم  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (225 - 232)

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(225)

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(226)

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(227)

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(228)

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(229)

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(230)

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(231)

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(232)

غريب الكلمات:

بِاللَّغْوِ: اللغو: هو ما يَجري في الكلامِ على غيرِ عَقْد ولا قصْد، ويُعبَّر باللَّغو أيضًا عن الباطِلِ من الكلام  .

يُؤْلُونَ: يَحلِفون- من الأَلية، وهي اليَمين  .

تَرَبُّصُ: التَّرَبُّص: الانتِظار والتَّمكُّث  .

فَاؤُوا: أي: رجَعوا إلى جِماعِ نِسائهم  .

قُرُوءٍ: جمع قُرء، وهو الطُّهر- عند أهل الْحجاز- والحَيْض- عند أهل العرَاق- وهو من الأضدادِ  .

وَبُعُولَتُهُنَّ: أزواجهنَّ، جمْع بَعْل، وبَعْل المَرْأةِ زَوجُها  .

تَسْرِيحٌ: التسريح: ما يدلُّ على الانطلاق؛ يقال: أمْر سريح، إذا لم يكُن فيه تعويقٌ ولا مطل  .

افْتَدَتْ بِهِ: بذَلتِ الشيءَ لزوجِها عن نفْسِها، وأصل (فدي): جَعْلُ شَيْءٍ مكانَ شَيْءٍ حِمًى له  .

أَجَلَهُنَّ: الأجَل: غايةُ الوقت، في الموتِ وغيرِه؛ ومنه: انقضاءُ العِدَّة  .

تَعْضُلُوهُنَّ: العَضْل: الحبْس والمنع؛ يقال: عضَل الرجل أيِّمَه؛ إذا منعَها من التَّزويج  .


المعنى الإجمالي:

نفى الله تعالى أن يُوقع عقوبةً على عبادِه- سواء كانت دنيويَّة أو أخرويَّة- بسبب ما يجري على ألسنتهم من الحلف على أمور معتادة، دون أن يقصدوا عقد اليمين عليها، ولا على ما يحلفون عليه جازمين بصدقه أو تحقُّق وقوعه، ثمَّ لا يكون الأمر موافقًا لما اعتقدوه، لكنَّ العقوبة على مَن قصد بقلبه الحلِف كاذبًا، وأمَّا مَن حلف ثم حنث في يمينه، فإنَّ عليه حينها أن يُكفِّر عن يمينه في الدُّنيا، وإلَّا فإنَّه معرَّض للعقوبة الأخروية. والله غفور؛ يستر على عباده ما وقع منهم من لغوٍ في أيمانهم، فلا يؤاخذهم بها، حليمٌ؛ فلا يعاجلهم بعقوبة بسبب تقصيرهم في التأدُّب معه بلغوهم في الأيمان، ولا يغضب عليهم لغفلتهم عنه في ذلك.

ثم بيَّن الله تعالى حُكم الإيلاء -وهو أن يحلِف الزوج على ألَّا يجامع زوجتَه- فإن أقصى مدة يحق له فيها الامتناع عن جماعها هي أربعة أشهر فإنْ رجع لجماعِها قبل انتهاء الأربعة الأشهر، أو فور انتهائها فإنَّ له ذلك، والله يغفر له إثمَ حرمان زوجته من الوطء تلك المدة، ورحيم به إذ أبقى له امرأته، ولم يفرض عليه كفارةً كسائر الأيمان. وإن قصد الطلاق عازمًا عليه فليبادرْ به فورًا، ولا يقصد الإضرار بها بتعليقها؛ فإنَّ الله سميع عليم، فيسمع طلاقها منه، ويعلم ما في قلبه من قصد، لا يخفى عليه شيء جلَّ وعلا.

ثم أَخبَر تعالى أنَّ على مَن طُلِّقت مِن النِّساء الحرائر المدخول بهنَّ إذا كنَّ ذوات حيض، ولسنَ بذات حمْل، ألَّا يسارعنَ إلى الزواج، بل ينتظرنَ مدة ثلاثة قروءٍ، والقرء (الطُّهر، أو الحيض)، ويحرم على المطلَّقات أن يخفين حيضهنَّ أو حملهنَّ؛ لِما يترتب على إخفائهما من مفاسد كثيرة، فإنَّ هذا الكتمان لا يصدر إلَّا ممَّن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وأزواجُهنَّ أولى بإرجاعهنَّ إنْ قصدوا إحداثَ ألفةٍ ومودَّةٍ بينهم، ما دمنَ في عدتهنَّ؛ سواء في حال تربُّصِهن ثلاثة قروءٍ، أو في أيام الحمل إن كانت الزوجة حاملًا، وهذا في حق مَن كان طلاقها رجعيًّا.

ثم أَخبَر تعالى أنَّ للزوجات عمومًا- مطلَّقات وغير مطلَّقات- حقوقًا، وعلى أزواجهنَّ القيام بها، فعليهنَّ حقوقٌ تجاه أزواجهنَّ، وعلى كِلا الطرفين القيام بما عليه من الحقوق بما جرَت به العادة، من غير ظلم ولا مخالفة لأمْر الله تعالى، ولأزواجهنَّ عليهنَّ زيادة في الحقوق؛ لِمَا للرَّجُل من فضلٍ على المرأة. والله تعالى ذو الغلبة التامَّة والقهر، ومن تمام غلبته وقهره انتقامه ممَّن خالف العمل بما شرَعه من الأحكام السابقة، حكيمٌ فيما شرَع وقدَّر.

ثم أخبر تعالى أنَّ للطلاق الذي يحلُّ للزوج إرجاع زوجته بعده حدًّا معينًا، وهو مرتان، فإذا طلَّق الرجل امرأته فإنَّه يُخيَّر ما دامت في العدَّة بأن يردَّها لعصمته ويعاشرها بما جرت به عادة النَّاس بلا ظلمٍ لها، أو يتركها حتى تنقضي عدَّتها، ويُطلِق سراحها محسنًا إليها دون أن يضرَّ بها. وإن اختار الطلاق فلا يحلُّ له أن يأخذ ممَّا أعطاها شيئًا، سواء كان مهرًا أو غيره، إلا عند الخوف -سواء من الزوجين أو أوليائهما- من عدم قيام أحد الزوجين بما له من حقوق تجاه الآخر، فلها حينئذٍ أن تخالعه، بأن تطلب منه مفارقتها مقابل عِوَض تُقدِّمه له، ولا حرجَ عليهما في ذلك، لا في دفعها له، ولا في قَبوله وأخْذه. وتلك الأحكام التي تقدَّمت هي من حدود الله، ومنهيٌّ عن تجاوز ما حدَّه الله تعالى، وقد عرَّفه وبيَّنه، ومَن تجاوزها فهو ظالمٌ حقيقةً، وذلكَ بفعله ما لا ينبغي له أن يفعله.

فإذا طلَّق الرجلُ زوجتَه الطلقةَ الثالثة فإنَّها تحرُمُ عليه، وليس بإمكانه إرجاعُها إلا إذا تزوَّجت برجل آخر، ووقع بينهما جماع، فإذا طلقها الزوج الثاني وانقضت عدَّتها، فلا حرَجَ أن يُعِيدها الزَّوجُ الأوَّل إلى عِصمتِه بعقدِ نكاحٍ جديدٍ، بشَرْط أن يتيقَّنا أو يغلب على ظنِّهما أن تكون عشرتهما الجديدة بالمعروف، وأن يقوم كلٌّ منهما بما عليه من حقوقٍ تُجاه الآخَر. وما تقدَّم ذِكرُه من أحكام، من جملة شرائع الله تعالى التي يُوضِّحها لمن تَحَلَّوا بالعلم؛ لأنَّهم هم الذين يفهمونه فهمًا صحيحًا فينتفعون، وينفعون به غيرهم.

وإذا طلقتم- أيُّها الرجالُ- نِساءَكم طلاقًا رجعيًّا، فأوشكتْ عِدَّتهنَّ على الانقضاء، فإمَّا أن تُرجعوهنَّ إلى عِصمة النِّكاح عازمين القيامَ بحقوقهنَّ، أو تتركونهنَّ بلا رجعة ولا إضرار بهنَّ، حتى تنتهي عدتهنَّ، وقد نَهَى الله تعالى عن الإضرار بالنِّساءِ بأن يراجعوهنَّ عند اقترابِ انتهاء العِدَّة؛ لئلَّا يتزوَّجنَ غيرهم، أو لإطالة مدَّة العدَّة، أو لابتغاء طلب الخُلْع حتى يفتدينَ أنفسهنَّ؛ فيتجاوز هؤلاء الرِّجال بفعلِهم هذا، الحلال إلى الحرام، ومَن يفعل ذلك فقد أساء إلى نفسه، فالضرر عائدٌ إليه، لكسبِه بسببِ ذلك الإثمَ، واستحقاقه لعقوبة الله.

ثمَّ نهى سبحانه عن اتِّخاذ ما أنزله في كتابه من الأحكام موضعًا للسُّخرية واللعب والاستهزاء، وأمَر عباده أن يذكروا نعمَهُ التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى عليهم، ومنها ما أوحاه الله عزَّ وجلَّ إلى نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهذا شامل لكتاب الله عزَّ وجلَّ، ولسنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ المشتملة على الحكمة، فيُذكِّرهم الله تعالى وينصحهم بما أنزله فيهما ترغيبًا أو ترهيبًا. وأمرهم جلَّ وعلا بتقواه بأن يفعلوا ما أمرهم به، ويجتنبوا ما نهاهم عنه، ولْيتيقنوا أنَّ الله محيط بكلِّ شيء علمً،ا لا يخفى عليه شيء.

ثم نهى اللهُ تعالى أولياءَ النِّساء أن يُضيِّقوا عليهنَّ، بمنعهنَّ من الرجوع إلى أزواجهنَّ الذين طلقوهنَّ طلاقًا رجعيًّا، في حال ما إذا أراد الأزواج إرجاعهنَّ ورضيت المرأة بذلك، ووقع التراضي على المعاشرة بينهما بالمعروف، وهذا النهي يُذكَّرُ ويُزجر به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر. وامتثالُ حُكم الله في ردِّ الأولياءِ النِّساءَ إلى أزواجهنَّ وعدم عضلهنَّ هو أفضلُ عند الله، وأطهرُ لقلوبهم من الآثامِ والعَدَاوات والرِّيبة، كما أنَّه أطهرُ للأعراض، والله يعلمُ بما يَنفع عبادَه في الدنيا والآخرة، وأمَّا العباد فلا يعلمون أينَ يكون الخير، إلَّا ما علَّمهم الله تعالى؛ لذا يجب التسليمُ لشرعه سبحانه، وإنْ جاء على خلافِ أهوائهم.


تفسير الآيات:

 لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225).

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ.

أي: لا يُعاقب اللهُ تعالى عِبادَه- فلا تلزمهم كفَّارة في الدُّنيا ولا عقوبة تحلُّ بهم في الآخرة- لِما يَجري على ألسنتهم من الحَلِف على أمورٍ معتادةٍ لديهم، دون قصدٍ منهم إلى عَقد اليمين عليها، وكذا ما يَحلِفون عليه جازمين بصِدقه أو تحقُّق وقوعه، ويكون الأمرُ في الحقيقة على خلاف ما اعتقدوه  .

وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ.

أي: إنَّ العقوبة تقعُ على مَن قصد بقلبِه تعمُّد الحلف بالله تعالى كاذبًا، وأما مَن حلف على شيءٍ ثم حنث في يمينه فعليه أن يُكفِّر عنها في الدنيا، فإن لم يفعل فهو مُعرَّضٌ كذلك للعقوبة في الآخرة  .

وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى يستُرُ على عِبادِه، ويتجاوزُ عنهم فيما لغَوا فيه من أَيْمان، فلا يُؤاخذهم بها في الدنيا بكفَّارةٍ، ولا في الآخرة بعقوبة، وكذا ما وجَبَ في الحِنث ببعضِ الأيمان من كفَّارة، جعَلَها الله تعالى مُغنِيةً عن عقوبة الآخرة. ولَمَّا كانت تلك الأيمانُ الواردةُ على سبيل اللَّغو من قبيل التقصيرِ في الأدبِ مع الله تعالى، جاءَ اقترانُ وصف الله عزَّ وجلَّ بمغفرة الذنوب مع وصفه بالحِلم؛ إذ لم يُعاجِلهم بعقوبة؛ جرَّاءَ تقصيرِهم في التأدُّب معه، أو يغضب لغفلتهم عنه في ذلك  .

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن الله تعالى حُكم مُطلَق اليَمين في الآية السَّابقة ذَكَر بعده الإيلاءَ؛ لأنَّه حَلِفٌ مقيَّدٌ، فقدَّم المطلَق وأعقبه بالمقيَّد  ، فقال تعالى:

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.

أي: إنَّ مَن حلف ألَّا يجامع زوجته أكثر مِن أربعة أشهرٍ، فإنَّ أقصى ما يُمكنه انتظارُه أربعة أشهر دونَ جِماعِها  .

فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

أي: إنْ رجع الزَّوج إلى زوجته فجامعها، فسواء وقع ذلك قبل انتهاء الأربعة أشهر أو فور انتهائها، فإنَّ له ذلك، ويغفر الله تعالى له حرمان امرأته من الوطء تلك المدَّة، فمغفرته سبحانه تُوجِب رفْعَ الإثم عنه، ورحمته عزَّ وجلَّ تُوجِب له بقاء امرأته، وأن تُفرَض عليه الكفَّارة، كما هي الحال في سائر الأيمان التي يُحنَث بها، والجزاءُ من جِنس العمل؛ فكما عاد إلى إرضاءِ زوجتِه، والإحسانِ إليها، عادَ اللهُ تعالى عليه بمغفرتِه ورحمتِه  .

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كان الحالُ في مدَّة الإيلاء شبيهًا بحال الطَّلاق، وليسَا سواءً، قال سبحانه مبيِّنًا أنَّ الطلاق لا يقعُ بمجرَّد مُضِيِّ الأربعة الأشهر، بل إمَّا أن يَفيء أو يُطلِّق، فإنْ أبى طلَّق عليه الحاكم، فقال سبحانه  :

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227).

أي: خيَّر الله تعالى المُولِي من زوجته بين شيئيْن: إمَّا أن يفيء إليها وإما أن يطلِّقها. ولَمَّا كان الرُّجوع إليها، أحبَّ إلى الله تعالى، بدأ به، فإذا قصد الزَّوج طلاقَها بعزمٍ تامٍّ، أي: بعد تأمُّلٍ فيه، واستقرار رأيه على مفارقة امرأته، فإنَّه يجب عليه أن يُطلِّقها مباشرةً، ولْيعلم أنَّ الله تعالى يسمع طلاقه حين يُطلِّق، وأنه مطَّلعٌ على ما في قلبه، فلْيحذر من المخادعة والتلاعب بأمر الله تعالى، بإرادة تعليقها والإضرار بها؛ فإنَّ الله تعالى لا يَخفى عليه شيءٌ، وسيُجازي عباده بأعمالهم، وليس منه مهربٌ جلَّ وعلا  .

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ختَم الله تعالى آيتَي الإيلاء بالطَّلاق بيَّن عِدَّته، فقال تعالى  :

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ.

أي: إنَّ النِّساء الحرائر المدخول بهنَّ إذا كنَّ ذوات حيض وطهرٍ، ولسن بحوامل، وطلقهنَّ أزواجُهنَّ، فعليهنَّ ألَّا يعجلْنَ إلى الزواج، بل يحبسنَ أنفسهنَّ عنه مدَّة ثلاثة قروء. والقُرء قيل: هو الطُّهر، وقيل: هو الحيض  .

وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

أي: الذي نُهيَت المرأةُ المطلَّقة عن كتمانِه مِن مُطلِّقها ممَّا خلَق الله في رحِمها: الحيض، والحمل؛ فكتمان ذلك، يقود إلى شرور كثيرة؛ فإنَّها إذا كتمت حملها، أدَّى ذلك إلى إلحاق الجنين بغير مَن هو له، رغبة فيه، أو استعجالًا لانقضاء العدَّة، فإذا ألحقته بغير أبيه، حصلَتْ مفاسدُ أخرى كقطْع الرَّحِم، والإرث، واحتجاب محارمِه عنه، وربَّما يتزوَّج ذواتِ محارمه، وغير ذلك من المفاسِد. وكتمانُ الحيض، يكون بإخبارِها كذبًا بوجوده، وهذا يؤدِّي إلى انقطاع حق الزَّوج عنها، وإباحتِها لغيره ويتفرَّعُ عن ذلك من الشُّرور مثلُ ما سبَق، أو يكون بإخبارِها كذبًا بعدم وجود الحيض؛ كي تطول العِدَّة، فتأخذ منه نفقةً غير واجبة عليه، وقد يُراجعها مُطلِّقُها بعد انقضاء العِدَّة، فيكون ذلك زنًا؛ لأنَّها لا تحلُّ له في هذه الحال؛ فنهاهنَّ الله عزَّ وجلَّ عن كتمانِ الحيض والحمْل، فهذا فِعلُ مَن لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخِر، ولا من أخلاقه، وفي هذا تهديدٌ لهنَّ على قول خلاف الحقِّ، فمَن آمَنت بالله تعالى واليوم الآخِر، وعرَفت أنَّها مجزيَّةٌ عن أعمالها، لم يصدُر عنها شيءٌ من ذلك؛ لأنَّ الإيمان بهما يحمِل الإنسان على فعل المأمورات، واجتناب المحظورات  .

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا.

أي: إنَّ زوج المطلَّقة أحقُّ وأولى بإرجاعها إلى عصمتِه، ما دامتْ في عِدَّتها، أي: حال تربُّصها ثلاثة قروء، أو في أيَّام حملها إن كانت حاملًا، إذا قصد برجعتِها أن يُحدِث ائتلافًا والتئامًا بينه وبينها. (وهذا في المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا، أمَّا البائن فلا رجعةَ له عليها)  .

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.

أي: إنَّ للزَّوجاتِ- سواء كنَّ مُمْسَكات أو مُطلَّقات- حقوقًا، وعلى أزواجهنَّ القيام بها تجاههنَّ، مثلما أنَّ عليهن تُجاه أزواجهن حقوقًا أيضًا، والقيام بها من قِبل الطرفين يكون بما جرت به العادة، من غير وقوع ظلمٍ، أو مخالفةٍ لأمر الله تعالى، ولكنْ للرِّجال عليهن زيادة في الحقوق لِمَا للرجل من فضلٍ على المرأة؛ بسبب الإنفاق عليها وغير ذلك  .

وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

بعد أنْ بيَّن الله تعالى بعض أحكامه، بيَّن أنَّ له الغلبة التامَّة والقهر، ومن ذلك انتقامه ممَّن خالف العمل بتلك الأحكام، وهو سبحانه حكيمٌ فيما شرع وقدَّر، إذ يضع كلَّ شيءٍ في موضعه اللَّائق به  .

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر اللهُ تعالى حقَّ الرجعة الذي يُمكن الزَّوجَ، ذَكَر بعدَه غايةَ الطَّلاق الذي يملكُه الزوجُ من امرأته  ، فقال سبحانه:

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

أي: إنَّ عدد الطَّلَقات التي يحلُّ للزَّوج بعدها رجعة زوجته، مرَّتان، فإذا طلق الرَّجُل زوجته، فإنَّه يُخيَّر بين أمريْن ما دامت عدَّتها باقية، إما أن يردَّها إليه ويعاشرها بما جرت به عادة النَّاس من غير ظلمٍ لها، وإمَّا أن يتركها حتى تنقضي عدَّتها، ويُطلِق سراحها محسنًا إليها، دون أن يظلمها أو يضارَّ بها  .

وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: يَخَافَا قراءتان:

1- يُخَافَا بالبناء للمفعول، وتعني: أنَّ الخوف صادرٌ من غيرهما  .

2- يَخَافَا بالبِناء للفاعل، وتعني: أنَّ الخوف صادرٌ من الزوجين  .

وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.

أي: إنَّه لا يحِلُّ لكم- أيُّها الرِّجال- إذا أردتم طلاق زَوجاتكم أنْ تأخذوا ممَّا أعطيتموهنَّ شيئًا من المهر أو غيره، إلَّا في حالة واحدة وهي أن يَخشَى الزَّوجانِ، أو أولياؤهما كأقاربهما، من عدمِ قِيام كلِّ واحدٍ منهما بما له على الآخَر من حقوق، وذلك كأنْ تُبغِضَ الزوجةُ زوجَها، ولا تَقدِرَ على مُعاشرتِه؛ لسوء خُلُقه، أو لغير ذلك من أسباب، فتَخشى هي أو غيرها من عدم القيام بحقوق زوجها على الوجه المأمورِ به شرعًا، ويخشى الزَّوج أو غيره من عدم القيام بحقوق زوجته؛ بسبب نُفورِها منه، وبُغضها له، أو تَقصيرِها نتيجةَ ذلك في حقوقه- فلها حينئذٍ أن تُخالعه، أي: تطلُب منه فراقَها مُقابلَ عِوَض تُقدِّمه له، ولا حرجَ عليها في دفْعه، ولا حرجَ عليه في قَبوله وأخْذه  .

تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

أي: إنَّ ما تقدَّم من الأحكام التي شرَعها الله تعالى لعباده، فعرَّفها لهم، وبيَّنها، قد أمرهم سبحانه بالوقوف عندها، وعدم تجاوزها إلى نواهيه، فإنَّ مَن تخطَّى أمره ووقع في نهيه، فإنَّه هو الظالِم حقيقةً؛ إذ فَعَل ما لا ينبغي له فعلُه، وتعامل مع أوامر الله عزَّ وجلَّ بما لا تستحقُّه  .

فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كانت الرَّجعةُ والخُلع لا يصحَّانِ إلَّا قبل الطَّلقة الثالثة، وأمَّا بعدها فلا يبقى شيءٌ من ذلك، ذكَر الله حُكم الرَّجعة، ثم أتْبعه بحُكم الخُلع، ثم ذكر بعد الكلِّ حُكمَ الطلقة الثالثة؛ لأنَّها كالخاتمة لهذا الأمر، فقال تعالى  :

فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ.

أي: إذا طلَّق الرَّجُل امرأتَه الطلقة الثالثة، فإنَّها تحرُم عليه، وليس في مقدوره إرجاعُها، إلَّا أنَّها لو تزوَّجت بآخر، بعقدِ نكاحٍ صحيح، وجامعها الزوج الثاني، وكان هذا الزواج واقعًا عن رغبةٍ حقيقية، لا بقصد تحليل المرأة إلى زوجها الأوَّل، فلو طلَّقها زوجُها الثاني وانقضَتْ عِدَّتها، فلا حرجَ حينئذٍ أن يُنشِئَا- الزَّوج الأوَّل والمرأة- عَقْدَ نِكاحٍ جديدًا بينهما، شريطةَ أن يُوقِنا أو يغلب على ظنِّهما أن يتعاشرَا بالمعروف، وأن يقوم كلٌّ منهما بحقوق الآخَر كما ينبغي  .

عن عائشة رضي الله عنها: ((أنَّ رِفاعَةَ القُرَظِيَّ طلَّق امرأتَه فبَتَّ طلاقَها، فتزوَّجَها بعدَه عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبِيرِ، فجاءتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنها كانتْ عِندَ رِفاعَةَ فطلَّقها آخرَ ثلاثَ تطليقاتٍ، فتزوَّجها بعدَه عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبِيرِ، وإنَّه واللهِ ما معَه يا رسولَ اللهِ إلَّا مثلُ هذه الهُدبَةِ  ، لهُدبَةٍ أخذَتْها من جِلبابِها، قال: وأبو بكرٍ جالسٌ عِندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وابنُ سعيدِ بنِ العاصِ جالسٌ ببابِ الحُجرةِ ليُؤذَنَ له، فطَفِقَ خالدٌ يُنادي أبا بكرٍ: يا أبا بكرٍ، ألا تَزجُرُ هذه عمَّا تَجهَرُ به عِندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ وما يَزيدُ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على التَبَسُّمِ، ثم قال: لعلكِ تُريدينَ أن تَرجِعي إلى رِفاعَةَ، لا، حتى تَذوقي عُسَيلَتَهُ ويَذوقَ عُسَيلَتَكِ   ))  .

وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

لَمَّا بيَّن الله عزَّ وجلَّ تلك الأحكام العظيمة، أشار إلى أنَّها من جُملة شرائعه التي يُوضِّحها توضيحًا كاملًا لمَن كان العلم سجيَّتَهم؛ إذ يملكون الاستعدادَ لفَهمه وقَبوله، فيفهمون الأحكام فهمًا صحيحًا يقودُهم للعمل بها كما ينبغي دون تحيُّل، فينتفعون بها وينفعون غيرهم  .

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

جاءتْ هذه الآية عطفًا على قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا... الآية، عطفَ حُكمٍ على حُكم؛ لقصدِ زيادة الوصاةِ بحُسن المعاملة في الاجتماع والفرقة، وما يتبع ذلك من تحذير، فقال تعالى  :

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ.

أي: إذا طلَّقتم- أيُّها الرِّجال- نِساءَكم، طلاقًا لكم عليهنَّ فيه رجعةٌ- وذلك في التطليقة الواحدة، والتطليقتين- فقاربْنَ انقضاء عدتهنَّ، وأشرفْنَ على بلوغ أجلهن، فإما أن ترجعوهنَّ إلى عصمة النكاح بإشهادٍ على الرَّجعة، والتزامٍ بحُسن الصُّحبة، وطِيب العِشرة بما يتعارف عليه النَّاس، دون إخلالٍ بمأمور، أو وقوعٍ في محظور، أو اتركوهنَّ يَقضين تمام عدتهنَّ، ثم فارِقوهنَّ وأوفوهنَّ تمام حقوقهنَّ عليكم من مهرٍ ومتعةٍ ونفقةٍ، وغير ذلك، من غير مخاصمةٍ، ولا شقاقٍ، ولا إضرار  .

وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.

أي: لا يكُن إرجاعُكم لنسائكم مع قُرب انقضاء عِدَّتهن لأجْل المضارَّة بهنَّ؛ لئلَّا يتزوَّجْنَ بغيركم، أو لتطوِّلوا عليهنَّ مدَّة العِدَّة، أو لدفعها إلى ابتغاء طلب الخُلع منكم؛ كي تنالوا منهنَّ فدية في سبيل الخَلاص منكم، فكلُّ ذلك تجاوزٌ لما أمر الله تعالى به من إمساكهنَّ بمعروفٍ أو مفارقتهنَّ بإحسان، ومَن يَقُمْ بتلك الاعتداءات، فالضررُ عائدٌ عليه حقًّا، فبذلك يُكسب نفسه آثامًا، ويستحقُّ عقاب الله تعالى  .

وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا.

أي: لا تَجعلوا ما أَنزل اللهُ تعالى لكم في كتابه، من تلك الأحكام العِظام، في موضع السُّخرية والاستهزاء واللَّعب بها، بحيث تتركون العمل بها تجرُّؤًا واستخفافًا؛ فالله تعالى لم يُنزلها عبثًا، بل أنزلها بالحقِّ والصِّدق؛ لأجْل العمل على وَفْقها  .

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ.

أي: اذكروا نِعَم الله تعالى التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى عليكم، ومن ذلك نِعمة الإسلام وما يَحويه من أحكامٍ عِظام، فيها ما يدعو الزَّوجين لتجديد الوئام، أو المفارقة الحَسَنة بعد تَعذُّر الالتئام، فاذكروه سبحانه باللِّسان حمدًا وشكرًا، وبالقلب اعترافًا وتفكُّرًا، وبالجوارح سعيًا وعملًا، ومن تلك النِّعم ما أنزله الله تعالى من الوحي إلى نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا يَشمل كتابَ الله عزَّ وجلَّ، وسُنَّةَ رسوله عليه الصَّلاة والسلام المشتملة على الحِكمة، ومن ذلك ما فيها من ترغيبٍ وترهيب، والله تعالى يُذكِّركم ويَنصحُكم بما أنزله، إمَّا ترغيبًا بما يُليِّن قلوبَكم للخير، وإمَّا ترهيبًا بما يحذِّركم ويزجركم عن الشرِّ  .

وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

أي: اتَّقوا الله عزَّ وجلَّ في جميع أموركم، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالتزموا بأحكامه، ولا تتجاوزوا حدوده، وليكن معلومًا لديكم علمًا يقينيًّا أنَّ الله تعالى محيطٌ بكل شيء علمًا، لا يخفى عليه شيءٌ مطلقًا، فيعلم ما تأتون وما تذرون، ويُجازيكم على ذلك بحسَبه، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر، ومِن كمال عِلمِه سبحانه أيضًا أنْ شرَع تلك الأحكامَ التي هي في غاية الإحكام، وصالحة في كلِّ زمان ومكان  .

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232).

سبب النُّزول:

عن الحسن البصريِّ، أنَّه قال في قوله سبحانه: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ: حدَّثني مَعقِل بن يَسَار أنَّها نزلت فيه، قال: ((زوَّجت أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إذا انقضت عِدَّتها جاء يَخطُبها، فقلت له: زوَّجتُك وفرشتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثم جئتَ تخطبها، لا واللهِ لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تُريد أن ترجِع إليه، فأنزل الله هذه الآية: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوَّجها إيَّاه   ))  .

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ.

أي: وإذا طلَّق الرِّجال نساءَهم طلاقًا يمكن إرجاع الواحدة منهن فيه- وذلك في التطليقة الواحدة، والتطليقتين- فقاربْت عِدَّتُها على الانقضاء، وأراد الزوج إرجاعها، ورضيتْ هي بذلك، فحينئذٍ لا يجوزُ لوليِّها- ما دام قد وقَع بينهما التراضي على المعاشرة الحَسَنة، من غير وقوع منكرٍ شرعًا وعُرفًا- أن يُضيِّق عليها بمَنْعها من التزوُّج به؛ غضبًا ونفورًا منه؛ لتطليقِه لها  .

ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

أي: إنَّ نهي الأولياءِ عن عَضْلهنَّ في تلك الحال، إنَّما يُوجَّه إلى مَن يَلين قلبه بالذِّكرى، ويخاف منزجرًا عن الوقوع في الحرام، وهم الذين يؤمنون بالله تعالى وبالدار الآخرة؛ لأنَّ الإيمان بهما يُحقِّقُ خشية الله تعالى، وخوف الحساب والجزاء، فهؤلاء هم الذين ينتفعون حقًّا بتلك الموعظة  .

ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ.

أي: اتِّباعُكم- يا أولياءَ النِّساءِ- شَرْعَ الله عزَّ وجلَّ في رَدِّهنَّ إلى أزواجهنَّ، وتَرْك عضلهنَّ، خيرٌ لكم وأفضلُ عند الله تعالى، وأطيبُ لنفوسكم، وأطهرُ لقلوبكم من الذُّنوب، ومن العداوات، ومن حصول الرِّيبة، وأطهرُ لعِرْضكم كذلك؛ لأنَّه إذا كان بين الزَّوجين حبٌّ ومودَّة، فقد يَتجاوزانِ ذلك إلى الوقوع في الحرام، وقد يَرتاب فيهما وليُّها وهُما بَريئانِ من ذلك  .

وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.

أي: فلا تستغربوا أنْ أمركم الله عزَّ وجلَّ بخلاف ما جرت به عادتُكم من عضلهنَّ، بل امتثلوا أمْر مَن هو عالِمٌ بمصالحكم وما فيه خيركم ونقاؤكم وطُهركم في الدُّنيا والآخِرة، وذلك في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه، أمَّا أنتم- أيُّها العبادُ- فلا تعلمون أين الخِيَرة فيما تأتون وتتركون، إلَّا ما علَّمكم الله تعالى  .


الفوائد التربويَّة :

1- أنَّ للقلوب كسبًا، كما للجوارح؛ فأمَّا ما حدَّث به الإنسان نفسه دون اطمئنان إليه، فإنَّه لا يؤاخذ به؛ لأنَّه ليس بعمل، قال تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  .

2- أنَّ رجوع الإنسان عمَّا هو عليه من المعصية سببٌ للمغفرة؛ لقوله تعالى: فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  .

3- أنَّه ينبغي تحذير المؤتَمن- الذي لا يَعلم بأمانتِه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ- من عذاب اليوم الآخِر، إنْ هو لم يقُمْ بواجب الأمانة؛ لقوله تعالى: وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  .

4- يُستفاد من قوله تعالى: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ اعتبار المفاسد، وسلوك الأهون لدفع الأشدِّ؛ لأنَّ الأخذ من مال الزوجة محرَّم بلا شكٍّ؛ لكن إذا أريد به دفْع ما هو أعظم من تضييع حدود الله عزَّ وجلَّ، صار ذلك جائزًا  .

5- الاكتفاء بالظنِّ في الأمور المستقبلة؛ لأنَّ طلب اليقين في المستقبل من باب التكليف بما لا يُطاق؛ لقوله تعالى: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ؛ وقد قال الله- تبارك وتعالى -: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة: 286] ، فقال: ((قد فعلتُ  )) كما في الحديث  .

6- أنَّه لا يَعرِف هذه الحدودَ، ويتبيَّنها إلَّا مَن كان من ذوي العِلم؛ فكلَّما كان أعلمَ كانت الحدود في حقِّه أبينَ وأظهر؛ فطالب العلم يتعلَّم من اللَّفظ مسائل أخرى؛ فالعلم يُغذِّي بعضه بعضًا؛ وطالب العلم رابحٌ بكلِّ حال؛ فهو ليس كطالب المال قد يشتري السِّلعة وهو يظنُّ الرِّبحَ، ثم يخسر؛ فطالب العلم إذا تعلَّم مسألة، فإنَّها مفتاح له لأبواب أخرى؛ ولهذا قال تعالى: يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ  .

7- في قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ: إغراء المخاطَب باجتناب ظلم غيره؛ لأنَّ الظالم قد يَظنُّ أنَّه منتصرٌ على المظلوم؛ فإذا علِم أنَّه ظالم لنفْسه تهيَّب ذلك، واستقام على العَدل  .

8- أنَّ الاتِّعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله تعالى: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ؛ فهو ينمِّي النفس، وينمِّي الإيمان، وينمي الأخلاق، ويُنمِّي الآداب؛ فكلَّما كان الإنسان أشدَّ تطبيقًا لأحكام الله كان ذلك أزكى له  .

9- أنَّ تطبيق الأحكام أطهرُ للإنسان، أي: أطهرُ للقلب؛ لأنَّ الأعمال الصالحة تُطهِّر القلب من أرجاسِ المعاصي؛ ولذلك تجد عند الإنسانِ المؤمنِ من الحيوية، والنشاط، والسرور، والفرح ما ليس عند غيرِه؛ قال تعالى: ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- يُستفاد من قوله تعالى: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، عدمُ مؤاخذة العبدِ بما لم يَقصدْه في لفظه؛ وهذه الفائدة تُعَدُّ قاعدة عظيمة تترتَّب عليها مسائلُ كثيرة؛ منها: لو جرى لفظُ الطلاق على لِسانه بغير قصدٍ لم تطلق امرأته؛ ولو طلَّق في حال غضبٍ شديدٍ لم تطلق امرأته؛ ولو قال كفرًا في حال فرحٍ شديد لم يَكفُر  .

2- أنَّ الطلاق بيَدِ الزوج؛ لقوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ؛ والضمير يعود على (الذين يُؤلُون من نِسائهم)  .

3- أنَّ الطلاق لا يقع بمجرَّد تمام مدَّة الإيلاء؛ لقوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ  . وفي هذا إشارة إلى أنَّ الفَيْئة أحبُّ إلى الله تعالى من الطلاق  .

4- قوَّة الداعي في المرأة للزواج؛ لقوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ؛ فكأن النفس تحثُّها على أن تُنهِيَ عَلاقتها بالأول، وتتزوج؛ فقيل: (تربصي بنفسك) أي: انتظري  .

5- استعمال الاحتراز؛ فلا ينبغي الإطلاقُ في موضعٍ يخشى فيه من التعميم؛ لقوله تعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ  .

6- أهميَّة النِّكاح، وبيان أنَّه راجع إلى الأسرة كلِّها؛ لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ، ولم يقل: فإنْ خافا  .

7- عناية الله سبحانه وتعالى بعباده في بيان ما يجب عليهم في عبادتهم، وفي معاملة بعضهم لبعض حتى لا تحصُل الفوضى المؤدِّية إلى النِّزاع  .

8- أنَّه إذا لزِم من فِعل المباح شيء محرَّم صار الشيء المباح حرامًا؛ لأنَّ رجوع الزوجة حلال في الأصل؛ فإذا لم يظنَّ الإنسان أنَّه يقوم بالحدود صار حرامًا؛ وهو في الأصل حلال، كما قال تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ  .

9- عناية الله عزَّ وجلَّ بعباده في أن يتعاملوا بينهم بالمعروف، سواء في حال الاتِّفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأنَّ ذلك هو الذي يُقِيم وَحْدة الأمة؛ فإنَّ الأمَّة إذا لم تتعامل بالمعروف- بل بالمنكر، والإساءة- تفرَّقت، واختلفت؛ فالأمَّة الإسلاميَّة أمَّة واحدة، كما قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103]   .

10- في قوله تعالى: وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا دلالةٌ على أنَّ المعصية نوع من الاستهزاء بالله عزَّ وجلَّ- وإن كانت لا تُخرِج الإنسانَ من الإسلام  .

11- أنَّ منَّةَ الله علينا بإنزال الكتاب والحِكمة أعظمُ من كلِّ مِنَّة؛ وذلك لتخصيصِها بعد تعميمِ النِّعم؛ لأنَّ التَّخصيص بعد التَّعميم يدلُّ على أهميتها، قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ  .

12- أنَّه لا بدَّ في النِّكاح من وليٍّ؛ فالمرأة لا تزوِّج نفسها؛ لأنَّه لو كانت تملك العقد لنفسها لما كان للعضل أي تأثير؛ ولما قال الله تعالى: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ

خبَرٌ في مَعْنَى الأمْر، وأصل الكلام: وليتربَّصِ المطلقات، وفائدة إخراج الأمْر في صورة الخبر التأكيدُ للأمر، والإشعار بأنَّه ممَّا يجب أن يُتلقَّى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهنَّ امتثلن الأمر بالتربُّص، فهو يُخبِر عنه كأنَّما وُجِد؛ مثل قولهم في الدُّعاء: رحِمك اللهُ، أُخرج في صورة الخبر؛ ثِقةً بالاستجابة، كأنَّما وُجِدت الرحمة، فهو يُخبِرُ عنها  .

وفيه تقديمُ الاسم (المُطلَّقات) على الفِعل (يَتربَّصْن)، وهذا يُفيد من التأكيد والقوة ما لا يُفيده العكس (يتربَّص المطلقات)  .

2- قوله: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا هذا كالتوكيد لقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ؛ فنَهاهم ألَّا يكون الإمساكُ ضرارًا  .

3- قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ: فيه إبراز (الحدود) بالاسم الظَّاهر، لا بالضمير؛ للدَّلالة على تعظيم حدود الله تعالى  .

وفي تَكرار الإضافة في حُدُودُ اللهِ تخصيصٌ لها وتشريف، ويُحسِّن التَّكرارَ بالظاهر كونُ ذلك في جُملٍ مختلفة  .

 فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ   : فيه حصْر الظلم في حدود الله تعالى، وتأكيدٌ بالإتيان به في الجملة الاسميَّة الخبريَّة؛ للدَّلالة على أنَّ التعدِّي لحدود الله ظلم عظيم  .

4- قوله: وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ تخصيصٌ بعدَ تعميم؛ إذ هو معطوفٌ على نِعْمَةَ اللهِ، وهو مِن النِّعمة، وهذا يُسمَّى التجريد  .

5- وقد تضمَّنت هذه الآية: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ... والتي تليها، أنواعًا من ضروب الفَصاحة والبَلاغة، من عِلم البيان  :

منها: الطِّباق  : بين الطلاق والإمساك؛ فإنَّهما ضدان، والتسريح طباق ثانٍ؛ لأنَّه ضد الإمساك، وبين العِلم وعدَم العلم؛ لأنَّ عدم العلم هو الجهل.

ومنها: المقابلة  في فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا؛ قابَل المعروف بالضرار، والضرار منكَر؛ فهذه مقابلة معنويَّة.

ومنها: التَّكرار في: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ كرَّر اللفظ لتغيير المعنيين.

ومنها: الالتِفات في قوله سبحانه: وَإِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، ثم التَفت إلى الأولياء، فقال: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ.


الآيات (233 - 242)

۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(233)

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(234)

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ(235)

لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ(236)

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(237)

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ(238)

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(239)

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(240)

وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ(241)

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(242)

غريب الكلمات:

حَوْلَيْنِ: مثنَّى حَوْل، وهو العام، وأصله: تحرُّك في دَور، وقيل للعام: حولٌ؛ لأنَّه يَحولُ، أي: يدور  .

وُسْعَهَا: أي: طاقتها، وقُدرتها  .

فِصَالًا: فطامًا، وهو التَّفريق بين الصَّبيِّ والرَّضاع؛ يقال: فَصَلتُ الصبيَّ؛ إذا فطمته، ومنه قِيل لولد الناقة إذا قُطِع عن الرَّضاع: فصيل؛ لأنه فُصِل عن أمِّه. وأصل الفَصْل: التفريق، وإبانةُ أحدِ الشَّيئين من الآخَر حتى يكون بينهما فُرجة  .

عَرَّضْتُمْ: التَّعْرِيضُ: الإيماءُ والتَّلويح، من غير كَشْفٍ ولا تصريح  .

أَكْنَنْتُمْ: سترتُم، وأَضْمَرتُم، مِن أكننتُ الشيء، أي: سترتُه وصُنته  .

تَعْزِمُوا: أي: تُوَاقِعوا وتُمضوا، مِن العَزْم والعَزيمة: وهو عقْد القلْب على إمضاء الأمْر  .

عُقْدَة: اسم لِمَا يُعقد من نِكاح أو يمين أو غيرهما، وعقْدة كلِّ أمْر: إيجابه وتوثيقه. وأصلُه: الشَّدُّ، وشِدَّة الوثوق  .

قَانِتِينَ: مُداومين على الطاعة، والقنوت: دوام الطَّاعة، ولزومها مع الخضوع؛ وأصل قنَت: يدلُّ على طاعةٍ وخيرٍ في دِين  .

فَرِجَالًا: أي: مُشَاةً؛ جمْع رَاجِل، اشتُقَّ من الرِّجْل للماشي برِجْله  .


مشكل الإعراب:

1- قوله: لا تُضارَّ والدةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ:

لا تُضارَّ: على قراءة فتح الراء مع التَّشديد؛ فـ(لا) ناهية جازمة، و(تضار) مضارع مجزوم، وسُكِّنت الراء الأخيرة للجزم، وقبلها راء ساكنة مُدغمة فيها، فالْتقى ساكنان؛ فحُرِّكت الثانية بالفتح؛ لأجْل الألفِ قبلها. وعلى قراءة رفْع الراء مشدَّدة: فـ(لا) نافية لا عَملَ لها، و(تضارُّ) فعل مضارع مرفوع؛ لأنَّه لم يدخلْ عليه ناصب ولا جازم.

وأصل (تضارَّ): تضارر، ويحتمل في الرَّاء الأولى منه الفتح (تُضارَر) فيكون الفعل مبنيًّا للمفعول، وتكون (والدةٌ) مفعولًا لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، وحذف الفاعل للعلم به. ويحتمل أن تكون الراء مكسورة (تُضارِر) فيكون الفعل مبنيًّا للفاعل، وتكون (والدةٌ) حينئذٍ فاعلًا، والمفعول على هذا الاحتمال: محذوف، تقديره: لا تُضارِر والدةٌ زوجَها بسبب ولدِها. ولا يُضارِر مولودٌ له زوجتَه بسببِ ولده  .

2- قوله: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ... مَتَاعًا: متاعًا: منصوب على أنَّه اسم مصدر لفِعلٍ محذوف دلَّ عليه ما قبله (متعوهن)، والتقدير: متعوهنَّ متاعًا. واسم المصدر (متاعًا) جرى مجرَى المصدر (تَمتيع).

ويجوزُ نصبُه على أنه حالٌ من الضَّمير المستكنِّ في (على الموسِع)، والتقدير: قدرُ الموسع يستقرُّ عليه في حالِ كونه متاعًا  .

3- قوله: فنِصفُ مَا فَرضتُم:

فنِصفُ: الفاء رابطة لجواب الشَّرط. ونِصف: مرفوعةٌ مبتدأ، والخبرُ محذوف، والتقدير: فعليكم نصفُ ما فرضتم. أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فالواجبُ نصفُ...إلخ. وقُرئ بالنَّصب، على أنَّه مفعول به لفِعل محذوف، أي: فأدُّوا نِصفَ ما فرضتُم  .

4- قوله: غيرَ إخراجٍ:

غيرَ: منصوب، على أنه نعت لـمَتَاعًا أو بدلٌ منه. أو منصوب على أنَّه حال من الزَّوجات، أو على أنَّه حال من الموصِين، والتقدير: غيرَ مخرجاتٍ، أو: غير مُخرِجين لهم. وقيل غير ذلك  .


المعنى الإجمالي :

يُرشِد الله تعالى الأُمَّهات إلى أن يقُمنَ بإرضاع أولادهنَّ عامين تامَّيْن، إن اتفَّق مطلوب الأب والأمِّ، أو رغب أحدهما في إكمال الرَّضاعة، وفي حال قيامهنَّ بذلك فعلى الأب أن يُقدِّم للأمِّ ما يقوتها من طعام، وما يكسوها من ملبسٍ، بما يتَعارَف النَّاس عليه، ومن غير سرفٍ ولا إقتارٍ، فلا يُوجِب اللهُ على أحدٍ إلا ما أطاقه، وحرَّم اللهُ على الأمِّ أن ترفض إرضاعَ ولدها، أو تطلب أكثر من أُجرة مثلها إضرارًا بأبيه، وحرَّم كذلك على الأب أن يمنعها من إرضاع ولدها إضرارًا بها. وأوجب سبحانه على وارثِ الطفل الذي تُوُفِّي أبوه مثل ما على الأب من النَّفقة والكُسوة لوالدته وعدم الإضرار بها. وأباح الله للوالدين فطامَ المولود قبل انتهاء العامينِ إذا وقع ذلك عَقب تراضٍ منها على فطامِه وتشاورٍ، بحثًا عن مصلحة المولود. كما أباح الله تعالى للآباء أن يبتَغوا لأولادِهم مُرضعات غير أُمَّهاتهم إن كان لا يقصد الإضرار بهنَّ، وإنما لوجود سببٍ يقتضي ذلك، فلا حرج حينئذٍ في هذا الأمر إذا دفَع الوالد أُجرةَ المرضعة، وأوفاها حقَّها تامًّا غيرَ مماطل فيه. ثم يأمر تعالى بتقواه؛ بامتِثال أمْرِه، واجتناب نهيه، وأن يتيقَّنوا أنَّه لا يَخفى عليه شيء سبحانه.

وإذا تُوُفِّي الزَّوجُ فقد أوجب الله سبحانه على زوجتِه أن تعتدَّ من بعدِه، وذلك بحبْسها نفسَها عن الزواج والطيب والزينة والخروج من البيت لغير ضرورة، لمدَّة أربعة أشهر وعشرة أيام- وهذا لغير الحامل فإن عدَّتها تنتهي بوضعها للحمل- فإذا انقضَت هذه المدَّة فلا حرج حينها على أولياء المعتدَّة فيما تفعله في نفسِها من زينة وطيب، ونكاح حلال ونحوه مما أباحه الله تعالى لها. والله تعالى عالمٌ بالسرائر؛ فالتزموا بأحكامه ولا تخالفوها؛ فإنَّه مجازيكم على ذلك.

ولوجوبِ حبْس المعتدَّات أنفسَهنَّ عن النكاح فترة العدَّة لا يجوز للرجال التَّصريح لهنَّ بالنكاح، لكن لا حرجَ من التَّلميح لهنَّ من غير تصريحٍ بالرغبة في الزواج منهنَّ، كما أنَّه لا حرج أيضًا فيما انطوت عليه أنفسُ الرجالِ من العزم على نكاح المعتدَّات بعد انقضاءِ زمن عدَّتِهنَّ. فقد علِم الله أنَّهم سيذكرون لمن هنَّ في العدَّة رغبتهم في الزواج بهنَّ علانيةً، أو سيُضمِرون تلك الرغبة في أنفسهم، فرفَع الله الحرج عنهم في ذلك. ونهى الله عن إجراء عقد النكاح على المعتدَّات حتى تنتهي العدَّة، وحذَّر سبحانه مَن يخالفُ أمره مبيِّنًا أنَّه يعلم ما تُضمِره أنفسهم من الرغبة في نكاح المعتدَّات، فليحذروا إضمار نيَّةٍ مخالفة لأمره تعالى خوفًا من عقابه، ورغبةً في ثوابه. وليكونوا على يقين أيضًا من أن الله يستر ذنوبَ عباده ويتجاوز عنها، ولا يسارع بإيقاع العقوبات عليهم لذنوبهم مع قدرته على ذلك بل يمهلهم سبحانه، فلا يَيئسوا ولا يقنَطوا في حال مخالفتهم لِمَا يُرضي ربَّهم، بل عليهم أن يطلبوا منه سبحانه المغفرة.

ولا حرجَ ولا إثمَ على الرجال في طلاق النِّساء بعد العقد عليهنَّ، وقبل جماعِهنَّ والحال أنهم لم يوجبوا لهنَّ مهرًا محدَّدًا، لكن على الأزواج أن يعطوهنَّ ما يتمتَّعن به من أموالهم بحسب قدرتهم، وعلى ما يتعارف عليه النَّاس، جاعلًا سبحانه هذا الأمر أكثر تأكيدًا على مَن تحلَّى بالإحسان إلى نفسه وإلى الآخرين.

كما أنَّه لا حرجَ على الرِّجال إنْ طلَّقوا النساء قبلَ جِماعهنَّ وقد حدَّدوا لهنَّ مهرًا، وبذلك يكون للمُطلَّقات نِصفُ المهر المحدَّد، إلَّا إذا تنازلْنَ عنه لأزواجهنَّ، أو عفا الأزواج عن النصف الآخر لهن، وأعطوهنَّ المهر كاملًا. ورغَّب الله تعالى كِلا الزوجين في التنازل، مخبرًا أنَّ مَن عفا عن نصيبه كان هو الأقربَ للتقوى. كما نهى سبحانه وتعالى الزوجين عن الغفلةِ عن الفضلِ والإحسان، وذلك بإعطاء أحدهما للآخر زيادةً على الحقِّ الواجب له من المهر؛ فإنَّ الله مطَّلعٌ على كلِّ أعمال البَشر، فمَن عفا منهم، فله أجرُه، وسيجزيه الله سبحانه على إحسانه بفضلِه وكرمه.

ثم أمَر سبحانه بالحفاظ على الصَّلواتِ المكتوبة عمومًا بالمداومة على أدائها في أوقاتها، والاهتمام بتأديتِها بشروطها وأركانها، وخصَّ بمزيد تأكيدِ صلاة العصر. آمرًا سبحانه أن يُداوِموا في صلواتِهم على الخشوعِ والطُّمأنينة وترك الكلام في غير ما أمر الله تعالى به فيها من الذِّكر والقرآن.

واستثناءً من الأمر بالقيام بخشوعٍ وطُمأنينة وتركٍ للكلام، ذكر سبحانه حُكم الصَّلاة حال الخوف، ففي هذه الحال عليهم أداء الصَّلاة على أيِّ حالٍ كانوا، سواء ماشينَ على أقدامهم أو راكبينَ على دوابِّهم، مستقبلي القبلةِ أو غير مستقبليها. فإذا زال عنهم الخوف فلْيُقِيموا الصَّلاة على صفتِها التامَّة التي علَّمهم الله إيَّاها من قبلُ، فإن تعليمَه سبحانه لهم ما لم يكونوا يعرفونه من قبل نعمةٌ تستحقُّ أن يُقابِلوها بالشكر، ومنه ذكره سبحانه في الصَّلاة وغيرها.

ثم ذكَر الله تعالى أنَّ على الأزواج أن يُوصُوا قبل وفاتهم إلى ورثتِهم بأن تمكث الزَّوجات في بيوت أزواجهن المتوفَّين مدَّة عام كامل يُمتَّعن فيها بالنفقة والسكنى في منازلهم، دون أن يخرجهنَّ أحدٌ منها. ولا حرج على أولياء الميت إن خرجن وتركنَ الحداد على أزواجهنَّ بأن تجمَّلنَ وتطيَّبنَ ورغِبنَ في النكاح وغير ذلك ممَّا لا يخرج عن حدود الشَّرع والعُرْف. والله عزيزٌ؛ لا يمنعه شيء من انتقامه ممَّن خالف أمره وارتكب نهيه، وحكيم جلَّ وعلا؛ فكلُّ ما شرعه من أحكامٍ في غاية الإتقان.

وهذه الآية منسوخةٌ حُكمًا عند الجمهور بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وقيل: النفقة المذكورة هنا منسوخة بآية المواريث.

ثم أوجبَ الله تعالى على الأزواجِ أن يُعطوا مطلَّقاتهم ما يتمتَّعن به من كسوةٍ أو غيرها، بما يتعارَف عليه النَّاس وبما لا يخالف شرعَ الله عزَّ وجلَّ، وهذا أمرٌ ثابت على كل مَن طلَّق زوجته، وكما بيَّن الله ما سبق من الأحكام بوضوحٍ، يُبيِّن أيضًا باقي آياته وأحكامه بوضوح حتى يفهمها النَّاس ويعملوا بها.


تفسير الآيات:

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233).

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.

أي: أَرْشدَ اللهُ عزَّ وجلَّ الوالدات المطلَّقاتِ إلى أن يرضعنَ أولادهنَّ؛ ذكورًا كانوا أو إناثًا، مدَّة سنتيْنِ تامَّتيْن، إنْ كان كلٌّ من الأب والأم، أو أحدهما يَنشُد كمالَ الرَّضاعة  .

وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا.

أي: على الوالدِ أن يدفعَ لأُمِّ أولاده ما يَقوتُها من الطَّعام، وما يكسوها من الملبسِ بما يجب لمثلِها على مِثله، ومن غير إسرافٍ أو إقتار، والله تعالى يعلم الغَنيَّ والفقير ومُتوسِّط الحال من خلقِه، ولا يُوجِب على الرِّجال من النفقة إلَّا ما أطاقوه ووجدوا إليه سبيلًا  .

قال تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا [الطلاق: 6-7] .

لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: لَا تُضَارَّ قراءتان:

1- لَا تُضَارُّ على أنَّها خبرٌ يُفيد النهيَ المتقرِّر، وهو أبلغُ من مجرَّد النهي  .

2- لَا تُضَارَّ أي على أنَّها نهي  .

لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا.

أي: يحرُمُ على الأُمِّ الإضرار بالأب، كأنْ تأبى إرْضاعَ مولودها، أو تطلُبَ أكثرَ من أجْرِ مِثلِها، ولا يَحِلُّ للأب أيضًا الإضرارُ بالأُمِّ، كأنْ يَنزِعَ الولدَ من أمِّه، مع رغبتِها في إرضاعه  .

وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ.

أي: ويحرُمُ على الأب أيضًا الإضرارُ بالأُمِّ، كأنْ ينزِعَ الولدَ من أمِّه، مع رغبتها في إرضاعه، ولا يَحِلُّ للأمِّ أيضًا الإضرارُ بالأب، كأنْ تأبى إرْضاعَ مولودها، أو تطلُبَ أكثرَ من أجْرِ مِثلِها  .

وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ.

أي: إنَّ على وارث الطِّفل الذي مات أبوه، مِثلَ ما على الأبِ من النَّفقة والكُسوة لوالدته، وعدم الإضرار بها  .

فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا.

أي: إذا أراد والدُ المولودِ ووالدتُه فِطامَه عن الرَّضاعة، إذا رَأَيَا ذلك قبل انقضاء نهايةِ عامَيِ الرَّضاعة وبعد وقوع تَراضٍ منهما وتشاورٍ ونظَر؛ هل في ذلك مصلحةٌ لمولودهما أم لا- فلا حرجَ حينئذٍ في ذلك ولا إثم  .

وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ.

أي: إذا أردتم أن تطلُبوا لأولادكم مرضعاتٍ غيرَ أمهاِتهم، على غير قصْد الإضرار بهنَّ، وإنَّما لأسبابٍ تدعو لذلك، كأن تعترضَ الأمُّ على أجرة إرضاع ولدها، ويمتنع الرجلُ من دفْع ما تطلبه، فتمتنع من إرضاعه، فلا حرجَ حينئذٍ ولا إثم على الوالدين في ذلك، إذا دفَع الوالد أجرةَ الرَّضاعة المتَّفقَ عليها للمرضعةِ فأوفاها حقَّها من غير نقصٍ ولا مماطلة  .

وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.

أي: امتثِلوا ما أمَرَكم الله تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، ومن ذلك تلك الحقوق المذكورة في الآيات السَّابقة المتعلِّقة بالأزواج وأولادهم؛ وليكن معلومًا لديكم، علمًا يقينيًّا أنَّ الله تعالى لا يَخفى عليه شيء، فهو يراكم وينظُر ماذا تعملون، فيحفظ أعمالَكم ويُجازيكم عليها؛ فلْيَحذَر العبدُ من أن يراه ربُّه ومولاه حيث نهاه، أو يفقده حيثُ أمره ووصَّاه  .

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن الله تعالى عدَّة الطلاق وما اتَّصل بذلك من أحكام الإرضاع عقبَ الطَّلاق، أردفَ ذلك ببيان عدَّة الوفاة، فقال سبحانه  :

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.

أي: إذا تُوفِّي الزَّوج، فيجبُ على زوجته أن تَعتدَّ من بعده، فتَمكُثَ حابسةً نفْسَها عن الزَّواج مُدَّةَ أربعة أشهر وعَشرةَ أيَّام  .

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ.

أي: إذا انقضت مدَّة عدَّة المرأة المتوفَّى عنها زوجها، فلا حرج على أوليائها فيما تفعله في نفسها من تزيُّن وتطيُّب ونِكاح حلال، وغير ذلك ممَّا أباحه الله تعالى لها  .

وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

أي: إنَّ الله سبحانه وتعالى عالِمٌ  ببواطنكم، ومطَّلعٌ على حقائق أعمالكم؛ فأقِيمُوا أحكامه ولا تخالفوها، فإنَّه مجازيكم عليها  .

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا تضمَّنتِ الآياتُ السابقة أحكامَ عِدَّة الطلاق وعِدَّة الوفاة، وعُلِم من الآيات أنَّ التزوُّج في مدة الأجَل حرام، ولَمَّا كان التحدُّث في التزوُّج إنما يَقصد منه المتحدِّث حصولُ الزَّواج، وكان من عادتهم أن يتسابقوا إلى خِطبة المعتدة ومواعدتها؛ حرصًا على الاستئثار بها بعد انقضاء العدة، فبيَّنت الشريعة لهم تحريمَ ذلك، ورخَّصت في شيء منه؛ ولذلك قال تعالى  :

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ.

أي: لا حرَج عليكم- أيُّها الرِّجالُ- أن تَذكُروا للنِّساء المعتدَّات من وفاة أزواجهنَّ في كلامِكم ما يُشير ويُلمِّح لهنَّ من غير تصريحٍ إلى الرغبة في الزواج بهنَّ، ولا حرجَ عليكم كذلك فيما انطوت عليه قلوبُكم أثناءَ عدَّتهنَّ، من عزم نكاحهنَّ  .

عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا.

أي: عَلِمَ اللهُ أنَّكم يا مَعشَرَ الرِّجالِ ستَذكُرون هؤلاء النِّسوةَ المُعتَدَّاتِ بالخِطبةِ في أنفُسِكم وبألسِنَتِكم، ولكِنَّه ينهاكم عن مُواعَدتِهنَّ سِرًّا في العِدَّةِ بأن تتزَوَّجوهنَّ بعدَ العِدَّةِ، إلَّا أن تُلَمِّحوا إليهنَّ برَغبتِكم في الزَّواجِ بهنَّ مُعَرِّضينَ؛ فلا حَرَجَ عليكم في ذلك.  .

وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.

أي: لا تقوموا بإجراء عقد النِّكاح على المعتدَّات حتى تنتهي عِدَّتهنَّ  .

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ.

أي: ليكن معلومًا لديكم أنَّ الله عزَّ وجلَّ يعلم ما في أنفسكم من هواهنَّ، والرغبة في نكاحهنَّ، وغير ذلك، فكونوا على حيطةٍ من أن تخالفوا أحكامه في ذلك؛ فإنَّه مطَّلعٌ على ما في نفوسكم فلا تُضمِروا فيها نيَّة مخالفة لأمره تعالى، خوفًا من عقابه ورجاءً لثوابه  .

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.

أي: وليكن معلومًا لديكم كذلك بأنَّكم إن أضمرتم في أنفسكم ما لا يرضاه سبحانه فلا تيئسوا ولا تقنطوا، فإنَّ لديكم طريقًا لتصحيحِ الأمر، وهو طلب المغفرة منه سبحانه، فهو الذي يستر ذنوبَ عباده ويتجاوز عنها، ولا يعاجل عبادَه بالعقوبات على ذُنوبهم مع قدرته على ذلك، بل يمهلهم جلَّ وعلا  .

لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا جرَى الكلامُ في الآيات السَّابقةِ على الطلاقِ الذي تجِب فيه العِدَّة، وهو طلاقُ المدخول بهنَّ، عرَّج هنا على الطَّلاق الواقِع قبل الدُّخول، فقال سبحانه  :

لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً.

أي: لا حرجَ عليكم في طلاقِكم النساءَ بعد العقدِ عليهنَّ، وقبل أن تُجامعوهنَّ، وقبل أن تُوجِبوا لهنَّ مهرًا محدَّدًا  .

وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا كان في طلاقهنَّ قبل جِماعهنَّ، وقبلَ فرْض المهرِ لهنَّ، انكسارٌ لقلوبهنَّ، أمر الله تعالى أزواجهنَّ بتعويضهنَّ بشيءٍ يجبُر خواطرَهنَّ، فقال تعالى  :

وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.

أي: أَعطوهنَّ- أيُّها الأزواجُ- ما يَتمتعْنَ به من أموالِكم، كلٌّ بحسَب قُدرته وأحوالِه غِنًى أو فقرًا، وبحسَب ما يتعارَف عليه الناس، من غيرِ أن تَظلموهنَّ، وجَعَل الله تعالى هذا الأمرَ أكثرَ تأكيدًا على المتَّصفين بالإحسان إلى أنفسهم وإلى الآخَرين  .

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237).

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ.

أي: لا حرجَ ولا إثمَ عليكم- أيُّها النَّاس- إنْ طلَّقتُمُ النِّساء قَبلَ جماعِهنَّ وقَدْ قدَّرتُم لهنَّ مهرًا، ولهنَّ في هذه الحالِ نِصفُ هذا المهر  .

إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.

أي: للنِّساءِ نِصفُ المهر في تلك الحال، إلَّا إذا عفونَ عنه لأزواجِهنَّ، فيكون لهم المهر كاملًا، (وذلك إنْ كُنَّ ممن يصحُّ عفوهنَّ) أو أنْ يعفوَ أزواجُهنَّ عن نِصف المهرِ الآخَر لنِسائهِم، فيكون لهنَّ المهرُ كاملًا، ورغَّب الله تعالى كلًّا من الأزواج والزَّوجات في العفو، بأنَّ مَن يعفو أقربُ للتقوى من الآخَر؛ لأنَّ مَن يعفو قد آثَر فِعل ما ندَبه الله تعالى إليه على هوى نَفْسِه، فهو لِمَا أوجبه الله عزَّ وجلَّ عليه أشدُّ امتثالًا، وِلِمَا نهاه أشد تجنُّبًا، وذلك هو القُرب من التَّقوى التي تَعني فِعلَ المأمور، واجتنابَ المحظور  .

وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.

أي: لا ينبغي أن يترك الزوجانِ الإحسانَ إلى بعضِهم البعض، بإعطاءِ أحدهما للآخَر زيادةً على الحقِّ الواجب له، وذلك بالعفوِ والتسامُحِ عن بقيَّة المهر، فإنَّ الله تعالى يرى كلَّ عمل يصدُر من الناس، فمَن عفا فله أجره، والله تعالى يحفظ عملَه، ويُجازيه على إحسانه بفضله  .

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238).

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى.

أي: يأمر الله تعالى بتعاهُد الصَّلوات المفروضة عمومًا بالمحافظة على مواظبة أدائها في أوقاتها، وحِفظ حدودها، والعناية بأدائها بشروطها وأركانها، وخصَّ الله تعالى من بينها بمزيدِ تأكيد، صلاة العصر  .

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا كان يومُ الأحزابِ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ملَأ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا، شغَلونا عنِ الصَّلاةِ الوُسطى حتى غابَتِ الشمسُ  ))  .

وعن عبدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، قال: ((حَبسَ المشركونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن صلاةِ العصرِ. حتى احمرَّتِ الشمسُ أوِ اصفرَّتْ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: شغلونا عن الصَّلاةِ الوُسطى صلاةِ العصرِ. ملأ اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا أو قال حشا اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا  ))  .

وعن البَراءِ بنِ عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((نزلت هذه الآيةُ: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. فقرأناها ما شاء اللهُ، ثمَّ نسَخَها اللهُ، فنزلت: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فقال رجلٌ كان جالسًا عند شقيقٍ له: هي إذنْ صلاةُ العصرِ. فقال البراءُ: قد أخبرتُك كيف نزلتْ، وكيف نَسخَها اللهُ، واللهُ أعلمُ  ))  .

وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.

أي: أقيموا الصَّلاة، مواظبين على ذلك، ومداومين فيها على الخُشوع والطُّمأنينة والسُّكوت التامِّ عن سوى ما أمر الله تعالى به فيها من الذِّكر والقرآن  .

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا أمَرَ الله تعالى عبادَه بالمحافظة على الصَّلوات، والقيام بحدودِها، والمداومة عليها، ذَكَر الحال التي يَنشغلُ فيها المرءُ عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال الخوف، ولكنَّها ليست عذرًا في ترْك المحافظة على الصَّلوات، فقال سبحانه  :

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا.

أي: إنْ خِفْتُم أن تُؤدُّوا صلاتَكم على تِلك الصِّفةِ الكاملة، فصَلُّوها على أيِّ حالٍ كنتم، سواء ماشينَ على أقدامِكم أو راكبين على دوابِّكم- ويلزم من ذلك أن يكونوا مستقبلي القِبلة وغير مستقبليها- فإنَّ ذلك يجزيكم حينئذٍ عن القيام قانتينَ  .

فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

أي: فإذا زال عنكم الخوف، فأقيموا صلاتكم على الصِّفة الكاملة كما علمكم الله من قبلُ، وتعليمُه إيَّاكم ما ينفعكم في دُنياكم وأُخراكم- ومن ذلك إقامة الصَّلاة بتمامها- نعمةٌ عظيمة تقتضي شُكرها بذكره سبحانه في الصَّلاة وغيرها  .

قال سبحانه وتعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [النساء: 103] .

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240).

الناسخ والمنسوخ:

جمهور المفسِّرين على أنَّ هذه الآية منسوخةٌ حكمًا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وقيل النفقة كذلك منسوخةٌ بآية المواريث  .

فعن عبد الله بن الزُّبَير رضي الله عنهما، قال: ((قُلْتُ لعثمانَ بن عفَّان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. قد نسخَتْها الآيةُ الأخرَى، فَلِمَ تَكْتُبُها؟ أَوْ تَدَعُها؟ قال: يا ابنَ أخي، لا أُغَيِّرُ شيئًا منه من مكانِه   ))  .

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ.

أي: إنَّ الأزواج الذين يموتون ويتركون وراءهم زوجاتٍ، فعليهم أن يعهَدوا قبل وفاتهم لورثتهم بأن تمكث زوجاتهم في بيوتهم (أي بيوت الأزواج المتوفَّين) مدَّة عام كامل، يتمتَّعن فيه بالنفقة من أموالهم، والسُّكنى في منازلهم، دون أن يُخرِجَهنَّ أحدٌ منها  .

فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ.

أي: لا حرَج على أولياء الميِّت في خروجهنَّ وتركهنَّ الحدادَ على أزواجهنَّ بالتجمُّل والتطيُّب والتشوُّف للنكاح والتزوُّج، وغير ذلك ممَّا لا يخرج عن حدود الشَّرْع والعُرف  .

وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى لا يمنعُه شيءٌ من انتقامه ممَّن خالف أمْره وارتكب نهيه، ومن ذلك إخراج المتوفَّى عنها زوجُها من بيته قبل انقِضاء عامٍ، وهي راغبةٌ في المُكْثِ فيه، كما أنَّ ما شرَعه من أحكام في غاية الإتقان، وهي أحكام صادرة عن عزَّته، وحِكمته، فجعل لكلِّ أمر حُكمَه اللائق به  .

وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى متاعَ المتوفَّى عنهنَّ عقَّبه بذِكر متاعِ المطلَّقات؛ تأكيدًا للحُكم بالتكرير، وتعميمًا بعد تخصيصِ بعض أفراده، فقال تعالى  :

وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241).

أي: يجِب على الأزواج أن يُعطوا لمطلَّقاتهم ما يتمتَّعن به من كُسوة أو غيرها، بما يتعارف عليه النَّاس، من غير مخالفة لحدود الله تعالى، وهذا الأمر حقٌّ لهنَّ ثابتٌ ومؤكَّدٌ على كل مطلِّقٍ لزوجته؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يجبُ عليه أن يكون متَّقيًا لله تعالى بفعل ما أمر، واجتناب ما نهى  .

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242).

أي: كما بيَّن الله عزَّ وجلَّ ما سبق من أحكام ووضَّحها غاية الإيضاح، يبيِّن لكم أيضًا سائر آياته وأحكامه بوضوحٍ تامٍّ حتى لا يبقى فيها خفاءٌ أو لبسٌ؛ لتفهموها وتعملوا بها  .


الفوائد التربويَّة :

1- أنَّه يَنبغي استعطافُ المخاطَب بما يَقتضي عطفَه على الشَّيء؛ لقوله تعالى: يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حيث أضاف الأولاد إلى المرضعاتِ  .

2- أنَّ وساوس القلوب لا يُؤاخَذ بها؛ لأنَّها ليست من الأعمال؛ لقوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ  .

3- مراعاة الأحوال في الأحكام؛ فيثبت في كل حال ما يناسبها؛ لقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  .

4- أنَّ الأعمال تتفاضل؛ لقوله تعالى: أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  ، ويلزم منه أنَّ النَّاس يتفاضلون في الإيمان؛ لأنَّ تفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ والأعمال من الإيمان  .

5- أنَّه ينبغي للإنسانِ ألَّا ينسى الفضلَ مع إخوانه في معاملته؛ لقوله تعالى: وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ  .

6- سَعة رحمة الله عزَّ وجلَّ، وأن هذا الدين يسر؛ لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا؛ لأنَّ هذا من التيسير على العباد  .

7- بيان نقْص الإنسان؛ لكون الأصل فيه الجَهل؛ حيث قال تعالى: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ؛ فالأصل في الإنسان الجهل حتى يُعلِّمه الله عزَّ وجلَّ  .

8- أنَّه ينبغي تأكيدُ الحقوق التي قد يتهاون النَّاس بها؛ لقوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ  .

9- أنَّه ينبغي ذِكرُ الأوصاف التي تحمل الإنسان على الامتثال فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور؛ لقوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ؛ لأنَّ عدم القيام به مخالف للتقوى؛ والقيام به من التقوى  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- يُؤخذ من قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، ومن قوله سبحانه: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: 15]   أنَّ أقلَّ مدَّةٍ للحمل سِتَّة أشهر، وأنَّه يمكن وجود الولد بها  .

2- أنَّ الله عزَّ وجلَّ أرحمُ بخلقِه من الوالدة بولدها؛ لأنَّه أمرها أن ترضعَ مع أنَّ فطرتها، وما جُبِلت عليه تستلزم الإرضاعَ؛ وهذا لأنَّ رحمة الله أعظمُ من رحمة الأمِّ بولدها، ومثله قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء: 11] ؛ فلأنَّ الله أرحمُ بأولادنا منَّا، أوصانا فيهم  .

3- عناية الله عزَّ وجلَّ بالرُّضَّع؛ لأنَّه لم يُبِح فطامَهم قبل الحولينِ إلَّا بعد التراضي بين الوالدة، والمولود له، والتشاور؛ قال الله تعالى: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا  .

4- امتناع التكليف بما لا يُطاق؛ لقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ؛ وهذه القاعدة دلَّ عليها القرآن في عدة مواضع؛ منها قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286]   .

5- في قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ جاء في الأمن بـ(إذا)- التي تكون لِمَا يقَع غالبًا، وفي الخوف بـ(إنْ)- التي تكون لِمَا لا يقع غالبًا؛ بشارة للمسلمين بأنَّهم سيكون لهم النصر والأمن  .

6- أنَّ المسؤولين عن النِّساء هم الرِّجال؛ لقوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ  .

7- الردُّ على المفوِّضة- أهل التجهيل؛ وعلى أهل التحريف- الذين يسمُّون أنفسهم بأهل التأويل؛ لقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ؛ لأنَّ أهل التفويض يقولون: إن الله لم يُبيِّن ما أراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وأنها بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم معناها؛ وأهل التحريف يقولون: إنَّ الله لم يبيِّن المعنى المراد في آيات الصِّفات، وأحاديثها؛ وإنَّما وكَل ذلك إلى عقولنا؛ وإنَّما البيان بما ندركه نحن بعقولنا؛ فنقول: لو كان الأمر كما ذكرتم لكان الله سبحانه وتعالى يبيِّنه؛ فلما لم يبيِّن ما قلتم علم أنَّه ليس بمراد  .

8- أنَّه لا يمكن أن يوجد في الشرع حكمٌ غير مبيَّن؛ لقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ  .

9- الثَّناء على العقل، حيث جعله الله غاية لأمر محمود- وهو تبيين الآيات؛ والمراد عقل الرشد السالم من الشبهات، والشهوات، أي: الإرادات السيِّئة؛ لقوله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ

- خبَر في معنى الأمْر المؤكَّد؛ للمبالغة، وكامِلَيْنِ توكيدٌ كقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ؛ وإنَّما ذكر الكمال؛ لرفْع التوهُّم من أنَّه على مِثل قولهم: أقام فلان بمكانِ كذا حَولَينِ، وإنَّما أقام حولًا وبعضَ الآخَر؛ وذلك لقطع التنازُعِ بين الزوجين إذا تنازعَا في مدَّة الرَّضاع  .

- وفي قوله: أَوْلَادَهُنَّ تصريحٌ بالمفعول مع كونه معلومًا؛ إيماءً إلى أحقيَّة الوالدات بذلك، وإلى ترغيبهنَّ فيه؛ لأنَّ فيه تذكيرًا لهنَّ بداعي الحَنان والشَّفقة  .

2- في قوله: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ المولودُ له هو الوالد، وإنَّما عبَّر عنه بهذا ولم يعبِّر بلفظ الوالد، ولا بلفظ الأب؛ ليُعلم أنَّ الوالدات إنما وَلَدْنَ لهم؛ فالأولاد للآباء، يُنسَبون إليهم لا إلى الأُمَّهات؛ فكان عليهم أن يرزقوهنَّ ويكسوهنَّ إذا أرضعْنَ ولدهم، وللتنبيه على أنَّ الولدَ إنَّما يَلتحِقُ بالوالدِ؛ لكونه مولودًا على فِراشه، ولِمَا في ذلك من إعلامِ الأب ما منَحَ الله له وأعطاه، إذ اللام في (له)، معناها شبه التمليك  .

3- في قوله: لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ بناء الفِعل للمَفعولِ، وحذْف الفاعل؛ فيُفيد حذفُه عمومَ الفاعلين، كما يُفيد تنكيرُ نَفْس  في سِياق النَّفْي عُمومَ المفعول الأوَّل لفِعل تُكَلَّفُ: وهو الأنفس المكلَّفة  .

4- قوله: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ

- في قوله: فَإِنْ أَرَادَا  وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا الْتِفات؛ فإنَّه خروجٌ من ضمير الغَيبة إلى الخطاب؛ لهزِّهم إلى الامتثال بما أمروا به. وفيه تكوين في الضمائر؛ فإنَّ  أَرَادَا ضميرُ تثنية، و أَرَدْتُمْ ضمير جمْع، والمرادُ بهما الآباءُ والأمهاتُ أيضًا، وكأنَّه رَجَعَ بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولودِ له، ولكنَّه غَلَّب المذكَّرَ وهو المولودُ له، وإنْ كان مفردًا لفظًا  .

- فِصَالًا: التنكيرُ للإيذان بأنَّه فصالٌ غير معتاد  .

5- وفي هذه الجُمل الماضية أنواعٌ من عِلم البيان  :

- فمنه: الفَصْل والوَصْل  : أمَّا الفَصْل- وهو عدَم العطف- بين قوله: لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ وقولِه: لَا تُضَارَّ؛ فلأن قوله: لا تضارَّ كالشَّرح للجملة قبلها؛ لأنَّه إذا لم تكلف النفس إلَّا طاقتها لم يقع ضرر، لا للوالدة ولا للمولود له. وكذلك أيضًا لم يعطف لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ على ما قبلها؛ لأنَّها مع ما بعدها تفسير لقوله بِالْمَعْرُوفِ.

وأمَّا الوصلُ -وهو العطفُ- بين قوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ وقولِه: وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ؛ فلأنَّهما جملتان متغايرتان في كلٍّ منهما حُكمٌ ليس في الأخرى.

- والجملة الأولى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ: أبرزت في صورة المبتدأ والخبر، وجعل الخبر فعلًا؛ لأنَّ الإرضاع ممَّا يتجدَّد دائمًا.

- والجملة الثانية وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ..: أبرزت أيضًا في صورة المبتدأ والخبر، وجعل الخبر جارًّا ومجرورًا بلفظ: عَلَى الدالة على الاستعلاء والوجوب، فأكَّد بذلك مضمونَ الجُملة؛ لأنَّ من عادة المرء منْعَ ما في يده من المال، وإهمالَ ما يجب عليه من الحقوق، فأكَّد ذلك.

- وقدَّم الخَبر على سبيل الاعتناء به، وجاء الرِّزق مقدَّمًا على الكُسوة؛ لأنَّه الأهمُّ في بقاء الحياة، والمتكرِّر في كلِّ يومٍ.

- والجملة الثالثة لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا: أبرزت في صُورة الفِعل ومرفوعه، وأتَى بمرفوعه نكرةً؛ لأنَّه في سياق النفي، فيعم، ويتناول أولًا ما سِيق لأجله: وهو حُكم الوالدات في الإرضاع، وحكم المولود له في الرزق والكسوة اللَّذينِ للوالدات.

- والجملة الرابعة لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا: كالثالثة؛ لأنَّها في سياق النفي، فتعمُّ أيضًا، وهي كالشرح للجملة قبلها؛ لأنَّ النَّفْس إذا لم تُكلف إلَّا طاقتها لا يقع ضررٌ لا للوالدة ولا للمولود له، ولَمَّا كان تكليف النفس فوق الطاقة، ومضارَّة أحد الزوجين الآخَر ممَّا يَتجدَّد كلَّ وقت، أتى بالجملتين فعليتين. ونبَّه على محلِّ الشفقة بقوله: بِوَلَدِهَا، فأضاف الولد إليها، وبقوله: بِوَلَدِهِ، فأضاف الولد إليه؛ وذلك لطلب الاستعطاف والإشفاق.

6- قوله: وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيه إظهار في موضع الإضمار حيث كرَّر اسم اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لكونِه من جُملتين، فتكريره أفخمُ، وترديدُه في النُّفوس أعظمُ  .

7- قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ... جاءت الآية بصيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وُجِد وتمَّ؛ لتأكيد التربُّص؛ مُراعاةً لحقِّ الأزواج، وحِفظًا لقلوب الأقارب، واحتياطًا للنِّكاح  .

8- قوله: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ

- فائدة عطْف الإكنان على التعريض في نفْي الجناح: أنَّ المراد التنبيه على أن العزم أمرٌ لا يمكن دفعُه ولا النهيُ عنه، ولأنَّ تكلم العازم بما عزَم عليه جِبلَّةٌ في البشر، لضَّعْف الصبر على الكتمان- بيَّن الله موضعَ الرُّخصة أنَّه الرحمة بالناس، مع الإبقاء على احترام حالة العِدَّة، وبيان عِلة هذا الترخيص، وأنه يرجِع إلى نفي الحرج  .

- وأخَّر الإكنانَ في الذِّكر؛ للتنبيه على أنَّه أفضلُ وأبقَى، على ما للعِدَّة من حُرمة، مع التنبيه على أنَّه نادرٌ وقوعه، وخُولِف مقتضى الظاهر، حيث عطَف أَكْنَنتُمْ على عَرَّضْتُمْ وليس العكس؛ ليعلم السامع أنَّ هذه المخالفةَ ترمي إلى غرَض، فحصَل بتأخير ذِكر أَوْ أَكْنَنتُمْ فائدةٌ أخرى، وهي التمهيدُ لقوله: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ، وجاء النَّظمُ بَديعًا مُعجِزًا  .

9- قوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ فيه تأكيد بذِكر العزم؛ مبالغةً في النَّهي عن عُقدة النِّكاح في العِدَّة؛ لأنَّ العَزم على الفِعل يتقدَّمه، فإذا نهى عنه كان عن الفِعل أشد نهيًا  .

10- قوله: مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فيه كنايةٌ لطيفةٌ حسنة؛ حيث كنَّى تعالى بقوله: تَمَسُّوهُنَّ عن المجامعة، وفي هذا تأديبٌ للعِباد في اختيار أحسنِ الألفاظ فيما يَتخاطَبون به  .

11- قوله: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فيه تأكيدُ النهي بالتعبير بالنِّسيان؛ إذ النِّسيان ليس في الوُسع حتى يُنهى عنه، فالمقصود منه التَّرك  .

12- في قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلهِ قَانِتين

- النَّقل مِن صِيغة افعلوا (احْفَظُوا) إلى صِيغة فاعِلوا (حَافِظُوا) الدالَّة على غاية العزيمة؛ للمبالغة في رِعاية العمل علمًا وهيئةً، ووقتًا وإقامة، بجميع ما يحصُل به أصلُه، ويتمُّ به عمله  .

- قوله: وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى: فيه ذِكر الخاص بعدَ العامِّ؛ للتَّنبيه على فَضْلِ الخاصِّ على غيره من أفراد العام، وللتأكيد على المحافظة عليه خصوصًا  .

13- قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ

في الآية تفريع على قوله: وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ؛ للتنبيه على أنَّ حالة الخوف لا تكون عذرًا في ترك المحافظة على الصلوات، ولكنَّها عذر في ترك القيام لله قانتين، فأفاد هذا التفريع غرضين: أحدهما بصريح لفظه، والآخر بلازم معناه  .

وفيه: إيراد الشرطيَّة الأولى بكلمة (إن) المفيدة لمشكوكية وقوع الخوف ونُدرته، وتصدير الشرطيَّة الثانية بكلمة (إذا) المنبئة عن تحقيق وقوع الأمْن وكثرته، مع الإيجاز في جواب الأُولى، والإطناب في جواب الثانية، وفيه مِن الجزالة ولُطف الاعتبار ما فيه؛ عِبرةً لأولي الأبصار  .

14- قوله: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ

اللام في قوله: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ لام الاستحقاق، والتعريف في (المطلَّقات) يُفيد الاستغراق، ويجوز أن تكون اللامُ للعهد  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (243 - 252)

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ(243)

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(244)

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(246)

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(247)

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(248)

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249)

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(250)

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(251)

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ(252)

غريب الكلمات:

يَقْبِضُ: يُضيِّق ويُمسِك، وقبْضُ اليَدِ على الشَّيءِ: جمعُها بعدَ تناوُله، وقَبضُها عنه: جمْعُها قبلَ تناوُله  .

الْمَلَأ: أشراف النَّاسِ ووجوههم  .

بَسْطَةً: أي: سَعَةً؛ يقال: بسطت الشيء إذا كان مجموعًا: ففتحتَه ووسعتَه، وأصل (بسط): امتداد الشَّيء وسَعَته  .

التَّابُوتُ: الصُّندوق والوِعاء، ومنه سُمِّي القَلب تابوت الحِكمة  .

سَكِينَةٌ: طُمأنينة، وزوالٌ للرُّعب، وأصْل سَكَن: خلاف الاضطِرابِ والحرَكَة  .

فَصَلَ: أي: خرَج  .

بَرَزُوا: خرَجوا إلى الفَضاء والمتَّسع من الأرض، أصله: ظهور الشيء وبُدوُّه، ومنه سُمِّي الفضاء؛ لأنَّه ظاهرٌ وبادٍ غير خفي  .

أَفْرِغ: اصْبُبْ علينا، كما يُفرَغ الدَّلوُ، أي: يُصبُّ ما فيه  .


المعنى الإجمالي:

يُخبر تعالى عن قصَّة الذين فرُّوا مِن دِيارهم وهم جموعٌ مكوَّنةٌ من آلاف الأشخاص، وقد كان فرارُهم خوفًا من نزول الموت بهم، إما لوباءٍ حلَّ في موطنِهم، أو لعدوٍّ هاجَمَهم في أرضهم، فأَماتَهم الله عزَّ وجلَّ جميعًا؛ معاملةً لهم بنَقيض قصدِهم، ثم أحياهم بعدَ مُدَّة من الزَّمن تفضلًا منه سبحانه وتعالى عليهم؛ فالله جلَّ جلاله صاحب الإحسان والإنعام على النَّاس كافَّةً، لكنَّ أكثرهم لا يُقابِلون ذلك الفضلَ بما يستحقُّه من شُكرٍ.

ثم أمَر الله عباده المؤمنين بقتال أعداء الدِّين لإعلاء كلمته سبحانه، وأنْ يَعْلَموا أنَّ الله سميع لأقوالهم، عليم بأحوالهم، وذلك مدعاةٌ لهم لأن يحذَروا من مخالفة أمره.

ورغَّب سبحانه وتعالى بعدَها في الإنفاق من المال الحلال؛ احتسابًا للأجْر، وطلبًا لمرضاة الله تعالى في أوجه الخير كالجهاد ونحوه، فإنَّ الله يُثِيب فاعل ذلك على عمله، ويزيده مرَّةً بعد مرَّة زيادات كثيرة، وحتى لا يتوهَّم متوهِّم أنَّ الإنفاق مدعاةٌ إلى الافتقار أخبر الله سبحانه أنَّه هو مَن يُوسِّع رِزق مَن يشاء من عباده، ويقبض الرزق عمَّن يشاء، فلْيُنفِقوا ولا يتخوَّفوا؛ فإليه سبحانه الرجوع يوم القيامة فيجازيهم على أعمالهم.

ثم يُخبِر تعالى عن قصَّة مِن قَصص بني إسرائيل جرَت أحداثها من بعد وفاة موسى عليه السَّلام، حيث اجتمع أشرافُهم ووجهاؤهم طالبينَ من أحد أنبيائهم أن يُعيِّن لهم مَلِكًا يُوحِّد أمرهم، ويُقاتلون جميعًا تحت لوائه أعداءَ الله تعالى، فسألهم نبيُّهم عليه السلام هل يتوقَّعون إنْ فرَض اللهُ عليهم القتالَ أن يَفُوا بما وعَدوا من القيام بالجهاد. فأجابوا بأنَّه لا شيء يحولُ بينهم وبين الجهاد في سبيل الله، وخاصة بعد أنْ أُخرجوا من ديارهم، وسُبي أبناؤهم، فلمَّا فرَض الله عليهم القتالَ لمْ يفوا بالوعد! بل أدْبروا ناكلينَ عن الجهاد إلَّا عددًا قليلًا منهم، والله تعالى يعلم مَن ظلم منهم، وأخلف وعده، وسيجازيه على ظلمه.

ثمَّ أعلمهم نبيُّهم أنَّ الله قد أجابهم إلى ما طلَبوا، وعيَّن لهم طالوتَ ملِكًا عليهم، وكان طالوت رجلًا من عامَّتهم، لا ينتمي إلى سِبط ملوكِ بني إسرائيل، فلم يُسلِّموا لما اختاره الله لهم! بل اعترضوا على ذلك فقالوا: كيف يكون ملِكًا علينا وهو دُوننا في الشَّرف، وهو مع ذلك ليس من أصحاب الأموال، كما هو حال الملوك؟! فأخبرهم نبيُّهم عليه السلام عند ذلك أنَّ الله هو الذي اختاره لهم، واختصَّه مِن بينهم، وأعطاه زيادةً في العِلم، وطولَ قامةٍ، وقوَّةً في الجسد، ثم إنَّ المُلك لله وحْده يؤتيه مَن يشاء، وهو سبحانه واسعُ الفضل والكرم، لا يخصُّ بكرمه شريفًا عن وضيع، أو غنيًّا عن فقير، عليمٌ بكلِّ شيء، ومن ذلك عِلمُه بمَن يصلُح للمُلك من غيره.

وقال لهم نبيُّهم أيضًا: إنَّ العلَامةَ الدالَّة على صحَّة تنصيبِ طالوت ملكًا عليهم هي أن يُردَّ إليهم التابوتُ الذي سُلِب منهم، فتطمئنَّ به قلوبهم، وحاويًا ما يُهدِّئ نفوسهم، وممَّا يحويه أشياء تبقَّت من تَرِكة موسى وهارون عليهما السلام، يحمل هذا التابوتَ إليهم الملائكةُ عليهم السَّلام، وإنَّ في هذا الأمر لعلامةً واضحة لكم على اختيار الله لطالوت؛ ليكونَ ملِكًا عليكم، إنْ كنتم مؤمنين بالله، ومصدِّقين لما أخبرتكم به.

فلمَّا أَذعنوا أخيرًا لِمُلْك طالوت عليهم بعد أنْ جاءهم التابوت، انضمُّوا إليه لقتال عدوِّهم، فلمَّا جاوَزوا موطنهم في طريقهم إلى ملاقاة العدوِّ، أعلمهم طالوت أنَّ الله مختبرُهم بنَهَرٍ؛ ليُظهِر الكاذب من الصادق، ويتميَّز الصابر من الجازع، وأَعلن طالوتُ براءتَه مِن كلِّ مَن يَشربُ منه، وأنَّه لن يَصحبَه مع الجيش إلى القِتال، وأنَّ مَن لم يَطْعَمه- إلَّا أن يَغترِفَ بكفِّه غرفةً واحدة- فإنَّه منه،  فشَرِب معظمُهم، ولم يُطعِ الأمر إلا قليلٌ منهم ممَّن وفقهم الله تعالى وثبَّتهم.

فلمَّا تعدَّى طالوت النهر ومَن آمن معه، ممَّن أطاعوه فلم يشربوا من النهر أو شربوا غرفة واحدة- قال بعضُهم لَمَّا رأَوا من كثرة أعدائهم مقارنة بعددهم القليل: لا قُدرةَ لنا هذا اليوم بقتال جالوت وجنودِه؛ لكثرة عددِهم وعَتادهم، فحينها قال لهم الموقِنون برُجوعهم إلى الله تعالى: ما أكثرَ ما تغلبُ الجماعةُ القليلة الجماعةَ الكثيرة! وذلك بمشيئة الله عزَّ وجلَّ؛ فلا تفيد الكثرةُ مَن خَذَله الله، ولا تضرُّ القِلَّةُ مَن وفَّقه الله، والله سبحانه مع الصَّابرين.

ولَمَّا ظهَر المؤمنون- طالوتُ وجُنوده- لجالوتَ وجُنودِه، دعا أهلُ الإيمان ربَّهم أن يُلهِمَهم الصَّبر، ويثبِّت أقدامَهم، وأنْ ينصرَهم على أهل الكفر، فاستجاب الله دُعاءَهم، وغلَب المؤمنون عدوَّهم، وسلَّط اللهُ داودَ عليه السلام على جالوت فقتله، وأعطا الله داودَ المُلكَ والنبوَّة وآتاه من العِلم ما يشاء سبحانه. ولولا أن الله يدفع بالمؤمنين المجاهدين في سبيله كيدَ الكفَّار والفجَّار لحلَّ بالأرض الفساد، ولكن الله ذو فضلٍ واسع على جميع خلقه.


تفسير الآيات:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ذَكَر هذه القصة؛ لأنَّها من عظيم آياته، وبدائِع قدرته، فقال جلَّ وعلا  :

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ.

أي: ألم تعلمْ يا محمَّد، خبرَ تلك الجموع المؤلَّفة من آلاف الأشخاص، الذين فرُّوا من دُورِهم وموطنِهم ابتغاءَ السَّلامة من الموت، إما حذرًا من إصابتهم بوباءٍ وقع في بلادهم، أو خوفًا من مقاتلة عدوٍّ يدهمهم في أرضهم  .

فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ.

أي: أمَر الله تعالى أمرًا كونيًّا بأنْ يموتوا، فماتوا، ثم أحياهم اللهُ تعالى بعدَ مُدَّة، فقاموا، فهؤلاء لَمَّا فروا- إمَّا من الوباء، أو مِن مقاتلةِ الأعداء؛ طلبًا لطولِ الحياةِ والبقاء- عُومِلوا بنقيض ما قَصدوا، وجاءهم الموت جميعًا فحُصدوا، وفي هذا حثٌّ للمؤمنين على جِهاد الأعداء، بإعلامهم أنَّ إليه وحده الإماتةَ والإحياء، وأنَّ الفرار من القتال والبقاء في الدُّور للاختباء، ليس بمُنجٍ أحدًا من وقوع القَدَر والقضاء  .

إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.

أي: إنَّ الله تعالى هو صاحبُ الإحسان والإنعام على عموم النَّاس، ومِن ذلك تفضُّلُه عليهم ببيان آياته، وطريق إحياء أرواحهم بنور الهدى، ومنها إحياء أبدانهم بإنقاذهم من الموت والهلاك، وكان الواجب على النَّاس تقديم الشكر لله تعالى في مقابل تلك النِّعم، إلَّا أنَّ الصفة السَّائدة لديهم هي القيام بجحودِها، بالكفر، أو العصيان، أو الغفلة والنِّسيان  .

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن سبحانه وتعالى أنَّ الموت لا يصون منه فرارٌ، أمرَ بالجهاد  .

وأيضًا لَمَّا بيَّن تعالى بعض ما يتعلَّقُ بالنِّكاح من أحكام، ذكَر حُكم القِتال؛ لأنَّ النكاحَ تحصينٌ للدِّين، والقِتال تحصينٌ للدِّين والأرواح والأموال، فقال تعالى  :

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244).

أي: كما أنَّ الحذر لا يُغني من القدْر، فكذلك الفرار من الجهاد وتجنُّبه لا يُقرِّب أجلًا، ولا يُباعِده، فقاتلوا- أيُّها المؤمنون- أعداءَ دِينكم؛ لإعلاء دين ربِّكم الذي هداكم له، واعلموا أنَّه لا يُفيدكم القعود عن القتال شيئًا، وإنْ ظننتم أنَّ في القعود بقاءَكم، فليس الأمر كذلك؛ فلا تجبُنوا عن لقائهم، وتقعُدوا عن حربِهم؛ فإن بيدي حياتَكم وموتَكم، فلا تخافوا الموت على أنفسكم، واشكروا الله تعالى بطاعة ربِّكم، واعلموا أنَّ الله عزَّ وجلَّ سميعٌ لأقوالكم؛ عليمٌ بأحوالكم؛ فاحذروا من المخالفة، وقوموا بما أوجب الله تعالى عليكم، فإنَّ الله سبحانه يُجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر  .

قال تعالى: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران: 168] .

وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 77-78] .

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا حثَّ الله عزَّ وجلَّ على القتال، حثَّ على الإنفاق؛ فإنَّ القِتال يَستدعي أموالًا لتجهيزِ الجيش بالعددِ والعَتاد  ، فقال تعالى.

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ قراءتان:

1- فَيُضَعِّفه، وتعني: المداومة وتكرير الفِعل، أي يستمر في المضاعفة مرَّةً بعد مرَّة  .

2- فَيُضَاعِفه، وتعني: كثرة ما يُضاعف  .

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً.

أي: هل ثمَّة أحدٌ يقتطع جزءًا من ماله الحلال، فينفقه احتسابًا للأجْر، وطلبًا لمرضاة الله تعالى، في أوجه الخيرِ كالجِهاد وغيره، طيِّبةً نفسُه بذلك، ودون أن يُتبع نفقتَه منًّا أو أذًى- فإنَّ الله تعالى لا يَقضيه مثله في الأجر وحسب؟ بل يَزيده الغنيُّ الكريم مرَّة بعد مرَّة، زياداتٍ كثيرة، قد تبلغ سبعمئة ضِعفٍ وتزيد  .

كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 261-262] .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ينزلُ اللهُ في السَّماءِ الدنيا لِشطرِ الليلِ، أو لِثُلُثِ الليلِ الآخرِ، فيقولُ: مَن يدعوني فأَستجيبَ له! أو يسألُني فأُعطِيَه! ثم يقولُ:مَن يُقْرِضُ غيرَ عديمٍ ولا ظَلُومٍ ؟  ))  .

وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا كان الإنسانُ ربَّما يتوهَّم أنَّه إذا أنفق افتقر؛ دفَع سبحانه هذا الوهم بقوله  :

وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

أي: يُضيِّق الله تعالى الرزق على مَن يشاء من عباده، ويُوسِّعه على مَن يشاء منهم، فالتصرُّف كلُّه بيديه، والأمور كلُّها راجعةٌ إليه؛ فالإمساكُ لا يبسط الرِّزق، والإنفاقُ لا يقبضه، فأنفِقوا- أيُّها العباد- ولا تُبالُوا؛ فالله هو الرزَّاق، وهو مع ذلك غير مضيِّع أعمالكم، بل تجدون ما قدَّمتموه مُوفَّرًا مُضاعَفًا، يوم ترجعون فيه إلى ربِّكم فيُجازيكم بأعمالِكم  .

كما أنَّ اللهَ تعالى هو الذي قبَض الرِّزق عمَّن حثَّ على مَعونتِه وإعطائه؛ ليبتليَه بالصبر، وهو الذي بَسط على آخَر؛ ليمتحنه بعمله فيما بسط عليه، ويجازي يوم القيامة كل واحد منهما على قدر طاعتهما له سبحانه فيما ابتلاهما به، من غنًى وفاقةٍ، وسَعَةٍ وضيقٍ  .

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا أمَرَ سبحانه المؤمنين بالقتالِ في سبيله، بعد قِصَّة الذين خرَجوا من دِيارهم وهم ألوفٌ حذرَ الموت، أردْف ذلك بأنَّ القتال كان مطلوبًا ومشروعًا في الأمم السابقة، فكانتِ النفسُ أميلَ لقَبوله من التكليف الذي يقَعُ على انفراد، ولِيعلمَ المؤمنون حالَ وعاقبةَ مَن الْتزمَ أمْرَ الله تعالى بالقتال في سبيله، ومَن خالفه، فقال عزَّ وجلَّ  :

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ.

أي: ألم تَنظُرْ يا محمَّد، إلى شأنَ أشراف بني إسرائيل ووجهائهم، من بعد وفاة موسى عليه السَّلام، حين طلبوا من أحد أنبيائهم أن يُعيِّن لهم ملِكًا يوحِّد أمْرهم على جهاد أعداء الله تعالى  .

قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا.

أي: قال النبيُّ الذي سألوه أنْ يبعث لهم ملكًا؛ ليُجاهدوا معه في سبيل الله: لعلَّكم تَجبُنون عن القِتال إذا فُرِض عليكم  ؟

قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا.

أي: قال الملأ من بني إسرائيل لنبيهم: وأيُّ شيء يمنعنا من الجهاد في سبيل الله تعالى، وما الذي يبقى لنا إذا تركنا القتال، والحال أنَّنا مضطرُّون إليه؛ فالبلاد قد أُخذت، والأبناء قد سُبيَت، فما دام أنَّ الأمر قد بلغ هذا المبلغ فلا بدَّ حينئذٍ من إقامة الجهاد  .

فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.

أي: لَمَّا فُرِض عليهم قتال عدوِّهم ما وَفوا بما وَعدوا، بل أَدبر أكثرُهم ناكلينَ عن القتال، وضيَّعوا فرْضَ الجهاد الذي طلبوه ابتداءً من عند أنفسِهم، فجبنوا، واستولى على أكثرهم الضَّعفُ والخور، وبقِي منهم عددٌ قليل قد عصمهم الله تعالى وثبَّتهم، فالتزموا أمر الله عزَّ وجلَّ، والله سبحانه يَعلم مَن ظَلَم نفْسه منهم ومِن غيرهم، ممَّن أخلف وعْدَه، ونكص عن أمر ربِّه، واللهُ تعالى مجازيه على ظُلمه  .

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247).

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ.

أي: أخبَرهم نبيُّهم بأنَّ الله تعالى قد أجابهم إلى ما سألوا مِن بعث الملِك لمصلحتهم، يُقاتل ويقاتلون معه، فعيَّن لهم طالوت، وكان رجلًا من عامَّتهم، لا يَنتمي إلى السِّبط الذي فيه المُلْك، فكان الواجب عليهم قَبولَ مَن اختاره الله تعالى، والانقيادَ إليه، فأبوا إلَّا أن يعترِضوا، واستبعدوا مُلكه عليهم، فقالوا: كيف يكون ملكًا يسيطر علينا، وهو دُوننا في الشَّرف والنسب؟! فلماذا لم يأتِ الملِك منَّا، ونحن من سِبط الملوك فنحن أولى منه بذلك؟! ثمَّ هو مع هذا رجلٌ لا يمتلك الكثيرَ من الأموال كما هو شأن الملوك الآخرين  !

قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.

أي: لَمَّا اعتقدوا رأيًا فاسدًا، وهو أنَّ الملْك يتطلَّب شرف النَّسَب، وكثرة المال، ولم يدركوا الصِّفات الأساسيَّة المقدَّمة على هذين، قال لهم نبيُّهم: إنَّ الله اختاره لكم، واختصَّه من بينكم، والله أعلم به منكم، ولستُ أنا مَن عيَّنه من تلقاءِ نفسي، بل الله تعالى هو الذي عيَّنه لي لَمَّا طلبتم ذلك، فلزِمكم الانقيادُ إليه، وهو مع هذا قد أعطاه الله تعالى زيادة في العلم، الذي يمنحه حنكةً وقدرةً على تدبير الأمور، وأعطاه طول القامة وقوة الجسد اللَّذيْنِ يمنحانِه هيبةً وشجاعة، فتوفَّرت لديه الأسباب الحقيقيَّة لاستحقاق الملْك دون غيره، فبهاتين القوَّتين: القوة المعنويَّة: قوة العلم والرأي، والقوة الحسيَّة: قوة الجسد، تتمُّ أمور الملك وسياسة الرعية، وتكثر أموال المملكة، ويحصُل النصر على الأعداء، بإذن الله تعالى  .

وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

أي: إنَّ المُلك لله تعالى وحده، وبيده دون غيره، يُؤتيه مَن يشاءُ بحسَب ما تقتضيه حِكمتُه، فيخصه به، فلا تستنكروا يا معشرَ الملأِ من بني إسرائيل أن يبعث الله طالوت ملكًا عليكم، وإنْ لم يكُن من أهل بيت المُلْك؛ فإنَّ المُلْك ليس بميراث عن الآباء والأجداد، ولكنَّه بإيتاءِ الله وحده، فلا تتخيَّروا على الله تعالى، فهو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون.

والله تعالى ذو سَعةٍ في جميع صفاته؛ ومن ذلك أنَّه واسعٌ في عِلمه، وواسعٌ في فضله، وكرمه؛ ومِن سَعة فضله أنَّه لا يخصُّ بكرمه شريفًا عن وضيع، أو غنيًّا عن فقير، وأنَّه يُنعم بالملْك حتى على مَن لم يكُن من بيت مُلك، وهو سبحانه واسع العلم، عليم بكلِّ شيء؛ ومِن ذلك علمه بمن يصلح للملْك من غيره  .

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248).

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ.

أي: إنَّ علامة صِحَّة تنصيبِ طالوت ملكًا عليكم، وإن كان من غير سبطِ ملوككم، هي أن يُردَّ إليكم الصُّندوق الذي سُلب منكم، فتطمئنَّ به قلوبكم ويحوي ما يُهدِّئ نفوسكم، وممَّا يحويه أشياء تبقَّت من تركةِ موسى وهارون عليهما السَّلام، قيل: منها بقيةٌ من آثار ألواح التوراة، تحوي العِلم والحِكمة، وميراث الأنبياء عليهم السلام، ويحمل هذا الصندوقَ إليهم ملائكةُ الربِّ عزَّ وجلَّ  .

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

أي: إنَّ في رجوعِ التابوت إليكم كما وصفتُ لكم، علَامةً على اختيار الله تعالى لطالوت ملكًا عليكم، وستؤمنون بأنَّها دلالة صحيحة لكم على هذا الأمر، إن كنتم مؤمنين بالله تعالى حقًّا، ومصدِّقيَّ فيما أخبرتكم به  .

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ (249).

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.

أي: فلمَّا أتاهم التابوت كما أخبرهم نبيُّهم، فصدَّقوه وأذعَنوا لولاية طالوت، انضمُّوا إليه لقتال عدوِّهم، فلما سار طالوت بالجنود متجاوزًا موطنهم، وشاخصًا نحو موضع آخر، أخبرهم أن الله تعالى مختبرهم بماء نَهَرٍ؛ ليتميَّز منهم الكاذب من الصادق، والصابر من الجازع، ويترتَّب عليه مَن يصحب الجيش حيث وجهته، ومَن يفارقه؛ لكونه ليس أهلًا للجهاد في سبيل الله تعالى، فأخبرهم بأنَّ مَن شرِب من هذا الماء فأنا منه بريء، وليس من أهل طاعتي وولايتي وهو بذلك عاصٍ، فلا يتبعنا لمعصيته وعدم ثباته، ومَن لم يذُقْ منه شيئًا سوى ما اغترفه بكفِّه مرَّةً واحدة، فليصحبنا، فإنَّه من أهل طاعتي وولايتي، فكانت نتيجة هذا الامتحان أنْ شرِب منه معظمُهم، ونكصوا عن قتال عدوِّهم، ولم يبقَ مع طالوت سوى عددٍ قليل قدِ الْتَزموا ما أمَرَهم به  !

عن البَراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: ((حدَّثني أصحابُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ممَّن شهِد بدرًا: أنهم كانوا عِدَّةَ أصحابِ طالوتَ، الذين جازوا معه النهرَ، بضعةَ عشرَ وثلاثمئةٍ. قال البراءُ: لا واللهِ ما جاوز معه النهرَ إلَّا مؤمنٌ   ))  .

فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ.

أي: فلمَّا تعدَّى طالوتُ النَّهرَ، ومَن معه مِن المؤمنين الذين أطاعوه، فلم يشرَبوا شيئًا من مائه، أو شرِبوا غرفةً واحدةً باليد، قال بعضهم لَمَّا شاهدوا قلَّتَهم وكثرةَ عدوِّهم: لا قدرةَ لنا في هذا اليوم بقتال جالوت وجنودِه؛ لكثرة عَددهم وعُددهم  .

قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.

أي: قال الذين يعلمون يقينًا أنهم راجعون إلى الله تعالى وملاقوه، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ منهم، قالوا مُطَمْئِنينَ مثبِّتينَ لباقيهم الذين قالوا: لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ: ما أكثرَ ما تغلبُ الجماعةُ القليلةُ الجماعةَ الكثيرة! وذلك بقدر الله تعالى وإرادته، فلا تُغنِي الكثرة مع خذلانِه، ولا تضرُّ القِلَّة مع توفيقِه، والله عزَّ وجلَّ مع الحابسين أنفسهم على رِضاه وطاعتِه، وتجنُّب معصيته، وتحمُّل أقداره، فيُعِينهم على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعاته، ويؤيِّدهم وينصرهم، ويُظهِرهم على أعدائهم الصادِّين عن دينه  .

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250).

لَمَّا ظهر حزبُ الإيمان- طالوتُ وجنودُه- لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أنزِلْ علينا صبرًا، واملأْ به قلوبنا، وقوِّها على جهادهم؛ لتثبتَ أقدامنا فلا تتزلزل فنجبُنَ ونفرَّ، وانصرنا على هؤلاء القوم الذين كفروا بك  .

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251).

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ.

أي: فاستجاب لهم ربُّهم دعاءَهم، فغلَب طالوتُ وجنودُه عدوَّهم بقدَرِ الله تعالى وتوفيقه، وباشَر داودُ عليه السَّلام قتْلَ جالوت بنفْسه؛ لشجاعته وقوَّته وصبره، وأعطاه الله السلطان والنبوَّة، وعلَّمه ممَّا يشاؤه سبحانه، ومن ذلك تعليمه صَنعةَ الدروع، كما قال جلَّ وعلا: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ  [الأنبياء: 80] .

وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ.

أي: لولا أنَّ الله تعالى يدفع بالمجاهدين في سبيله كيد الكفَّار والفجَّار، وإلا لفسَدت الأرض باستيلائهم عليها، وإقامتِهم شعائرَ الكفر ومظاهرَ الفِسق والفجور، ومنعهم من إظهار عِبادة الله تعالى وحده، فتحُلُّ بالأرض وأهلها العقوبات، ويَهلِك الحرثُ والنَّسل؛ فالله سبحانه صاحب الفضل الواسِع على جميع خلقه، ومِن ذلك أنْ شرَع لعباده الجهاد رحمةً بهم ولطفًا؛ إذ فيه سعادتهم، والمدافعة عنهم؛ لتمكينِهم من الأرض  .

تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.

أي: هذه الآيات التي أنبأتُك بها يا محمَّد هي علاماتٌ على الله تعالى وتوحيده، وحُجج ودلائل على الهدى، تأتيك بالواقع الذي كان عليه الأمرُ، المطابق لِمَا بأيدي أهل الكتاب من الحقِّ الذي يعلمه علماءُ بني إسرائيل؛ فهي أخبارٌ صادقةٌ لا ريبَ فيها؛ ولذا أكَّد الله تعالى لرسوله عليه الصَّلاة والسَّلام رسالتَه، التي مِن جملة أدلَّتها ما قصَّه الله عليه من أخبار الأمم الماضين التي لم يَعلمْها، إلَّا بعد إخبار الله تعالى له بذلك، فدلَّ هذا على أنَّه رسول الله حقًّا، ونبيُّه صدقًا  .


الفوائد التربويَّة :

1- الحثُّ على الإنفاق في سبيل الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً؛ فالاستفهام هنا للحثِّ، والتشويق  .

2- إذا طلب الإنسان شيئًا من غيره فعليه أن يذكُرَ له ما يُشجِّعه على إجابة طلبه؛ لقولهم: نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فإن هذا يَبعثُ النبيَّ ويُشجِّعه على أن يبعث لهم الملك  .

وينبغي كذلك اختيار الألفاظ التي يكون بها إقناع المخاطَب، وتسليمه للأمر الواقع؛ لقول نبيهم: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ  .

3- أنَّ الإنسان قد يظنُّ أنَّه يستطيع الصبر على ترك المحظور، أو القيام بالمأمور؛ فإذا ابتلي نكص؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ مع أنهم كانوا متحمِّسين للقتال  .

4- أنَّ الإيمان مُوجِب للصبر، والتحمُّل؛ لقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  .

5- أنَّ الله عزَّ وجلَّ عند الابتلاء يرحَمُ الخلق بما يكون فيه بقاء حياتهم؛ لقوله تعالى هنا: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ؛ لأنَّهم لا بدَّ أن يشربوا للنَّجاة من الموت  .

6- أنَّ مَن صدَق اللُّجوءَ إلى الله، وأحسن الظنَّ به، أجاب الله دعاءه  حيث قال المؤمنون: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، فاستجاب الله تعالى دعاءهم فقال: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ.

7- إسناد الفضل إلى أهله؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ  .

8- أنَّ المجيبَ يختار ما يكون به الإقناع بادئًا بالأهمِّ فالأهم؛ لقول نبيِّهم في جوابه: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ... إلخ؛ فبدأ بذكر ما لا جدالَ فيه -وهو اصطفاء الله عليهم- ثم ذكر بقيَّة المؤهلات: وهي أنَّ الله زاده بَسطةً في العِلم، وتدبير الأمَّة، والحروب، وغير ذلك، وأنَّ الله زاده بَسطةً في الجسم: ويشمل القوة، والطول... وأنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الذي يُؤتِي مُلكَه مَن يشاء، وفعله هذا لا بدَّ وأن يكون مقرونًا بالحِكمة؛ فلولا أنَّ الحِكمةَ تَقتضي أن يكون طالوتُ هو الملِكَ ما أعطاه الله عزَّ وجلَّ المُلْك، وأنَّ الله واسعٌ عليم؛ فهو ذو الفضل الذي يَمدُّه إلى مَن يشاء من عباده؛ فله أن يتفضَّل على مَن يشاء، وأنَّ الله أعلمُ حيث يَجعل رِسالتَه، وأعلمُ أيضًا حيث يجعل ولايتَه  .

9- أنَّ مِن شأن الأمم الاختلافَ في اختيار الرئيس الذي يكون له المُلْك عليها، والاختلاف مدعاةٌ للتفرُّق، فيجب أن يكون هناك مرجِّح يقبله الجمهور من الأمَّة؛ لذلك لجأ الملأ من بني إسرائيل إلى نبيِّهم، وطلبوا منه أن يختار لهم رجلًا يكون ملِكًا عليهم، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا، وقد جعل الإسلامُ المرجِّحَ لاختيار إمام المسلمين مبايعةَ أُولي الأمر لمن يختارونه من أنفسهم، وهم أهل الحَلِّ والعَقد والمكانة في الأمَّة، الذين هم عون السُّلطان، وقوَّته باحترام الأمَّة لهم، وثقتها بهم  .

10- أنَّ اجتماع أهل الكلمة والحَلِّ والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورُهم وفَهمه، ثم العمل به، من أكبرِ الأسباب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقَع لأولئك الملأ من بني إسرائيل، حين راجعوا نبيَّهم عليه السلام في تعيين مَلِك تجتمع به كلمتهم ويلمُّ متفرِّقهم، وتحصل له الطاعة منهم  .

11- أنَّ الحقَّ كلَّما عُورِض وأُوردت عليه الشُّبه ازداد وضوحًا وتميَّز، وحصل به اليقين التامُّ كما جرى لهؤلاء؛ لَمَّا اعترضوا على استحقاق طالوت للمُلك أُجيبوا بأجوبةٍ حصَل بها الإقناع وزوال الشُّبه والريب  .

12- أنَّ العلم والرأي مع القوة؛ بهما كمالُ الولايات، وبفَقْدهما أو فَقْد أحدهما نُقصانُها وضررها؛ لقوله تعالى: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ  .

13- أنَّ الاتِّكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فكأنَّ نتيجةَ ذلك أنَّه لَمَّا كتب عليهم القتال تولوا، والثاني في قوله: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ  .

14- أنَّ من حِكمة الله تعالى تمييزَ الخبيث من الطيِّب، والصادق من الكاذب، والصابر من السَّاخط، وأنه لم يكن ليذرَ العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز  .

15- أنَّ الإنسان إذا ازداد إيمانًا ازداد فهمًا لكتاب الله سبحانه وتعالى، وسُنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لأنَّ الشيء إذا عُلِّق على وصف، فإنَّه يزداد بزيادة ذلك الوصف، وينقص بنقصانه؛ فكلَّما تمَّ الإيمانُ كان انتفاعُ الإنسان بآيات الله أكثرَ، وفَهمُه لها أعظمَ؛ لقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  .

16- أنَّ طاعة الجنود للقائد فيما يأمر به وينهَى عنه شرط في الظفر واستقامة الأمر  .

17- أنَّ الإيمان بالله تعالى، والتَّصديق بلقائه من أعظمِ أسباب الصَّبر والثبات في مواقفِ الجِلاد؛ لقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ... الآيةَ  .

18- أنَّ القليل من النَّاس هم الذين يصبرون عند البلوى؛ لقوله تعالى: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ  .


الفوائِد العِلميَّة واللَّطائف:

1- أنَّه لا فرارَ من قدَر الله؛ لقوله تعالى: حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا  .

2- في قوله تعالى: مُوتُوا إثبات أنَّ كلام الله سبحانه وتعالى بحروف مرتَّبة، وفيه ردٌّ على مَن قال: إنَّ كلام الله هو المعنى القائم بنفْسه  .

3- أنَّه سبحانه وتعالى يَمدَح نفْسَه بما أنعم به على عباده؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ؛ فهو سبحانه وتعالى يحبُّ أن يُمدح، ويُحمَد؛ لأنَّ ذلك صِدقٌ، وحقٌّ؛ فإنَّه سبحانه وتعالى أحقُّ مَن يُثنَى عليه، وأحقُّ مَن يُحمَد؛ وهو سبحانه وتعالى يحبُّ الحقَّ  .

4- أنَّ الجزاء على العمل مضمونٌ كضمان القرض لمقرضه، قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً  .

5- أنَّ فضل الله وعطاءه واسع؛ وأنَّ جزاءه للمحسن جزاء فضل؛ لقوله تعالى: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً مع أنَّ أصْلِ توفيقه للعمل الصَّالح فضلٌ منه  .

6- في قوله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ إثباتُ صِفة القَبْض والبَسْط لله عزَّ وجلَّ  .

7- الإشارة إلى أنَّ الإنفاق ليس هو سببَ الإقتار والفقر؛ لأنَّ ذِكر هذه الجملة وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ بعد الحثِّ على الإنفاق، يُشير إلى أنَّ الإنفاقَ لا يستلزمُ الإعدامَ، أو التضييق؛ لأنَّ الأمرَ بيد الله سبحانه وتعالى  .

8- ترهيب المرء من المخالَفة، وترغيبه في طاعة الله؛ لقوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ لأنَّ الإنسان إذا علم أنَّه راجع إلى ربه لا محالة فإنَّه لا بدَّ أن يكون فاعلًا لِمَا أُمِر به، تاركًا لما نُهِي عنه؛ لأنَّه يخاف من هذا الرجوع  .

9- من الفوائد الاجتماعيَّة: أنَّ الأُمم التي تفسد أخلاقها وتضعُف، قد تفكِّر في المدافعة عند الحاجة إليها، وتعزم على القيام بها إذا توفَّرت شرائطها، التي يتخيَّلونها، ثم إذا توفَّرت الشروط يضعُفون ويجبنون، ويزعمون أنَّها غير كافية؛ ليعذروا أنفسهم وما هم بمعذورين، والله عليم بالظالمين، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  .

10- أنَّ مرتبة النبوَّة أعلى من مرتبة الملْك؛ لقولهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا يُخاطبون النبيَّ؛ فالنبيُّ له السُّلطة أن يبعث لهم ملِكًا يتولَّى أمورهم ويدبِّرهم  .

11- أنَّ بعض الأسئلة تكون نَكبةً على السائل، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: 101]   ، وذلك أنَّ بَني إسرائيلَ طلبوا مِن نبيِّهم أنْ يبعثَ لهم مَلِكًا يُقاتلون معه في سبيل الله تعالى، فلمَّا جاءَهم الملِكُ، وفُرِضَ عليهم القتالُ وقَعوا في الظُّلم بالنُّكوص والإعراض عنه.

12- أنَّ الله قد يُعطي المُلْكَ مَن لا يترقَّبه  ، وذلك أنَّ طالوت لم يكُن من سلالة ملوكهم، ولم يكن يتشوَّف إلى المُلك، فاختاره الله تعالى له لأهليَّته لذلك.

13- أنَّ تقديرَ الله عزَّ وجلَّ فوق كلِّ تصوُّر؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ مع أنَّهم قدَحوا فيه من وجهين: أنَّهم أحقُّ بالمُلك منه، وأنَّه لا يَملك أموالًا كثيرة؛ فبيَّن لهم نبيُّهم أنَّ الله اصطفاه عليهم بما تَقتضيه الحِكمة  .

14- أنَّ مُلك بني آدم ملكٌ لله؛ لقوله تعالى: وَاللهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ؛ فهذا الملِك في مملكته هو في الحقيقة ما مَلَك إلَّا بإذن الله عزَّ وجلَّ؛ فالملْك لله سبحانه وتعالى وحده، يُؤتيه من يشاء  .

15- أنَّ مُلكنا لِمَا نملكه ليس ملكًا مطلقًا نتصرف فيه كما نشاء؛ بل هو مقيَّدٌ بما أذِن الله به؛ ولهذا لا نتصرَّف فيما نملك إلَّا على حسَب ما شرَعه الله؛ فلو أراد الإنسان أن يتصرَّف في ملكه كما يشاء- يُتلِفه ويحرقه، ويعذِّبه إذا كان حيوانًا- فليس له ذلك؛ لأنَّ مُلْكَه تابعٌ لملْك الله سبحانه وتعالى، كما قال عزَّ وجلَّ: وَاللهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ  .

16- أنَّ من الحِكمة اختبارَ الجند؛ ليظهرَ مَن هو أهلٌ للقتال، ومَن ليس بأهلٍ له، كما قال تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [البقرة: 249]   .

17- أنَّه يجبُ على القائد أن َيمنع مَن لا يصلُح للحرب، سواء كان مُخذِّلًا، أو مُرجِفًا، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ  .

18- أنَّ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام ليس عندهم من العلم إلَّا ما علَّمهم الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ؛ فالنبيُّ نفسه لا يعلم الغيب، ولا يعلم الشرع إلَّا ما آتاه الله سبحانه وتعالى؛ ومثل ذلك قول الله تعالى لنبيِّه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ: وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: 113]   .


بلاغة الآيات:

1- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى... استفهام غرضُه التقرير، والتَّعجيب من شأنهم  .

2- قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً جملة استفهاميَّة متضمِّنة معنى الطَّلب، فهو استفهام مستعمَل في التحضيض والتهييج على الاتِّصاف بالخير  .

3- وفي قوله: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا جناس مغاير  ، وصِيغة المفاعلة في (فَيُضَاعِفَهُ)؛ للمبالغة  .

4- قوله: فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ

- فيه إيجازٌ بالحذف، والتقدير: فماتوا ثم أحياهم، والعطف بـ(ثم) يدلُّ على تراخي الإحياء عن الإماتة  .

وفيه: طِباق بين الإماتة والإحياء  ، وهو يُبرز المعنى ويوضِّحه.

5- قوله: إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ فيه الإظهار أَكْثَرَ النَّاسِ في موضِع الإضمار (أكثرهم)؛ ليكون أنصَّ على العموم، لئلَّا يدَّعي مدَّعٍ أنَّ المراد بالناس في الموضع الأوَّل أهلُ زمان ما، فيخصُّ الثاني أكثرهم، بل ليشملَ جميعَ النَّاس في أيِّ زمانٍ ومكانٍ كانوا  .

وجملة إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ واقعة موقعَ التعليل لجملة ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، والمقصود منها بَعْثُ خُلُقِ الاعتماد على الله في نفوس المسلمين في جميع أمورهم، وأنَّهم إنْ شَكروا اللهَ على ما آتاهم من النِّعم، زادهم من فضلِه، ويسَّر لهم ما هو صعب  .

6- قوله: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا مدلول (عسى) الإنشاء؛ لأنَّها للترجِّي أو للإِشفاق، ودخَلَتْ عليها (هل) التي تقتضي الاستفهامَ؛ لأنَّ الكلامَ محمولٌ على المعنى، أي: هل قارَبْتم ألَّا تقاتلوا، فأدخل (هل) مستفهِمًا عمَّا هو متوقَّعٌ عنده ومظنون  .

7- قوله: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ استفهام، معناه الإنكار  .

8- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلَأِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى فيه بيان لعِظم إخلالهم بأوامِر الله تعالى، حيث عبَّر عنهم بـ(الملأ)، وهم الأشراف، والإخلالُ من الشريف أقبح، ومِن أولاد الصلحاء أشنع، فقال: مِن بَنِي إِسْرَائيل. وممَّن تقرَّر له الدِّين، واتَّضحت له المعجزات، واشتهرت عنده الأمور الإلهيات أفْحَش، فقال مِن بَعْدِ مُوسَى أي الذي جاءهم بالآيات  .

9- قوله: وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ

فيه تفصيلٌ بعد إجمال، حيثُ شرَع في تفصيل ما جرى بينه عليه السَّلامُ وبينهم من الأقوال والأفعال بعدَ الإشارةِ الإجماليَّة إلى مصير حالِهم  .

وتكرار الفعل في: وَقَال؛ للدَّلالة على أنَّ كلامه هذا ليس من بقيَّة كلامه الأوَّل، بل هو حديثٌ آخَر متأخِّر عنه  .

10- قوله: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا فيه تأكيد الخبر بـ(إنَّ)؛ للإيذان بأنَّ مِن شأنِ هذا الخبر أن يُتلقَّى بالاستغراب والشك، كما أنبأ عنه قولهم: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا  .

11- قوله: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فيه ترتيب بليغ؛ إذ سألوا أولًا إفراغ الصَّبر في قلوبهم الذي هو ملاكُ الأمر، ثم سألوا ثباتَ القلب والقدَمِ في مداحِض الحرب، ثم سألوا النصرَ على العدوِّ المترتِّب عليهما غالبًا، والتعبيرُ عن منحهم الصبر بالإفراغ؛ للكَثرة مع التَّعميم والإحاطة  .

12- قوله: وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ

فيه تأكيد بإنَّ واللَّام؛ للاهتمامِ بهذا الخبر. وعبَّر بقوله: مِنَ المُرْسَلِينَ دون أن يقول: (وإنَّك لرسولُ الله)؛ للردِّ على المنكِرين بتذكيرهم أنَّه ما كان بِدعًا من الرُّسُل، وأنَّه أرسله كما أرسل مَن قَبْله  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآية (253)

۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(253)

غريب الكلمات:

الْبَيِّنَاتِ: جمْع بيِّنة، وهي: الدَّلالة الواضحة؛ يُقال: بانَ الشيءُ وأبان، إذا اتَّضح وانكَشَف  .

وَأَيَّدْنَاهُ: قوَّيناه، والأَيْد والأدُّ: القوَّة  .

بِرُوحِ الْقُدُسِ: جِبريل، وأصْل القُدْس: الطَّهارة  .


المعنى الإجمالي:

يُخبِر تعالى أنَّ الرُّسلَ الكِرام، ذَوي المراتب العالية، ليسوا كلُّهم على مَنزلةٍ واحدة في الفضائل؛ فقد جعَل اللهُ تعالى رُتَبَ بعضهم في الفضل مُتقدِّمةً على رُتب الآخرين؛ فمِنهم مَن اختصَّه الله عزَّ وجلَّ بكلامه، ومِنهم مَن رفَعه الله تعالى على غيرِه من الرُّسل درجاتٍ، كمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهو أفضلُهم وأعلاهم درجةً، وأعطى اللهُ عيسى عليه السَّلام مِن البراهين القاطعة، والمعجزات الواضِحة، والإنجيلِ الذي أنزله عليه، ما يَدلُّ على صِدْق رِسالته، كما أنَّ الله تعالى قوَّاه وأعانه بجبريلَ عليه السَّلام.

ولو أراد الله تعالى لم يَتقاتَلِ الذين جاؤوا مِن بعدِ كلِّ رسول من الرُّسل عليهم السَّلام، مِن بعد أنْ أتاهم من آيات الله تعالى وبيِّناته ما يَدُلُّهم على الحقِّ، ويُبيِّن لهم طريقَه، ولكن ما أدَّى بهم إلى الاقتِتال فيما بينهم هو اختلافُهم في تلك البيِّنات التي جاءتهم؛ فمنهم مَن آمن، ومنهم مَن أعرض عنه وكَفَر، ولو أراد ربُّك أن يمنعَهم من الاقتتال بعِصمته وتوفيقه لَمَا اقتتَلوا ولا اختلَفوا، ولكنَّ إرادةَ الله هي النافذةُ، وهو يَفعل ما يشاء.


تفسير الآيات:

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ.

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

في مناسبة هذه الآية لما قَبْلها عدَّة أوجه:

فمنها: أنَّ الله تعالى لَمَّا أنبأ باختبار الرُّسل: (إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السَّلام)، وما عرَض لهم مع أقوامهم، وختَم ذلك بقوله: تِلْكَ آيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، جمَع ذلك كلَّه في قوله: تِلْكَ الرُّسُلُ؛ لفتًا إلى العِبَر التي في قَصصِ هؤلاء الرُّسل عليهم السلام.

ومنها: أنَّه لَمَّا أُفيض القولُ في القتال، وفي الحثِّ على الجهاد، والاعتبار بقتال الأُمم الماضية - عَقَّب ذلك بأنَّه لو شاء اللهُ ما اختلَف الناسُ في أمرِ الدِّين من بعد ما جاءتهم البيِّناتُ، ولكنَّهم أساؤوا الفَهْم، فجحَدوا البيِّنات، فأفْضى بهم سوءُ فَهْمهم إلى اشتِطاط الخلاف بينهم، حتى أفضى إلى الاقتِتال  .

ومنها: أنَّه لَمَّا ذكَر اصطِفاءَه طالوتَ على بني إسرائيل، وتَفضيلَه لداودَ عليهم؛ بإيتائه الملك والحِكمة، وتعليمه، ثم خاطَب نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّه من المرسَلين، وكان ظاهرُ اللَّفظ يَقتضي التسويةَ بين المرسَلين - بيَّن بأنَّ المرسَلين مُتفاضِلون أيضًا  .

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ.

أي: إنَّ عمومَ الرُّسلِ الكرام، عليهم الصَّلاةُ والسلامُ، ذَوي المراتِب العَليَّة، ليسوا على منزلةٍ واحدة في الفضائل، بل مايَزَ اللهُ تعالى بينهم؛ فهُم مراتبُ مُتفاوِتة: فمنهم مَن اختصَّه الله تعالى بتكليمه مباشرةً؛ كموسى عليه السَّلام، ومنهم مَن رفَعه الله تعالى على غيره من الرُّسل درجاتٍ؛ كمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهو أفْضلُهم، وأعلاهم درجةً  .

كما قال تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [الإسراء: 55] .

وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.

أي: أعْطى اللهُ تعالى عيسى عليه السَّلام- الذي هو ابنُ مريمَ عليها السَّلام- من الحُجَج القاطعة، والمعجِزات السَّاطعة، والإنجيل الذي أُنزِل إليه من ربِّه، ما يدلُّ على صِدْق رِسالته، وصحَّةِ ما جاء به، وقد أيَّده الله تعالى بجبريلَ عليه السلام؛ يُقوِّيه ويُعينه  .

وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ.

أي: ولو أراد اللهُ تعالى أنْ لا يَقتَتِلَ أولئك الذين أَتَوا من بعد الرُّسل عليهم السَّلام، مِن بَعْد أنْ جاءهم مِن آيات الله تعالى ما يُوضِّح لهم الحقَّ، ويُرشِدهم إلى طريقِه- لو أراد الله تعالى أنْ لا يَقتتِلوا، ما اقتَتَلوا؛ فالأمرُ إليه وحْده جلَّ وعلا  .

وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ.

أي: ولكن السَّبب الذي أَوجَب قتالَهم هو اختلافُهم في تلك البيِّنات الموجِبة لاجتماعهم على الإيمان بالله تعالى ورُسله عليهم السَّلام؛ فمنهم مَن أقرَّ بالحقِّ مُصدِّقًا به، ومُنقادًا إليه، ومنهم مَن جحَده، وأَعرَض عنه مُتعمِّدًا ومُبتغيًا الكُفْرَ، بعدَ قيام الحُجَّة عليه  .

وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.

 أي: ولو أراد الله عزَّ وجلَّ أن يَحجُزَهم عن القِتالِ بعِصمته وتوفيقِه، لَمَا اقتَتَلوا ولا اختَلَفوا؛ فكلُّ ذلك صادرٌ عن قضاء الله وقَدَره؛ فإرادتُه غالبة، ومشيئته نافذة، وهو سبحانه يَفعل ما اقتضتْه حِكمتُه، فيُوفِّق مَن يشاء فضلًا، ويَخذُل مَن يشاء عدلًا  .


الفوائد التربوية :

1- أنَّ فضْلَ الله يُؤتيه مَن يشاء، حتى خواصَّ عباده يُفضِّل بعضَهم على بعض؛ لأنَّ الرُّسل هم أعلى أصناف بني آدَم، ومع ذلك يقَع التفاضلُ بينهم بتفضيل الله تعالى، كما قال سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  .

2- أنَّ الفضائل مَراتِبُ ودرجاتٌ؛ لقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ، وهذا يشمل الدَّرجاتِ الحسيَّة، والدَّرجاتِ المعنويَّة  .

3- أنَّ البَشَر مهما بلَغوا من قوَّة، فهُم في حاجة إلى مَن يؤيِّدهم ويُقوِّيهم؛ لقوله تعالى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  .


الفوائد العلمية واللَّطائف:

1- أنَّ كلام الله للإنسان يُعَدُّ رِفْعةً له؛ لأنَّ الله تعالى ساق قولَه: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ على سبيلِ الثَّناء والمدح  .

2- الردُّ على النَّصارى في زعْمهم أنَّ عيسى إلهٌ؛ لقوله تعالى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ:  أي: قوَّيناه، ولازِمُ ذلك أنَّه يحتاج إلى تقوية، والذي يَحتاج إلى تقوية لا يَصلُح أنْ يكون ربًّا وإلهًا  .

3- قوله تعالى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ: إنَّما وصف عيسى بهذين- مع أنَّ سائر الرُّسل أُيِّدوا بالبيِّنات وبَرُوح القُدُس-؛ للردِّ على اليهود الذين أَنكَروا رسالتَه ومُعجِزاتِه، وللردِّ على النَّصارى الذين غَلَوا فزَعموا أُلوهيَّتَه، ولأجْل هذا ذُكِر معه اسمُ أُمِّه- مهما ذُكِر-؛ للتَّنبيه على أنَّ ابن الإنسان لا يكون إلهًا  .


بلاغة الآيات :

1- قوله: تِلْكَ الرُّسُلُ الألف واللام في (الرُّسُل) للاستغراق، وجاءت الإشارة بـ(تلك) التي للبعيد؛ لبُعد ما بينهم وبيْن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ من الأزمان، أو قُرِن اسم الإشارة (تلك) بكاف البُعد؛ تنويهًا بمراتبهم، وللإيذانِ بعُلُوِّ طبقتِهم وبُعدِ منزلتهم  .

2- قوله: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ فيه إبهامُ ذِكر نبيِّ الله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، حيث عدَل عن التَّصريح بالاسم، أو بالوصف المشهور به؛ لتفخيمِ فضْله، وإعلاءِ قدْره، وللإشارة إلى أنَّه كأنَّه عَلَمٌ لا يَشتبِه، ومُتميِّز لا يَلتبِس، كما يُقال للرَّجل: مَن فعَل هذا؟ فيقول: أحدُكم أو بعضُكم، يريد به الذي تُعورِف واشتَهَر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخمَ من التصريح به، وأنوهَ بصاحبه  .

3- قوله: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ

فيه التفاتٌ في قوله: كَلَّمَ اللهُ؛ إذ هو خروجٌ إلى ظاهرٍ غائب من ضمير مُتكلِّم؛ لِمَا في ذِكر هذا الاسم العظيم من التَّفخيم والتَّعظيم، ولزوال قَلَق تَكرار ضمير المتكلِّم؛ إذ كان يكون: فضَّلْنَا، و(كلَّمْنا)، و(رفَعْنا)، وآتَيْنا  .

وفيه: تفصيلٌ بعدَ إجمال في قوله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ  .

وفيه: ذِكرٌ للخاصِّ بعد العامِّ، مع المناسبة الحسَنة في هذا الخاصِّ، حيث خَصَّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذِّكر  بعد قوله: تِلْكَ الرُّسُلُ؛ وبَدَأ بوصف موسى؛ لأنَّ آياتِه أكثرُ، ولأنَّ أكثرَ السُّورة في بني إسرائيل، وأكثَر ذلك في أتْباعِ موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، وثنَّى بعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّه النَّاسخ لشريعته، وهو آخِر أنبيائهم.

وفيه: إظهارُ الفضل لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لأنَّه لا نِسبة لِمَا أُوْتِيَ أحدٌ من الأنبياء إلى ما أُوتِيَ، وإبهامه يَدُلُّ على ذلك، من حيث إنَّه إشارةٌ إلى أنَّ إبهامه في الظُّهور والجلاء كذِكْره؛ لأنَّ ما وُصِف به لا يَنصرِف إلَّا إليه  .

وفيه: تَكرار، وتفصيل لِمَا أُجمِل من التَّفضيل؛ لأنَّ المفهوم من قوله: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ هو المفهوم من قوله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وفائدة هذا التَّكرير وهذا التَّفصيل: أنَّ التَّفضيل الأوَّل يدلُّ على إثبات مُجرَّد تفضيل البعض على البعض، وأمَّا التَّفضيل الثاني ففيه دَلالةٌ على درجات ذلك التَّفضيل؛ فحصَل بهذا التَّكرار فائدةٌ زائدة  .

4- قوله: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ... وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلِكَنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ فيه تَكرار؛ لتأكيد الكلام، ولتكذيب مَن زعَم أنَّهم فعَلوا ذلك الاقتتالَ من عند أنفُسهم، ولم يَجرِ به قضاءٌ ولا قدَرٌ من الله تعالى. والاستدراك بـ(لَكِن)؛ للتَّنبيه على أنَّ اختلافهم ذلِك ليس مُوجِبًا لعدمِ مشيئته تعالى لعدم اقتتالِهم  .

ووراء التأكيدِ سرٌّ أخصُّ منه، وهو: أنَّ العرب متى ثبَت أوَّلُ كلامهم على مَقصِد، ثمَّ اعترضها مَقصِد آخَر، وأرادتِ الرُّجوعَ إلى الأوَّل، قصدَتْ ذِكرَه إمَّا بتلك العبارة أو بقريب منها، وذلك عندهم طريقٌ من الفصاحة مسلوك، وفي كتاب الله تعالى مواضِعُ في هذا المعنى، وهنا لَمَّا صُدِّر الكلامُ بأنَّ اقتِتالهم كان على وَفْق المشيئة، ثم طال الكلامُ وأُريدَ بيان أنَّ مشيئة الله تعالى كما نَفَذتْ في هذا الأمر الخاصِّ- وهو اقتتال هؤلاء- فهي نافذةٌ في كلِّ فِعْل واقِع، فطَرأَ ذِكْر تَعلُّق المشيئة بالاقتِتَال لإتيانِه بعدَ عُمومِ تَعلُّق المشيئة؛ لتَناسُب الكلام، وليُعرَف كلٌّ بشكله  .

وقد اشتملت هذه الآية الكريمة من أنواع البلاغَةِ على:

 التَّقسيم: في قوله: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ أي: منهم مَن كلَّمه بلا واسطة، ومنهم مَن كلَّمه بواسطة، وهذا التقسيم اقتضاه المعنى، وفي: قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ، وهذا التقسيم ملفوظٌ به.

الحذف: في قوله: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ، أي: كفاحًا، وفي قوله: يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ؛ يعني: مِن هداية مَن شاء، وضلالة مَن شاء  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (254 - 257)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ(254)

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255)

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256)

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)

غريب الكلمات:

خُلَّةٌ: مودَّة، وصَداقة مُتناهِية في الإخلاص، وأصلْ الخِلِّ: تَقارُب الفُروع، ومنه الخليلُ الذي يُخالُّك  .

الْقَيُّومُ: القائمُ الحافِظ لكلِّ شيء، والمعطي له ما به قِوامُه، والذي لا يَزول، والقائم بأمْر الخَلْق، والعالِم بالأشياء، على وزن فَيْعُول، مِن قُمْتُ بالشِّيء: إذا وَلِيتُه  .

سِنَةٌ: النُّعاس من غير نوْم، وابتداؤه يكون في الرَّأس، والسِّنَة: الغفلة، والغفوة أيضًا  .

كُرْسِيُّهُ: الكُرسيُّ جسمٌ عظيم، مخلوق بين يَدَي العَرْش، والعرش أعظمُ منه، والكرسيُّ موضِع القَدمينِ للبارئ جلَّ وعزَّ  .

يَؤُودُهُ: يُثقِله، والوَأْد: الثِّقَل؛ يقال: آدَه الشيءُ يؤوده، وآدَه يَئيده، أي: أَثْقَله  .

الرُّشْدُ: الحقُّ، وهو خلاف الغَيِّ، يُستعمَل استعمالَ الهداية، واستقامة الطَّريق  .

الْغَيِّ: خِلاف الرُّشدِ، وهو الانهماكُ في الباطل، والضَّلالُ، والجهلُ بالأمر مِن اعتقادٍ فاسدٍ  .

بِالطَّاغُوتِ: الطاغوت: الشَّيطان، والأصنام، وكلُّ مُتعدٍّ، وكلُّ معبودٍ يُعبَد مِن دون الله ورضِي بذلك، وأصْل الطُّغيان: تَجاوُزُ الحدِّ  .

بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى: العُرْوة: ما يُتعلَّق به، والوُثقَى: المحكَمة  .

انْفِصَامَ: انقطاع، وانكسار؛ مِن فَصمتُ القدحَ، أي: كسرتُه وقصمتُه  .

وَلِيُّ: أصْل هذه المادَّة يدلُّ على القُرْب، سواء من حيثُ: المكان، أو النِّسبة، أو الدِّين، أو الصَّداقة، أو النُّصرة، أو الاعتقاد، وكلُّ مَن وَلِيَ أمْرَ آخَرَ فهو وَلِيُّه  .


المعنى الإجمالي:

يأمُر اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بالإنفاق ممَّا رزَقهم في وجوه الخير، قبل أنْ يأتي يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا تكون فيه تِجارةٌ، ولا يكون فيه صديقٌ حميم يَنصُر، وليس لهم من شافع يَشفَع لهم عند الله فتُفيدُهم شفاعتُه، إلَّا أنْ يشاء الله، وهؤلاء الكُفَّار المكذِّبون بالله تعالى وبرُسله، الجاحِدون للحقِّ هم الظالمون.

ثم يَصِف نفْسَه عزَّ وجلَّ بأنَّه الإله المعبود الذي لا معبودَ بحقٍّ غيرُه؛ فهو وحده المستحقُّ للعبادة، وله سبحانَه الحياةُ الكاملةُ التي لم يَسْبقها عَدَمٌ، ولا يَلحَقها زوالٌ، وهو القائم بنفْسه الذي لا يَحتاج لأحدٍ، والقائمُ بأمور خَلْقه من رزقٍ وغيره، فجميع الخَلْق مُفتَقِر إليه، ومِن كمال حياته وقَيوميَّته تعالى: أنَّه لا يَعتريه نُعاسٌ، ولا يَغلِبه نومٌ، يَملِك سبحانه جميعَ ما في الكون وحده، لا أحدَ يَشفَع عنده إلَّا بعد أن يأذَن سبحانه له، يعلم سبحانه جميعَ أمور العباد؛ ما مضَى منها وما سيأتي، وجميعُ من هم دونه عزَّ وجلَّ لا يَعلمون شيئًا إلَّا ما علَّمهم بمشيئته، ولِعَظمتِه جلَّ وعلا واتِّساع سُلطانه، أحاط وشَمِل كُرسيُّه- الذي هو موضِع قدميه سبحانه- السَّمواتِ والأرضَ، على الرغم من اتِّساع السَّموات والأرض وعظمتهما، ولا يُثقِله ولا يَشقُّ عليه حِفْظ السَّموات والأرض، بل هو أمرٌ سَهْل ويسيرٌ عليه سبحانه، وهو ذو العُلوِّ المطلَق على جميع مخلوقاته، فهو عليٌّ بذاته، وبقهرِه وكمال صِفاتِه، كما أنَّه ذو العظمة المطلَقة في ذاته وصفاته وسُلطانه.

ثم يُخبِر تعالى أنْ لا إكراهَ في الدِّين، فلا ينبغي أن يُرْغَم أحدٌ على اعتِناق الدِّين الإسلامي؛ فإنَّ الدِّين واضح جَلِيٌّ قد تَميَّز من الضَّلال، وتبيَّنت أدلَّتُه، وظهرتْ حقائقُه. ويُخبِر بعدها تعالى أنَّ مَن يَكفُر بالطاغوت- وهو كلُّ ما تَجاوَز به العبدُ حدَّه من معبود، أو متبوع، أو مُطاع- ويُؤمِن بالله تعالى وحْدَه، فقد تمسَّك بالدِّين القويم، والله يَسمَع مَن يُعلِن كُفْرَه بالطاغوت وإيمانَه بالله، ومَن كان حالُه على عكس ذلك، ويَعلم ما يُخفيه صدْرُ كلٍّ منهما، وسيُجازي كلًّا بحسَبه.

ثم يُخبِر تعالى أنَّ مَن كان مؤمنًا به حقًّا، فإنَّه يتولَّاه على الدَّوام، فيكون عونًا له ونصيرًا، ومؤيِّدًا ومُوفِّقًا، ويَنتشِله من ظُلمات الضَّلال إلى نور الإيمان، وأمَّا الكُفَّار، فإنَّ مَن يتولَّاهم هو الطاغوت؛ فهو حليفُهم الذي يؤيِّدهم ويُعينهم، ويُغْويهم، ومن أعظم الطَّواغيت الشيطانُ الرَّجيم؛ فإنَّه يُسَلَّط عليهم عقوبةً لهم، فيُخرِجهم من النور إلى الظُّلمات، هؤلاء هم أهلُ النَّار الملازِمون لها بلا نهاية، وبئس المصيرُ النارُ.


تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا قدَّم الأمرَ بالقتال، وهو بذْلُ النَّفْس في سبيل الله، أَعقَبه بالأمر بالإنفاق، وهو بَذْل المال، وأيضًا فيه وجه آخَر، وهو أنَّه تعالى أمرَ بالقتال فيما سبَق بقوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثم أَعقَبه بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا، والمقصود منه: إنفاقُ المال في الجهاد، ثم إنَّه مرَّةً ثانية أكَّد الأمرَ بالقتال، وذكَر فيه قصَّة طالوتَ، ثمَّ أَعقَبه بالأمْر بالإنفاق في الجِهاد  ، فقال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ.

أي: يُنادي اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين مُنبِّهًا، وحاثًّا لهم على أمرٍ مهمٍّ من مقتضيات إيمانهم، وهو الإنفاقُ في سبيله سبحانه، فأمَرهم الله تعالى أن يُخرِجوا ممَّا أعطاهم من الخير صدقةً؛ واجبة كانت أو مُستحبَّة، ويَشتَروا بها ما عند الله تعالى من نعيم الآخِرة، قبل مجيء اليوم الآخِر الذي يَنقطِع فيه العمل، ولا يَملِك الكُفَّارُ فيه شيئًا يُنفِقونه لله تعالى، ولا مالَ لديهم يَفتدون به من عذابه عزَّ وجلَّ، ليس هذا فحسبُ، بل لا صديقَ حميم يَنصرُهم في ذلك اليوم، ولا ثمَّ شافعٌ يَشْفع لهم عند الله تعالى، فيدفع عنهم ضرًّا، أو يَجلِب لهم خيرًا، فنَفَى الله سبحانه بذلك كلَّ الوسائل التي يُمكِن أن يَنتفِعوا بها في ذلك اليومِ العظيم  .

كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: 91] .

وقال سبحانه: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] .

وقال عزَّ وجلَّ حكايةً عن أهل النَّار أنهم يقولون: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 100 - 102] .

وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ.

أي: إنَّ هؤلاء الكفَّار الذين كذَّبوا بالله تعالى ورُسله عليهم السَّلام، غيرَ مُقرِّين بهم ولا مُنقادِين إليهم، قدْ فعلوا بذلك ما ليس لهم فِعْلُه، ووضَعوا أنفسَهم في غير ما ينبغي أن يكونوا عليه، واختاروا لأنفسهم الكُفْرَ فخسِروها  .

اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255).

فضْل آية الكُرْسي:

وردت عدَّة أحاديث في فضل آية الكرسي  منها:

- عن أُبَيِّ بن كَعْب رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال له: ((يا أبا المنذِرِ  ، أَتدري أيُّ آيةٍ من كتاب اللهِ معك أَعْظمُ؟. قال: قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: يا أبا المنذِرُ، أَتدري أيُّ آيةٍ من كتاب اللهِ معك أَعْظمُ؟. قال: قلتُ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قال: فضرب في صدري، وقال: واللهِ، لِيَهْنِك العِلمُ  أبا المنذِرِ  ))  .

- وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((وكَّلَني رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بحفظِ زكاةِ رمضانَ، فأتاني آتٍ، فجعَل يَحْثو من الطَّعامِ، فأخذْتُه وقلتُ: واللهِ لأرفعنَّكَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، قال: إني مُحتاجٌ، وعليَّ عِيالٌ، ولي حاجةٌ شديدةٌ، قال: فخلَّيتُ عنه، فأصبَحْتُ، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: يا أبا هُرَيرَةَ، ما فعَل أسيرُك البارِحَةَ؟، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، شَكَا حاجةً شديدةً وعِيالًا، فرحِمْتُه فخلَّيْتُ سبيلَه، قال: أَمَا إنَّه قد كذَبَك، وسيعودُ، فعرَفْتُ أنَّه سيعودُ؛ لقَولِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: إنَّه سيعودُ، فرصَدْتُه، فجاء يحثو من الطَّعامِ فأخَذْتُه، فقلتُ: لأرفعَنَّك إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، قال: دَعْني؛ فإنِّي مُحتاجٌ، وعليَّ عِيالٌ، لا أعودُ، فرحِمْتُه فخلَّيْتُ سبيلَه، فأصبَحْتُ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: يا أبا هُرَيرَةَ، ما فعَل أسيرُك، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، شَكا حاجةً شديدةً وعِيالًا، فرحِمْتُه فخلَّيْتُ سبيلَه، قال: أَمَا إنَّه كذَبَك، وسيعودُ، فرصَدْتُه الثالثةَ، فجاء يَحْثو من الطعامِ، فأخَذْتُه فقلتُ: لأرفعَنَّك إلى رسولِ اللهِ، وهذا آخِرُ ثلاثِ مراتٍ تزعُمُ لا تعودُ، ثم تعودُ، قال: دَعْني، أُعلِّمْك كلماتٍ ينفَعُك اللهُ بها، قلتُ: ما هو؟ قال: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِك، فاقرأ آيةَ الكرسِيِّ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، حتى تَختِمَ الآيةَ؛ فإنَّك لن يزالَ عليك من اللهَ حافِظٌ، ولا يَقربَنَّك شيطانٌ حتى تُصبِحَ، فخلَّيْتُ سبيلَه فأصبَحْتُ، فقال لي رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ما فعَل أسيرُك البارِحَةَ؟، قلتُ: يا رسولَ الله، زعَم أنه يُعَلِّمُني كلماتٍ، ينفَعُني اللهُ بها فخلَّيْتُ سبيلَه، قال: ما هي؟ قلتُ: قال لي: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ، فاقرَأْ آيةَ الكرسِيِّ من أوَّلِها حتى تختِمَ: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقال لي: لن يَزالَ عليك من اللهِ حافِظٌ، ولا يقرَبُك شيطانٌ حتى تُصبِحَ- وكانوا أحرصَ شيءٍ على الخيرِ، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أمَا إنَّه قد صدَقَك وهو كَذوبٌ، تعلَمُ من تُخاطِبُ منذُ ثلاثِ ليالٍ يا أبا هُرَيرَةَ؟ قال: لا، قال: ذاكَ شيطانٌ  ))  .

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكر اللهُ تعالى أنَّ الكافرين هم الظَّالمون، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بُعِث إلى النَّاس كافَّةً، وكانوا على غير استقامة في شرائعهم وعقائدهم، سواء اليهود والنَّصارى الذين أحْدثوا بِدْعًا في أديانهم وعقائدهم، ونَسبوا اللهَ تعالى إلى ما لا يجوز عليه، أو العرب الذين كانوا قد اتَّخذوا من دون الله أصنامًا آلهةً، وأشركوا بالله، أتى بهذه الآية العظيمة الدَّالة على إفراد الله بالوحدانيَّة، المتضمِّنة صفاتِه العُلا، من: الحياة، وقَيوميَّته، ومُلْكه لما في السَّموات والأرض، وامتناع الشَّفاعة عنده إلَّا بإذنه، وسَعَة عِلْمه، وعدم إحاطة أحدٍ بشيء مِن عِلْمه إلَّا بإرادته، إلى غير ذلك ممَّا تضمَّنته الآية، نبَّههم بها على العقيدةِ الصَّحيحةِ التي هي مَحْض التَّوحيد، وعلى طرَحْ ما سواها  .

اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

أي: لا أحدَ معبودٌ بحقٍّ سوى الله تعالى؛ فهو وحده المستحِقُّ للعبادة حبًّا وتعظيمًا له تعالى؛ لكمال صفاته  .

كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62] .

الْحَيُّ الْقَيُّومُ.

أي: إنَّ الله تبارك وتعالى هو الذي له الحياة الكاملة، التي لم يَسبِقها عَدَمٌ، ولا يَلحَقها زَوال، المُستلزِمة لجميع صِفاتِ الكمال، وهو أيضًا القائم بنفسه؛ فلا يحتاج لأحد، القائمُ بأمور غيره من خَلْقه من الرِّزق وغيره؛ فكلُّ الموجودات إليه مُفتَقِرة، ولا قِوام لها بدونه، وهذه القَيُّوميَّة مُستلزِمةٌ لجميع أفعال الكمال  .

كما قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ [الفرقان: 58] .

وقال سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: 25] .

لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.

أي: ومِن كمال حياته وقيُّوميَّته أنَّه لا يَعتريه سبحانه نُعاسٌ، ولا يَغلِبه نومٌ  .

لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.

أي: إنَّه يَملِك وحده جميعَ ما في الكون بغير نِدٍّ ولا شريك، والجميعُ عبيده ومملوكون له؛ فلا تنبغي العبادةُ لغيره سبحانه  .

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

أي: لا أحدَ يتجاسَر على القيام بالشَّفاعة عند الله تعالى إلَّا بعد إذنه جلَّ وعلا  .

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ.

أي: إنَّ الله تعالى يعلم ما بين أيدي خلقه من الأمور الماضية، ويعلم أيضًا ما خلفهم من الأمور المستقبلة  .

وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ.

أي: إنَّ سائر من دونه سبحانه لا يعلمون من علم الله تعالى شيئًا البتَّةَ، فلا يعلمون ما بين أيديهم ولا ما خلفهم ولا غير ذلك، إلَّا ما علَّمهم الله تعالى بمشيئته  .

وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ.

أي: أحاطَ كرسيُّ المَلِك- تعالى وتقدَّس- بالسَّموات والأرض- على اتِّساعهما وعظمتهما- وشَمِلهما.

والكُرسيُّ: هو موضِع قَدَمَي الربِّ عزَّ وجلَّ  .

فعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قال: (الكرسيُّ موضعُ القدميْنِ، والعرشُ لا يَقْدِرُ أحدٌ قدْرَه)  .

وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا.

أي: لا يُثقِله ولا يَشقُّ عليه حِفْظ السَّموات والأرض، بل ذلك سَهْلٌ عليه ويسير  .

وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.

أي: إنَّه تَبارك وتقدَّس ذو العُلُوِّ المطلَق على كلِّ مخلوقاته، فهو عليٌّ بذاته فوق عرشه، عليٌّ على خَلْقه بقهره، وكمال صفاته، وهو ذو العَظمة المطلَقة في ذاته وصفاته وسُلطانه، وكلُّ ما سواه حقيرٌ بين يديه، صغيرٌ بالنِّسبة إليه، فلا شيءَ أعظم منه سبحانه وتعالى  .

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256).

سبب النُّزول:

عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: (كانت المرأةُ من نِساء الأنصار تكون مِقلاةً  ، فتَجعَل على نَفْسها إنْ عاش لها ولدٌ أن تُهوِّدَه، فلمَّا أُجليتِ النَّضيرُ كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا نَدَع أبناءَنا؛ فأنزل الله تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ........ الآية)   .

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا اشتملتْ آيةُ الكُرسيِّ السَّابقة على دلائل الوَحدانيَّة، وعظمة الخالق، وتنزيهه عن شوائبِ ما كَفرتْ به الأمم، كان ذلك من شأنه أنْ يسوق ذوي العقول إلى قَبُول هذا الدِّين الواضِح العقيدة، المستقيم الشَّريعة، باختيارهم دون جَبْرٍ ولا إكراه، ومِن شأنه أن يَجعلَ دوامَهم على الشِّرك بمَحَلِّ السُّؤال: أيُتركَون عليه، أم يُكرَهون على الإسلام؟ فكانت الجملة استئنافًا بيانيًّا  ، فقال تعالى:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.

أي: لا ينبغي أن تُرغِموا أحدًا على اعتناق الدِّين الإسلامي؛ إذ لا حاجةَ لذلك؛ فهو أمرٌ واضحٌ وجَلِيٌّ، قدْ تَميَّز من الضَّلال، وتبيَّنت أدلَّته، وظهرتْ حقائقه، فلا خفاءَ فيه ولا غموض، فمَن هداه الله تعالى له، وشرَح صدرَه، دخَل فيه على بيِّنة، ومَن أعمى الله قلبَه، فإنَّه لا يُفيده الدخولُ فيه مُكرَهًا عليه.

والمقصودُ: أنَّ دِين الإسلام من حيث هو، واضحةٌ فيه معالمُ الحقِّ، ويتمايَز بجلاء عمَّا سواه من الباطل، ممَّا يُوجِب اعتناقَه مِن قِبَل كلِّ مُنصِفٍ مُرادُه اقتفاءُ الحقِّ  .

فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا.

أي: إنَّ مَن جحَد ربوبيَّة الطَّاغوت وأُلوهيَّته المزعومتين، فتبرَّأ منه ومن عبادته وطاعته- والطَّاغوت: هو كلُّ ما تَجاوَز به العبدُ حدَّه، من معبود، أو متبوع، أو مُطاع- وآمَن بالله تعالى وحده وجودًا ورُبوبيَّةً وأُلوهيَّةً، وبما له من أسماء حسنى، وصفات عُلا، فعبَده وقَبِل خبرَه، وأذْعن لطلبه واتَّقاه، ممتَثِلًا أمره ومجتنبًا نهيه، فإنَّه قد تَمسَّك تمسُّكًا شديدًا بأقوى رِباط، وأَحْكمِ أمر، وهو دِينُ الله تعالى الحقُّ المبرَم، وهو أَوثَق ما يُتمسَّك به لطلب العِصمة والنَّجاة، فيبقى ثابتًا على الحقِّ، مستقيمًا عليه، دون أن يَخشى انقطاعًا وانفكاكًا بخِذلان الله تعالى له وإسلامه إلى التَّهلُكة  .

كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ [الزمر: 17] .

وقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: 60] .

وعن قَيس بن عبَّاد قال: ((كنتُ بالمدينةِ في ناسٍ فيهم بعضُ أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ فجاء رجلٌ في وجهِه أثرٌ من خشوعٍ، فقال بعضُ القومِ: هذا رجلٌ من أهلِ الجنةِ، هذا رجلٌ من أهلِ الجنةِ، فصلَّى ركعتينِ يتجوَّزُ فيهما، ثم خرَج فاتَّبَعْتُه، فدخل منزلَه، ودخلتُ، فتحدَّثنا، فلمَّا استأنس، قلتُ له: إنَّك لَمَّا دخلتَ قبلُ، قال رجلٌ: كذا وكذا، قال: سبحان اللهِ ما ينبغي لأحدٍ أن يقول ما لا يعلمُ، وسأُحدِّثك لمَ ذاك، رأيتُ رؤيا على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقصصتُها عليه، رأيتُني في روضةٍ- ذكَر سَعَتَها وعُشْبَها وخُضْرتَها- ووسَطِ الرَّوضةِ عمودٌ من حديدٍ، أسفلُه في الأرضِ، وأعلاهُ في السَّماءِ، في أعلاهُ عروةٌ، فقيل لي: ارْقَه، فقلتُ له: لا أستطيعُ، فجاءني مِنْصَفٌ- قال ابنُ عونٍ: والمِنْصَفُ: الخادمُ- فقَال بثيابي مِن خَلْفي- وصَفَ أنَّهُ رفعَه من خلفِه بيدِه- فرقِيتُ حتى كنتُ في أعلى العمودِ، فأخذتُ بالعروةِ، فقيل لي: استَمسِك، فلقد استيقظتُ وإنَّها لفي يدي، فقصصتُها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقال: تلك الرَّوضةُ: الإسلامُ، وذلك العمودُ عمودُ الإسلامِ، وتلك العُروةُ عُروةُ الوُثْقى، وأنتَ على الإسلامِ حتى تموتَ، قال: والرجلُ عبدُ اللهِ بنُ سلَام   ))  .

وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا كان الكُفْر بالطَّاغوت، والإيمانُ بالله تعالى مُتعلِّقًا بالنُّطق باللِّسان، واعتقاد القلب، قال تعالى  :

وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى يسمعُ كلَّ شيء، ومنه سَماعُه إعلان من أعلن الكفرَ بالطاغوتِ، والإيمانَ باللهِ، وإعلان من أعلن خلافَ ذلك، ويعلمُ أيضًا كلَّ شيء سبحانه، ومن ذلك علمه بما في صدور خلقه مِن الإيمانِ والكفرِ؛ فيُجازي كلَّ واحدٍ منهم بحسب ما يَنطِق به لسانه، وما تُضمِره نَفْسه؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر  .

اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

أنَّ قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا...... الآية وقع موقِعَ التعليلِ لقوله: لَا انْفِصَامَ لَهَا؛ لأنَّ الذين كفروا بالطَّاغوت وآمَنوا بالله، قد تَولَّوُا اللهَ فصار وَلِيَّهم؛ فبذلك يَستمرُّ تَمسُّكهم بالعُروة الوُثقى، ويأمَنون انفصامَها، وبعكسهم الذين اختاروا الكُفْرَ على الإسلام، فإنَّ اختيارهم ذلك دلَّ على خَتْمٍ ضُرِبَ على قلوبهم، فلم يهتدوا، فهم يَزدادون في الضَّلال يومًا فيومًا  ؛ لذا قال:

اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.

أي: مَن آمَن بالله حقًّا، فإنَّه جلَّ وعلا يتولَّاه على الدوام، فيكون عونًا له ونصيرًا، ويؤيِّده ويوفِّقه، ويمكِّنه من التوغُّل شيئًا فشيئًا في طريق اليقين الأوحد، فيَخرُج من ظلمات الضَّلال، ويَخترِق حُجُبَ الشُّبهات والشَّهوات المظلِمة، فيَنكشِف له نورُ الإيمان واليقين، ويُؤتَى نَفاذَ البصيرةِ، ويتجدَّد له السموُّ في مقامات الإيمان، والصُّعود في درجات اليقين، فيُبصِر قلبُه حقائقَ الأمور أكثرَ فأكثر  .

كما قال جلَّ وعلا: قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: 195-196] .

وقال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17] .

وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد: 9] .

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

أي: إنَّ الكفار يتولَّاهم الطاغوتُ؛ فهو حليفهم الذي يؤيِّدهم ويُعينهم، ويُغوِيهم بدعوى نَصْرهم، وطَلَب فلاحِهم، ومن أعظم الطَّواغيت الشَّيطان؛ فإنَّه يُسلَّط عليهم؛ عقوبةً لهم، فيُزعِجهم إلى الضَّلال إزعاجًا، فيُخرِجهم من الإيمان- إنْ كانوا مؤمنين من قبل- أو يُخرِجهم من نور الفِطرة السَّليمة، أو يُزيِّن لهم مرَّة بعد مرَّة ما هم عليه من الكُفْر والشِّرك، فيَظلُّون باقين في تلك الحُجُبِ المظلِمة التي تزداد كثافةً، وتَحجُب عن أبصارِ قلوبِهم رؤيةَ حقائقِ الإيمان وأدلَّته وطريقه، إلى أنْ يَحينَ انتقالُهم إلى مُستقرِّهم الأخير، فيُلازِمون النَّارَ بلا نهاية، وبئس المصير  .

كما قال تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 121-122] .

وقال جل وعلا: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [النساء: 116-121] .

وقال سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: 76] .

وقال عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 39-40] .


الفوائِد التربويَّة :

1- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ دلالةٌ على أنَّ الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأنَّ البُخْل نقْصٌ في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلًا؛ المؤمن جَوَادٌ بعِلمه، جَوَاد بجاهه، جواد بماله، جواد ببَدَنه  .

2- في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ إشارةٌ إلى أنَّه لا مِنَّةَ للعبد على الله ممَّا أنفقه في سبيله؛ لأنَّ ما أنفقه من رِزْق الله له  .

3- التَّنبيه على أنَّ الإنسان لا يُحصِّل الرِّزقَ بمجرَّد كسْبه؛ الكسبُ سببٌ، لكنَّ المسبِّب هو الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ؛ فلا ينبغي أن يُعجَب الإنسانُ بنفسه حتى يجعل ما اكتَسبه من رِزقٍ مِن كسْبه وعمَله، كما في قول القائل: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78]   .

4- تسلية الإنسان على المصائِب، ورِضاه بقضاء الله عزَّ وجلَّ وقَدَرِه؛ لأنَّه متى عَلِم أنَّ المُلْك لله وحده، رضي بقضائه؛ كما في قوله: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ  .

5- التَّحذير من الطُّغيان على الآخَرين؛ لقوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ؛ ولهذا قال الله في سورة النِّساء: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء: 34] ؛ فإذا كنتَ مُتعاليًا في نفْسك فاذكُر عُلُوَّ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ وإذا كنتَ عظيمًا في نفْسك فاذكُر عظمةَ الله، وإذا كنتَ كبيرًا في نفْسك فاذكُر كبرياءَ الله  .

6- أنَّه لا يَتِمُّ الإخلاص لله إلَّا بنفي جميع الشِّرك؛ لقوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ، فمَن آمَن بالله، ولم يَكفُرْ بالطاغوت، فليس بمؤمن  .


الفوائد العلمية واللَّطائف:

1- أنَّ الكافرين لا تَنفَعهم الشفاعةُ؛ لأنَّه تعالى أَعقَب قولَه: وَلَا شَفَاعَةٌ بقوله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ويؤيِّد ذلك قولُه تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: 48]   .

2- قوله: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ: انتفاءُ البيع والخُلَّة والشَّفاعة فيه كِنايةٌ عن تَعذُّر التَّدارك للفائت؛ لأنَّ المرء يُحصِّل ما يَعوزه بطُرُق، هي المعاوضَة المعبَّر عنها بالبيع، والارتفاق من الغير، وذلك بسببِ الخُلَّة، أو بسبب توسُّط الواسطة إلى مَن ليس بخليل، وهي الشَّفاعة  .

3- أنَّ الكُفْرَ أعظمُ الظُّلم؛ ووجه الدَّلالة منه: حَصْر الظُّلم في الكافرين؛ وطريق الحَصْر هنا ضمير الفصل: هُمْ  ، ودخول (أل) على الخبر الظالمون، مما يشعر أنَّهم حصَّلوا الوصف الكامل من الظلم.

4- قوله سبحانه: الحَيُّ القَيُّومُ: اسمان كريمان يَدُلَّانِ على سائر الأسماء الحسنى دَلالةَ مطابقةٍ وتضمُّنٍ ولُزومٍ؛ فالحيُّ: مَن له الحياة الكاملة المُستلزمة لجميع صِفات الذَّات، كالسَّمع والبَصر والعِلم والقُدرة، ونحو ذلك، والقيُّوم: هو الذي قام بنَفْسِه وقام به غيرُه، وذلك مستلزمٌ لجميع الأفعال التي اتَّصف بها ربُّ العالَمين مِن فِعله ما يشاء، من الاستواءِ والنُّزول والكلام والقَول والخَلْق والرَّزْق والإماتة والإحياء، وسائرِ أنواع التَّدبير، كلُّ ذلك داخلٌ في قيوميَّة الباري عزَّ وجلَّ  .

5- في قوله تعالى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لم ينفِ الله سبحانه ذكر النوم وحده؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ السِّنَةَ يجوزُ أن تَطْرُقَه، فيُزيل تمكُّنها بنحو ما يَفعَلُ البَشرُ، من نحو مشيٍ، وضربٍ للوجه بماءٍ وغير ذلك، ولم يَذْكُر السِّنة وحدها؛ لأنَّ النوم ربما يهجم بقوة، دفعة واحدة، من غير تدرُّجِ فتورٍ  .

6- قُدِّمَت السِّنة على النوم، قيل: مراعاةً للترتيب الوجودي، فلتقدُّمها على النوم في الخارج؛ قُدِّمَت عليه في اللفظ  ، وقيل: لأجل التعبير بالأخذ الذي معناه القهر والغلبة قُدِّمت السِّنة، كما لو قيل: فلانٌ لا يغلبه أميرٌ ولا سلطان  .

7- احتجَّ بعضُ أهل العلم بقوله تعالى: لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى؛ لأنَّ قوله سبحانه: لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يتناول كلَّ ما في السموات والأرض، وأفعالُ العِباد من جُملة ما في السَّموات والأرض، فوجب أن تكون مُنتسبةً إلى الله تعالى  .

8- أنَّ الحُكْم الشَّرعي بين النَّاس، والفصل بينهم، يجب أنْ يكون مُستنِدًا على حُكْم الله تعالى، وأنَّ اعتماد الإنسان على حُكْم المخلوقين، والقوانين الوضعيَّة نوعٌ من الإشراك بالله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الملْك لله عزَّ وجلَّ؛ كما في قوله: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  .

9- إثبات الإذن -وهو الأمْر-؛ لقوله تعالى: إِلَّا بِإِذْنِهِ، وذلك الإذن يتعلَّق بالشَّافع والمشفوع فيه، وبوقت الشَّفاعة؛ فليس يَشفعُ إلَّا مَن أذِن الله له في الشَّفاعة، وليس له أن يَشفَعَ إلَّا بعد أنْ يأذنَ الله له، وليس له أنْ يَشفعَ إلَّا فيمَن أذِن الله تعالى له أن يَشفعَ فيه؛ قال تعالى: كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] ، وقال أيضًا: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28] ، وقال:  مَا مِنْ شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ  [يونس: 3] .

10- في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ إثباتُ الشفاعة، والردُّ على الخوارج والمعتزلة؛ فهم ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأنَّ مذهبَهما أنَّ فاعل الكبيرة مُخلَّدٌ في النار لا تَنفع فيه شفاعةٌ  .

11- في قوله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ: ردٌّ على القدرية الغلاة؛ فإثبات عموم العِلم يردُّ عليهم؛ لأنَّهم أنكروا عِلمَ الله تعالى بأفعال خَلْقه قَبلَ وقوعِها  .

12- أنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يُحاط به عِلْمًا، كما لا يُحاط به سمعًا ولا بصرًا؛ قال تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: 103] ، وقال تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا  [طه: 110] .

13- عظمة خالِق الكُرْسيِّ؛ لأنَّ عِظَم المخلوق يَدُلُّ على عظمة الخالق  .

14- إثبات ما تتضمَّنه هذه الجُملة: وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا، وهي العِلْم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحِكمة، والقوَّة  .

15- أنَّ السَّمواتِ والأرضَ تحتاج إلى حِفْظ؛ لقوله تعالى: وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا، ولولا حِفْظ الله لفَسَدتا؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا  [فاطر: 41] .

16- في قوله تعالى: وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا أي: السَّموات والأرض، لم يتعرَّض لذِكر ما فيهما؛ لأنَّ حفظهما مستتبعٌ لحفظه، وخصَّهما بالذِّكر دون الكرسيِّ؛ قيل: لأنَّ حِفظهما أمرٌ مشاهدٌ محسوس  .

17- في قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ ردٌّ على الحُلوليَّة، وعلى المعطِّلة النُّفاة؛ فالحُلوليَّة قالوا: إنَّه ليس بعالٍ؛ بل هو في كلِّ مكان، والمعطِّلة النُّفاة قالوا: لا يُوصَف بعُلوٍّ ولا سُفْل، ولا يمين ولا شِمال، ولا اتِّصال ولا انفِصال  .

18- أفاد قوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ أنَّه ليس هناك إلَّا رُشْدٌ أو غيٌّ؛ لأنَّه لو كان هناك ثالث لذُكِر؛ لأنَّ المقام مقام حَصْر، ويَدُلُّ على هذا قولُه تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32] ، وقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]   .

19- أنَّ كلَّ ما عُبِد من دون الله فهو طاغوت؛ لقوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ، ووَجْه هذا: أنَّه سبحانه وتعالى جعل الكُفْر بالطَّاغوت قسيمًا للإيمان بالله، وقسيم الشِّيء غيرُ الشيء، بل هو مُنفصِل عنه  .

20- أنَّه لا نَجاةَ إلَّا بالكُفْرِ بالطَّاغوت والإيمانِ بالله؛ لقوله تعالى: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى  .

21- أنَّ الأعمالَ تتفاضَل؛ يؤخَذ ذلك مِن اسم التَّفضيل: الْوُثْقَى  ؛ لأنَّ التَّفضيل يقتضي مُفضَّلًا، ومُفضَّلًا عليه؛ ولا شكَّ أنَّ الأعمال تتفاضل بنصِّ القرآن والسُّنة  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: وَلَا شَفَاعَةٌ فيه إطلاقُ العامِّ وإرادة الخصوص به؛ إذ المعنى: ولا شفاعة للكُفَّار، أو: ولا شفاعة إلَّا بإذن الله، فعلى الخصوص بالكفَّار: لا شفاعةَ لهم ولا منهم، وعلى تأويلِ الإذن: لا شَفاعة للمؤمنين إلَّا بإذنه  .

2- قوله: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) فيه من أنواع الفصاحة وعِلْم البيان:

- حُسن الافتتاح؛ لأنَّها افتُتِحت بأجلِّ أسماء الله تعالى  ؛ فهذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولًا استبشر به؛ كذلك للتبرك بتقديم ذكر اسم الله عز وجل، ولإظهار المنَّة على هؤلاء بأنَّ الله هو الذي امتنَّ عليهم أولًا، فأخرجهم من الظُّلمات إلى النُّور  .

- تأكيدُ الخبر باسميَّة الجُملة، ونَفْي الأُلوهيَّة عمَّن سوى الله تعالى بـ(لا، وإلَّا)  .

- لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ: فيه تَكرار حرْف النَّفي (لا)، وفائدته: بيان انتفائهما على كلِّ حال؛ إذ لو أُسقِطتْ (لا) وقيل: (لا تأخذه سِنَةٌ ونومٌ)، لاحتَمَل انتفاؤهما بقَيدِ الاجتماع  .

- قوله: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ: (ما): للعموم تَشمَل كلَّ موجود، واللام للمِلْك؛ أخبر تعالى أنَّ مظروفَ السَّموات والأرض مِلكٌ له تعالى، وكرَّر (ما)، للتَّوكيد  . وفيه توكيد الخبر باسميَّة الجملة، والصِّلة، وتقديم ما حقُّه التأخير (له)  . ويُفيد اختصاص الله تعالى بهذا الملْك؛ لأنَّ الخبرَ حقُّه التَّأخير؛ فإذا قُدِّم أفاد الحصرَ  .

- وقوله: يَعْلَمُ...: تقرير وتكميل لِمَا تضمَّنه مجموع جُمْلتَي الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، ولما تضمَّنته جملةُ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ؛ فإنَّ جُمْلتَي الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ دلَّتَا على عموم عِلْمه بما حدَث، ووُجِد من الأكوان، ولم تَدلَّا على عِلْمه بما سيكون، فأكَّد وكمَّل بقوله يَعْلَمُ... الآية، وهي أيضًا تعليلٌ لجُملة مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، ولأجْل هذين المعنيين فُصِلتْ الجملةُ عمَّا قبلها، أي: لم تُعطَف عليها بالواو  .

- وفي هذه الآية العظيمة ترتَّبتِ الجُملُ من غير حرف عطفٍ؛ ففيها ما يُسمَّى بالفَصْل في عِلْم المعاني؛ وذلك لأنَّه ما منها جُملةٌ إلَّا وهي واردةٌ على سبيل البيان لِمَا ترتَّبت عليه، والبيان مُتَّحِد بالمُبين، فلو توسَّط بينهما عاطفٌ لكان كما تقول العرب: بين العصا ولِحائها، فاتَّحد البيانُ بالمُبين في تصوير المُلْك الحقيقيِّ الذي لا يُنازَع فيه، بأرشقِ عبارةٍ، وأدقِّ وصْف  .

- وقوله: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ قيل: عُطِفت هذه الجملةُ على ما قبلها، وهو قوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ؛ لمغايرتها لها؛ لأنَّ هذه تُشعر بأنَّه سبحانه يَعلمُ كلَّ شيءٍ، وتلك تُفيد أنه لا يَعلمُه غَيرُه، ومجموعهما دالٌّ على تفرُّده تعالى بكمال العِلم  .

- وتضمَّنت الآيةُ كذلك مِن الإيجاز ما لا مَطمحَ فيه لتقليد أو مُحاكاة؛ فقد اشتَملت آيةُ الكُرْسيِّ على ما لم تَشتمِل عليه آيةٌ مِن آياتِ الله سبحانه، وذلك أنَّها مُشتَمِلة على سَبعة عشرَ موضِعًا فيها اسمُ الله تعالى ظاهرًا في بعضها، ومُستكِنًّا في بعضها الآخر، وقد أوصلها البعضُ إلى واحد وعشرين، وهذا مِن أدقِّ مباحث عِلم المعاني  .

3- قوله: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ فيه مَعدولُ الخِطاب  ، أي: جاء الخطابُ بصِيغة الخبرِ، لكنَّ معناه الأمْر - إذا كان المعنى لا تُكرِهوا على الدِّين أحدًا  .

4- قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ قدَّم ذِكْرَ الكُفْر بالطاغوت على الإيمان بالله؛ لإظهار الاهتمامِ بوجوب الكُفْر بالطاغوت  ، ولأنَّه من باب التخلية قبلَ التحلية.

5- وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فيه التصريحُ بلفظِ الجَلالة (الله)؛ لإدْخال الرَّوعةِ وتربية المهابة، وفيه توكيدُ الخبرِ باسميَّة الجُمْلة، والتعبير بصيغة فعيل (سميع- عليم) للمُبالغةِ في الوَصْف  .

6- في قوله: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

جَمَع الظُّلماتِ وأفْرَد النورَ؛ لسرٍّ بلاغيٍّ عجيب، وهو الإشارة إلى وَحْدة الحقِّ، وتعدُّد أنواعِ الظُّلمات التي هي الضَّلالات، وما أكثرَها! ولأنَّ طريق الحقِّ واضِحةُ المعالم، لا لَبْس فيها، ولا تَشعُّب في مسالكها، أمَّا طريق الضلال؛ فهي مُلتَبِسةٌ على مَن يَسلُكها  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (258-260)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258)

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(259)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260)

غريب الكلمات:

فَبُهِتَ: انقَطع، وذهبتْ حُجَّتُه، ودَهِش وتحيَّر  .

خَاوِيَةٌ: خالية، وخراب؛ فأصْلُ الخَوَاء: الخلوُّ، والسُّقوط، والخلاء  .

عُرُوشِهَا: سُقُوفها، وأصْل العَرْش: الارتفاعُ في شيء مبني  .

أَنَّى: حرْف للبحث عن الحال والمكان، بمعنى (كيف) و(أين)؛ لتضمُّنه معناهما  .

لَمْ يَتَسَنَّهْ: لم يتغيَّر بمرِّ السِّنينَ عليه، مأخوذ من السَّنَهْ، وأصْله يتسنَّن، أُبدِلت النُّونُ هاءً  .

نُنْشِزُهَا: نُحْيِيها، ونرفعها إلى مواضِعها، ونُحرِّك بعضَها إلى بعض؛ فأصْل النَّشْزِ: الارتفاع والعُلُوُّ  .

فَصُرْهُنَّ: أمِلْهُنَّ إليك، واجْمَعهن، وضُمَّهنَ إليكَ، أو صِحْ بِهِنَّ، وصِرهنَّ- بكسر الصَّاد -: قطِّعهنَّ  .

سَعْيًا: السَّعي: المشي السَّريع دون العَدْو، وقيل: المعنى هنا: عَدوًا، ويُقال: مشيًا على أرجُلهنَّ؛ لأنَّه لا يُقال للطَّائر إذا طار: سعَى  .


مشكل الإعراب:

قوله: يَأْتِينَك سعيًا: سعيًا: مصدرٌ واقِع موقعَ الحال من ضَمير الطَّير، أي: يأتينك ساعيات، أو ذواتِ سعيٍ، وقيل: هو حالٌ من المخاطَب (إبراهيم عليه السلام) أي: يأتينك وأنتَ تَسعى سعيًا. وقيل غير ذلك  .


المعنى الإجمالي :

يُخبِر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ عن قصَّة الرَّجل الذي وهَبه اللهُ المُلكَ حين خاصَمَ نبيَّ الله إبراهيمَ عليه السَّلام، وناظَرَه في وجود الله ورُبوبيَّته وأُلوهيَّته، وما حمَله على ذلك وجرَّأه عليه إلَّا المُلْكُ الذي أعطاه اللهُ له، فاستَكبَر وطغى، وأَنكَر وجودَ الله جلَّ وعلا، فأخبره إبراهيمُ عليه السَّلامُ أنَّ الله يُحيي ويُميت، مُستدِلًّا بذلك عليه السَّلامُ على وجود الربِّ تعالى وربوبيَّته وأحقِّيَّته وحده بالعبادة، فردَّ عليه المَلِك- عنادًا- أنَّه أيضًا يَملِك أن يَفعَل هذا الفِعلَ؛ فالإحياء باستبقاء مَن أراد قتْله، أو الإماتة بقتْل مَن أراد إماتته فردَّ إبراهيم عليه السَّلام عليه أنَّ الله َيأتي بالشَّمس كلَّ يوم من جِهة المشرِق، فإنْ كان إلهًا حقًّا، يُحيي ويُميت، فليَجْعلها تَطلُع من جِهة المغرِب، فحينها عَلِمَ ذلك المُحاجِجُ أنه عجَز وانقَطَع عن الإدلاء بحُجَّة، فتحيَّر واندهَش، والله تعالى لا يُوفِّق مَن ظلَم نفسَه بإيثاره الكُفْرَ على الإيمان.

ثم ذكَر الله لنبيِّه محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قصَّة الرَّجلِ الذي مرَّ على قرية فارغة، قد مات أهلها جميعًا، وقد خَرِبتْ أَبنيتُها، فتساءل مُستَبعِدًا: كيف يُمكِن أنْ يُعيدَ اللهُ الحياةَ إلى ما كانت عليه سابقًا؟ فقبَض اللهُ رُوحَه مئةَ عامٍ، ثم أحياه بَعدَها، وسألَه عن المدَّة التي لَبِثها في هذا المكان، فكان جوابه: أنَّه لَبِث إمَّا يومًا أو بعضَ يوم، وظنَّ أنَّه كان نائمًا فاستيقظ، فقال له جلَّ وعلا: بل مَكثتَ مئةَ عامٍ، فشَاهِدْ ما معك من طعامٍ وشراب لم يُغيِّره مرورُ كلِّ هذا الوقتِ، مع كَونهما من أسرع الأشياء تغيُّرًا، وشَاهِدْ حمارَكَ وقد مات وبَلِيتْ عِظامُه، وليجعلك الله للناس حُجَّةً على قدْرته سبحانه، وشاهِدِ العِظامَ الباليةَ لحمارك؛ كيف يُحْييها الله، ويُغطِّيها باللحم، فلمَّا اتَّضَح له، أَمَره اللهُ أنْ يَتيقَّن أنَّ الله قادرٌ على كلِّ شيء، فأقرَّ حينها بيقينِه بذلك.

ثم ذكَر اللهُ لنبيِّه قصَّةَ إبراهيم عليه السَّلام، حين طلَب من ربِّه أن يجعلَه يُشاهِد بعينَيه كيفيَّةَ إحياءِ اللهِ للموتى، فقال له الله تعالى: أَوَلستَ مؤمنًا؟ فأجاب نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام: بأنَّه مؤمن، ولا يَعْتريه أيُّ شكٍّ، ولكنْ أراد أنْ يَزداد طُمأنينةً، فأَمَره تعالى أنْ يأخذ أربعةً من الطُّيور، ويَذبحهنَّ ويُقطِّعهنَّ، ثم يُفرِّقهنَّ على رؤوس عِدَّة جبال، ثم يَدْعوهنَّ فيَجئنَ إليه مُسرِعات، ففعل ذلك فأقْبَلْنَ إليه طائرات، فأَمَره اللهُ تعالى أنْ يتيقَّن أنَّه تعالى عليمٌ حكيم.


تفسير الآيات:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر الله تعالى أنه يُخرِج الذين آمَنوا من الظُّلماتِ إلى النُّور، وأنَّ الطَّاغوت يُخرِجون الذين كفروا من النُّور إلى الظُّلمات، ساق ثلاثةَ شواهدَ على ذلك، هذا أوَّلُها وأجمعها؛ لأنه اشتَمَل على ضَلالِ الكافر، وهُدى المؤمن؛ فكان هذا في قوَّة المِثال  ، فقال تعالى:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ.

أي: ألم تَنظُر يا محمَّد، بقلبك مُتعجِّبًا من هذا المَلِك الذي خاصَم إبراهيمَ عليه الصَّلاة والسَّلام، وناظَرَه في وجود ربِّه ورُبوببيَّته وأُلوهيَّته؟ هل رأيتَ أحدًا مِثْله يُنكِر أن يكون ثَمَّ إلهٌ غيره؟ وما حمَله على هذا التجرُّؤ والتجاهل والمحاجَّة فيما لا يَقبَل الشكَّ، إلَّا طغيانُه وتجبُّره؛ بسبب تملُّكه على رعيَّته مُلْكًا لا يُنازِعه أحدٌ فيه لمدَّةٍ طويلة، فاستكبَر وبغى، فأَنكَر وجودَ العليِّ الأعلى  .

إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.

أي: ألم ترَ- يا محمَّد- إلى ذلك المُحاجِج في أمرِ الربِّ عزَّ وجلَّ، حين أخبَره إبراهيمُ عليه الصَّلاة والسَّلام بدليلٍ يُثبِت وجودَ الربِّ ورُبوبيَّته وأحقِّيَّته وحده بالعبادة؛ فهو الخالق المالك المدبِّر، المُنفرِد بأنواع التصرُّف، وقد ذكَر إبراهيمُ منها على سبيل الخصوص: الإحياءَ والإماتةَ، وهي مِن أعظم أنواع التَّدابير التي لا يَقدِر عليها أحدٌ سوى الله تعالى، فيُحْيِي ما كان ميتًا ممَّا يَشاء مِن خَلْقه، ويُميتُ مَن أراد إماتتَه من الأحياء، فحدوثُ هذه الأشياء المشاهَدة بعد عَدَمِها، وعدمها بعد وجودها- دليلٌ قاطِع وواضحٌ على وجود الفاعل المختار؛ لأنَّها لم تَحدُث بنفسها، فلا بدَّ لها من مُوجِدٍ أَوجَدَها، وهو الربُّ الذي دعا إبراهيمُ إلى عبادته وحده لا شريكَ له، فحينها ردَّ عليه المَلِك مُستكبِرًا ومُوهِمًا بأنَّه يَملِك فِعْلَ ذلك أيضًا، غير مُنكِر أنَّ الله تعالى يفعله؛ إذ لم يَقصُر الأمرَ على نفْسه، التي ادَّعى لها هذا المقامَ عنادًا ولَجاجًا بالباطل، مُدَّعيًا أنَّ استبقاءه مَن أراد قتْله، إحياءٌ منه له، وقتْلَه لآخَر إماتةٌ له  .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.

أي: لَمَّا أصرَّ هذا الكافرُ على المُغالطةِ والمُكابَرة، ردَّ عليه إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام من خلال ما زعَمه، بأنَّه إنْ كان حقًّا صادقًا في دعواه بأنَّه يَملِك القُدرةَ على الإحياء والإماتة؛ فإنَّه ينبغي أن يكون قادرًا كذلك على التصرُّف في الوجودِ كتسخير كواكبه، قائلًا: هذه الشَّمس الظَّاهرة للعِيان يُحرِّكها اللهُ الذي أَعبُده، فيأتي بها كلَّ يوم لتَطلُع من جِهة المَشرِق، فإن كنتَ إلهًا تُحيي وتُميت كما تَزعُم، فاجعلْها تَطلُع من جِهة المغرب  .

فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.

أي: لَمَّا عَلِم هذا المُحاجِجُ عجزَه وانقطاعَه عن الإدلاء بحُجَّة- إذ لا قِبَل له بإيراد شُبْهة تُشوِّش دليلَ إبراهيم عليه السَّلام، ولا عَرْضِ قادحٍ يَقْدَح فيه- تَحيَّر واندهش، فأُخرِس مغلوبًا، وبَطَلت حُجَّته، وقامت عليه حُجَّة الحقِّ  .

وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

أي: إنَّ الله تعالى لا يُوفِّق أهلَ الباطلِ الذين ظلموا أنفسَهم بإيثارهم الكُفْرَ على الإيمان، بل يُبقِيهم على كُفْرهم وضَلالهم، ولو كان قَصْدهم الهدايةَ إلى الحقِّ، لوفَّقهم ويسَّر لهم الوصولَ إليه، فحُجَجهم باطِلة، لا يُمكِن أنْ يُبطِلوا بها حُججَ أهلِ الحقِّ عند المحاجَّة والمُناظَرة  .

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا قرَّر بالآية السابقة ثبوتَ انفرادِ الله بالإلهيَّة، وذلك أصل الإسلام، أَعْقَب بإثبات البعثِ، الذي إنكاره أصْلُ أهلِ الإشراك  فقال تعالى:

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا.

أي: أَلَمْ تَنظُر أيضًا يا محمَّد، مُتعجِّبًا من هذا الرجل الذي مرَّ على قرية فارِغةٍ، قد فَنِي أهلُها فماتوا جميعًا، وقد سقطت سُقُوفُها، وخرَّت الجِدران عليها، فخَرِبتْ أبنيتُها، فأصبحت مُوحِشةً بلا أنيس، مُقْفِرةً بلا عمارة  .

قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا.

أي: لَمَّا مرَّ هذا الرجُلُ بذلك الموضِع الخَرِب الذي كان عامرًا بالحياة، مأهولًا بالسُّكان، وقَف عليه مُتفكِّرًا فيما آل إليه حالُ هذا المكان، فتساءل مُستبعِدًا كيف يُمكِن عَوْد الحياة إلى ما كانت عليه سابقًا  .

فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

أي: إنَّ الله تعالى أراد أن يُريَه قُدرتَه على ما استَبْعَدَه، بضرْب المَثَل له في نَفْسه، فقبَض اللهُ سبحانه رُوحَه، وظلَّ مَيِّتًا لمدَّة مئة عامٍ كاملة، ثم أحياه الله عزَّ وجلَّ، فسأله عن مدة مُكْثه في هذا المكان، فأجاب- شاكًّا- بأنَّ لُبْثه لن يعدو يومًا كاملًا أو جزءًا من يوم، ظنًّا منه أنَّه كان نائمًا فاستيقظ، قيل: لأنَّه مات في أوَّل النَّهار وبُعِث في آخره بعد مِئة عام، فظنَّ لما رأى آخِرَ النَّهار أنَّه بقيَّة يومه الذي كان فيه حيًّا، أو أنَّه آخِر النَّهار من اليوم التَّالي  .

قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.

أي: ليس الأمرُ كما ذكرتَ، فلمْ تَمكُث يومًا أو بعضَ يوم، وإنما مكثتَ مئة عامٍ بتمامها، فلْتُشاهِد الآن خوارقَ العادتِ الدَّالَّة على قُدْرة الربِّ عزَّ وجلَّ، فانظُرْ أولًا إلى ما بحوزتك من طعامٍ وشراب، فإنه لم يتغيَّر مُطلَقًا بمرور كلِّ تلك السِّنين، خلافًا لما جرتْ به العادة، فإنَّ الطعامَ والشَّراب من أسرع الأشياء تغيُّرًا  .

وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ.

أي: انظُر بعينَي رأسِك إلى حمارك، وقد مات وتمزَّق لحمُه وجِلدُه، وتفرَّقت أوصالُه، وبَدَتْ عِظامُه النَّخِرة؛ فانظر كيف يُحيِيه اللهُ عزَّ وجلَّ  ؟

وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ.

أي: أَمتْناك مِئةَ عامٍ، ثمَّ بعثناك لنُصيِّرك حُجَّةً ودليلًا وعلامةً مرئيَّةً على قدرة الله تعالى، القادر وحده على فِعْل ما يشاء مِن إحياء وإماتة، وعلى إثبات البعثِ من القبور يوم القيامة؛ مِصداقًا لما أَخبَرتْ به رُسلُ الله عليهم السَّلام، وذلك لمن عرَفه مِن ولدِه وقومه ممن عَلِم موته، فرأوا ذاته وتحقَّقوا صفاتِه، ولعموم النِّاس كذلك  .

وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: نُنْشِزُهَا قراءتان:

1- نُنْشِزُهَا من النَّشَز، وهو: ما ارتفع مِن الأرضِ، والمعنى: نجعلُها بعدَ بِلاها وهمودِها ناشزةً، أي: نرفعُ بعضَها إلى بعضٍ  .

2- نُنْشِرُهَا من الإنشارِ، وهو الإحياءُ، أي: نُحييها بعدَ موتِها  .

وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا.

أي: انظُر عيانًا إلى تلك العِظام البالية المتفرِّقة لحمارك، وشاهِدْ كيف نُحْييها، وهي ترتفعُ من الأرض فتتَّصلُ ببعضها، فنردُّها إلى مواضعها من الجسد، ونَستُرها باللَّحمِ بعد التئامها، فأحيا الله عزَّ وجلَّ الحِمارَ بالإعادة، من بعد تَحلُّل جَسدِه  .

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: قَالَ أَعْلَمُ قراءتان:

1- قراءة اعْلَمْ على معنى أنه أمرٌ من الله عزَّ وجلَّ له بالعلم  .

2- قراءة أَعْلَمُ على معنى أنَّ ذلك من مقالة الذي أحياه الله تعالى  .

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

أي: فلما اتَّضح له ما كان مُستبعِدًا وقوعه، وظهر له عيانًا، أمره الله سبحانه أن يُدرِك الآن إدراكًا جازمًا بأنَّ الذي فعَل تلك الأشياء العجيبة بقدرته، قادِر أيضًا على أيِّ شيء أراده، فلا يُعجِزه شيء أبدًا، فقال: أُوقِن مطمئنًّا الآن- أكثرَ من أيِّ وقت مضى- بقُدرةِ الله، التي ليستْ لها حدودٌ  .    

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

أنَّ في هذه الآية والتي قبلها دَلالةً على البَعْث المنسوب إلى الله تعالى، في قول إبراهيم للملك الذي خاصمه رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، لكنَّ المارَّ على القريةِ أراه اللهُ ذلك في نفْسِه وفي حماره، وإبراهيم أراه الله ذلك في غيره  .

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى.

أي: واذْكُرْ يا محمَّد، حين طلَب إبراهيمُ عليه السَّلام من ربِّه أنْ يُشاهِد بعينيه كيفيَّةَ إحياء الموتى  .

قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

أي: فقال الله تعالى لخليله عليه السَّلام: أَوَلستَ قد آمنتَ؟ يعني: أنَّه ما دُمتَ قد آمَنتَ فلِمَ تَطلُبُ هذه الرؤيةَ؟ فأجاب نبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّه مؤمن، لا يَعْتري إيمانَه أدنى شكٍّ، ولكنَّه لفَرْط محبَّته للوصولِ إلى مرتبةِ المُعايَنة، رامَ الترقِّي من درجة عِلْم اليقين إلى عَين اليقين، حتى يزدادَ إيمانًا، ويزدادَ قلبُه طُمأنينةً  .

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ.

أي: أجاب اللهُ تعالى طلبَه، فأَمَره أنْ يأخذ أربعةَ طيور، وأنْ يَذبَحهنَّ ويُقطِّعهنَّ؛ ليكون ذلك بمرأًى منه، ولِيَتِمَّ الأمرُ على يديه  .

ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا.

أي: أَمَر اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السَّلام بتفريق أعضاء الطُّيور الأربعة التي قطَّعهنَّ، وقام بتَنْحِيتهنَّ عنه، بتَبدِيدهنَّ أجزاءً على رؤوس عدَّة جبالٍ؛ لتكون ظاهرةً للعِيان، وأَمَره أنْ يدعوهنَّ، ليُقبِلنَ عليه مُسرِعات، ففعل إبراهيمُ عليه السَّلام ذلك، وجئنَ طائراتٍ على أكمل ما يكون من الحياة  .

قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75] .

وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

أي: اعْلَم يا إبراهيمُ، أنَّ الذي فعَل ذلك له كمالُ العِزَّة، فلا يَغلِبه شيءٌ، ولا يَستعصي عليه شيٌء أراده، وأنَّ أفعاله وأقواله وأقداره وشرائعه كلَّها صادرةٌ عن كمال حِكْمته؛ فيَضَع كلَّ شيء في مُوضِعه الصَّحيح، ولا يَفعل- أبدًا- شيئًا عبثًا  .


الفوائِد التربويَّة:

1- في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ دلالةٌ على أنَّ النِّعم قد تكون سببًا للطُّغيان؛ لأنَّ هذا الرجُل ما طغى وأَنكَر الخالقَ؛ إلَّا لأنَّ الله آتاه الملْك؛ ولهذا أحيانًا تكون الأمراضُ نعمةً من الله على العبد؛ والفقر والمصائب تكون نعمةً على العبد؛ لأنَّ الإنسان إذا دام في نعمة، وفي رَغَدٍ، وفي عيشٍ هَنِيء، فإنَّه ربَّما يَطْغى، وينسى الله عزَّ وجلَّ  .

2- أنَّ اللهَ لا يمنع فضلَه عن أحدٍ إلَّا إذا كان هذا الممنوع هو السَّببَ؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ فلظُلْمهم لم يَهدِهم اللهُ، وهذا كقوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5]   .

3- التَّحذير من الظُّلم؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ ومن الظُّلم أنْ يَتبيَّن لكَ الحقُّ فتُجادِل لنُصْرة قولِكَ؛ لأنَّ العدل أنْ تَنصاعَ للحقِّ، وألَّا تُكابِر عند وضوحه؛ ولهذا ضَلَّ مَن ضلَّ مِنْ أهل الكلام؛ لأنَّه تَبيَّن لهم الحقُّ، ولكنْ جادَلوا؛ فبَقُوا على ما هم عليه من ضَلالٍ  .

4- في قوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: دلالةٌ على أنَّه كلَّما كان الإنسانُ أظلمَ كان عن الهِداية أبعدَ؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ علَّق نَفْي الهدايةِ بالظُّلم؛ وتعليق الحُكْم بالظُّلم يدلُّ على عِلِّيَّتِه؛ وكلما قويتِ العِلَّةُ قوي الحُكْم المُعلَّق عليها  .

5- أنَّ مَن أخَذ بالعدل كان حَرِيًّا بالهِداية؛ لمفهوم المُخالفة في قوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  .

6- جوازُ امتِحان العبدِ في معلوماته؛ لقوله تعالى: كَمْ لَبِثْتَ  .

7- جواز إخبار الإنسان بما يَغلِب على ظنِّه؛ لقوله تعالى: قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ مع أنَّه لَبِث مئةَ عام  .

8- أنَّه ينبغي التَّفكُّر فيما خلَقه الله عزَّ وجلَّ، وأَحدَثه في الكون؛ لأنَّ ذلك يَزيد الإيمانَ، حيث إنَّ هذا الشيء آيةٌ مِن آياتِ الله؛ كما في قوله: فَانْظُرْ...  .

9- أنَّه ينبغي النَّظر إلى الآيات على وَجْه الإجمالِ والتَّفصيل؛ لقوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ: مُطلَق، ثم قال تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا... إلخ؛ فيقتضي أنْ نتأمَّل أوَّلًا في الكون من حيث العموم، ثُمَّ من حيث التفصيل؛ فإنَّ ذلك أيضًا يَزيدنا في الإيمان  .

10- أنَّ الإنسان بالتَّدبُّر والتَّأمُّل والنَّظر يَتبيَّن له مِن آياتِ الله، ما لا يَتبيَّن لو غَفَل؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ إلخ  .

11- أنَّه يَلزَم من النَّظر في الآيات العلمُ واليقينُ؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  .


الفوائد العلمية واللَّطائف:

1- أنَّ المحاجَّة لإبطال الباطل، ولإحقاق الحقِّ من مقامات الرُّسل؛ لقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ...  .

2- في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، إشارةٌ إلى أنَّه يَنبغي للإنسان أن يتعلَّم طُرُقَ المناظَرة، والمحاجَّة؛ لأنَّها سُلَّم، ووسيلة لإحقاق الحقِّ، وإبطال البَاطل  .

3- أنَّ مُلْك الإنسان ليس مُلْكًا ذاتيًّا من عند نفسه؛ ولكنَّه مُعطًى إيَّاه؛ لقوله تعالى: أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ؛ وهذه الآية كقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ  .

4- إثبات الأفعالِ الاختياريَّة لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: يُحْيِي وَيُمِيتُ  .

5- أنَّ الإنسانَ المُجادِل قد يُكابِر فيدَّعي ما يعلم يقينًا أنَّه لا يَملِكه؛ لقول الرجل الطاغية: قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ؛ ومعلوم أنَّ هذا إنَّما قاله في مضايقة المحاجَّة؛ والإنسان في مضايقة المحاجَّة ربَّما يَلتزِم أشياء هو نَفْسه لو رجَع إلى نفسه لعَلِم أنَّها غير صحيحة، لكن ضَيق المُناظَرة أَوجَب له أنْ يقول هذا؛ إنكارًا أو إثباتًا  .

6- أنَّ الحقَّ لا تمكن المُجادَلة فيه؛ لقوله تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ  .

7- الردُّ على القَدَريَّة؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ لأنَّهم يقولون: إنَّ الإنسانَ حرٌّ: يَهتدي بنفسه، ويَضِلُّ بنفسه؛ وهذه الآيةُ واضحة في أنَّ الهداية بيد الله  .

8- الإشارة إلى أنَّه لا يَنبغي أنْ يَهتمَّ الإنسانُ بأعيان أصحاب القِصَّة؛ إذ لو كان هذا من الأمور المهمَّة، لكان الله يُبيِّن ذلك: يقول: فلان، ويُبيِّن القريةَ، فالعِبْرة بالمعاني والمقاصِد دون الأشخاص  .

9- إطلاق القرية على المساكن؛ لقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، مع أنَّه يَحتمِل أنْ يُراد بهذه الآية المساكنُ والسَّاكن؛ لأنَّ كونها خاويةً على عروشها يَدلُّ على أنَّ أهلها أيضًا مفقودون، وأنَّهم هالِكون  .

10- أنَّ الإنسانَ إذا استَبعَد وقوعَ الشَّيء- ولكنَّه لم يَشُكَّ في قدرة الله على هذا الذي استبعده- لا يَكفُر بهذا؛ لقول الرجل الذي مرَّ على القرية: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  .

11- أنَّ الله قد يَمُنُّ على عبده بأنْ يُريه مِن آياتِه ما يَزداد به يقينُه؛ لقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ... إلخ  .

12- أنَّ قُدرةَ الله فوق ما هو مُعتاد من طبيعة الأمور، حيث بقي هذا الطَّعام والشَّراب مئة سَنةٍ لم يتغيَّر  .

13- أنَّ الله يُحدِث للعبدِ ما يكون عِبْرةً لغيره؛ لقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، ومِثْل ذلك قوله تعالى عن مريمَ وابنها عيسى عليهما السَّلام: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ  .

14- أنَّ الله عزَّ وجلَّ جعَل اللَّحمَ على العِظام كالكُسْوة؛ بل هو كُسْوة في الواقع؛ لقوله تعالى: ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، وقال تعالى: فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا؛ ولهذا تَجِد اللَّحمَ يَقي العِظام من الكَسْر والضَّرر؛ لأنَّ الضَّرر في العِظام أشدُّ من الضَّرر في اللَّحم  .

15- الردُّ على مُنكِري قيام الأفعال الاختياريَّة بالله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: فَأَمَاتَهُ اللهُ.... ثُمَّ بَعَثَهُ، وهذه أفعال مُتعلِّقة بمشيئته، واختياره: متى شاء فعَل، ومتى شاء لم يفعلْ  .

16- أنَّ كلام الله عزَّ وجلَّ بحروف، وأصوات مسموعة؛ لقوله تعالى: كَمْ لَبِثْتَ، وقوله تعالى: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ؛ فإنَّ مَقولَ القول حروف بصوت سَمِعه المُخاطَب، وأجاب عليه بقوله: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ؛ ولكنَّ الصَّوتَ المسموع من كلام الله عزَّ وجلَّ ليس كصوتِ المخلوقين؛ الحروف هي الحروفُ التي يُعبِّر بها النَّاسُ؛ لكن الصَّوتَ لا؛ لأنَّ الصَّوتَ صِفةُ الربِّ عزَّ وجلَّ؛ والله سبحانه وتعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ  .

17- في قوله: فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ   ثُبُوتُ كَراماتِ الأولياء؛ وهي كلُّ أَمْرٍ خارِقٍ للعادة يُجريه الله عزَّ وجلَّ على يدِ أحدِ أوليائه؛ تكريمًا له، وشهادةً بصِدْق الشَّريعة التي كان عليها؛ ولهذا قيل: كل كرامة لِولِيٍّ، فهي آية للنبيِّ الذي اتَّبَعه  .

18- أنَّ التَّوسُّل إلى الله برُبوبيَّته من آداب الدُّعاء التي يَتوسَّل بها الرُّسُلُ؛ لقوله تعالى: رَبِّ؛ لأنَّ إجابةَ الدعاء من مُقتضيات الرُّبوبيَّة  .

19- أنَّه لا حَرَج على الإنسان أنْ يَطلُب ما يزداد به يقينُه، لقوله تعالى: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى؛ لأنَّه إذا رأى بعينه ازداد يقينُه  .

20- إثبات الكلام لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، وقوله تعالى: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً...؛ والله سبحانه وتعالى يتكلَّم بما شاء، متى شاء، كيف شاء، بما شاء: مِن القولِ، متى شاء: في الزَّمن، كيف شاء: في الكيفيَّة  .

21- جوازُ الاقتِصار في الجواب على الحرف الدَّالِّ عليه؛ لقوله تعالى: بَلَى؛ وعليه فلو قيل للرجل: أَلَمْ تُطلِّق زوجتَك؟ فقال: (بَلَى)، طلقتْ، ولو قيل للرجل عند عَقْد النِّكاح: أَقبِلتَ النِّكاحَ، وقال: (نعم)، انعَقَد النِّكاحُ؛ لأنَّ حرف الجوابِ يُغني عن ذِكْر الجُمْلة  .

22- امتِنان الله على العبدِ بما يَزداد به إيمانُه؛ لقوله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ.... إلى قوله تعالى: يَأْتِينَكَ سَعْيًا  .


بلاغة الآيات:

1- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

- في قوله أَلَم تَرَ: همزةُ الاستفهامِ لإنكارِ النَّفي، وتقريرِ المنفيِّ، أي: أَلَمْ تَنظُرْ، أو ألم يَنتهِ عِلمُك إلى هذا الطَّاغوت المارِدِ كيف تصدَّى لإضلال النَّاس وإخراجهم من النَّور إلى الظُّلمات؟  ، وبلاغة القرآن الكريم في عَرْض الأمور العجيبة مَعرِض التَّقرير والاستفهام؛ لأنَّ (التقَّرير) يَحمِل المُخاطَبَ على الإقرار؛ و(الاستفهام) يُثير اهتمامَ الإنسان؛ فجمع بين الاستفهام والتَّقرير  .

- النُّكتةُ في الإظهار مقام الإضمار في قوله تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ؛ لأجل أنْ نقول: كلُّ مَن جادَل كما جادَل هذا الرَّجل فهو كافر، ففيها إثباتُ أنَّ مَن جَحَد الله فهو كافر  .

- قوله: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فيه إطناب بالتذييل؛ لتقرير مضمون ما قبله، أي: لا يَهدي الذين ظَلموا أنفسَهم بتعريضِها للعذابِ المُخلَّد؛ بسبب إعراضِهم عن قَبُول الهداية إلى مناهج الاستدلالِ، أو إلى سبيل النَّجاةِ أو إلى طريق الجنَّةِ يوم القيامة  . وفيه توكيدُ الخبر باسميَّة الجملة، والنفي، وإظهارُ لفظة الجلالة (وَاللهُ)؛ لتربية المهابَة  .

2- قوله: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ فيه من بَلاغَة القرآن تنويعُ الأدلَّة، والبراهين على الأمور العظيمة؛ فهذه الآية وما قبلها وما بعدها، كلُّها في سِياق قُدرة الله عزَّ وجلَّ على إحياء الموتى  .

3- في قوله: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْجُه بلاغيَّة؛ منها:

- الاستفهام في أَنَّى؛ للتَّعجُّب، والاستبعادِ، والاستِعظامِ  .

 - وفيه تقديم المفعول (هذه) على الفاعل (اللهُ)؛ للاعتناء بها من حيثُ إنَّ الاستبعاد ناشئٌ مِن جِهتِها، لا مِن جِهة الفاعلِ  .

- وفيه طِباق بين الإحياء والإماتة  ، وهو يُبرز المعنى ويوضِّحه.

4- قوله: أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عبَّر بصيغةِ المضارعِ (أَعلَمُ)؛ للدَّلالة على أنَّ عِلمَه بذلك مستمِرٌّ ومُتجَدِّد؛ نظرًا إلى أنَّ أصْلَه لم يَتغيَّرْ ولم يتبدَّل، بل إنَّما تَبدَّل بالعِيان وصفُه، إشعارًا بأنَّه إنما قال ما قال بِناءً على الاستبعاد العادي، واستِعْظامًا للأمر  .

5- وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ... وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)

رَبِّ: كلمة استعطافٍ قُدِّمت بين يدي الدُّعاء مُبالغةً في استِدعاء الإجابةِ  .

- أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: فيه توكيدُ الخبرِ بأنَّ، واسميَّة الجملة، والتَّعبير بصِيغة فَعيل عَزِيزٌ حَكِيمٌ؛ للمُبالَغة في الوصف  .

- وفي هذه الآية إيجازٌ بالحذْف، حيث حذَف تتمَّة القصَّة، وحَكَى سبحانه أوامرَه، ولم يَتعرَّض لامتثالِ إبراهيم عليه السَّلام لها؛ لأنَّ ذلك مُدرَكٌ بالبَداهة  .


سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (261- 265)

مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(262)

۞ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ(263)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(264)

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(265)

غريب الكلمات:

أَذًى: ما يُكره ويُغتمُّ به، ولا يُقَرُّ عليه  .

وَمَغْفِرَةٌ: سَترٌ لخَلَّة المسلم وفاقته، وترْك أذيَّته؛ فأصْل الغَفْر: السَّتر، والوقاية  .

رِئَاءَ النَّاسِ: مراءاةً للناس، أي: فِعل الشَّيء ليراه الناس، وأصْله من الرُّؤية  .

صَفْوَانٍ: كالصَّفا حَجَر أَمْلس، وهو اسمُ واحدٍ معناه جمعٌ، واحدتُه صَفوانة؛ وأصل الصَّفاء: خُلُوص الشَّيء من الشَّوب، ومنه قيل: الصَّفا، للحجارة الصافية  .

وَابِلٌ: المطر الثَّقيل، أو المطر الشَّديد  .

صَلْدًا: صلبًا يابسًا أملسَ، وهو الحجر الصُّلب الذي لا يُنبِت؛ فأصْل الصَّلد: الصَّلابة واليُبْس  .

رَبْوَةٍ: المكان المرتفِع من الأرض، وأصْل الرَّبو: العُلُوُّ والزِّيادة والنَّماء  .

فَطَلٌّ: الطَّلُّ: أضعفُ المَطر، وأصْل الطلِّ: غَضاضةُ الشَّيء، وحُسْنه ونَضْرته؛ سُمِّي أضعفُ المَطَر به؛ لأنَّه يُحسِّن الأرضَ  .


المعنى الإجمالي:

يَضرِب اللهُ المَثَلَ في مضاعفة الحسنات للمُنفِقين في أوجه الخير، بمن بذَر بَذْرةً في أرض طيِّبة، فأَخرجتِ الحبَّةُ سَبْعَ سَنابلَ، في السُّنبلةِ الواحِدة مِئةُ حبَّة، فكان أنْ تَضاعفتِ الحبَّةُ إلى سَبْعمِئة حبَّة، والله يُضاعِف لمن يشاء؛ لأنَّه واسعُ الفَضْل، عليمٌ بمن يَستحِقُّ المضاعفة ممن لا يَستَحِقُّها، ثم يُبيِّن الله تعالى أنَّ الذين يَبذُلون أموالَهم في أوجهِ الخيرِ ومرادهم رضا الله تعالى، ثم لا يُلحِقون ما بذَلوه منًّا على مَن أنفقوا عليهم ولا أذًى، فهؤلاء لهم أجرَهم عند الله، ولهم كذلك ألَّا يخافوا فيما يُستقبَل ولا يحزنون على ما مضى.

ثم يُخبِر تعالى أنَّ ردَّ السَّائل بالقول الحَسَن، والدعاء الطَّيِّب له، وغير ذلك من الأقوال التي تُدخِل السُّرورَ على قلبه، وكذلك سَتْر حالته بالمسامحة، والتَّغاضي عمَّا قد يَصدُر من السائل ممَّا لا ينبغي أنْ يَصدُر منه، أفضل مَن أنْ يُقدِّم له صدقةً مصحوبة بالأذِيَّة والإساءة، والله سبحانه غنيٌّ، وهو حليمٌ لا يُعاجِل بالعقوبة مع قُدْرته عليه.

ثم يَنهَى اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين أن يُحبِطوا أجرَ ما بذلوه من صدقاتٍ إذا صدر منهم منٌّ أو أذًى نحو المتصدَّق عليه، فتُشْبِه حالُهم حينها حالَ المُنافِقِ الذي يُنفِق مالَه من أجْل أن يرى النَّاسُ صنيعَه؛ ليُثْنوا عليه بذلك، وهم لا يعرفون حقيقةَ الأمر، وهو أنَّه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخِر، فلا يَطمَع في الحصول على ثوابٍ جزاءً لعَمَله، فقَلْب هذا المُنافقِ في صَلابته وقسوته، وعدم انتفاعه بما يُنفِقه- لعدم إيمانه، وانتفاء إخلاصه- يُشْبِه الحجرَ الأملس يَعْلوه ترابٌ، يَحسَب مَن رآه أنه صالحٌ للإنبات، فيُصيبه مطرٌ غزيرٌ فيذهب بما على الحجر من التراب، فيَتركه صُلبًا كما كان من قبلُ، لا أمل في إنباته، والله تعالى لا يُوفِّق الكافرين لقَبُول الحقِّ.

ثمَّ ضرَب الله سبحانه مثلًا لمَن يَبذُلون أموالَهم في وجوه البِرِّ والخير دون منٍّ أو أذًى، وإنَّما مقصودهم أنْ ينالوا مرضاةَ الله تعالى، وقد بذَلوا أموالَهم مِن تلقاء أنفسهم، ولم يَحمِلهم على ذلك أحدٌ، أو أنفقوا وهم مُوقِنون بوعد الله تعالى على إثابته للمُنفِقين، فمَثَل نفقةِ هؤلاء كبُستانٍ كثير الشَّجر والظِّلال، بمكانٍ مرتفع من الأرض، فكان أكثرَ خُصوبةً، وأفضل نِتاجًا، وسَقْيه إنما هو من السَّماء، فإمَّا أنْ يُصيبه مطرٌ غزيرٌ، فيتضاعَف ما يُنتِجه من ثمر، أو يُصيبه مطرٌ خفيف، فيكفيه أيضًا ليؤتي ثمارَه مضاعفةً؛ بسبب كَرَم المَنْبتِ، وطيب المَغْرس، وكذا الحال مع نفقة المؤمن؛ فإنَّ الله يُضاعِفها قلَّتْ أو كَثرتْ، ما دام أنها بُذِلتِ ابتغاءَ رِضوان الله، والله تعالى يرى كلَّ ما يعمله النَّاسُ، لا يَخْفى عليه شيءٌ من أعمالهم.


تفسير الآيات:

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر قصَّة المارِّ على قرية وقصَّة إبراهيم، وكانا مِن أدلِّ دليل على البَعْث، ذكَر ما ينتفع به يوم البعث، وما يجد جدواه هناك، وهو الإنفاق في سبيله، كما أَعقَب قصَّة الذين خرجوا مِن ديارهم وهم أُلُوفٌ حَذَرَ الموت بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا، وكما أَعقَب قَتْلَ داود عليه السَّلامُ جالوتَ، وقوله: وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ، فكذلك أَعقَب هنا ذِكْر الإحياء والإماتة بذِكْر النَّفقة في سبيله؛ لأنَّ ثمرة النفقة في سبيله إنما تَظهر حقيقةً يومَ البَعْث: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا [آل عمران: 30] ، واستدعاء النَّفقة في سبيل الله مُذكِّرٌ بالبَعْث؛ لأنَّه لو لم يعتقد وجوده، لَمَا كان يُنفَق في سبيل الله  .

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ.

أي: شبَّه الله سبحانه في هذا المَثَل المنفِقَ بالبَاذِر، والنَّفقةَ في سبيله بالبَذْرة؛ فإنَّ مَن يُنفِق في أوجه الخير والبِرِّ ابتغاءَ مَرْضات الله تعالى- ومن ذلك النَّفقة في الجهاد في سبيله- كالذي غيَّب في أرضٍ طيِّبة زكيَّة بَذرةً صالحةً للنُّمو، فأخرجتْ سَبْع سنابل، وقد اشتملت كلُّ واحدة منها على مِئة حَبَّة، فكانت النتيجة سبعَمِئة حبَّة، خرجت من حبَّة واحدة، فكذلك النَّفقة الطَّيِّبة يُنمِّيها الله عزَّ وجلَّ لبَاذِلها، ويُضاعِف له أجرَها سبعمِئة مرَّة  .

عن عُقْبة بن عمرٍو رضي الله عنه، قال: (جاء رَجلٌ بناقةٍ مَخطُومة، فقال: هذه في سبيل اللهِ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((لك بها يومَ القيامةِ سَبعُمئةِ ناقةٍ، كلُّها مَخطومة  )  .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ؛ الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعمئةِ ضِعفٍ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلَّا الصَّومَ؛ فإنَّهُ لي، وأنا أَجزي بهِ  ...)) الحديث  .

وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ.

أي: إنَّ الله تعالى يُضاعِف هذه المضاعفةَ إلى السَّبعمئة، أو إلى أكثرَ من ذلك، بحسَب مشيئته، وذلك وَفْق ما تَقتضيه حِكمتُه، فإنَّ المنفِقين يتفاوتون إيمانًا وإخلاصًا لله تعالى، وتتفاوت نفقاتُهم كذلك بحسَب حِلِّها ونَفْعها، وشدَّة الحاجة إليها  .

عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((إِنَّ اللهَ كتب الحسناتِ والسيِّئاتِ، ثُمَّ بيَّنَ ذلِكَ، فمَنْ هَمَّ بحَسنةٍ فلمْ يَعملْها، كَتبَها اللهُ عندَهُ حسَنَةً كامِلَةً، وإنْ همَّ بِها فعَمِلَها كتَبها اللهُ عزَّ وجلَّ عندَه عشرَ حسنَاتٍ إلى سَبعِمِئَةِ ضعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرَةٍ، وإنْ همَّ بسيِّئَةٍ فلمْ يَعملْها، كَتبَها اللهُ عندَهَ حسَنَةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللهُ سيئَةً واحِدَةً))  .

وفِي روايَةٍ وزادَ: ومَحاها اللهُ، ولَا يَهْلِكُ علَى اللهِ إلَّا هالِكٌ  ))  .

 وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى واسعُ الفضل والعطاء؛ ولذا يُضاعِف لمن يشاء هذه المضاعفة أو يَزيد عليها، فلا يَستبعِدنَّ أحدٌ ذلك الأجرَ الكريمَ، أو يتوهَّم أنَّ فيه مُبالَغةً؛ فإنَّ الله تعالى لا يَتعاظمه شيءٌ، ولا يَنقُصه العطاءُ مهما عَظُم، ولكن لا ينبغي أن يُظَنَّ أنَّ سَعَة عطائه سبحانه تقتضي حصولَ تلك الأجور لكلِّ مُنفِق؛ فإنَّه عليمٌ بمن هو أهلٌ لهذا الأجر، ومَن لا يَستَحِقُّه، فإنَّ سَعَة كَرَمه تعالى لا تُناقِض حِكمتَه، بل يَضعُ فضلَه مواضعَه  .

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا عَظَّم أمرَ الإنفاق في سبيل الله، ورتَّب عليه الثواب المضاعف، أَتْبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلُها حتى يبقَى ذلك الثوابُ، ومنها تَرْكُ المنِّ والأذى  ، فقال:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى.

أي: إنَّ الذي يَبذُل أموالَه في أوجه الخير، ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، ثم لا يَمتنُّ على مَن أَنفَق عليه، سواء بقلبه، أو بلسانه كأنْ يُخبِره بأنَّه تفضَّل عليه بمنحه شيئًا، وأنَّه مَدين له لِقاء معروفه، ولا يقول أو يفعل أيضًا مكروهًا للمُنفَق عليه يُنافي ما قدَّمه له من إحسان، فذلك محظورٌ لِمَا فيه من تَكبُّر المُنفِق واستعلائه، واستعباد المُنفَق عليه، وكسْر قلبِه وإذلاله، بل على المُعطي في سبيل الله تعالى أنْ يشهد دائمًا أنَّ المتفضِّل والمُنعِم حقيقةً هو الله تعالى وحده، وعليه أنْ يتفكَّر أيضًا في أنَّ أجْره على الله تعالى بأضعافِ ما أَعطى، فأيُّ حقٍّ بقي له على الآخذ المُحتاج حتى يَمتنَّ عليه، أو يؤذيه بصنائع معروفه  ؟

عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ يومَ القِيامةِ: المَنَّان الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مِنَّةً، والمُنَفِّق سِلْعتَه بالحَلِف الفاجِر، والمُسبِل إزارَه)). وفي روايةٍ: ((ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ، ولا يَنظُر إليهم، ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ  ))  .

لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

أي: إنَّ هؤلاء الذين يُنفِقون أموالَهم في سبيل الله تعالى بلا منٍّ ولا أذًى، يَستحِقُّون- وحْدَهم دون غيرهم من المنفقين- ثوابًا وجزاءً من الله تعالى وحده، قد تَكفَّل به الكريم مُقابِلَ صنيعهم هذا، فهو مُوفِّيه إيَّاهم لا محالة، ولهم مع ذلك أيضًا ألَّا يَخافوا من المستقبل ومِن ذلك، عدَم خوفهم عند مَقدَمهم على الله تعالى حين فِراقِهم للدُّنيا، ولا في أهوال القيامة، فلا يَنالُهم فيها مكروهٌ، ولا يُصيبهم فيها عقابٌ، ولا يحزنون أيضًا على ما مضى، ومن ذلك ما يُخلِّفونه وراءهم في الدنيا من أموالٍ وبنينَ عَقِب موتهم؛ لأنَّهم قد صاروا إلى ما هو خيرٌ لهم من ذلك، فحصَلتْ لهم بذلك الخيراتُ، واندفعت عنهم الشرورُ والسيئات  .

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263).

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى.

أي: إنَّ تقديم الإحسان للسَّائلِ حاجةً، عَبْر إسدائه قولًا معروفًا تَعرِفه القلوبُ ولا تُنكِره، بردِّه بالقول الجميل والدُّعاء الطَّيِّب له، وغير ذلك ممَّا يُدخِل السُّرورَ على قلبه، أو تقديم الإحسانِ إليه بسَتْر سوء حالته، أو بمسامحته وتَجاوُزِه عمَّا لا ينبغي أنْ يَصدُر من السائل من قول أو فِعْل، كما لو وجَد منه بعضَ الجَفوةِ أو الغِلْظة بسبب ردِّه، وعدم تلبية حاجته، فالقول المعروف والمغفرة أفضلُ مُطلَقًا من تقديم يدِ العون للمحتاج، بمساعدةٍ مصحوبة بأذِيَّته والإساءة إليه  .

وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ.

مناسبتها لِمَا قبلها:

لَمَّا تناولت الآياتُ قبلها الإنفاقَ والحثَّ عليه، وبيانَ ما يُجتنب فيه من المنِّ وإتْباعه بالأذى، ختَم الله تعالى هذه الآيةَ بقوله: وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ؛ لأنَّ الله غنيٌّ عن هذه الصَّدقات، فضلًا عن التي فيها منٌّ أو أذًى، ولكمال غِناه يخلِف هذا الإنفاق، وحليمٌ على مَن عصَى بالمنِّ بالصدقة؛ فهي من كبائر الذُّنوب  ؛ لذا قال:

وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى غنيٌّ عن خَلْقه، وعمَّا يتصدَّقون به؛ فلن يَنالَه شيءٌ من صدقاتِهم، وإنما نفْعُها عائدٌ عليهم؛ فكيف يمنُّ أحدٌ بصدقته، ويؤذِي بها عبادَ الله تعالى، مع غِنى الله تعالى عنها؟ وهو مع هذا حليمٌ سبحانه، لا يُعاجِلُ هذا المانَّ بالعقوبة مع قُدْرته على ذلك، بل يعفو عنه ويَصفَح، أو يُمهِله ليتوب إليه  .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا شرَط في الإنفاق أنْ لا يُتْبَع بمنٍّ ولا أذًى، لم يَكتفِ بذلك حتى جعَل المنَّ والأذى مُبطِلًا للصَّدقة، ونهى عن الإبطال بهما؛ ليُقوِّي اجتنابَ المؤمن لهما؛ ولذلك ناداهم بوصْف الإيمان، ولَمَّا جرى ذِكْر المنِّ والأذى مرَّتين، أعادهما هنا بالألف واللام  .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

أي: يُحذِّر اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين، من حُبُوط أجرِ ما يَبذُلونه صدقةً في سبيله سبحانه، إنْ صدَر منهم منٌّ أو أذًى على آخِذ الصَّدقة، فيكون حالُهم حينئذٍ موافِقًا لحال المنافِق الذي يَبذُل مالَه لأجل الله تعالى في ظاهرِ الأمر، بينما ينوي في باطِنِه أن يُرِيَ النَّاسَ صَنيعَه؛ ليَحمَدوه ويُثْنوا به عليه، وهم لا يُدركِون في واقع الأمر، حقيقةَ أنَّه لا يؤمن بالله تعالى ولا بالآخرة، فلا يَطمَع في نيل ما فيها من ثواب لِقاء ما يُقدِّمه في الدنيا من معروف  .

فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا.

أي: إنَّ قلب هذا المنافق الذي يُنفق مالَه رياءً، غيرَ مؤمن بالله ولا باليوم الآخِر، حالُه في صلابته وشِدَّته، وعدم الانتفاع به- لعدم إيمانه وإخلاصِه لله تعالى- تُشبِهُ حالَ حجر أملس، ونفقة هذا المنافق تُشبه ترابًا يعلو هذا الحجرَ، فهو مستندٌ إليه، يَظنُّ مَن يراه أنه أرضٌ طيِّبة صالحة للإنبات، مثلما يظنُّ مَن يشاهد ظاهرَ حال المنافق أنَّ صدقته مبنيَّة على أساس من الإيمان والإخلاص لله عزَّ وجلَّ، فتُثمر له حسناتٍ، وشبَّه الله تعالى تعرُّض التراب لمطرٍ غزيرٍ شديد الوقع، بالمانع الذي أبطل صدقتَه، وذهب بأثرها تمامًا. وكما أصبح الحجر في نهاية الأمر، صلبًا كما عُهِد من قبلُ، وخاليًا لا شيءَ عليه من ترابٍ، ولم يبقَ أملٌ في إنبات نبات، فكذلك صدقات هذا المنافِق تَذهب هباءً، لا تُثمر شيئًا من الحسنات وزيادة الإيمان؛ لأنَّه لا أصل لها تُؤسَّس عليه، ولا لها مقصدٌ طيِّب تنتهي إليه، فكل ما قدَّمه مضمحل.

فإذا كان يومُ القيامة، وجاء وقتُ حصاد الزَّرع وتلقِّي أجور العاملين، وظنُّوا أنهم سيَنتفعون بما قدَّموه، لم يجدوا شيئًا يحصدُونه، ولا أجرًا يتلقَّوْنه، فقد اضمحلَّ ما قدَّموه كلُّه؛ لأنَّه لم يكُن لله تعالى، فلا تكونوا- أيُّها المؤمنون- كهؤلاء المنافقين، فتُبطلوا أجورَ صدقاتكم بمنِّكم وأذاكم على مَن تصدَّقتم عليه  .

وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ.

أي: إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُوفِّق الكفارَ لقَبُول الحقِّ وإصابته في نَفَقاتهم وغيرها؛ فلأنَّهم للباطل مُؤثِرون، تَركَهم في ضلالتهم يَعمَهون، قد انصَرفوا عن طريق الحقِّ إلى طُرُق الغواية، فصرَف الله عزَّ وجلَّ قلوبَهم عن الهداية  .

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر الله تعالى مَثَلَ المنفِق الذي يكون مانًّا ومؤذيًا؛ ذكَر مَثَلَ المُنفِق الذي لا يكون كذلك  ، فقال:

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.

أي: ضرب الله تعالى مثلًا لصِنفٍ آخرَ من المنفِقين، وهم الذين يُنفِقون أموالَهم صدقةً في أوجه الخير والبِرِّ التي يُحبُّها الله تعالى، كالجهاد في سبيله؛ دون منٍّ أو أذًى، وإنَّما طلبًا لنيل رِضوان الله عزَّ وجلَّ، وقد أَقدَموا صادِقين على البذل من جِهة أنفسهم، لم يَحمِلهم أحدٌ على القيام بذلك، فأنفقوا بعزائمَ قويَّة، مُتحقِّقين ومُوقِنين بوعد الله تعالى على إثابته المنفقين، فلا يَتقاعَسون أو يتردَّدون في الإنفاق، ولا يَشُكُّون بوعْد الله سبحانه على الثَّواب  .

كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ.

أي: إنَّ نفقة أولئك المنفقين المخلِصين الصادقين، المصدِّقين بوعد ربِّ العالمين، تُشْبِه بُستانًا غزيرَ الأشجار والظِّلال، تُغطِّي ما فيه من كَثْرتها، وهو على مكانٍ مُرتفِع من الأرض فكان خصيبًا جدًّا؛ لأنَّه لَمَّا ارتَفع عن مجرى المسايل والأودية كانتْ أرضه أغلظَ، فكان أحسنَ وأزكى ثمرًا وغرسًا وزرعًا، كما أنَّه بارتفاعه يكون مُعرَّضًا أكثرَ للأهوية والرياح، وبائنًا للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فيكون أنضج ثمرًا وأطيبه وأحسنه وأكثره كذلك، وسَقْيه إنَّما يأتي من السَّماء، فإمَّا أنْ يتعرَّض لمطرٍ غزير، فيتضاعف إنتاجُ ثمرِه مرَّتين، الأصل ومثله معه، أو يُصيبه مطرٌ خفيف، كالرَّذاذ، فإنَّه يَكفيه ليُؤتي ثمارَه مضاعفةً؛ بسبب كَرَم مَنْبته وطِيب مَغرَسه، فهذه الجنَّة لا يُعدَم منها حصولُ الخير بحالٍ من الأحوال.

فكذلك المؤمن المنفِق يُضاعِفُ الله تعالى صدقتَه قلَّت أو كَثُرت، فلا تَبور أبدًا، فإذا كان قصدُه مرضاة الله عزَّ وجلَّ والتثبيت من نفسه، فهي زاكيةٌ عند الله تعالى، وناميةٌ في جميع الأحوال  .

وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.

أي: إنَّ ما تَعمَلونه- أيُّها النَّاس- من الإنفاق وغيره، هو بمَرْأًى مِن الله تعالى، لا يَخْفى عليه، فإنَّه يرى ويعلم مَن المُنفِق منكم بالمنِّ والأذى، ومَن المُنفِق ابتغاءَ مرضاة الله، وتثبيتًا من نفسه، فيُحصي عليكم ذلك وغيرَه من أعمالكم، حتى يُجازيكم عليها، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر  .


الفوائِد التربويَّة:

1- الإشارة إلى ضرورة الإخلاص لله في العمل؛ لقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللهِ، وأن يَقصِدوا بعِمَلهم وجهَ الله عزَّ وجلَّ  .

2- أنَّ ثوابَ الله، وفضْلَه أكثرُ من عَمَلِ العاملِ؛ لأنَّه لو عُومِل العاملُ بالعدل لكانت الحسنة بمِثْلها، لكنَّ الله يُعامِله بالفضل والزِّيادة، فتكون الحبَّة الواحدة سبعمئة حبَّة، بل أَزيدَ؛ لقوله تعالى: وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  ، ممَّا يَزيد رجاءَ العبدِ في ربِّه.

3- الحثُّ والتَّرغيب في الإنفاق في سبيل الله؛ لقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ....  .

4- أنَّ مَن أَتْبَع نفقتَه منًّا أو أذًى، فإنَّه لا أجْرَ له؛ لقوله تعالى: ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ فإذا أَتْبَع منًّا، أو أذى بطَل أجرُه، كما هو صريحُ قولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى  .

5- لقَبُول الصَّدقة شروطٌ سابقة، ومُبطِلاتٌ لاحِقة؛ أمَّا الشُّروط السابقة: فالإخلاص لله تعالى، والمتابَعة، وأمَّا المبطِلات اللَّاحقة: فالمنُّ، والأذى  .

6- في قوله تعالى: قَولٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ، حثٌّ على المغفرة لمَن أساء إليكَ؛ إلا إذا كانت المغفرة تؤدي إلى مفسدةٍ معتبَرة أو كانت راجحةً على مصلحة؛ لقوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ [الشورى: 40]   .

7- أنَّ الأعمال الصَّالحة تَتفاضَل، ويَلزَم مِن تَفاضُلها تَفاضُلُ العاملِ، وزيادة الإيمان، أو نُقْصانه؛ كما في قوله: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ...  .

8- في قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، دلالةٌ على أنَّ الواجب أن نَقصِد بأعمالنا أمرين: أولهما: ابتغاء رِضوانه لذاته تعبُّدًا له، وثانيهما: تزكية أنفسنا وتطهيرها من الشَّوائب التي تَعُوقها عن الكمال، كالبخل والمُبالَغة في حبِّ المال، على أنَّ هذا وسيلة لذاك، وفائدة كلٍّ من الأمرين عائدةٌ علينا، والله غنيٌّ عن العالَمين  .

9- أنَّ المنَّ والأذى بالصَّدقة مُنافٍ لكمال الإيمان؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، كأنَّه يقول: (إنَّ مقتضى إيمانِكم ألَّا تفعلوا ذلك؛ وإذا فعلتُموه صار مُنافيًا لهذا الوَصْف، ومنافيًا لكماله)  .

10- أنَّ مَن راءى النَّاس بإنفاقه، ففي إيمانه بالله وباليوم الآخر نَقْص؛ لقوله تعالى: وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  .

11- بيان ما للنيَّة من تأثير في قَبُول الأعمال واشتراط الإخلاص؛ لقوله تعالى: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ  .

12- بيان أنَّ تثبيتَ الإنسان لنفسه عند الصدقة ولعَمَلِه، واطمئنانه به من أسباب قَبُوله؛ لقوله تعالى: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لأنَّ الإنسان الذي لا يعمل إلَّا كارهًا فيه خَصْلة من خِصال المنافقين؛ كما قال تعالى: وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ  [التوبة: 54] .

13- فضْلُ الإنفاق على وجه التثبيت من النَّفْس؛ لأنَّه يَندفِع بدافع نفسي؛ لا بتوصية من غيره، أو نصيحة؛ لقوله تعالى: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ  .


الفوائد العلمية واللَّطائف:

1- ضَرْب الأمثال؛ لأنَّ ذلك أقربُ إلى الفَهْم كما في قوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ...، وقوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ...  .

2- الإشارةُ إلى اشتراط مُوافَقة العمل للشَّرع؛ لقوله تعالى: فِي سَبِيلِ اللهِ؛ لأنَّ فِي للظَّرفيَّة، والسبيل: بمعنى الطريق، وطريق الله: شَرْعه؛ والمعنى: أنَّ هذا الإنفاق لا يَخرُج عن شريعةِ الله؛ والإنفاق الذي يكون مُوافِقًا للشَّرع هو ما ذَكَره بقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا  [الفرقان: 67] .

3- إثبات المِلكيَّة للإنسان؛ لقوله تعالى: أَمْوَالَهُمْ؛ فإنَّ الإضافة هنا تُفيد المَلكيَّة  .

4- إثبات الصِّفات الفعليَّة- التي تتعلَّق بمشيئة الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: يُضَاعِفُ؛ و(المُضَاعَفَةُ) فِعْل  .

5- أنَّ الله له السُّلطانُ المطلَق في خَلْقه؛ ولا أحد يَعترِض عليه؛ لقوله تعالى: يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ  .

6- إنَّما كان المنُّ بالصَّدقة مُفسِدًا لها؛ لأنَّ المِنَّةَ لله تعالى وحده، والإحسانُ كلُّه لله، فالعبد لا يَمُنُّ بنعمة الله وإحسانه وفضْله وهو ليس منه، وأيضًا فإنَّ المانَّ مستعبِدٌ لمن يمنُّ عليه، والذُّل والاستعباد لا ينبغي إلَّا لله عزَّ وجلَّ  .

7- قوله: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ: خصَّ الصَّدقةَ بالنِّهي إذ كان المنُّ فيها أعظمَ وأشنعَ  .

8- إثباتُ كون القياس دليلًا صحيحًا؛ وَجْه ذلك: التمثيل، والتَّشْبيه؛ فكل تمثيل في القرآن فإنَّه دليل على القياس؛ لأنَّ المقصود به نَقْل حُكْم هذا المُشبَّه به إلى المُشبَّه، وهذه قاعدة  .

9- الإشارة إلى تَحسُّر الذين يُنفِقون أموالَهم رياءً عند احتياجهم إلى العمل، وعَجْزهم عنه؛ لقوله تعالى: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا؛ وعجز الإنسانِ عن الشيء بعد محاولة القُدْرة عليه- أشدُّ حسرةً من عَدَمه بالكليَّة  .

10- أنَّ المنافق كافِر؛ لقوله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ  .

11- أنَّه لا إنفاقَ نافع إلَّا ما كان مملوكًا للإنسان؛ لقوله تعالى: أَمْوَالَهُمْ؛ فلو أَنْفَق مالَ غيره لم يُقْبَل منه إلا أن يكون بإذن من الشَّارع، أو المالك  .

12- أنَّ الإنفاق لا يُفيد إلَّا إذا كان على وَفْق الشَّريعة؛ لقوله تعالى: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله تعالى:  مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

في هذا التمثيل تصويرٌ للأضعاف كأنَّها حاضرةٌ بين يدَي الناظر  .

وفي الآية من محاسن البلاغة: الإيجازُ بالحَذْف على طريقة الاحتِباك، حيث حذَف من كلِّ جُملةٍ ما دلَّ عليه في الجملة الأخرى، والتَّقدير: مَثَل الذين يُنفِقون ونفقتهم كمَثَل حبَّة وزارِعها، فذِكْر المنفِق أولًا دليلٌ على حذْف الزارع ثانيًا، وذِكْر الحَبَّة ثانيًا دليلٌ على حذْف النَّفقة أولًا  .

وهذا المثَل يتضمَّن التَّحريض على الإنفاق في سبيل الله، وشبَّه الإنفاق بالزَّرع؛ لأنَّ الزَّرع لا يَنقطِع  .

وفيها حذفٌ إمَّا من جانب المشبَّه أو المشبَّه به؛ لتحصيل المناسَبة، أي: وتلك الحبَّة أُلقيتْ في الأرض، ثم أَنْبتتْ سَبْعَ سنابل، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ، أي: أنبتتْ ساقًا انشعب سَبْعَ شُعَبٍ، خرج من كلِّ شُعْبة سُنبلةٌ فيها مئة حبَّة، فصارت الحبَّة سبعَمئة حبَّة بمضاعفة الله لها، وهذا المَثَل أبلغُ في النفوس من ذِكْر عدد السَّبعمئة؛ فإنَّ هذا فيه إشارة إلى أنَّ الأعمال الصَّالحة يُنمِّيها الله عزَّ وجلَّ لأصحابها كما يُنمِّي الزَّرعَ لمَن بَذَره في الأرض الطَّيِّبة  .

وحذَف ذلك كلَّه إيجازًا؛ لظهور أنَّ الحبَّة لا تُنْبِت ذلك إلَّا كذلك، فهو مَن تشبيه المعقول بالمحسوس، والمشبَّه به هيئة معلومة، وجعَل أصلَ التمثيل في التضعيف حبَّة؛ لأنَّ تضعيفها مِن ذاتها لا بشيء يُزاد عليها، وحَسُن ذِكْر المضاعفة في حسنة الإنفاق في سبيل الله بأنْ يكونَ سبعمئة؛ لأنَّ المُضاعَفة تُنسَب إلى أصلٍ واحد  .

2- قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ جُمْلة مُستأنِفة؛ جيء بها لبيان كيفيَّة الإنفاق الذي بيَّن فضْلَه بالتَّمثيل المذكور  ، وأعاد الَّذِينَ؛ إظهارًا للاهتمام بهذه الصِّلة  .

قوله: ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا عبَّر بـ ثُمَّ  ؛ لإظهار التفاوت بين الإنفاق وبين ترْك المنِّ والأذى، ولإظهار عُلُوِّ رُتْبة المعطوف  . ويُحتَمَل أنْ تكون ثُمَّ للدَّلالة على دوام الفِعل المعطوف بها، وإرخاء الطول في استصحابِه  .

مَنًّا وَلَا أَذًى إنَّما قدَّم المنَّ لكَثْرة وقوعه، وتوسيط كلمة لَا؛ للدَّلالة على شُمول النَّفي؛ لإتْبَاع كلِّ واحد منهما  .

في قوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أُخرج المبتدأ والخبر فيهما مَخرَج الشيء الثَّابت المُستَقِر الذي لا يكاد خبرُه يحتاج إلى تعليقِ استحقاقٍ بوقوع ما قبله، بخلاف ما إذا دخلتِ الفاءُ؛ فإنَّها مُشْعِرةٌ بترتُّب الخبر على المبتدأ، واستِحقاقه به  .

وتَخْلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببيَّة ما قبلها لِمَا بعدها؛ للإيذان بأنَّ ترتيب الأجرِ على ما ذُكِر من الإنفاق، وتَرْك إتباعِ الصَّدقة بالمنِّ والأذى - أَمرٌ بيِّنٌ لا يحتاج إلى التَّصريح بالسَّببيَّة  .

- في قوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا...: تكرير لا تنبيه على أنَّ انتفاءَ كلٍّ منهما شَرْطٌ لحصول الأجر لَهُمْ، ولم يَقْرِنْه بالفاء؛ إعلامًا بأنَّه ابتداءُ عطاء مِن الله؛ تفخيمًا لمقداره وتعظيمًا لشأنه، حيث لم يجعله مسبَّبًا عن إنفاقهم  .

3- قوله تعالى:  قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ

تنكير قَوْلٌ مَعْرُوفٌ للتَّقليل، أي: أَقَلُّ قول معروف خيرٌ مِن صدقة يَتْبَعُها أذًى، والمراد به القولُ الحسن، وهو ضدُّ الأذى  .

في قوله: يَتْبَعُهَا أَذًى؛لم يُعِد ذِكْرَ المنِّ فيقول: يَتْبَعُها منٌّ وأذى؛ لأنَّ الأذى يشمل المنَّ وغيره، وإنما ذُكِر بالتنصيص في قوله: لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى؛ لكثرة وقوعه من المُتصدِّقين، وعُسْر تَحفُّظهم منه؛ ولذلك قُدِّم على الأذى  .

4- قول الله سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فيه تعريض بأنَّ الرياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من صفات الكفَّار، ولا بُدَّ للمؤمن أنْ يتجنَّبها  .

وفيه من بلاغة القرآن: النَّهي عن المنِّ، والأذى بالصَّدقة بهذه الصِّيغة التي تُوجِب النُّفور؛ وهي: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ، فإنَّها أشدُّ وقعًا مِن (لا تَمنُّوا، ولا تُؤذوا بالصَّدقة)  . ولأنَّه لَمَّا كانت النُّفوس مُولَعةً بذِكْر ما يَصدُر عنها من الإحسان للتمدُّح والفَخْر، وكان ذلك مطيَّة الرِّياء، وطريق المنِّ والإيذاء، لا سيما إذا آنس المتصدِّق تقصيرًا في شُكْره على صدقتِه أو احتقارًا لها، فإنَّه لا يكاد يَملِك حينئذ نفسَه ويَكُفُّها عن المنِّ أو الأذى-كان مِن الهُدى القويم ومقتضى البَلاغة أن يُؤتَى في النَّهي عن المنِّ والأذى والرِّياء بعبارات مختلفة؛ لأجل التأثير في التنفير عن ذلك، والحَمْل على تَرْكه  .

قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ الكاف في قوله: كَالَّذِي فيه قولان الأول: أنَّه مُتعلِّق بمحذوف، والتَّقدير: لا تُبْطِلوا صدقاتِكم بالمنِّ والأذى كإبطال الذي يُنفِق مالَه رئاء الناس، فبيَّن تعالى أنَّ المنَّ والأذى يُبطِلان الصَّدقة، كما أنَّ النِّفاق والرِّياء يُبطِلانها. والقول الثاني: أنْ يكون الكاف في محل النَّصب على الحال، أي: لا تُبطِلوا صدقاتِكم مماثِلِين الذي يُنفِق مالَه رئاء الناس  .

قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ الغرض مِن هذا التَّشبيه تَفظيعُ المشبَّه به  .

قوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا فيه تشبيه تمثيليٌّ، فقد شبَّه إنفاقَ الأموال رئاء الناس بالتُّرابِ الذي يُوضَع على الصَّخر الأملس، يأتي عليه الوابلُ من المطر، فيَذْروه ويَذْهب به، ولا يترك له أثرًا. فأذهب عائدَ نفقته كما أذهب بَذْرَ الحارثِ على الصَّفوانِ وابلُ المطرِ، الذي شأنه أن يُصلِح البَذْرَ، هذا على القول بأنَّ الضمير في قوله: فَمَثَلُهُ عائد على كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ؛ لقُرْبه منه ولإفراده، فهو مثل، وتَشْبيه للمُنافِق يُري النَّاسَ أنَّ له أعمالًا كما يُرى التُّرابُ على هذا الصَّفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحلَّت وبطَلتْ، كما أذهب الوابلُ ما كان على الصَّفوان من التراب.

ويحتمل أن يكون الضَّمير في: فَمَثَلُهُ عائدًا على المانِّ المؤذي، فيكون شُبِّه بشيئين: أحدهما: بالذي يُنفِق مالَه رئاء النَّاس، والثاني: بصَفوان عليه تُراب، ويكون قد عدَل من خِطاب إلى غَيبة، ومن جمْع إلى إفراد، فيكون فيه التفات  .

في قوله: صَفْوَانٍ عبَّر بصيغة (فَعْلان) للمُبالغة في وصْف الحجارة المُلْس الصُّلبة، التي لا تَقبَل انصداعَها بالنَّبات  .

قوله: وَاللهُ لًا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ تذييل مُقرِّر ومؤكِّد لمضمون ما قبْلَه  ، وهي خبرٌ فيه تعريضٌ بأنَّ الرِّئاء والمنَّ والأذى على الإنفاق من صِفات الكفَّار، ولا بدَّ للمؤمن أن يتجنَّب عنها  .

5- قوله:وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ... خبرٌ مرادُه التَّحريضُ على تكرير الإنفاق  .

وفيه تَشْبيه تَمثيليٌّ، جاءت صُور التشبيه فيه مِن مُتعدِّد؛ فقد شبَّه إنفاقَ الأموالِ الخالصَ من الرِّياء في سبيل الله، وابتغاء مَرضاتِه، بالبُستانِ الوريف الظِّلال، فوق رَبوةٍ عالية، يَكْفيها القليلُ من المطر؛ لتَرْبوَ وتَهتزّ،َ وتَمرُع وتَخصَب  .

ووَجْه الشَّبه هو الهيئة الحاصِلة من مجموع أشياء تَكامَل بها تضعيفُ المنفعةِ، والهيئة المُشبَّهة هي النَّفقة التي حُفَّ بها طَلَبُ رِضا الله والتصديق بوعده، فضُوعِفت أضعافًا كثيرة، أو دونها في الكَثْرة، والهيئة المُشبَّهة بها هي هيأة الجنَّة الطَّيِّبة المكان التي جاءها المطر، فزكا ثَمرُها وتَزايد، فأكملتِ الثمرةَ، أو أصابها طَلٌّ فكانت دون ذلك، وقد حصل من تَمثيلِ حالِ الذين يُنفِقون أموالَهم في سبيل الله بحَبَّة ثم بجنَّة، جِناسٌ مُصحَّف  بين (حبة وجنة)  .

تخصيص الْجَنَّة بأنَّها في رَبوة؛ لأنَّ أشجار الرُّبى تكون أحسن منظرًا، وأزكى ثمرًا، فكان لهذا القيد فائدتان: إحداهما: قوة وَجْه الشَّبَه كما أفاده قول ضِعْفين، والثانية: تَحسين المُشبَّه به، الراجع إلى تحسين المُشبَّه في تَخيُّل السامع  .

وقوله تعالى: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ فيه من البلاغة وحُسُن التَّعليم: تبيينُ المعقول بالمحسوس؛ وهذا لأنَّه يُقرِّب المعقولَ إلى أذهان النَّاس  .

عطف قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ على قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ؛ لزِيادة بيان ما بين المرتَبتَين من البَون، وتأكيدًا للثَّناء على المنفقين بإخلاص، وتَفنُّنًا في التَّمثيل؛ فإنَّه قد مثَّله فيما سلف بحَبَّة أنبتت سبع سَنابل، ومثَّله فيما سلف تمثيلًا غير كثير الترَّكيب؛ لتَحصُل السرعةُ بتخيُّل مضاعفة الثَّواب، فلَمَّا مُثِّل حالَ المنفِق رئاءً بالتَّمثيل الذي مضى، أُعيد تمثيلُ حال المنفِق ابتغاء مرضاة الله بما هو أعجب في حُسْن التخيُّل؛ فإنَّ الأمثال تُبهِج السَّامع كلَّما كانت أكثرَ تركيبًا. وضُمِّنتِ الهيأة المشبَّه بها أحوالًا حَسَنة تُكسِبها حُسْنًا؛ ليَسْري ذلك التحسينُ إلى المُشبَّه، وهذا من جملة مقاصد التَّشبيه  .

قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ... فيه إيجاز بالحَذْف؛ إذ لا بدَّ من تقدير مُضاف هنا كما تَقدَّم: إمَّا مِن جانب المُشبَّه أو المُشبَّه به، أي: ومَثَل نفقةِ الذين إلخ، أو كمَثَل غارِس جَنَّة... إلخ؛ رعاية للتَّناسُب  .

وفي التَّشبيه وجهان: أحدهما أنَّه مُركَّب، والتَّشبيه لحال النَّفقة بحال الجنَّة بالرَّبوة في كونها زاكية مُتكثِّرة المنافع عند الله كيفما كانت الحال  ، والثاني: أنَّ تشبيهَ حالهم بحال الجنَّة على الرَّبوة في أنَّ نَفقتهم- كَثُرتْ أو قلَّت- زاكية زائدة في حُسْن حالهم  .

كما أنَّ الجنَّة يُضعِّف أُكلَها قويُّ المطرِ وضعيفُه، وهذا أيضًا تشبيه مُركَّب، إلَّا أنَّه لُوحظ الشَّبه فيما بين المفردات، وحاصله: أنَّ حالهم في اتِّباع القِلَّة والكثرة: تضعيف الأجر، كحال الجنَّة في إنتاج الوابل والطَّلِّ: تضعيف ثِمارها  .

لَمَّا ضرب مَثَلَ مَن أنفق مالَه رئاء النَّاس وهو غير مؤمن، ذكَر ضدَّه بتمثيل محسوس للذِّهن وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ، حتى يتصوَّر السامعُ تفاوتَ ما بين الضِّدين، وهذا مِن بديع أساليب فصاحة القرآن. ولَمَّا وصَف صاحبَ النَّفقة بوصفين، قابَل ذلك هنا بوصفين، فقوله: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ مُقَابِلٌ لقوله: رِئاء النَّاس  وقوله: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ مُقابِل لقوله: وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ لأنَّ المُراد بالتَّثبيت تَوطين النَّفْس على المحافظة عليه وتَرْك ما يُفسِده، ولا يكون إلَّا عن يقين بالآخرة  .

6- قوله: ضِعْفَيْنِ يحتمل أنْ يكون ممَّا لا يُزاد به شَفْع الواحد، بل يكون من التشبيه الذي يُقصَد به التَّكثير، وكأنَّه قيل: فآتت أُكلَها ضِعْفين، ضِعفًا بعد ضِعف، أي: أضعافًا كثيرة، وهذا أبلغُ في التَّشبيه للنَّفقة بالجنَّة؛ لأنَّ الحسنة لا يكون لها ثوابُ حسنتينِ، بل جاء: تُضاعَف أضعافًا كثيرة، وعَشْرَ أمثالِها، وسبعمئة وأزيد  .

7- قوله: تَعْلَمُونَ فيه التفاتٌ من الغَيبة إلى الخِطاب الباعِث على فِعلِ الإنفاق الخالِص لوجه الله، والزَّاجِر عن الرِّياء والسُّمعة  .

الآيات (266- 274)

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(266)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(267)

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268)

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(269)

وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(270)

إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(271)

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(273)

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(274)


غريب الكلمات:

أَيَوَدُّ: أيحبُّ ويتمنَّى؛ فالودُّ: محبَّة الشَّيء، وتمنِّي كونَه  .

إِعْصَارٌ: الإعصار هو: ريح شَديدة تَعصِف، تَرفَع تُرابًا إلى السَّماء، كأنَّه عمودُ نارٍ، أو هو الغُبار الذي يَسطَع مُستديرًا، أو رِيح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السَّماء، ملتفَّة في الهواء، حاملة للتراب، مستديرة كالعمود  .

وَلَا تَيَمَّمُوا: لا تَقصِدوا الرَّديء، ولا تَعمِدوا إليه  .

تُغْمِضُوا فِيهِ: تترخَّصوا، وتتسامحوا، وأَصْل الغَمْض: النَّوم العَارِض، ثم استُعير للتَّغافُل والتَّساهُل  .

الْفَحْشَاءِ: هي كلُّ شيء مُستقبَح ومُستشنَع، من قولٍ أو فِعلٍ  .

الْحِكْمَةَ: العِلم والفِقه، وإصابة الحقِّ بالعِلم والعَقل، وأصل حَكم: المنع، وأوَّل ذلك الحَكْم، وهو المنع من الظُّلم، والإحكام هو الفصل والتمييز، والفرق والتحديد الذي به يتحقَّق الشيء ويحصُل إتقانُه؛ ولهذا دخل فيه معنى المنْع كما دخَل في الحدِّ، فالمنعُ جزءُ معناه لا جميع معناه. والحِكمة اسمٌ للعَقل، وإنَّما سُمِّي حِكمة؛ لأنَّه يمنع صاحبه من الجَهل  .

الْأَلْبَابِ: العقول الزكيَّة، مفردها لُبٌّ، وأصْل اللُّبِّ: الخُلُوص والجَوْدة، والشَّيء المُنتقَى  .

نَذْرٍ: إيجابُ المرءِ على نَفْسِه ما ليس بواجبٍ  .

تُبْدُوا: تُظهِروا، مِن بدَا بدوًّا وبداءً، أي: ظهَر ظُهُورًا بيِّنًا  .

فَنِعِمَّا هِيَ: فنِعمَ شيئًا أو فنِعم الشيءُ هي، وأصْل النِّعمة: التَّرفُّه، وطِيبُ العَيش، والصَّلاح  .

يُوَفَّ إِلَيْكُم: تُوفَّوْا أجْرَه، وأصْل التَّوفية: بلوغ التَّمام  .

أُحْصِرُوا: أي: مُنِعوا وحُبِسوا عن التَّصرُّف في مَعايِشِهم؛ خَوفَ العَدُوِّ، وأصْل الحَصْر: التَّضييق والمنْع  .

ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ: ذَهابًا فيها، أي: تِجارةً وغيرها كالسَّفر  .

التَّعَفُّفِ: تَرْك السُّؤال، والكفُّ عمَّا لا ينبغي، والعِفَّة كذلك: حصولُ حالة للنَّفس تَمتنِع بها عن غَلبةِ الشَّهوة  .

بِسِيمَاهُمْ: بعلاماتهم وآثارهم؛ فأصْل الوَسْم: الأَثَر والمَعلَم  .

إِلْحَافًا: إلحاحًا، وأصْله: الاشتمال والمُلازَمة  .


مشكل الإعراب:

1- قوله فَنِعِمَّا هِي: نِعِمَّا: مركَّبة من (نِعم) و(ما)؛ فأمَّا نِعم: ففعل ماضٍ جامد لا يتصرَّف، مبنيٌّ على الفتْح. وما: نكرة موصوفة بمعنى شيئًا، منصوبة على التمييز. والفاعل ضمير مستِتر في نِعْم، تقديرُه: هي، عائدٌ على الصَّدقات. وقيل: (ما) معرفة تامَّة، فاعل نعم، أي: نِعْم الشيءُ. وهي: ضمير مبنيٌّ في محل رفع مبتدأ، والجملة قبله (نِعما) في محل رفْع خبر له، والتقدير: إن تبدوا الصدقات فهِيَ نِعم شيئًا، أو فهي نعم الشيءُ  .

2- قوله: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ

ويُكفِّرُ: فعل مضارع، يجوز فيه الجزمُ والرَّفْع؛ فمَن جزَمه عطَفَه على موضِع الفاء في قوله: فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ. ومَن رفَع فعلى القَطْع بتقدير مبتدأ؛ فمَن قرأ بالنون ورفع قدَّره: ونحن نُكفِّرُ، ومَن قرأ بالياء ورفع قدَّره: والله يُكفِّرُ عنكم  .


المعنى الإجمالي :

أيرغبُ أحدُكم- يا مَن تَمُنُّون وتُراؤون- أن يَملِك بستانًا من أشجار النخيل والعِنَب، تجري فيه الأنهار، وقد احتوى أيضًا على جميع أصناف الثِّمار، وكَبِرت سنُّ صاحبه، فازداد حِرْصُه عليه؛ لضَعْفه عن التَّكسُّب، وكان له ذرية يَعولهم لا يستطيعون لضَعْفهم القيامَ بأمورهم، ومع تلك الحاجة الماسَّة إلى ذلك البُستان، حلَّت عليه كارثةٌ، فاجتاحته ريح قويَّة فيها نار، فأَحرقتْ ذلك البُستانَ، فإذا عايَن صاحبُها ما آل إليه بُستانُه، فكم سيكون في قلبه من الغمِّ والحَسرة، والألمِ والحزنِ، فكذلك حالُ مَن أنفق لوجهِ اللهِ أولًا؛ حتى حقَّق الأجرَ العظيم، ثم أَفسَد ذلك بما يُبطِل أجرَه كالمنِّ والأذى، وفي الوقتِ الذي هو أَحْوجُ ما يكون إليها بعد موته يجِد تلك الأجورَ قد تلاشتْ، وبمِثْل هذا البيان يُوضِّح الله الآياتِ؛ ليتفكَّر العبادُ ويتدبَّروا.

ثم يَحُثُّ الله عبادَه المؤمنين أنْ يُخرِجوا زَكواتِهم وصدقاتِهم من أجود أموالهم التي اكتسبوها بالحلال، وممَّا أخرج الله لهم مِن الأرضِ من ثِمار وزُروع وركِاز ومَعادن، مُتْبِعًا ذلك الحثَّ بنهيهم عن أنْ يَقصِدوا الرَّديءَ من أموالهم ليتصدَّقوا به، ذلك الرَّديءُ من الأموال الذي لو كانوا هم في مقامِ آخِذ الصَّدقةِ، فلن يأخذوه إلَّا بإغماضِ بعض بَصَرهم عنه، وأمرهم أن يتيقَّنوا أنَّ الله غنيٌّ حميد.

ثم يُخبِر تعالى عبادَه المؤمنين أنَّ الشيطان يُخوِّفهم الفقرَ إنْ هم تَصدَّقوا، ويأمرهم بالبخلِ وبجميعِ المعاصي والمُنكَرات، والله سبحانه يَعِدُكم- أيُّها المؤمنون- مغفرةً لما يَصدُر منكم، ويَعِدُكم أن يُخلِف عليكم ما تصدَّقتم به، ويَزيد في أجوركم وأرزاقكم، والله واسع عليم؛ يُعطي سبحانه الحِكمةَ مَن يشاء من عباده، ومَن يُكرِمه الله بالحِكمة، فقد أُعْطي خيرًا عظيمًا، ولا يتَّعِظ بمواعظِ الله تعالى- فيذكُر وعْدَه ووعيدَه، فيَمتثِل لِمَا أُمر به، ويَنتهي عمَّا نُهي عنه- إلَّا أصحابُ العقولِ الكاملة.

ثم يُخبِر الله تعالى عبادَه أنَّ أيَّ صَدقةٍ تصدَّقوا بها، أو أي نَذْر أَلزَموا به أنفسَهم، فإنَّ ذلك تحت عِلْم الله، الذي لا يَخْفى عليه شيء، ويُجازيهم عليها، وليس لمَنْ لم يُنفِق ما وجَب عليه ولم يُوفِ بما نذَره أحدٌ يَنصُره من الله يوم القيامة.

ثم يُخاطِب عبادَه سبحانه بأنَّهم إنْ أَظهَروا الصَّدقاتِ، فأَعطَوها علانيةً فنِعْم الشيء هي، ما دام أنَّها لله، وقد حصَل المقصودُ منها، وإن أَخْفَوا الصَّدقات، وأَعْطَوها الفقراءَ سرًّا فهو أفضل من الإظهار، ويُكفِّر الله السيِّئاتِ بهذه الصَّدقات المُعلَنة منها والمخفيَّة، واللهُ مُطَّلِعٌ على ما يعملون من أعمالٍ، فيُحصيها ويُجازيهم بها.

ثم يتوجَّه الخطابُ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فيُخبِره تعالى أنَّه ليس عليه هداية الخَلْق هدايةَ التَّوفيق، ولكن عليه البلاغ والإرشاد؛ فالله هو الذي يَهدي مَن يشاء إلى دِينه. ثم يُخبِر تعالى أنَّ ما يتصدَّق به المُنفِقون من خير فنَفْعه الحقيقي عائدٌ عليهم، وأنَّ النَّفقة النَّافعة لصاحبها هي ما كانت خالصةً لله تعالى، وابتغى بها صاحبُها النظرَ إلى وَجْه الله الكريم، وأنَّ ما يتصدَّقون به من مالٍ يؤدَّى إليهم أجْرُه في الآخرة كاملًا، فلا يَضيعُ عند الله شيء.

ثم أَرْشد سبحانه إلى أنْ تُعطى تلك النَّفقات لمن لا يَملِكون شيئًا يَسُدُّ حاجتَهم، ممن حبَسوا أنفسَهم على الجهاد في سبيل الله، وحبَسهم أيضًا تَربُّص أعدائهم بهم، فلا يستطيعون التصرُّف في أشغال الدُّنيا، ولا الضرب في الأرض طلبًا للرِّزق، يَظُنُّهم مَن يَجهَل أمرَهم، أغنياءَ من شِدَّة تَرْكهم التَّعرضَ لسؤال الناس، وما يُميِّزهم هو آثار الحاجة التي تظهر عليهم، ويَلمَحها ذَوو الفِطنة من خلال ملامح وجوههم، أو نظراتهم، أو بعض عباراتهم، وهم لا يسألون النَّاس مطلقًا، لا مُلْحِفِين مُلِحِّين في المسألة ولا غير مُلِحِّين. ثم أخبَر تعالى أنَّ ما يَبذُلونه من مال قليلًا أو كثيرًا، فإنَّ الله يَعلَمه، وسيُحصيه، وسيَجزيهم عليه أتمَّ الجزاء.

ثم وعَد الله الذين يَبذُلون أموالَهم صدقةً في أيِّ وقت كان، من ليل أو نهار، سواء في السِّرِّ أو العَلَن، بأنَّ لهم يومَ القيامة أجرًا عظيمًا، ولا يُصيبهم خوفٌ على ما يُستقْبَل، ولا يحزنون على ما مضَى.


تفسير الآيات:

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

هذا استئنافٌ بياني أَثارَه ضربُ المثَل العجيب للمُنفِق في سبيل الله بمَثَل حبَّة أنبتت سبع سنابل، ومَثَل جنَّة برَبوة، إلى آخِر ما وصف من المثَلين، ولَمَّا أَتْبع بما يُفيد أنَّ ذلك إنَّما هو للمُنفِقين في سبيل الله الذين لا يُتْبِعون ما أنفقوا منًّا ولا أذًى، ثم أَتْبع بالنهي عن أن يُتْبِعوا صدقاتِهم بالمنِّ والأذى، استشرفت نَفْس السامع لتلقِّي مَثَلٍ لهم يُوضِّح حالَهم الذميمة كما ضرَب المَثَل لمن كانوا بضدِّ حالهم في حالة محمودة  فقال:

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.

أي: هل يرغب أحدٌ منكم في أن يمتلك بُستانًا ذا أشجارٍ كثيرة، تَستُر ما بداخله من كثرتها، ويحوي أفضلَ أنواعِ الأشجار، وأشرفَ أنواع الثمار، وأكثرها نفعًا، ممَّا لا يوجد عادةً مجتمعًا في موضعٍ واحدٍ، ألَا وهي أشجار النَّخيل والعِنَب، وتجري في أرض هذا البستان المدهش المياهُ العَذْبة المتفرِّقة في أنحائه، فتسقيه بلا تعبٍ ولا مؤونة، ليس هذا فحسبُ، بل يشتمل أيضًا على جميع أصناف الثِّمار الشهيَّة؛ فهو بُستانٌ ذو مشهدٍ عجيب، متكاملٌ من جميع نواحيه، ممَّا يُوجِب لصاحبه الفرح العظيم، والابتهاج الشديد به  .

وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ.

أي: كبِرتْ سنُّ صاحبِ الجنةِ، فغدا شديدَ التشبُّث بها؛ إذ لم يعُدْ قادرًا بعدُ على مباشرةِ التكسُّب، ومعاناة التجارةِ؛ للحصولِ على قُوته بنفسِه، وقد اشتدَّ حرصُه مع تقدُّمِه في العمرِ، وله عيالٌ يقومُ بحاجاتهم، لا سيَّما وأنهم عاجزون عن القيامِ بذلك بأنفسِهم؛ إمَّا لصغرهم، أو لغير ذلك من أسبابِ العجزِ، فهم كَلٌّ عليه، فكُلُّ هاتيك الشدائدِ مجتمعةً تدفعه نحوَ شدَّةِ التعلُّق بجنَّتِه، فهو أحوجُ ما يكونُ إليها في مِثل هذه الأحوالِ العصيبة، فبينما هو على ذلك إذ حلَّت الكارثةُ بها، حين اجتاحتها ريحٌ عاصفٌ تستديرُ في الأرضِ، ثم ترتفعُ في طبقاتِ الجوِّ كالعمود، وقد احتوت على نارٍ أحرقتْ تلك الجنةَ، فتلفتْ دفعةً واحدةً، فلا تسألْ بعدَها عن فظاعةِ حالِه وسوءِ ما حلَّ به مِن الهمومِ والغمومِ والأحزانِ، وقد أصبح صِفرَ اليدين بلا شيء يملكُه.

فكذلك مَن أنفق لوجهِ الله تعالى بادئَ الأمرِ، فنفقتُه بمنزلةِ البذرِ للزُّروعِ والثِّمارِ، ولا يزال ُكذلك حتى يحقِّقَ مِن عملِه هذا حسناتٍ عظيمةً، بمثابة جنةٍ غنَّاء، في غايةِ الحسنِ والبهاءِ، لكنه أفسدَ نفقاتِه بما يُبطلُ الأجرَ، كالمنِّ والأذَى، وذلك بمنزلةِ الإعصارِ الذي فيه نارٌ، فأحرق جنتَه، وهو أحوجُ ما يكون إليها، فكذلك إذا مات أصبح في حالٍ لا يقدرُ معها على العملِ الصالحِ، ولا له نصيرٌ أو شفيعٌ، فيجدُ أنَّ نفقاتِه التي يرجو نفعَها قد صارت هباءً منثورًا  .

عن عُبَيد بن عُمَير قال: قال عمرُ رضي الله عنه يومًا لأصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: (فيمَ تَرون هذه الآية نزلتْ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ؟ قالوا: الله أعلم، فغضِب عمرُ، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عبَّاس: في نفْسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال عمر: يا أخي، قُلْ ولا تَحقِر نَفْسك، قال ابن عبَّاس: ضُربت مَثَلًا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عبَّاس: لعملٍ. قال عمر: لرجل غني يَعمل بطاعة الله عزَّ وجلَّ، ثم بعث الله له الشيطان، فعمِل بالمعاصي حتى أغرق أعمالَه)  .

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.

أي: كما بيَّن لكم ربُّكم جلَّ وعلا أمرَ النَّفقة في سبيله،  كذلك يُبيِّن لكم الآياتِ التنزيليَّة والكونيَّة، فيعرِّفكم أحكامَها وحلالَها وحرامها، ويُوضِّح لكم حُججَها؛ لتتفكَّروا بعقولكم فتتدبَّروا وتعتبِروا وتَفهَموا الأمثالَ والمعاني، وتُنزِلوها على المراد منها؛ لتُطيعوا الله جلَّ وعلا، فلو تَصوَّر مَن له أدنى مُسْكة من عقل هذا المَثَل حقَّ تَصوُّره، وتأمَّلَه كما ينبغي، لم يُقدِم على ما فيه مضرَّته وندامته، ولَمَا سوَّلت له نفْسه إحراقَ أعماله الصالحة، وإضاعة أجورها  .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

بعد أنْ ذكَر الله عزَّ وجلَّ فضيلةَ الإنفاق في سبيله ابتغاءَ وَجْهه، وسوء العاقبة لمن منَّ بصَدقته، أو أنفق رياءً، حثَّ على الإنفاق؛ مُبيِّنًا ما يُنفَق منه  .

سبب النُّزول:

عن البَراء رضي الله عنه، أنَّه قال في قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ: (نزلت فينا -معشر الأنصار- كنَّا أصحابَ نَخْل، فكان الرجلُ يأتي من نخله على قَدْر كَثْرته وقلَّته، وكان الرجلُ يأتي بالقِنْو  والقِنْوين فيُعلِّقه في المسجد، وكان أهل الصُّفَّة ليس لهم طعامٌ، فكان أحدهم إذا جاء أتى القِنْو فضربه بعصاه، فيَسقُط البُسْر والتَّمر فيأكل، وكان ناسٌ ممَّن لا يَرغَب في الخير يأتي الرجل بالقِنْو فيه الشِّيص  والحَشَف  والقِنْو قد انكسر، فيُعلِّقه فأنزل الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، قال: لو أنَّ أحدكم أُهْدِي إليه مِثْل ما أَعْطى، لم يأخذْه إلَّا على إغماضٍ أو حياءٍ)، قال: فكنَّا بعد ذلك يأتي الرَّجل بصالح ما عنده  ))  .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ.

أي: يَحُثُّ الله تعالى عبادَه المؤمنين على أن يُزكُّوا ويتصدَّقوا من أجود أموالهم التي اكتسبوها حلالًا بالتِّجارة، وأمرهم أن يُنفِقوا من الثِّمار والزروع والرِّكاز والمعادن التي أخرجها لهم سبحانه من الأرض، فكما منَّ عليهم بتيسير الحصول على ذلك، فلْيُنفِقوا منه شكرًا له عزَّ وجلَّ  .

وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ.

أي: لا تَقصِدوا الرَّديء من أموالكم فتتصدَّقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفسكم؛ فإنَّ هذا ليس من العدل في شيء، ولكن تصدَّقوا من الطيِّب الجيِّد، فإنَّكم لو كنتم مكانَ آخذ الصَّدقة والحالة هذه، فلستم بآخذيها إلَّا على وَجْه التَّسامح والتغاضي عن ذلك، فإنَّكم لكَراهتِكم إيَّاه تُغمِضون بَعضَ بَصَركم عنه؛ إذ لا يملأ أعينَكم لرداءته، فالله عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يُبذَل لأجلِه أطايبُ المال؛ فإنَّه سبحانه طيِّبٌ لا يَقْبل إلا طيِّبًا  .

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.

أي: اعلموا أيُّها النَّاس، أنَّ الله عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالكم، ومنها صدقاتكم، فلا حاجةَ له بها، وإنَّما أمركم بها؛ رحمةً منه لكم، فنفْعها عائدٌ إليكم؛ إذ يُغْني بها فقيرَكم، ويُقوِّي بها ضعيفَكم، ويُثيبكم عليها.

واعلموا أيضًا أنَّه سبحانه المحمودُ على جميع صِفاته وأفعاله وأقواله وشَرْعه وقَدَره، ومن ذلك غناه، فإنَّه يُحمَد عليه سبحانه، ومن ذلك أيضًا ما يأمركم به من الأوامر الحميدة، والأخلاق الجميلة، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَد مَن يَستحِقُّ الحمد؛ فأثنى على أنبيائه، ورسله، والصالحين من عباده  .

كما أنَّ غناه وحمْده يَأبيَان قَبُول الرَّديء، فإنَّ مَن يأخذه؛ إمَّا أنْ يَقْبله لحاجته إليه، وإمَّا أنَّ نفسه لا تأباه؛ لعدم كمالها وشرفها، وأمَّا الغنيُّ عنه الكامل الأوصاف سبحانه، فإنَّه لا يَقْبله  .

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا رغَّب اللهُ في إنفاق أجودِ ما يَملِكه الإنسان، حذَّر بعد ذلك من وسوسة الشَّيطان  فقال:

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ.

أي: إنَّ الشيطان يخوِّفكم- أيُّها المؤمنون- بالافتقار إن تصدَّقتم، فإذا صوَّر لكم هذه الصورة أَمَركم بالبُخل الذي هو من أقبح الفواحش؛ لتُمسِكوا ما بأيديكم فلا تُنفِقوه في مرضاة الله تعالى، وتشمل الفحشاء أيضًا ما سوى البُخل، من قبائح المعاصي والمنكرات  .

وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا.

أي: إنَّ الله عزَّ وجلَّ يَعِدُكم- أيُّها المؤمنون- بأنْ يَسترَ عليكم ما ارتكبْتُموه مِن فحشاء، ويتجاوزَ عن مؤاخذتِكم بها؛ لما تقدِّمونه مِن صدقاتٍ وغيرِها، وهذا في مقابلةِ أمرِ الشيطانِ لكم بالفحشاءِ،كما يعدُكم اللهُ تعالى بأن يعوِّضَكم عمَّا تصدقتم به، بمنحِكم المزيدَ مِن الأجورِ والأرزاقِ في الدنيا والآخرة، وذلك في مقابلةِ تخويفِ الشَّيطانِ لكم بالفقرِ  .

وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

أي: إنَّ الله تعالى واسع الفضل، واسع الصِّفات، ومن ذلك سَعَةُ عِلْمه؛ فهو عليمٌ بمن يَستحِقُّ فضْله منكم، وعليم بنفقاتكم التي تُنفِقون، فيُحصيها لكم ويُجازيكم بها من سَعَة فضله  .

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا أمَر تعالى بهذه الأوامر العظيمة المُشتمِلة على الأسرار والحِكَم، وكانت معرفة ذلك لا تَحصُل لكلِّ أحد، بل لمن منَّ عليه فآتاه الحكمة، ولَمَّا ذَكَر أحوال المنفقين للأموال، وأنَّ الله أعطاهم، ومنَّ عليهم بالأموال التي يُدرِكون بها النَّفقات في مسالك الخيرات، وينالون بها سَنِيَّ المقامات، ذكَر ما هو أفضلُ من ذلك، ولَمَّا كان بذْل النَّفقات المالية التي سبق ذِكْرها، وبذْل الحِكمة العلميَّة، من أفضل ما يتقرَّب به المتقرِّبون إلى الله تعالى، كما جاء عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((لا حسدَ إلَّا في اثنتين: رجلٌ آتاه اللهُ مالًا؛ فسلَّطَه على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ آتاه اللهُ الحِكمةَ؛ فهو يَقضي بها ويُعلِّمُها   ))  - قال تعالى  :

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ.

أي: يُعطي الوهَّابُ عزَّ وجلَّ مَن يشاء من عباده معرفةَ الحقِّ، ومعرفة المقصود منه، والعمل به، وبذلك يتمكَّن من الإصابة في القول والعمل، وتنزيل الأمور منازِلَها في نفْسه وفي غيره، ووضْعها في مواضِعها اللائقة بها؛ فإنَّ الإصابةَ في الأمور إنَّما تكون بفَهْم القرآن والفقه في حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، مع الخشية لله تعالى، والنُّبوة من الحكمة؛ لأنَّ الأنبياء مُسدَّدون، مُفهَّمون، ومُوفَّقون لإصابة الصَّواب  .

وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.

أي: إنَّ من يُعطَى تلك الحِكمة من العباد، فيخرج من ظُلْمة الجهل إلى نورِ الهُدى، ومن حُمْق السَّفه والانحراف في الأقوال والأفعال، إلى إصابة الصَّواب فيهما، وحصول التَّوفيق والسَّداد، فقد مُنح خيرًا عظيمًا لا يُقدَّر؛ فإنَّ الحكمة أفضلُ الأُعطيات، وهي أجلُّ المنح والهِبات  .

وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.

أي: لا يتَّعظ بما وعظ به الله تعالى في آياتِه المُنفِقين أموالَهم وغيرَهم، فيَذكُر وعدَه ووعيدَه، فيَنزجِر عمَّا زجره عنه ربُّه، ويُطيعه فيما أمره به سبحانه، إلَّا أصحابُ العقول الكاملة، الذين يَعقِلون بها عن الله عزَّ وجلَّ أمرَه ونهيه  .

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن الله تعالى أنَّ الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال، ثمَّ حثَّ أولًا: بقوله وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، وثانيًا: بقوله: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، حثَّ عليه ثالثًا  فقال:

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ.

أيْ: أَيَّ صدقة بذلتموها، أو أيَّ نَذْر نَذرتموه ممَّا أَلزَم المرءُ به نفسَه، فإنَّ الله تعالى لا يَخْفى عليه من ذلك شيء، فيعلم نيَّتَكم بها، ويعلم ما قدَّمتم منها، فيُحصيه عليكم ويُجازيكم به، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر  .

وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ.

أي: ليس لِمَن لم يُنفِق ما وجب عليه من النَّفقات ولم يوفِّ ما أَوجَبه على نفسه من المنذورات، أو كانت نفقتُه أو نَذْره في غير طاعة الله عزَّ وجلَّ، ما له أحد يَنْصُره من الله يوم القيامة؛ لأنَّه ظالم بوضْعه إنفاقَ ماله أو نَذْرَه في غير موضِعه الصَّحيح، وعلى غير الصِّفة المأمور بها شرعًا  .

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن الله تعالى أولًا أنَّ الإنفاق منه ما يَتْبَعه المنُّ والأذى، ومنه ما لا يكون كذلك، وذكر حُكْمَ كلِّ واحد من القِسْمين، ثم ذكر أنَّ الإنفاق قد يكون من جيِّدٍ، أو من رَديء، وذكَر حُكْمَ كلِّ واحد من القسمين- ذكر في هذه الآية أنَّ الإنفاق قد يكون ظاهرًا، وقد يكون خفيًّا  فقال:

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ.

أي: إنْ تُظهِروا الصَّدقاتِ فتُعطوها علانيةً، فنِعْم الشيءُ هي؛ لحصول المقصود بها، ما دام أنَّها لأجْل الله تعالى  .

وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.

أي: إنْ تَستروا صدقتَكم غيرَ المفروضة عليكم، فتُعْطوها الفقراءَ في السرِّ، فإخفاؤكم إيَّاها أفضلُ لكم من إظهارها وإعلانها، ففي إخفائها: السَّترُ على الفقير، وحِفْظ ماء وجهه بعدم تَخجيله وفضيحته بين الناس، وهذا قدْرٌ زائدٌ عن الإحسان إليه بمجرَّد الصَّدقة، مع كونه أَدْعى إلى إخلاص صاحبها، وأَبْعدَ له عن الرِّياء.

وقيَّد تعالى الإخفاءَ بإيتاء الفقراء خاصَّة؛ لأنَّ من الصَّدقة ما لا يُمكِن إخفاؤه كتجهيز الجيش، أو يتَرتَّب على الإظهار مصلحةٌ راجحةٌ، كإظهار شعائر الدِّين، وحصول اقتداء النَّاس به  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((سبعةٌ يُظِلُّهُم اللهُ تعالى في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: إمامٌ عَدْلٌ، وشابٌّ نشأَ في عبادةِ اللهِ، ورجلٌ قلبُه مُعَلَّقٌ في المساجدِ، ورجلانِ تَحابَّا في اللهِ؛ اجتَمَعا عليه، وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ، فقال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُه ما تُنْفِقْ يمينُه، ورجلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضتْ عَيناه  ))  .

عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا نزلت هذه الآية لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92]  أو الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا، قال أبو طلحة- وكان له حائط- فقال: يا رسول الله، حائطي لله، ولو استطعتُ أنْ أُسِرَّه لم أُعْلِنه، فقال: اجعلْه في قرابتك أو أقربيك  ))  .

وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ.

القراءات ذات الأثر في التفسير:

في قوله تعالى: ويكفِّر قراءات:

1- قراءة (وَنُكَفِّرُ)، على معنى الإخبارِ مِن الله عزَّ وجلَّ عن نفسِه، على وجهِ التفخيمِ والتعظيمِ  .

2- قراءة (وَيُكَفِّرُ) بإضمارِ ضميرٍ يعودُ على اللهِ تعالى في الفعلِ؛ لأنَّه هو المكفِّرُ حقيقةً. وهو الراجح بحمله على قراءة (وَنُكَفِّرُ)، وقيل: إنَّه يعودُ على صرفِ الصَّدقاتِ، أي: ويكفرُ صرفُ الصدقاتِ. وقيل: إنَّه يعودُ على الإخفاءِ المفهومِ من قوله: (وإن تخفوها)، ويجوزُ أن ينسب التَّكفيرِ للصرفِ والإخفاءِ؛ لأنَّهما سببٌ للتكفيرِ، وكما يجوزُ إسنادِ الفعلِ إلى فاعلِه، يجوزُ إسنادُه إلى سببِه  .

3- قراءة (وَنُكَفِّرْ) معطوفًا على جوابِ الشرطِ الثاني في قوله تعالى: (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، إيذانًا بدخولِ التكفيرِ للسيئاتِ في الجزاءِ، إنْ أُخفِيت الصدقةُ  .

وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ.

أي: إنَّه لَمَّا امتدَح اللهُ تعالى الصدقةَ عَلَنًا كانت أو سرًّا، لا سيَّما إن كانت سرًّا؛ لأنَّها أفضل للمُتصدِّق، وتضمَّن ذلك حصولُ الثَّواب، بيَّن أنَّه يَسْتُر بها السيِّئاتِ جميعَها، أو بعضَها؛ دفعًا للعقاب  .

وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

أي: إنَّ الله عزَّ وجلَّ مُطَّلِعٌ على ما تعملون في صدقاتِكم، من إعلانٍ بها وإسرار، وعلى غير ذلك من أعمالكم، فيُحصيها لكم ويُجازي كلًّا بعمله، فهو سبحانه ذو علمٍ ببواطن الأمور وظواهِرها، لا يَخْفى عليه شيءٌ من أعمالكم ونيَّاتِكم  .

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272).

سبب النُّزول:

عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((كانوا يَكْرَهون أن يَرضَخوا  لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرُخِّص لهم، فنزلت هذه الآية  لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ إلى قوله: وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُون))  .

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: ((كان يأمرنا ألَّا نَتصدَّق إلَّا على أهلِ الإسلام، حتى نزلت هذه الآية، فأمَرَنا بالصَّدقة بعدها على كلِّ مَن سألك من كل دِين))  .

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.

أي: ليس عليك- يا محمَّد- هداية الخَلْق إلى الإسلام هدايةَ توفيقٍ، وإنَّما عليك البلاغ وهو هداية الإرشاد، فلا تَمتنِعْ من بذْل الصَّدقة للكفَّار والمشركين؛ كي يَدخلوا في الإسلام حاجةً منهم إليها، ولكنَّ الله تعالى هو الَّذي يَهدي وحده مَن يشاء من خلْقه إلى الإسلام فيُوفِّقهم له، فلا تمنعهم الصَّدقة ولو لم يهتدوا  .

عن أسماءَ بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قالت: (قَدِمتْ أُمِّي وهي مُشرِكَةٌ، في عهدِ قُريشٍ ومُدَّتِهِم إذ عاهَدوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، مع أبيها، فاستَفتَيتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فقُلْتُ: إنَّ أُمِّي قَدِمَت وهي راغِبَةٌ؟ قال: نعم، صِلِي أُمَّكِ  )  .

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ.

أي: إنَّ كلَّ ما تَبذُلونه صدقةً من الأموال- قليلةً أو كثيرةً- على أيِّ شخص- مسلمًا كان أو كافرًا- فنفْعُه في الحقيقة عائدٌ إليكم، وليس لله تعالى حاجةٌ به، والنفقة النافعة لصاحبها والمعتدُّ بها، هي ما كانت خالصةً لله تعالى، وطلَب بها صاحبُها الفوزَ في الآخرة بالنظر إلى وجهه الكريم سبحانه، وتلك هي صدقات المؤمن؛ فإنَّ إيمانهم يُحتِّم عليهم الإخلاصَ لله عزَّ وجلَّ، وإذا تَصدَّق بهذه النيَّة فقد وقع أجرُه على الله تعالى، ولا عليه في نَفْس الأمْر لمن أصاب: ألِبَرٍّ أو فاجرٍ، فهو مُثابٌ في جميع الأحوال على قصْده  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((قال رجلٌ: لأتصدَّقنَّ الليلةَ بصدقةٍ، فخرج بصدقتِه فوضعها في يدِ زانيةٍ، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصُدِّق الليلةَ على زانيةٍ، قال: اللهمَّ لك الحمد على زانيةٍ، لأَتصدَّقنَّ بصدقةٍ. فخرج بصدقتِه فوضعها في يدِ غَنيٍّ، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصُدِّق على غنيٍّ، قال: اللهمَّ لك الحمدُ على غنيٍّ، لأَتصدقنَّ بصدقةٍ. فخرج بصدقتِه فوضعها في يد سارقٍ، فأصبحوا يتحدَّثون: تُصُدِّقَ على سارقٍ، فقال: اللهمَّ لك الحمد على زانيةٍ، وعلى غنيٍّ وعلى سارقٍ، فأُتِيَ فقيل له: أمَّا صدقتُك فقد قُبِلَتْ، أما الزَّانيةُ فلعلَّها تستَعِفُّ بها عن زِناها، ولعلَّ الغنيَّ يَعتَبِر فيُنفِق ممَّا أعطاه اللهُ، ولعلَّ السارقَ يَستعِفُّ بها عن سرقتِه  ))  .

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ.

أي: إنَّ أيَّ مالٍ تَتصدَّقون به، قليلًا كان أو كثيرًا؛ فإنَّ أجره يُؤدَّى إليكم في الآخرة كاملًا من غير نَقْص؛ فلا يَضيع عنده سبحانه مثقالُ ذرَّةٍ من ذلك  .

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (273).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّنَ الله تعالى في الآيةِ الأولى أنَّه يجوز صَرْفُ الصَّدقة إلى أيِّ فقير كان، بيَّن في هذه الآية مَن هو أشدُّ النَّاسِ استحقاقًا بصرف الصَّدقة إليه  ، فقال:

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ.

أي: اجعلوا صدقاتِكم للمُعْدَمين، الخاليةِ أيديهم من أيِّ شيء يقوم بمعيشتهم، لمَن حبَسوا أنفسَهم على الجهادِ في سبيل الله تعالى، فحبَسهم ذلك بدوره- مع خوفهم مِن تَربُّص أعدائهم بهم- عن التَّصرُّف في أشغال الدنيا، فلا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد؛ ابتغاءَ المعاش وطلب الرزق  .

يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا.

أي: يَحسَبهم الجاهلُ بأمرهم وحالهم ممَّن لا فِطْنة لديه، أغنياء من شدَّة تَرْكهم التَّعرض لما في أيدي الناس، وكِتمانهم حاجتهم صبرًا منهم على البأساء والضَّراء، لكن بإمكان ذوي الألباب تمييزُهم بالتَّوسُّم والتَّفرُّس فيهم، وعلى رأسهم محمد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فيعلمون حقيقةَ حالهم من خلال علاماتهم، وآثار الحاجة البادية عليهم، من ملامِح وجوههم، أو نظراتهم، أو بعض عباراتهم، أو غير ذلك.

ونفَى اللهُ تعالى عنهم بالكلِّيَّة طلبَ حاجةٍ من الناس، وخاصَّةً الطلب المُصاحِب للشَّرَهِ والضَّراعة التي تكون في المُلحِّين، فهم بعيدون عن ذلك تمامًا؛ لأنهم يَستَمِدُّون العَونَ من الله تعالى وحده.

فهذا الصِّنف من الفقراء هو أَوْلى المستحِقِّين للصَّدقة؛ لدَفْع حاجتهم، وإعانتهم على مَقصِدهم، وشكرًا لهم على ما اتَّصفوا به من جميل الأخلاق،  وقصْر أنظارِهم على الخلَّاق  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((ليس المِسكينُ الذي تَرُدُّه التمرةُ والتَّمرتان، ولا اللُّقمةُ ولا اللُّقمتان، إنَّما المِسكينُ الذي يَتَعَفَّفُ، واقرَؤوا إن شِئتُم- يعني قولَه:  لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا))  .

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ.

أي: إنَّ كلَّ ما تُنفِقونه من أيِّ خيرٍ كان قليلًا أو كثيرًا، فإنَّ الله تعالى يعلمه، ويُحصيه لكم، وسيَجزيكم عليه أتمَّ الجزاء  .

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

قيل لَمَّا حضَّ سبحانه وتعالى على النَّفقة، وبيَّن أنَّ أكمل من تُصرَف إليه النفقة من هو، بيَّن في هذه الآية أنَّ أكمل وجوه الإنفاق كيف هو  ، فقال:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274).

أي: إنَّ الإنفاق في أيِّ وقتٍ كان ليلًا أو نهارًا، وعلى أيِّ حالٍ وُجِد سرًّا أو علانيةً، فإنَّه سبب الجزاء على كلِّ حال؛ فليبادرْ إليه العبد- ولا يؤخِّره- في جميع الأوقات والأحوال، فإنَّ مَن يقوم بذلك، له يوم القيامة أجرٌ عظيمٌ، ولا يُصيبه خوفٌ على ما يُستقبَل، ولا يَعْتريه حزنٌ على ما مضَى، فيفوز بحصول المرغوب، والنَّجاة من المرهوب  .


الفوائِد التربويَّة:

1- الحثُّ على التفكُّر فيما يُمكِن الوصول إليه بالتَّفكُّر فيه، كما في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ  .

2- أنَّ مِن مُقتضى الإيمان امتثالَ أمر الله، واجتنِابَ نهيه؛ ووجْهه أنَّ الله تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا؛ فلولا أنَّ للإيمان تأثيرًا، لكان تصدير الأمر بهذا الوصف لغوًا لا فائدة منه  .

3- فضيلةُ العقل؛ لقوله تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ؛ لأنَّ التَّذكُّر- بلا شكٍّ- يُحمَد عليه الإنسان؛ فإذا كان لا يقع إلَّا مِن صاحب العقل دلَّ ذلك على فضيلة العقل  .

4- أنَّه لا يتَّعِظ بالمواعظ الكونيَّة أو الشَّرعيَّة إلَّا أصحابُ العقول، الذين يتدبَّرون ما حصل من الآيات سابقًا ولاحقًا فيَعتبِرون بها، وأمَّا الغافل فلا تَنفْعه؛ قال تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  .

5- أنَّه ينبغي للإنسان إذا أَنفَق نفقةً أن يَحتسِب الأجرَ على الله؛ لقوله تعالى: فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ؛ لأنَّ مَن أنفَق وهو يَشْعُر أنَّ الله يعلم هذا الإنفاقَ، فسوف يَحتسِب الأجرَ على الله  .

6- أنَّ إخفاءَ الصَّدقة أفضلُ من إبدائها؛ لأنَّه أقربُ إلى الإخلاص، وأَسْتر ُللمُتصدِّق عليه؛ لكن إذا كان في إبدائها مصلحةٌ تَرجُح على إخفائِها- مِثْل أن يكون إبداؤها سببًا لاقتِداء النَّاس بعضهم ببعض، أو يكون في إبدائها دَفْع ملامة عن المُتصدِّق، أو غير ذلك من المصالِح- فإبداؤها أفضل  .

7- إنَّ شأن المؤمن أنه لا ينفق رياءً أو سمعةً؛ طلبًا للتعالي على الناس، أو إرضاءً لأحدٍ منهم، أو إرادةَ تكريمهم له، أو لنيل أيِّ غرضٍ دنيويٍّ آخر، وإنما ينفق ما ينفق خالصًا لله جلَّ وعلا، كما قال سبحانه: وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ  .

8- الإشارة إلى الفراسة، والفِطْنة؛ لقوله تعالى: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ؛ فإنَّ السِّيما هي العلامة التي لا يَطَّلِع عليها إلَّا ذوو الفراسةِ  .

9- في قوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ بيانُ عَداوةِ الشَّيطان للإنسان؛ لأنَّه في الواقع عدوٌّ له في الخبر، وعدوٌّ له في الطَّلب؛ في الخبر: يَعِدُه الفقر؛ وفي الطلب: يأمُره بالفحشاء؛ فهو عدوٌّ مخبرًا وطالبًا، والعياذ بالله  .

10- أنَّ مَن أَمَر شخصًا بالإمساك عن الإنفاق المشروع، فهو شبيهٌ بالشَّيطان، وكذلك مَن أمَر غيره بالإسراف، فالظَّاهر أنَّه شيطان؛ لقوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء: 27]   .

11- أنَّ هذه المغفرةَ التي يَعِدُنا الله بها مغفرةٌ عظيمة؛ لقوله تعالى: مِنْهُ؛ لأنَّ عِظَم العطاءِ مِن عِظَم المُعطي  .

12- أنَّه ينبغي للمُنفِق أنْ يتفاءل بما وعَد الله؛ لقوله تعالى: وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا؛ فإذا أَنْفَق الإنسانُ وهو يُحسِن الظنَّ بالله عزَّ وجلَّ أنَّ الله يَغْفِر له الذُّنوبَ، ويَزيده من فضله- كان هذا من خير ما تنطوي عليه السَّريرة  .

13- أنَّ ما في الإنسان من العِلْم والرُّشد فهو فَضْل من الله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ؛ فإذا مَنَّ الله سبحانه وتعالى على العبد بعِلم، ورُشْد، وقوَّة، وقُدرة، وسَمْع، وبصر فلا يترفَّع؛ لأنَّ هذه الصفات من الله عزَّ وجلَّ؛ ولو شاء الله لحَرَمه إيَّاها، أو لسَلبه إيَّاها بعد أن أعطاه إيَّاها؛ فقد يسلُب اللهُ العِلْمَ من الإنسان بعد أنْ أعطاه إيَّاه؛ وربما يَسلُب منه الحكمةَ؛ فتكون كلُّ تصرُّفاته طيشًا وضلالًا وهَدَرًا  .

14- تحذيرُ العبد من المخالَفة؛ لقوله تعالى: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ؛ فإنَّ إخبارَه إيَّانا بذلك يَستلزِم أن نخشَى من خِبرته عزَّ وجلَّ؛ فلا يَفقِدنا حيث أَمَرنا، ولا يرانا حيث نهانا  .


الفوائد العلمية واللَّطائف :

1- بيانُ تثبيت المعاني المعقولة بالأمور المحسوسة؛ لأنَّه أَقْرب إلى الفَهْم؛ وَجْه ذلك أنَّ الله سبحانه ضرَب مَثَلًا للمانِّ بالصَّدقة بصاحب الجَنَّة، كما قال تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ  .

2- وجوب الزكاة في عُروض التَّجارة؛ لقوله تعالى: مَا كَسْبْتُمْ؛ ولا شكَّ أن عُروض التِّجارة كَسْب؛ فإنَّها كَسْب بالمعاملة  .

3- يُستفادُ من قوله: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ أنَّ المال الحرام لا يُؤمَر بالإنفاق منه؛ لأنَّه خبيث؛ والله تعالى طَيِّب لا يَقْبَل إلَّا طيِّبًا  .

4- الردُّ على الجَبْريَّة؛ لقوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ؛ ووَجْه الدَّلالة: أنَّه لو كان الإنسان مُجبَرًا على عملِه لم يَصِحَّ أنْ يُوجَّه إليه الأمر بالإنفاق؛ لأنَّه لا يَقدِر على زعْم هؤلاء الجبرية؛ ولأنَّ الله أضاف الكسبَ إلى المخاطَب في قوله تعالى: مَا كَسْبْتُمْ؛ ولو كان مُجبَرًا عليه لم يَصِحَّ أن يكون مَن كَسْبه  .

5- وجوب الزَّكاة في الخارج من الأرض؛ لقوله تعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ  .

6- في قوله تعالى: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أضاف سبحانه الكسبَ إليهم، وإنْ كان هو الخالقَ لأفعالهم؛ لأنَّه فِعْلُهم القائم بهم، وأَسْنَد الإخراج إليه؛ لأنَّه ليس فِعْلًا لهم، ولا هو مقدورًا لهم، فأضاف مقدورَهم إليهم، وأضاف مفعوله الذي لا قُدْرة عليه إليه، ففي ضِمْنه الردُّ على مَن سوَّى بين النَّوعين، وسلَب قدرةَ العبد وفِعْله وتأثيره عنه بالكُليَّة  .

7- قال تعالى: في قوله تعالى: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، خصَّ سبحانه هذين النَّوعين، وهما: الخارجُ من الأرض، والحاصلُ بكسب التجارة دون غيرهما من المواشي؛ إمَّا بحسَب الواقع؛ فإنَّهما كانَا أغلبَ أموالِ القوم إذ ذاك، فإنَّ المهاجرين كانوا أصحابَ تِجارة وكسْب، والأنصار كانوا أصحابَ حَرْث وزَرعِ؛ فخصَّ هذين النَّوعين بالذِّكر لحاجتهم إلى بيان حُكْمهما، وعموم وجودهما، وإمَّا لأنَّهما أصولُ الأموال، وما عداهما فعنهما يكون، ومنهما ينشأ؛ فإنَّ الكسْب يدخل فيه التِّجاراتُ كلُّها، على اختلاف أصنافها وأنواعها من: الملابس، والمطاعم، والرقيق، والحيوانات، والآلات، والأمتعة، وسائر ما تتعلَّق به التِّجارة، والخارج من الأرض يتناول حبَّها وثمارَها، ورِكازها ومَعْدِنها، وهذان هما أصولُ الأموال وأغلبها على أهل الأرض؛ فكان ذِكْرهما أهمَّ  .

8- وجوب الزكاة في المعادن؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ  .

9- إثبات القياس؛ وذلك لقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ؛ يعني إذا كنتَ لا ترضاه لنَفْسك، فلا ترضاه لغيرك، أي: قِسْ هذا بهذا  .

10- إثبات إغواء الشَّياطين لبني آدم؛ لقوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ، وأنَّ للشَّيطان تأثيرًا على بني آدم إقدامًا، أو إحجامًا؛ أمَّا الإقدام: فيأمره بالزِّنا مثلًا، ويُزيِّن له حتى يُقدِم عليه، وأما الإحجام: فيأمره بالبُخل، ويَعِدُه الفقرَ لو أَنْفق، وحينئذ يُحجِم عن الإنفاق  .

11- من مباحث اللَّفظ في الآية: استعمالُ الوعد في الخير والشَّر، وهو شائع لغة، ثم جرى عُرْف النَّاس أن يَخُصُّوا الوعدَ بالخير، والإيعادَ بالشرِّ، فإذا ذكَروا الوعدَ مع الشرِّ أرادوا به التَّهكُّم، على أنَّ ما يَعِدُ به الشَّيطان من الفقر هو على تقدير الإنفاق، ويلزمه الوعد بالغنى مع البخل الذي يأمر به؛ كما في قوله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ  .

12- إثبات الحكمة لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الحكمةَ كمالٌ؛ ومُعْطي الكمال أَوْلى به؛ فيُؤخذ من الآية إثباتُ الحِكمة لله بهذا الطَّريق كما في قوله: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ  .

13- في قوله تعالى: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ: أنَّ مَن دعا على أخيه وهو ظالم له، فإنَّ الله لا يُجيب دعاءه؛ لأنَّه لو أُجيب لكان نَصْرًا له، وقد قال تعالى: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ  [الأنعام: 21] .

14- قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، أي: فنِعْم شيء هي، وهذا مدْح لها موصوفة بكونها ظاهرةً بادية، فلا يَتوهَّم مُبديها بُطلانَ أثرِه وثوابِه، فيمنعه ذلك من إخراجها، وينتظر بها الإخفاء، فتفوت أو تَعترِضه الموانعُ، ويُحال بينه وبين قلبه، أو بينه وبين إخراجها، فلا يؤخِّر صدقتَه العلانيَّة بعد حضور وقتها إلى وقت السرِّ، وهذه كانت حالَ الصحابة  .

15- في قوله: وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ أَطلَق لفْظَ (الفقراء)، ولم يَقُل: (فقراءكم)، فدلَّ ذلك على أنَّ الصَّدقة تُستَحَبُّ على كلِّ فقير- وإن كان كافرًا- فكما وسَعتْ رحمته الكافرَ فلم يَحرِمه لكُفْره من الرِّزق بسعيه، كذلك لم يُحرِّم عليه الصَّدقةَ عند عجزه عن الكسْب الذي يكفيه  .

16- تَفاضُل الأعمال، أي: إنَّ بعض الأعمال أفضلُ من بعض؛ لقوله تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  .

17- في قوله تعالى: إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ إثبات وجه الله عزَّ وجلَّ؛ وهو وجه حقيقي لا يُماثِل أوجهَ المخلوقين على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه؛ وهو من الصِّفات الذاتيَّة الخبريَّة؛ التي لم يَزْل، ولا يزال مُتَّصِفًا بها  .

18- أنَّ الإنفاق يكون سببًا لشَرْح الصَّدر، وطرْد الهمِّ، والغمِّ؛ لقوله تعالى: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62] ؛ وهذا أمْر مُجرَّب مُشاهَد أنَّ الإنسان إذا أَنْفق يبتغي بها وجهَ الله انشرَح صدرُه، وسُرَّتْ نفْسُه، واطمأنَّ قلبه  .

19- في تقديم اللَّيل على النَّهار، والسِّر على العلانية إيذانٌ بتفضيل صدقةِ السرِّ، وذلك في قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً  .


بلاغة الآيات:

1- أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فيه عدد من أوجه البلاغة  :

فيه مناسبةٌ حسَنة، حيث ضرب الله هذا مثلًا في مقابل مَثل النفقة لمرضاة الله والتَّصديق، وهو نفقة الرِّئاء، ووجه الشَّبه هو حصولُ خيبةٍ ويَأْسٍ في وقت تمام الرَّجاء وإشراف الإنتاج، فهذا مقابل قوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ [البقرة: 265]  الآية  .

وجاز عطفُ الماضي على المستقبَل -حيث عطف وَأَصَابَه الكِبَرُ على أَيَوَدُّ-؛ لأنَّ (الواو) للحال لا للعطف، ومعناه: أيودُّ أحدكم أن تكون له جَنَّةٌ حالَ ما أصابه الكِبَر، ثم إنَّها تُحرق، أو حُمل العطف على المعنى-  لأنَّه يصح أن يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا- كأنَّه قيل: أيودُّ أحدُكم أن تكون له جنَّةٌ-إنْ كان له جَنَّة- وأصابه الكِبَر  .

قوله: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ فيه ذكر الخاصِّ بعد العامِّ، حيث خصَّ جنَّة النخيل والأعناب بالذِّكر، مع أنَّهما من ضِمن الجنَّات؛ لأنَّ النخيل والأعناب أكرمُ الشَّجر، وأكثرها منافعَ، وجعل الجَنَّة منهما - وإن كانت محتويةً على سائر الأشجار - تغليبًا لهما على غيرهما، ثم أرْدَفهما ذِكر كلِّ الثَّمرات  .

قوله: فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ الإتيان بفعل (أصاب) في هذه الآيات كلِّها: (فأصابه وابل - وأصابه الكبر - فأصابها إعصار)؛ لأنَّه أبلغ وأدلُّ على التأثير بوقوع الفعل على ذلك الشيء، ولو قيل: (وَبِلَ - وكَبِر - وأعصرت)، لم يكُن فيه ما في لفظ الإصابة من المبالَغة  .

2- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ

قوله: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ... في هذه الآية من أنواع البلاغة ما يُعرف بـ(التتميم)  ، وقد اندرَج التتميم في هذه الآية في صُور كالتالي:

أ- لَمَّا ذكَر سبحانه الجنة لم يكتفِ بذكرها مجرَّدةً من كلِّ قيد؛ لأنَّ الجنة في اللغة لفظ يصدُق على كلِّ شجرٍ متكاثِف ملتفٍّ، يَستر مَن يتفيَّأ بظلاله الوريفة، فتمَّم ذلك النقص بقوله: مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ، ثم تمَّم ذلك بذكر الأنهار الجارية؛ للدَّلالة على ديمومة الخصب؛ إذ لا فائدةَ منها إذا نضَبتْ فيها الأمواه، وكان مآلها إلى اليبس والذُّبول، ولدفْع الإيهام الذي يُخيَّل الى السَّامعين أنَّ هذه الجنة قد تكون مقتصرةً على هذين الضربين من الثمرات- وهما: النَّخيل والأعناب- تمَّم بقوله: لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ؛ فالحسرة -إذن- على احتراقها أشدُّ، والأسف على فنائها أعمُّ.

ب- ووصف الحادِث المهلِك الذي أدَّى الى فناء الجنة بقوله: فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ يجتاح الأخضرَ واليابس، على أنَّ الإعصار مهما يبلغ تأثيره فإنَّه ربما كان مؤجَّلَ الإهلاك، فدفع هذا الإيهام بقوله: فِيهِ نَارٌ فأحرقها بعد أن أوْدَى بأشجارها، ولم يكتفِ بذكر النار؛ لأنَّها قد تأتي على شيء ممَّا تحرقه، ويبقَى بعد ذلك شيءٌ آخر منها، فدفَع هذا الإيهامَ مرةً أخرى بذِكر الاحتراق فَاحْتَرَقَتْ  .

قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ... في هذه الآية من طُرق البلاغةِ في الخِطاب: الإفضاء إلى المقصود، حيث أمَر بالصَّدقات بعد أنْ قدَّم بين يديه بمواعظَ وترغيبٍ وتحذير. وهذا من ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر في ترتيب الجُمل، ونُكتة ذلك: أنَّه قد شاع بين النَّاس الترغيبُ في الصَّدقة، وتكرَّر ذلك في نزول القرآن، فصار غرضًا دينيًّا مشهورًا، وكان الاهتمامُ بإيضاحه، والترغيبُ في أحواله، والتنفير من نقائصه، أَجدرَ بالبيان  .

قوله: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ... وَلَا تَيَمَّمُوا فيه تأكيدُ الأمر بالنهي بعده عن ضدِّه، وعبَّر بصيغة التفعُّل (تيمَّموا)، أي: لا تتكلَّفوا أن تقصدوا، وفيه مبالغة أيضًا  .

قوله: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ فيه تخصيص المكتسَب دون الموروث؛ لأنَّ الإنسان بما يكتسبه أضنُّ به ممَّا يرثه؛ فالموروث معقولٌ من فحواه؛ إذ هو أَوْلى، وهو من محاسن البلاغة  .

قوله: طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ فيه إيجاز بالحذف في ومِمَّا أَخْرَجْنَا، والتقدير: من طيِّبات ما أخرجنا، وحُذِف لدلالة ما قبله وما بعده عليه. وكُرِّر حرف الجرِّ (مِن) على سبيل التوكيد، أو إشعارًا بتقدير عامل آخَر، حتى يكون الأمرُ مرَّتين  .

قوله: مِنْهُ تُنفِقُونَ فيه تقديم الجار والمجرور (منه) على الفعل (تنفقون)؛ للتخصيص، لتوبيخهم بما كانوا يتعاطونه من إنفاقِ الخبيث خاصَّةً، لا لتسويغ إنفاقه مع الطيِّب  .

قوله: إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ فيه تأكيد الشيء بما يُشبه ضِدَّه - على قول مَن جعَل النفي هنا بمعنى النهي، أي: لا تأخذوه إلَّا إذا تغاضيتم عن النهي وتجاهلتموه. والتعبير بالإغماض: للمبالغة في التغافُل عن المكروه الشَّديد  .

قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله، وافتتحه بـ(اعلموا)؛ للاهتمامِ بالخبر، أو نُزِّل المخاطبون الذين نُهوا عن الإنفاق من الخبيث منزلةَ مَن لا يعلم أنَّ الله غني، فأَعطوا لوجهه ما يقبله المحتاج بكلِّ حال، ولم يَعلموا أنَّه يحمد من يُعطي لوجهه من طيِّب الكسب  .

قوله: حَمِيدٌ عبَّر بصيغة (فعيل)؛ للمبالغة، أي: شديد الحمد؛ لأنَّه يُثني على فاعلي الخيرات، ويجوز أن يكون المراد: أنَّه محمود، فيكون حميد بمعنى مفعول، أي: فتخلَّقوا بذلك؛ لأنَّ صفات الله تعالى كمالات  .

3- قوله: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ قدَّم هنا اسم الشَّيْطان مسندًا إليه؛ لأنَّ تقديمَه مؤذِنٌ بذمِّ الحُكم الذي سِيق له الكلام، وشؤمه لتحذير المسلمين من هذا الحُكم، ولأنَّ في تقديم المسنَد إليه على الخبر الفعلي تقويَّ الحُكم وتحقيقَه  .

4- قوله: وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فيه توكيد الجملة الأولى بالجملة الثانية  .

وعطفها على جملة الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ؛ لإظهار الفرق بين ما تدعو إليه وساوسُ الشيطان، وبيْن ما تدعو إليه أوامرُ الله تعالى، والوعد فيه حقيقةٌ لا محالة  .

5- قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا

قوله: وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا الجملة اعتراض وتذييلٌ لِمَا تضمَّنتْه آياتُ الإنفاق من المواعظ والآداب وتلقين الأخلاق الكريمة؛ ممَّا يُكسب العاملين به رجاحةَ العقل، واستقامة العمل  .

والتنكير في قوله: خَيْرًا كَثِيرًا: للتعظيم، كأنَّه قال: فقد أُوتي أيَّ خير كثير  .

6- قوله: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ تذييلٌ للكلام السَّابق المسوق للأمْر بالإنفاق وصِفاته المقبولة، والتحذير من المثبِّطات عنه، والمقصود من هذا التذييل: التذكيرُ بأنَّ الله لا يَخفى عليه شيء من النَّفقات وصفاتها، وأدمج النَّذر مع الإنفاق فكان الكلام جديرًا بأن يكون تذييلًا  .

وقوله: فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ خبرٌ يُفيد- على اختصاره- الوعدَ العظيم للمطيعين، والوعيدَ الشَّديد للمتمرِّدين  . وتصدير الجملة بـ(إنَّ) لتأكيد مضمونها؛ إفادة لتحقيق الجزاء؛ فإنَّه تعالى يجازيكم عليه ألبتةَ، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر؛ فهو ترغيبٌ وترهيب، ووعْد ووعيد  .

7- قوله: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ

فيه استعمال العامِّ المراد به الخاصُّ - على القول بأنَّهم هم المشرِكون. أو: هم المنفِقون بالمنِّ والأذى والرِّياء، والمبذِّرون في المعصية. أو: المنفِقو الحرام  .

وإيراد صِيغة الجمْع (أنصار) لمقابلة (الظالمين)، أي: وما لظالم من الظالمين نصيرٌ من الأنصار، والجملة اسئنافٌ مقرِّر لـِمَا قبله من الوعيد، مفيدٌ لفظاعة حال مَن يَفعل ما يُفْعَل مِن الظالمين  .

8- قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ... فيه نوعُ تفصيل لبعض ما أُجمل في الشرطيَّة، وبيان له؛ ولذلك ترك العطف بينهما بالواو  . والألف واللام في الصَّدقات لتعريف الجنس، ومحمله على العموم، فيشمل كلَّ الصَّدقات؛ فرْضَها ونفْلَها، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقبَ ذِكر أنواع النفقات  .

وقوله: فنِعِمَّا هِي (ما) في (نعما) نكرة غير موصولة ولا موصوفة، في تأويل الشيء، أي: نعم الشيءُ هو، وتمثيله بالنَّكرة أبينُ، والتقدير: نعم شيئًا هي إبداء الصدقات، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه  . وقوله: فنِعِمَّا هي فيه جمْع الأمداح المبهَمة؛ لأنَّ (نِعم) كلمة مبالغة تَجمع المدحَ كلَّه، و(ما) كلمة مُبهمَة تجمع الممدوح؛ فتطابقتَا في الإبهام؛ فإنَّ (نِعْم) و(بئس) للمبالغة، فالمراد بهما التناهي في المدح والذمِّ، ولاختصاصهما بهذا المعنى مُنعِتَا التصرُّف، واقتُصر بهما على المعنى؛ لأنَّ المدح والذمَّ إنما يكونانِ متعلِّقينِ بما ثبَت واستقرَّ، ولا يُمدح الإنسانُ بما لم يقعْ منه  .

كذلك قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هي... استئناف بيانيٌّ ناشئ عن قوله: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ؛ إذ أشْعَر تعميم مِن نَفقةٍ بحال الصَّدقات الخفيَّة، فيتساءل السامع في نفسه: هل إبداء الصدقات يُعدُّ رياءً، وقد سمع قبل ذلك قوله: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئاءَ النَّاسِ؛ ولأنَّ قوله: فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ قد كان قولًا فصلًا في اعتبار نيَّات المتصدِّقين، وأحوال ما يُظهرونه منها، وما يُخفونه من صَدقاتهم، فهذا الاستئناف يدفَع توهمًا من شأنه تعطيلُ الصَّدقات والنفقات، وهو أن يُمسك المرءُ عنها إذا لم يجد بُدًّا من ظهورها، فيخشى أن يصيبه الرياء  .

قوله: مِن سيِّئاتكم دخول (مِن)؛ لإفادة التبعيض، أي: ونُكفِّر عنكم بعض سيِّئاتكم؛ لأنَّ السيِّئاتِ كلَّها لا تُكفَّر بذلك، وإنما يُكفَّر بعضها، ثم أَبْهَم الكلامَ في ذلك البعض؛ لأنَّ بيانه كالإغواء بارتكابها إذا عُلِم أنها مكفَّرة، أو تكون (مِن) بمعنى مِن أَجْل، أي: ونكفِّر عنكم مِن أجْل ذنوبكم، كما تقول: ضربتُك من سوء خُلقك، أي: من أجْل ذلك  .

قوله: وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ خبرٌ مرادٌ منه الترغيبُ في الإسرار  .

وفيه مناسبةٌ حسَنة في ختْم هذه الآية بهذه الصِّفة؛ لأنها تدلُّ على العلم بما لَطُف من الأشياء وخفي، فناسَب الإخفاء في قوله: وَإِنْ تُخْفُوهَا ختْمها بالصِّفة المتعلِّقة بما خفي (خبير)  .

9- قوله:  لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ

قوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ فيه الخِطاب بما ظاهره خاصٌّ -وفي ذلك تسلية له صلَّى الله عليه وسلَّمَ- والمراد منه العامُّ؛ فظاهر قوله لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ خطاب للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ولكن المراد به هو وأمَّته، بدليل قوله: إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ، وهذا خطاب عام، ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، وهو في الظاهر خاصٌّ، ثم قال بعده: ومَا تُنْفِقُوا من خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، وهذا عامٌّ؛ فيُفهم من عموم ما قبل الآية وعمومِ ما بعدها عُمومُها أيضًا  .

قوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ تقديم الخبَر المسنَد (عَلَيْكَ) على اسمِ (لَيْسَ) المسنَد إليه (هُداهم)؛ إمَّا لمجرَّد الاهتمام، بنفي كون هُداهم حقًّا على الرسول، تهوينًا للأمر عليه، وإمَّا أن يكون جرى على خِلاف مقتضى الظاهر، بتنزيلِ السَّامعين منزلةَ مَن يَعتقد أنَّ إيجاد الإيمان في الكفَّار يكون بتكوين الله، وبالإلجاء من المخلوق، فقصر هداهم على عدم الكون في إلجاء المخلوقين إيَّاهم، لا على عدم الكون في أنَّه على الله، فيلزم من ذلك أنَّه على الله، أي: مُفوَّض إليه  .

قوله: ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ

فيه مع قوله: هُداهم جناس مغاير؛ لأنَّ إحدى الكلمتين اسم، والأخرى فِعل  .

وجِيء فيه بحرف الاستدراك (لكن)؛ لِمَا في الكلام المنفيِّ من توهُّم إمكان هديهم بالحِرص أو بالإلجاء، فمصبُّ الاستدراك هو الصِّلة (مَن يشاء)، أي: فلا فائدةَ في إلجاء مَن لم يشأ الله هدايته، والتقدير: ولكن هداهم بيدِ الله، وهو يَهدي من يشاء، فإذا شاء أن يَهديهم هداهم  .

وفيه: تلوينُ الخطاب؛ إذ الجملة معترضة، جيء بها على تلوين الخِطاب وتوجيهه إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، مع الالتفات إلى الغَيبة فيما بين الخِطابات المتعلِّقة بالمكلَّفين؛ مبالغةً في حمْلهم على الامتثال؛ فإنَّ الإخبار بعدم وجوب تدارُك أمرهم على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ مؤذنٌ بوجوبه عليهم حسبما ينطق به ما بعدَه من الشرطيَّة. وعلى القول بأنَّ المعنى: ليس عليك هُدَى مَن خالفَك حتى تمنعَهم الصَّدقة؛ لأجْل دخولهم في الإسلام، فلا التفاتَ حينئذٍ في الكلام، وضمير الغَيبة للمعهودين من فقراء المشركين، بل فيه تلوين للخطاب فقط  .

قوله: وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ أسلوبٌ ظاهره الخبر، ولكن معناه النَّهي، أي: ولا تُنفقوا إلَّا ابتغاءَ وجه الله  .

وتَكرار فِعل النَّفقة - وَمَا تُنْفِقُوا، وَمَا تُنْفِقون، وَمَا تُنْفِقُوا - ثلاثَ مرَّات في الآية؛ لمزيدِ الاهتمام بمدلولِه، وجِيء به مرَّتين بصِيغة الشَّرْط عندَ قصْد بيان الملازمة بين الإنفاق والثَّواب، وجِيء به مرةً في صِيغة النَّفي والاستثناء؛ لأنَّه قصد الخبر بمعنى الإنشاء، أي: النَّهي عن أن يُنفقوا إلَّا لابتغاء وجه الله  .

وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ: تقديم (وَأَنْتُم) على الخبر الفِعلي (لا تُظْلَمون)؛ لمجرَّد التقوِّي، وزيادة في التنبيه على أنَّهم لا يُظلمون، وإنَّما يَظلمون أنفسهم  .

وجعلت هذه الأحكام جملًا مستقلًّا بعضها عن بعض، ولم تُجعل جملةً واحدةً مقيَّدةً فائدتُها بقيود جميع الجُمل، وأُعيد لفظ الإنفاق في جميعها بصِيغ مختلفة؛ تكريرًا للاهتمام بشأنه؛ لتكون كلُّ جملة مستقلةً بمعناها، قصيرة الألفاظ كثيرة المعاني، فتجري مجرى الأمثال  .

10- قوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ

قوله: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ فيه إيجازٌ بالحذف لفَهمِه من السِّياق؛ فالجارُّ (للفقراء) متعلِّق بمحذوف، والتقدير: اعجَبُوا للفقراء، أو اقصدوا الفقراءَ، واجعلوا ما تُنفقون للفقراء  .

وفيه كناية، حيث عبَّر بالضَّرب في الأرض عن التِّجارة؛ لأنَّ شأنَ التاجر أن يسافِر ليبتاع ويبيع، فهو يضرب الأرض برجليه أو دابَّته  .

قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ فيه عِدَّة أوجه بلاغيَّة:

فقوله: التَّعَفُّفِ التعبير بصيغة (التفعُّل) في (التعفُّف)؛ لإفادة الاجتهاد في العِفَّة والمبالغة فيها  .

وقوله: تَعْرِفُهم بسِيماهُم الجملة بيانٌ لجملة يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ، كأنَّه قيل: فبماذا تصِل إليهم صدقاتُ المسلمين إذا كان فقرُهم خفيًّا، وكيف يُطَّلع عليهم؟ فأُحيل ذلك على مظنَّة المتأمِّل  .

وقوله: بِسيمَاهُم جاءَ التعبير بصيغة (فيعال)؛ للمبالغة من السِّمة والوسم، وهي العلامة الخفيَّة التي تتراءى للمستبصر  .

قوله: لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا فيه من بديع البيان: ما يُسمَّى بـ(نفي الشيء بإيجابه)، وهو إثبات شيء في ظاهر الكلام، ثم نفْي ما هو مِن سببه؛ ففي هذه الآية: المنفيُّ في ظاهر الكلام هو الإلحاف في السُّؤال، لا نفْس السؤال مجازًا، والمنفيُّ في باطن الكلام حقيقةُ نفْس السؤال؛ إلحافًا كان أو غيرَ إلحاف  ، وقد يَرِد نفيُ الشيءِ في القُرآن مُقيَّدًا، والمرادُ نفيُه مطلقًا؛ كما نفَى هنا عنهم السُّؤالَ بنفي صورةٍ مستكرَهة، وهي الإلحافُ في المسألة، والمقصود نفيُ السؤال مطلقًا  .

قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ فيه إعادة التحريض على الإنفاق، حيث ذكر مرةً رابعة، وقوله: فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ كنايةٌ عن الجزاء عليه؛ لأنَّ العلم يُكنى به عن أثره كثيرًا، فلمَّا كان الإنفاق مرغَّبًا فيه من الله، وكان عِلم الله بذلك معروفًا للمسلمين، تعيَّن أن يكون الإخبارُ بأنه عليمٌ به، أنه عليم بامتثال المنفِق، أي: فهو لا يُضيِّع أجره؛ إذ لا يمنعه منه مانعٌ بعد كونه عليمًا به؛ لأنَّه قدير عليه، وقد حصَل بمجموع هذه المرَّات الأربع من التحريض ما أفاد شدَّةَ فضْل الإنفاق بأنَّه نفْع للمنفِق، وصِلة بينه وبين ربِّه، ونوال الجزاء من الله، وأنَّه ثابتٌ له في عِلم الله  .

10- قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فيه تقديم اللَّيل على النهار، والسِّرِّ على العلانية، ولعلَّه يدلُّ على تلك الأفضلية؛ فاللَّيل مظنَّة صَدَقة السرِّ، فقُدِّم الوقت الذي كانت الصَّدقة فيه أفضلَ، والحال التي كانت فيها أفضل  .

قوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.. فيه إدخالُ الفاء في خبَر الموصول (الذين)؛ للتنبيه على تسبُّب استحقاق الأجْر على الإنفاق؛ لأنَّ المبتدأ لَمَّا كان مشتملًا على صلة مقصود منها التَّعميم، والتَّعليل، والإيماء إلى عِلَّة بناء الخبر على المبتدأ - وهي ينفقون - صحَّ إدخال الفاء في خبره، كما تدخُل في جواب الشَّرط؛ لأنَّ أصل الفاء الدَّلالةُ على التسبُّب  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (275- 281)

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275)

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(277)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278)

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ(279)

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(280)

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(281)

غريب الكلمات:

الرِّبَا: أصْل الرِّبا الزِّيادة، وخُصَّ في الشَّرع بالزِّيادة على رأسِ المالِ دون وجْه حقٍّ  .

يَتَخَبَّطُهُ: الخَبْط: الضَّرب على غيرِ استواءٍ  .

الْمَسِّ: الجُنون، ويُقال لكلِّ أذًى ينال الإنسان: مسٌّ  .

مَوْعِظَةٌ: الوعظ: تخويفٌ، أو زجْرٌ مُقترِن بتخويف، وتذكيرٌ بالخيرِ وما يَرِقُّ له القلبُ  .

يَمْحَقُ: أي: يُذهِب، ويَنقُص؛ وأصْل المحْق: النُّقصان وذَهاب البركة  .

فَأْذَنُوا: أي: أَيقِنوا، واعلَموا ذلك، واسْمَعوه، وأذِن: استَمَع، ويُستعمل ذلك في العِلم الذي يُتوصَّل إليه بالسَّماع؛ إذ هو مبدأُ كثيرٍ من العِلم فِينا  .

عُسْرَةٍ: العُسر: نقيض اليُسْر، وأصْله: الصُّعوبة والشِّدة  .

فَنَظِرَةٌ: أي: انتظار، وإنظار، وأصْل (نظر): تأمُّل الشيء ومعاينتُه، ويقال: نظرتُه، أي: انتظرته  .

مَيْسَرَةٍ: الميسرة واليَسار عِبارة عن الغِنى، وأصْله اليُسرُ: ضدُّ العُسر  .


مشكل الإعراب:

قوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ:

كان: هنا تامَّة غيرُ ناسخةٍ بمعنى وقَع أو حدَث أو وُجِد؛ فلا تحتاج إلى اسمٍ أو خبَر، بل تكتفي بفاعِلها كسائرِ الأفعال. وذو: فاعِل كان، مرفوع وعلامة رفْعه الواو؛ لأنَّه من الأسماء الخمسة. وقيل: إنَّ (كان) ناقصة، وذو اسمها، وخبرها محذوف، والتقدير: وإنْ كان ذو عُسرةٍ لَكُم عليه حقٌّ. أو: وإنْ كان ذو عُسرةٍ غريمًا، أو نحو ذلك  .


المعنى الإجمالي:

يُخبِر تعالى عن آكِلي الرِّبا أنَّهم لا يَنهضون يومَ القيامة من قُبورهم للبَعْث إلَّا على هيئة مَن تسلَّط عليه الشيطان فأصابه بالجنون، وهذا الذي يُصيبهم بسبب أنَّهم قالوا: إنَّ البيعَ الذي أَحَلَّه الله مِثْل الرِّبا، كلاهما وسيلتان للتَّكسُّب، فلِمَ حُرِّم هذا وأبيح هذا؟ فكذَّبهم تعالى في زعْمهم هذا، بأنَّ الله أَحَلَّ الأرباحَ التي تَنتُج عن التِّجارة والشراء والبيع، وحرَّم الرِّبا، وليسا سواء؛ فمَن بلغه النَّهي عن الرِّبا، والتحذير من أكْله وتعاطيه، فانزَجَر فله ما أكَل منه وأخَذَ فيما مضى، وشأنه إلى الله تعالى في توفيقه أو خِذلانه فيما يستقبل، ومَن عاد لأكلِ الرِّبا بعد أنْ بلَغَه التحريمُ وأصرَّ على ذلك، فقد استوجب النارَ خالدًا فيها، ما لم يمنعه من الخلود فيها إيمانُه.

ثم أخبر تعالى أنَّه يَمْحَق الرِّبا ويَنزِع بركةَ مال المرابي، وبالمقابل يُنمِّي اللهُ أجرَ الصَّدقات للمُتصدِّق حتى تتضاعَف، والله تعالى لا يحبُّ من كفر بنعمه، واستحلَّ أكْلَ الرِّبا، وتمادَى في الإثم، باستمراره فيما نهاه عنه من أكْلِ الرِّبا.

ثمَّ وعَد الله الذين آمنوا وعمِلوا الصالحات، وأقاموا الصَّلاة كما ينبغي، وأَدَّوا زكاةَ أموالهم لِمَن يَستحِقُّها، بأنَّ ثوابهم عنده تعالى، ولا خوف عليهم مما يَستقبِلون، ولا يحزنون على ما مضى.

ثم يَعِظ الله الذين آمنوا بأمرهم أن يتَّقوه، وأن يتركوا الرِّبا في معاملاتهم التي هي حاضرة وقتَ تلقِّيهم للإنذار، إنْ كانوا صادقين في إيمانهم، فإنْ لم يفعلوا فلْيُعلِموا أنفسَهم وغيرهم أنَّ الله يُوعِدهم بحربٍ منه ومن رسوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فإنْ تابوا وتركوا الرِّبا فلهم رؤوس أموالهم من الدُّيون التي لهم على النَّاس فقط، لا يَظلِمون النَّاس بأخْذ زيادة رِبويَّة، ولا يُظلَمون هم بإعطائهم رؤوسَ أموالهم ناقصةً؛ وأمَّا إنْ كان الذي عليه الدَّين مُعسِرًا لا يَجِد ما يُسدِّد به إليهم رؤوسَ الأموال التي هي دَينهم عليه، فعليهم أن يُمهِلوه حتى يتيسَّر له الوفاءُ، وأن يتصدَّقوا بإسقاط ما لهم على المَدَين المُعسِر من دَين أو بعضه؛ فهو خيرٌ لهم من إمهاله حتى يتيسَّر له القيامُ بردِّه لهم- إنْ كانوا يعلمون.

ثم يأمر اللهُ الناسَ أن يَحذَروا من يوم يَعودون فيه إلى الله بعد زَوال هذه الدُّنيا بما فيها، في ذلك اليوم الذي تستوفي فيه كلُّ نفْس جزاءَها بالعدل من ربِّها على كلِّ عملٍ صالح أو سيِّئ، لا يُنقَصُون شيئًا من ثواب الحسنات، ولا يُزاد عليهم شيءٌ من عقوبة السَّيِّئات.


تفسير الآيات:

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر تعالى الأبرارَ المؤدِّين النَّفقات، المُخرِجين الزَّكوات، المتفضِّلين بالبِرِّ والصِّلات، لذوي الحاجات والقَرابات، في جميع الأحوال- شرَع في ذكْر أكَلَةِ الرِّبا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشُّبهات  ، فقال تعالى:

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ.

أي: إنَّ الذين يأخذون الرِّبا، فينتفعون به بأكلٍ، أو شربٍ، أو لِباسٍ، أو سكَنٍ، أو غير ذلك من وجوه الانتفاع، إنَّما يقومون في الآخرة من قُبورهم لبَعْثهم ونُشُورهم، كهيئةِ المصروعِ الذي أصابه الشيطانُ بالجنونِ، كما كانوا في الدُّنيا كالمجانين في طلَبِ هذا المكسَب الخبيث  .

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.

أي: هذا الذي يُصيبهم يومَ القيامة، من قُبْح حالهم، ووَحْشة قيامهم من قبورهم؛ من أجل أنهم كانوا في الدنيا يَكذِبون فيقولون اعتراضًا على أحكام الله تعالى في شَرْعه -: إنَّما البيعُ الذي أحلَّه الله لعباده مِثْلُ الرِّبا؛ فمَا الفرق بينهما وكلاهما وسيلتان للتَّكسُّب؛ فِلمَ حُرِّم هذا وأُبيح هذا؟ فكذَّبهم الله في قيلهم هذا؛ بأنَّ الله تعالى المُستحِقَّ للعبادة وحده هو الذي أحلَّ الأرباحَ في التجارة والشراء والبيع، وحرَّم أخْذ الزِّيادة بالباطل، وليسا سواءً، فالأمر أمره، والخَلْق خَلْقه، يَقضي فيهم ما يشاء، ويَستعبِدهم بما يُريد، وعليهم طاعته والتسليم لحُكْمه؛ فهو العالم بحقائق الأمور وما ينفع عباده، فيُبيحه لهم، وما يَضُرُّهم، فينهاهم عنه  .

فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

أي: مَن بلَغه النَّهي عن الرِّبا والتخويف من أكْله وتعاطيه عمومًا، فكَفَّ عنه وانزَجَر، فله ما أكَل منه وأخَذ فيما مضى قبل نزول تحريمه، وشأن آكِله إلى الله تعالى في توفيقه أو خِذلانه، وكذا عفوُه أو عُقوبته، فيما يَستقبِل من زمانه، فإنْ عَلِم مِن قلبه صحَّةَ توبتِه، غفَر له، وإلَّا عاقبه على ذلك.

ومَن عاد لأكلِ الرِّبا بعدَ بلوغِه تحريمُه مستحلًّا له، وعاد إلى القولِ بأنَّ البيعَ مثلُ الرِّبا، وأصرَّ على ذلك، فقد استوجب عقوبةَ اللهِ تعالى بملازمةِ نارِه خالدًا فيها  .

يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا زجَر الله تعالى عن الرِّبا ورغَّب في الصدقات، وكان الدَّاعي لبعض الناس إلى فِعل الرِّبا طلبَ الزيادة في الأموال، والصارف لبعض الناس عن الصَّدقة الاحترازَ عن نُقصان هذه الأموال؛ بَيَّن تعالى أنَّ الرِّبا في حقيقة الأمر نقصانٌ، وأنَّ الصدقةَ في حقيقة الأمر زيادةٌ  ، فقال سبحانه:

يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ.

أي: يُذهِب الله تعالى مكاسبَ الرِّبا بالكُليَّة من يد صاحبها، أو يَحرِمه بركتَها؛ فلا يَنتفِع بها، بل يُعذِّبه بها في الدنيا، ويُعاقِبه عليها يوم القيامة جزاءً مِن جِنْس ما عمِل، بينما يُنمِّي أجرَ الصَّدقات لصاحبها حتى تَتضاعَف  .

كما قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: 39] .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((مَن تصدَّقَ بعِدْلِ تمرةٍ من كَسْبٍ طَيِّبٍ -ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- وإنَّ اللهَ يَتقبَّلُها بيمينِهِ، ثم يُربِّيها لصاحبها، كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّه  ، حتى تكونَ مِثْلَ الجبلِ  ))  .

وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ.

أي: إنَّ الله تعالى لا يحبُّ كلَّ من كان كثيرَ الكُفْران، مُصرًّا على الكُفْر بنِعَمه، مقيمًا على ذلك، مُستحِلًّا أكْلَ الرِّبا، متماديًا في الإثم فيما نهاه عنه من أكْله وتَعاطِيه، وغير ذلك من معاصيه، لا يَرْعوي عنه، ولا يتَّعِظ بموعظة ربِّه؛ ذلك أنَّ المرابي لا يَرضَى بما قسَم اللهُ تعالى له من الحلال، ولا يَكتفي بما شرَع له من التَّكسُّب المُباح، فهو يَسعى في أكْل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جَحودٌ لما عليه من النِّعمة، ظَلومٌ آثمٌ بأكل أموال الناس بغير وجْه حقٍّ  .

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا ذكَر الله عزَّ وجلَّ أكَلَةَ الرِّبا، وكان من المعلوم أنَّهم لو كانوا مؤمنين إيمانًا ينفعهم لم يَصدُرْ منهم ما صدَر، ذكَر هنا حالةَ المؤمنين وأجرَهم، فإنَّ أكبر الأسباب لاجتِناب ما حرَّم الله تعالى من المكاسب الرِّبويَّة تكميلُ الإيمان وحقوقه، خصوصًا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ فإنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكَر، والزكاة إحسانٌ إلى الخَلْق، وهذا يُنافي تعاطي الرِّبا، الذي هو ظلمٌ لهم  .

وأيضًا لَمَّا ذكَر حالَ آكِل الرِّبا، وحالَ مَن عاد بعدَ مجيء الموعظة، ذكَر ضدَّ هؤلاء؛ ليُبيِّن فَرْق ما بين الحالين، فعادة القرآن أنَّه مهما ذكر وعيدًا ذكَر بعده وعدًا  ، فقال تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277).

أي: إنَّ المؤمنين بما يجب الإيمان به، ومِن ذلك إيمانهم بما أُنزل إليهم من ربِّهم- والذي شَمِل تحريمَ الرِّبا- وعمِلوا الصَّالحات التي أمرهم الله عزَّ وجلَّ بها، وهي المبنيَّة على الإخلاص لله تعالى، والمتابَعة لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّمَ- ومنها بذْل الصَّدقات في سبيله تعالى- وأَدَّوُا الصَّلاةَ قويمةً بشروطها وأركانها، وواجباتها وسُنَنها، وأَعْطَوا الزَّكاة المفروضة عليهم في أموالهم لمُستحقِّيها، فأولئك لهم ثوابُهم عند الله جلَّ وعلا، ولا خوف عليهم ممَّا يَستقبِلون، ولا هم على ما مضى يَحزنون  .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا بيَّن في الآية المتقدِّمة أنَّ مَن انتهى عن الرِّبا فله ما سَلَف، فقد كان يجوز أن يُظَنَّ أنه لا فرْق بين المقبوضِ منه والباقي في ذِمَّة القوم، وأنَّ الممنوع هو إنشاء عَقدٍ رِبويٍّ بعد التحريم؛ لذا أَزالَ تعالى هذا الاحتمالَ بأنْ أمَر بترك ما بقي من الرِّبا في العقود السابقة، قبل التَّحريم  ، فقال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278).

أي: يا أيُّها المؤمنون، امتثِلوا ما أَمَركم الله تعالى به، وانتَهُوا عمَّا نهاكم عنه، فاتركوا ما لكم على الناس من الزِّيادة على رؤوس الأموال من المعاملات الحاضِرة التي بأيديكم، بعد هذا الإنذار الذي تلقَّيتُموه، إنْ كنتم صادقين حقًّا في إيمانكم  .

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا كان مِن حقِّ مَن عَاندَ السِّيدَ الأخْذُ؛ سبَّب عن ذلك قوله  :

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.

القِراءت ذات الأَثَر في التفسير:

في قوله تعالى: فَأْذَنُوا قراءتان  :

1- (فَآذِنُوا) من آذنتُه أُوذِنه، إذا أعلنتُه، كقولهم: أَعْلِمُوا مَنْ وراءَكم، فالمعنى: فأَعلِموا غيرَكم أنَّ كلَّ مَن لم يترك الرِّبا فهو حرب، وهذا أعمُّ؛ لأنَّهم إذا أعلَموا غيرَهم بالحرب من الله ورسوله، فقد علِموا هم ذلك.

2- (فَأْذَنُوا) على أنَّه أمرٌ للمُخاطَبين بترك الرِّبا، أُمِروا أن يَعْلموا ذلك هم أنفسهم، فالمعنى: فإن لم تتركوا الرِّبا، فأَيْقِنوا بحربٍ من الله ورسوله.

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ.

أي: إنْ لم تتركوا ما بقي لكم على النَّاس من زيادةٍ على رأس المال، مُستَمرِّين على تَعاطي الرِّبا بعد إنذاركم، فأَعلِموا أنفسَكم وغيرَكم، مُستيقنين أنَّ الله تعالى يتوعَّدكم بحرب وقتْل مِنه ومن رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام  .

وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ.

أي: إن تُبْتُم فتركتُم أكْلَ الرِّبا، وأَنَبْتُم إلى الله عزَّ وجلَّ، فلكم رؤوس أموالكم من الدُّيون التي لكم على النَّاس دون الزِّيادة التي أحدثتموها على ذلك، فلا تَظْلِمُونَ الناسَ بأخْذ الزِّيادة، وَلا تُظْلَمُون بإعطائكم رؤوسَ أموالكم ناقصةً  .

وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280).

وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ.

أي: إنْ كان الذي عليه الدَّين مُعسِرًا لا يَجِد ما يَردُّ به حقَّكم- وهو رؤوس أموالكم التي أَسلفتُموه إيَّاها دون زيادة- فعليكم أن تُمهِلوه حتى يتيسَّر له الوفاءُ به  .

وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

أي: إنَّ تصدُّقَكم على المدينِ المعسرِ بالتنازلِ والعفو عمَّا لكم عليه أو بإسقاط بعضه، خيرٌ لكم من إمهاله حتى يتيسَّر له القيام بردِّه لكم، فقوموا بذلك إذًا إن كنتم من ذوي العِلْم بفضل الصَّدقة، وما لصاحبها من ثوابٍ عظيم  .

عن عبد الله بن أبي قَتادةَ: ((أنَّ أبا قَتادةَ رضي الله عنه، طلَب غريمًا لهُ، فتوارى عنهُ، ثم وجدَه، فقال: إنِّي مُعسِرٌ، فقال: آللهِ؟ قال: آللهِ، قال: فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول: مَن سرَّهُ أن يُنجيَه اللهُ من كُرَبِ يومِ القيامةِ، فلينفِّسْ عن مُعسِرٍ، أو يَضعْ عنهُ  ))  .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((مَن نفَّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَبِ الدنيا، نفَّسَ اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَن يَسَّرَ على مُعسِرٍ، يسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرةِ، ومَن سترَ مسلمًا، ستره اللهُ في الدنيا والآخرةِ، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه  ))  .

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

أنَّ ممَّا يُهوِّن على العبدِ التزامَ الأمور الشرعيَّة، واجتنابَ المعاملات الرِّبوية، والإحسانَ إلى المُعسِرين، عِلْمُه بأنَّ له يومًا يَرجِع فيه إلى الله تعالى، ويُوفِّيه عملَه، ولا يظلمه مِثقالَ ذرَّة؛ ففي الآية ترغيبٌ في فِعْل ما أُمِر به أو نُدِب إليه ممَّا سبق؛ لأنَّ في تَرْك المنهيَّات سلامةً من آثامها، وفي فِعْل المطلوبات استكثارًا من ثوابها، والكلُّ يرجع إلى اتِّقاء ذلك اليوم الذي تُطلَب فيه السلامة وكثرة أسباب النجاح، وهو أيضًا صالح للتَّرهيب من ارتكاب ما نهي عنه ممَّا سبَق النَّهي عنه  ؛ لذا قال  تعالى:

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281).

أي: احذروا- أيُّها الناس- يومًا تزول فيه هذه الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها، فترجعون إلى الله فتَلقَونه فيه، فاحذروا أن تَرِدوا عليه بسيِّئات تُهلِككم، وبلا حسنات تُنجِيكم، فتَستحِقُّوا عقابَ الله تعالى، وهو يوم مُجازاة الأعمال، فتستوفي فيه كلُّ نَفْس جزاءها بالعدل من ربِّها، على ما قدَّمت واكتسَبتْ من سيِّئ وصالح، لا يُنقَصُون شيئًا من ثواب الحسنات، ولا يُزاد عليهم شيءٌ من عقوبة السيِّئات  .


الفوائد التربويَّة:

1- في قوله تعالى: آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: دلالةٌ على أنَّه لابد مع الإيمان من العمل الصالح، وأنَّ العمل لا يُفيد حتى يكون صالحًا؛ والصَّلاح أن ينبني العملُ على أمرين: الإخلاص لله عزَّ وجلَّ، وضده الشِّرك. والمتابعة، وضدها البِدْعة  .

2- أنَّ أخْذ الرِّبا يُنافي الإيمان؛ لقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  .

3- رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث حرَّم عليهم ما يتضمَّن الظلم؛ وأكَّد هذا التَّحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يَحمِل على تَرْك هذا المُحرَّم؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وقوله تعالى: اتَّقُوا اللهَ، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ والحُكْم: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا  .

4- في قوله: مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ رحمةُ الله سبحانه وتعالى بالعبادِ؛ حيث أَرسَل إليهم الرُّسلَ؛ لأنَّ العقول لا يُمكِن أن تَستقِلَّ بمعرفة ما يَنفَعها ويَضُرُّها على وجه التَّفصيل؛ لقُصُورها، إنَّما تَعرِفه على سبيل الجُمْلة؛ لقوله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] ؛ فمِن أجْلِ ذلك أَرسَل اللهُ الرُّسلَ؛ فكان في هذا رحمةٌ عظيمة للخَلْق  .

5- مُراعاة العدلِ في معاملة النَّاس بعضهم مع بعض؛ لقوله تعالى: فَلَكُمْ رُوُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ  .

6- فضيلة الإبراء من الدَّين، وأنَّه صَدقة؛ لقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ؛ والإبْراءُ سُنَّة، والإنظار واجب، وهنا السُّنَّة أفضلُ من الواجب بنصِّ القرآن؛ لقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ  .

7- فضيلة العِلم، وأنَّ العِلم يَهدي صاحبَه إلى الخير؛ لقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ  .


الفوائد العلمية واللَّطائف:

1- أنَّ مَن تَعامَل بالرِّبا فإنه يُصاب بالنَّهْمة العظيمة في طلَبِه كما في قوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا  .

2- قوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا: التَّعبير عنه بالأكْل؛ لأنَّه مُعظَم ما قُصِد به، ولشيوعه في المطعومات، مع ما فيه من زيادة تَشنيعٍ لهم، وهو الزِّيادة في المقدار  .

3- أنَّ الشَّيطان يتخبَّط بني آدم فيَصرَعه؛ ولا عِبْرة بقول مَن أَنكَر ذلك كما في قوله يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ  .

4- مُبالَغة أهل الباطل في ترويج باطلِهم؛ لأنَّهم جعَلوا المقيسَ هو المقيس عليه؛ لقولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا؛ وكان مقتضى الحالِ أن يقولوا: إنَّما الرِّبا مِثْلُ البيعِ  .

5- أنَّ الحُكْم لله- تبارك وتعالى- وحده؛ فما أحلَّه فهو حلال؛ وما حرَّمه فهو حرام، سواء علِمْنا الحِكمةَ في ذلك، أم لم نعلم؛ لأنَّه تعالى ردَّ قولهم: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا بقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا؛ فكأنَّه قال: ليس الأمرُ إليكم؛ وإنَّما هو إلى الله  .

6- أنَّ بين الرِّبا والبيعِ فرقًا أوجب اختلافَهما في الحُكْم؛ فإنَّا نعلم أنَّ الله تعالى لا يُفرِّق بين شيئين في الحُكْم إلَّا وبينهما فرقٌ في العِلَّة، والسبب المقتضي لاختلافهما؛ لقوله تعالى: أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: 8] ، وقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  [المائدة: 50] .

7- أنَّ ما أخَذه الإنسانُ من الرِّبا قبل العلم فهو حلالٌ له بشَرْط أنْ يتوب، وينتهي؛ لقوله تعالى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ  .

8- أنَّه لو تاب من الرِّبا قبل أن يَقبِضه، فإنَّه يجب إسقاطُه؛ لقوله تعالى: فَانْتَهَى؛ ومَن أخَذه بعد العِلم، فإنَّه لم يَنْتَهِ  .

9- التَّخويف من التَّفاؤل البعيد لمَن تاب من الرِّبا؛ لأنَّه تعالى قال: فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ؛ يعني أنَّ الإنسانَ يتفاءل، ويُؤمِّل؛ لأنَّ الأمر قد لا يكون على حَسَب تفاؤله  .

10- رأفة الله تعالى بمَن شاء مِن عباده؛ لقوله تعالى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى؛ وهذه رِبوبيَّة خاصَّة تَستلزِم توفيق العبدِ للتَّوبة، حتى ينتهي عمَّا حرَّم الله عليه  .

11- ولَمَّا كان التَّخويفُ من المُحسِن أردعَ؛ لأنَّ النَّفْس منه أَقْبَلُ قال: مِنْ رَبِّهِ: أي: المُربِّي له، المُحسِن إليه بكلِّ ما هو فيه من الخير  .

12- في قوله تعالى: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الإشارةُ إلى عظمةِ هذا الثَّواب؛ لأنَّه أضافه إلى نَفْسه- تبارك وتعالى- والمضاف إلى العظيم يكون عظيمًا  .

13- أنَّه إذا كان الشيءُ مهمًّا، فإنَّه ينبغي أن يُصدَّر بما يُفيد التَّنبيه من نداء، أو غيره كما في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.....  .

14- قوله اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا: فيه مناسبةٌ حسنة، حيث أُمرِوا بتقوى الله قبل الأمر بترْك الرِّبا؛ لأنَّ تقوى الله هي أصلُ الامتثال والاجتناب؛ ولأنَّ تَرْك الرِّبا من جُمْلتها  .

15- وجوب ترْك الرِّبا (سواء سمِّي بهذا الاسم الصَّريح، أو سمِّي بغيره كـ«الفائدة»)- وإن كان قد تَمَّ العَقْد عليه؛ لقوله تعالى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا؛ وهذا في عَقْدٍ استُوفي بعضه، وبقِي بعضه  .

16- أنه لا يجوز إنفاذُ العقود المُحرَّمة في الإسلام- وإن عُقِدت في حال الشِّرك؛ لعموم قوله تعالى: وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا  .

17- الردُّ على الجبريَّة؛ لقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا؛ لأنَّ الجبريَّة يقولون: إنَّ الإنسان لا يستطيع الفِعلَ، ولا الترك؛ لأنه مُجبَر، وحقيقة قولهم تعطيل الأمر والنَّهي؛ لأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يفعلَ ما أُمِر به، ولا تَرْك ما نُهِي عنه  .

18- أنَّ المرابي إذا كان مُعلِنًا الحرب على الله ورسوله، فهو مُعلِن الحرب على أولياء الله ورسوله، وهم المؤمنون؛ وذلك بدَلالة الالتزام؛ لأنَّ كلَّ مؤمن يجب أن يَنتصِر لله، ورسوله؛ فالمؤمنون هم حِزب الله عزَّ وجلَّ ورسوله  .

19- أنَّه لا يجوزُ أخْذ ما زاد على رأس المال من الرِّبا لأيِّ غرضٍ كان؛ سواء أخذه ليتصدَّق به، أو ليَصرِفه في وجوه البِرِّ تَخلُّصًا منه، أو لغير ذلك؛ لأنَّ الله أمر بتَرْكه؛ ولو كان هنا طريقٌ يُمكِن صَرْفه فيه لبيَّنه الله عزَّ وجلَّ  .

20- الإشارة إلى الحِكمةِ من تحريم الرِّبا، وهي ما فيه من الظُّلم؛ لقوله تعالى: لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ  .

21- حِكمة الله عزَّ وجلَّ بانقسِام الناس إلى مُوسِر، ومُعسِر؛ المُوسِر في الآية: الدائن؛ والمُعسِر: المَدين؛ وحِكمة الله عزَّ وجلَّ هذه لا يُمكِن أن تستقيم أمورُ العباد إلَّا بها  .

22- أنَّ الحُكمَ يدور مع عِلَّته وجودًا وعَدَمًا؛ لأنَّه لَمَّا كان وجوب الإنظار مُعلَّلًا بالإعسار، صار مستمرًّا إلى أن تزول العِلَّة- وهي العُسْرة- حتى تجوز مطالبته  .

23- تَفاضُل الأعمال؛ لقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ، وتَفاضُل الأعمال يَستلزِم تَفاضُلَ العامل، وأنَّ العاملين بعضهم أفضل من بعض، وهذا أمرٌ معلوم بالضرورة الشَّرعيَّة والعقليَّة؛ أنَّ العمال يَختلِفون  .

24- الردُّ على الجبريَّة؛ لقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا؛ لأنَّ توجيه الأمْر إلى العبد- إذا كان مجبرًا- من تكليفِ ما لا يُطاق  .

25- في قوله: وَاتَّقُوا يَوْمًا؛ أنَّ التَّقوى قد تُضاف لغير الله- لكن إذا لم تَكُن على وجه العبادة؛ فيُقال: اتَّقِ فلانًا، أو: اتَّقِ كذا؛ وهذا في القرآن والسُّنَّة كثير  . حيث المراد بها المعنى اللُّغوي.

26- أنَّ الصَّغير يُكتَب له الثَّواب؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ  .


بلاغة الآيات:

1- قوله: لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ فيه تشبيه تمثيلي، حيث شبَّه آكِلي الرِّبا عند خروجهم من أجداثهم بمَن أصابه مسٌّ فاختلَّ طبعُه، وانتكستْ حاله  .

وقوله: مِنَ المَسِّ فيه تأكيدٌ؛ ليظهر المرادُ من تخبُّط الشَّيطان؛ فلا يظنُّ أنه تخبُّط مجازيٌّ بمعنى الوسوسة  .

2- قوله: قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فيه تشبيهٌ مقلوب، حيث شبّه البيع بالرِّبا؛ إشارةً إلى أنَّهم عكَسوا الكلام؛ للمبالغة، حتَّى جعلوا الرِّبا أصلًا، والبيع فرعًا فشبَّهوه به، وهو في البلاغة مرتبةٌ عُليا، يُصبح المشبَّه به قائمًا بالمشبَّهِ وتابعًا له  .

3- قوله: يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ بيْن (الرِّبا) وبين (الصَّدقات) مناسبةٌ من جِهة التضاد؛ وذلك لأنَّ الصَّدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمْر الله بذلك، والرِّبا عبارة عن طلب الزِّيادة على المال مع نهي الله عنه، فكانَا متضادَّينِ؛ فلمَّا حصَل بين هذين الحُكمين هذا النوع من المناسبة، لا جرمَ ذُكِر عقيب حُكم الصَّدقات حُكمُ الربا  .

وفي ذِكر (المَحْق) و(الإرباء) بديعُ الطِّباق، وفي ذِكر (الرِّبا) و(يُربي) بديعُ التَّجنيس المغاير  .

4- قوله: وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ فيه تغليظُ أمر الرِّبا، وإيذان أنَّه من فِعل الكفَّار لا مِن فِعل أهل الإسلام، وأتى بصيغة المبالغة في الكافِر والآثم (كفَّار- أثيم)، وإنْ كان تعالى لا يحبُّ الكافر؛ تنبيهًا على عِظم أمْر الرِّبا، ومخالفة الله، وأنَّه لا يقول قولَهم ويُسوِّي بين البيع والرِّبا؛ ليستدلَّ به على أكْل الرِّبا، إلَّا مبالِغٌ في الكفر، مبالِغ في الإثم، ومع المبالغة والتوكيد في أثيم فقد أفاد ذِكره أيضًا زوالَ الاشتراك الذي في (كفَّار)؛ إذ يقع على الزرَّاع الذين يسترون الأرض  .

ومفاد التركيب: أنَّ الله لا يحبُّ أحدًا من الكافرين الآثمين؛ لأنَّ كلمة (كل) من صيغ العموم؛ فهي موضوعةٌ لاستغراق أفراد ما تُضاف إليه  .

5- قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصلاة وآتوا الزكاة فيه ذِكر الخاصِّ بعد العامِّ؛ حيث خصَّص الصَّلاة والزكاة بالذِّكر مع اندراجهما في الصَّالحات؛ لبيان فضلهما، وعلوِّ منزلتهما على سائرِ الأعمال الصالحة، على طريقةِ ذِكر جبريل وميكال عقيبَ الملائكة عليهم السَّلام  .

6- قوله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ تنكير (حرب)؛ للتعظيم  . وفي العدول عن إضافة الحرب إلى الله ورسوله حيث لم يقل: (بحرب الله ورسوله)، وإضافة حرف الجر (مِن) سرٌّ بلاغي بديع، حيث أفاد أنَّه نوعٌ من الحرب عظيمٌ من عند الله ورسوله، وأيضًا أفاد أنَّ الحرب مِن الله لهم؛ فالله تعالى هو الذي يحاربهم، ولو قيل: (بحرب الله)، لاحتمل أن تكون الحربُ مضافةً للفاعِل، فيكون الله هو المحارِب لهم، واحتمل أن تكون مضافةً للمفعول، فيكونوا هم المحاربين لله؛ فكونُ الله تعالى محاربَهم أبلغُ وأزجرُ في الموعظة من كونهم محارِبين لله  .

7- قوله: تُرْجَعُونَ مَن قرأ بياء الغَيبة (يرجعون) فيكون في التفات؛ ووجهه: أنَّ الله تعالى كأنَّه رفَق بالمؤمنين عن أن يواجههم بذِكر الرَّجعة؛ إذ هي ممَّا تتفطَّر له القلوب، فقال لهم: وَاتَّقُوا، ثم رجَع في ذِكر الرَّجعة إلى الغيبة رِفقًا بهم فقال: (يرجعون)  .

8- قوله: ثُمَّ توفَّى التعبير بأداة التراخي (ثم) فيه إشارة إلى طول وقوفهم ذلك الموقفَ في مقام الهيبة، وتمادِي حبسهم في مشهد الجلال والعَظمة  .

سُورَةُ البَقَرَةِ

الآيات (282- 283)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(282)


غريب الكلمات:

أَجَلٍ: الأجل: غاية الوقتِ المحدَّدة، والمدَّة المضروبة للشيء، يقال: دَينه مؤجَّل، جُعل له أجَل  .

وَلْيُمْلِلِ: من أَمللتُ الكتابَ، أي: أمليتُ على أحدٍ شَيْئًا يكتبُه  .

يَبْخَسْ: أي: يَنقُص، وأصْل البَخْس: نَقْص الشيء على سبيل الظُّلم، والشيء الطَّفيف الناقص  .

وتَسْأَمُوا: أي: تَمَلُّوا، وأصْل السَّآمة: الملالة ممَّا يَكْثُر لُبْثه  .

أَقْسَطُ: أي أَعدْلُ وأصحُّ، والقِسْط: هو النَّصيب بالعدل كالنَّصَف والنَّصفة، والعدل، ويقال منه: أَقسط يُقسِط  .

وَأَدْنَى: أي: أَقْرَب، والدُّنوُّ: القُرْب بالذَّات، أو بالحُكم، ويُستعمَل في المكان والزَّمان والمنزلة  .

تَرْتَابُوا: تَشُكُّوا؛ فأصلْ الرَّيب: الشكُّ والخوف  .

تُدِيرُونَهَا بينكم: أي: تَتبايعونها، أو تتداولونها وتتعاطونها من غير تأجيل، وأصْل الدَّوران: إحداقُ الشَّيء بالشَّيء مِن حَوالَيه  .

فَرِهَانٌ: جمْع رهْن، وهو ما يُوضَع وثيقةً للدَّين  ؛ فالرهن: توثقةُ الدَّينِ بعَينٍ يمكنُ استيفاءُ الدَّينِ أو بعضِه منها، أو مِن بعضِها  .


مشكل الإعراب:

1- قوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأتَانِ:

فرَجُلٌ: مبتدأ. وامرأتانِ: معطوف عليه، والخبر محذوف، والتقدير: فرجلٌ وامرأتانِ يقومانِ مقامَ الرَّجُلين. وقيل: فرجُلٌ خبرٌ، والمبتدأ محذوف، والتقدير: فالشاهد رجلٌ وامرأتان. وقيل غير ذلك  .

2- قوله: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ:

لا يُضارَّ: على قِراءة فتح الرَّاء مع التشديد؛ فلا ناهية جازمة، و(يضارَّ) مضارع مجزوم. وعلى قراءة رَفْع الرَّاء مشدَّدة؛ فلا: نافية لا عملَ لها، ويضارُّ: فعل مضارع لم يدخلْ عليه ناصب ولا جازم فرُفع. ويحتمل في الرَّاء الأُولى منه أن تكونَ مكسورة (يُضارِر) فيكون الفعل مبنيًّا للفاعل، ويكون (كاتبٌ ولا شهيدٌ) فاعلين نُهيَا عن مضارَّة المكتوب له والمشهود له. ويحتمل أن تكون الراء بالفتح (يُضارَر) فيكون الفعل مبنيًّا للمفعول، ويكون (كاتبٌ ولا شَهيد) نائِب الفاعل، والتقدير- قبل البِناء للمفعول -: لا يُضارِرْ أحدٌ الكاتبَ ولا الشَّهيدَ  .

3- قوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ

فرهانٌ: مبتدأ، ومقبوضةٌ: نعت، والخبر محذوف، والتقدير: فرهانٌ مقبوضةٌ تَكفي من ذلك. أو خبَر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فالوثيقةُ- أو فالقائم مقامَ ذلك- رِهانٌ مقبوضةٌ. أو مرفوع بفِعل محذوف، أي: فيَكفي عن ذلِك رهانٌ مقبوضةٌ  .


المعنى الإجمالي:

يُرشِد اللهُ عبادَه المؤمنين أنَّهم إذا حصَل بينهم مداينةٌ إلى وقتٍ معلوم، فليُوثِّقوه بالكتابة، وليكن مَن يَكتُب بينهم عارفًا بالكتابة، معروفًا بالعدل والإنصاف، ولا يمتنع مَن يعرف الكتابةَ أن يكتُب بين النَّاس، كما تفضَّل الله عليه بتعليمه، فأمَر بالكتابة، وأنْ يكون من يُملي على الكاتب هو المَدِين، وليَحذَر من عقاب الله في أن يَنقُص صاحبَ الحقِّ شيئًا، وفي حالة كان المَدِين الذي عليه المال جاهلًا، أو لا يُحسِن التصرُّف، أو ضعيفًا لصِغَر أو جنون، أو ليس بمقدوره الإملاءُ لمانعٍ- فلْيَقُم بالإملاء نيابةً عنه مَن يتوَّلى شؤونه، وليتحرَّ الوليُّ الصدقَ، والعدلَ في إملائه. كما أرشد الله عبادَه المؤمنين أن يُشهِدوا شاهدين من الرجال المسلمين العدول، فإنْ لم يكونَا رجُلينِ، فليَشْهَد من الشُّهود المرضيِّين رجلٌ وامرأتان؛ كي تُذكِّر إحداهما الأخرى إنْ وقع منها نسيانٌ، وليس للشُّهداء أن يمتنعوا من تَحمُّل الشهادة أو أدائها إذا دُعُوا إلى ذلك. ويُرشِد الله عباده أيضًا ألا يَمَلُّوا من كتابة كلِّ الدُّيون قليلها وكثيرها إلى وقتها المسمَّى، فإنَّ تقييدَ الدَّين إلى وقته أعدلُ عند الله وأثبت لشهادة الشهود، فلا يقع بينهم خلافٌ؛ لاجتماعهم على ما هو مكتوب، كما أنَّ ذلك أقرب إلى عدم حصول الرِّيبة والتَّنازع، أمَّا إذا كان البائع والمشتري سيَقبِض كلٌّ منهما حقَّه على الفور، فلا حَرَج ولا إثم في تَرْك الكتابة حينها، لكن الإشهاد في حقِّهما مشروع.

ونهى الله تعالى بعد ذلك أهلَ الحقوقِ من الإضرار بالكاتب والشَّاهد على أيِّ نحوٍ كان ذلك الإضرار، كما أنَّ النَّهي عن الإضرار موجَّهٌ إلى الكاتب والشَّاهد ألَّا يَضُرَّا أحدًا من أهل الحقوق بأيِّ شَكْل؛ لأنَّ ذلك الإضرار خروجٌ عن طاعة الله إلى المعصية، ثم أمرهم الله بتقواه، وأَخبَرهم أنه يُعلِّمهم، والله بكلِّ شيء عليم.

ثم يُرشِد اللهُ عبادَه أنَّهم إنْ كانوا على سفرٍ وتداينوا بدَين إلى وقت معلوم، ولم يجدوا مَن يَكتُب لهم توثيقَ الدَّين ووقَته، فلْيَستبدِلوا بذلك التوثيقِ توثيقًا آخَر، وهو رِهانٌ يَقبِضها الدَّائن تكون عنده حتى يأتيه حقُّه، فإنِ استأمَن الدائنُ المدينَ ورَغِب في أن تكون المداينة بلا رَهْن، فعلى المَدين أن يَرُدَّ الدَّين كاملًا، وليحذر مِن الله أن يُعاقِبه إذا خالَف الأمرَ، وارتكب المنهيَّ عنه في ذلك.

ثم نهى سبحانه عن كِتمان الشَّهادة، وذلك بإنكارها بالكُليِّة، أو بالزِّيادة والنُّقصان فيها، مبيِّنًا جلَّ وعلا أنَّ مَن يَكتُمها فإنَّه فاجرُ القلب، مُكتَسِب للإثم بكِتمانه، والله عليمٌ بكلِّ أعمالِ البشر، يُحصيها ويُجازيهم عليها.


تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لَمَّا اهتمَّ القرآن بنظام أحوال المسلمين في أموالهم، فابتدأ بما به قِوام عامَّتهم من: مواساة الفقير، وإغاثة الملهوف، ووضَّح ذلك بما فيه عِبْرة للمُعتبِر، ثم عطَف عليه التحذير من الرِّبا الذي فيه استغلالٌ للمحتاجين، مع ما في تلك المعاملات من المفاسد- ثلَّث ببيان التَّوثقات الماليَّة من الإشهاد، وما يقوم مَقامَه، وهو الرَّهن والائتمان  ، فقال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ.

أي: يا أيُّها المؤمنون، إذا داين بعضُكم بعضًا على أنْ يكون ردُّ الدَّين في وقت معلوم بينكم، فاكتبوه- للتوثُّق والحِفْظ-؛ لكَثْرة النِّسيان، ولوقوع المُغالَطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يَخْشَون الله تعالى، واكتبوه بواسطة كاتب عارِف بكتابة ما يَحصُل به التوثُّق، معروف بالعدل والإنصاف، لا يجورُ في كتابته على أحد، ولا يكتُب إلَّا ما اتَّفقوا عليه من غير زيادة ولا نُقصان، ولا يَميل مع أحدٍ منهم لقَرابة أو غيرها، ولا على أحد لعداوة ونحوها  .

وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا.

أي: لا ينبغي أن يمتنع مَن يعرف الكتابةَ إذا سُئل أن يكتبَ للنَّاس توثيقَ دُيونهم ووقتَ ردِّها، فكما علَّمه اللهُ ما لم يكن يعلم، فخصَّه بعِلم ذلك، وحرَمه عددًا من خَلْقه، فليُحسِن إلى غيره بأن يُبادِر إلى كتابة ذلك بطريقةٍ مُستوفِية لِمَا ينبغي أنْ تكون عليه.

ولْيُمْللِ المدينُ على الكاتب ما في ذِمَّته من الدَّين، وليَحذَر عقابَ الله تعالى في أن يَنقُص صاحبَ الحقِّ شيئًا من مقداره أو كيفيَّته، أو نوعه أو أَجَله أو غير ذلك من توابِعه  .

فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ.

أي: إنْ كان المدينُ- الذي عليه المال- جاهلًا بالصَّواب من الخطأ في الَّذي عليه إملاؤه على الكاتب، أو كان لا يُحسِن التصرُّف، أو ضعيفًا لصِغَره أو جُنونه، أو لا يستطيع الإملالَ لِخَرَسه أو عيِّ لسانه، أو غَيبتِه لسفرٍ أو غيره، فإنَّه ينوبُ عنه في ذلك مَن يتوَّلى شؤونه من أبٍ، أو جدٍّ، أو أخٍ، أو غيرهم، ويَلزَم الوليَّ الإملاءُ بالصِّدق المطابِق للواقع؛ فلا يَزيد، ولا يَنقُص، ولا يَجور على الدائن أو المدين  .

وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.

أي: اطْلُبوا أيضًا- لتوثيق حقوقِكم- شهادةَ رَجلين عليها من المسلمين العدول الذين تَرضَونهم، فإنْ لم يكن الشَّاهدان رجُلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان على ذلك؛ كي تُذكِّر إحدى المرأتين الأخرى، إنْ وقع لها نِسيانٌ  .

وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا.

أي: ليس للشُّهداء أن يَمتنعوا من الإجابة إذا دُعُوا لتحمُّل الشَّهادة أو أدائها  .

وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ.

أي: لا تَمَلُّوا- أيُّها الذين تُداينون النَّاس- من كتابة قليل الدَّين أو كثيره إلى أجَله المُسمَّى؛ فإنَّ كتابة ذلك أعدلُ عند الله، وأثبتُ لشهادة الشُّهود؛ فلا يقع بينهم اختلاف في ذلك لاجتماعهم على ما حواه الكتاب، وأَقْربُ إلى عدم وقوع الرِّيبة وحصول التَّنازُع، فلا تَشُكُّون فيما شَهِد به الشهود من الحقِّ والأَجَل.

ولا حَرَج ولا إثم على المُتبايعِينَ منكم في تَرْك كتابةِ ذلك؛ إذا كان كلٌّ من البائع والمشتري، يَقبِض حقَّه فورًا بلا تأخير، فيأخذ المشتري سِلعتَه، ويَقبِض البائعُ أجرَه قبل مُفارَقة بعضهما، فلا حاجةَ لهما حينئذٍ إلى الكتابة والتَّوثيق، لكن الإشهاد على حقِّهما مشروع  .

وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ.

نهى الله تعالى أهلَ الحقوقِ عَن إيقاع ضررٍ بأيِّ وَجْه من وجوه الضَّرر على كاتبٍ أو شاهِدٍ على حقوقهم، كما لا يَحِلُّ أيضًا لكاتبٍ أو شاهدٍ أن يَضُرَّا أحدًا من أهل الحقوق بأيِّ ضررٍ كان؛ فإنَّ إحداثَ الضرر في ذلك يُعَدُّ خروجًا عن طاعة الله تعالى إلى معصيته  .

وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

أي: خافوا اللهَ- أيُّها المتداينون- في الكتَّاب والشهود أن تُوقِعوا عليهم ضررًا ما، وراقِبوه في غير ذلك من حدوده فلا تُضيِّعوها، واتَّبِعوا أمرَه، واترُكوا نهيَه، والله تعالى يبيِّن لكم على الدوام أحكامَ شريعته فضلًا منه ونعمةً؛ فهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، وعِلْمه محيطٌ بجميع الكائنات، كما أنَّه لا يَخْفى عليه شيءٌ من أعمالكم، فيُحصيها عليكم ويُجازيكم بها  .

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283).

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.

أي: إنْ كنتم مسافرين وتَداينتُم بدَين إلى أجل مسمًّى، ولم تَعثُروا على كاتب يكتُب لكم توثيقَ الدَّين وأجلَه، فليكُنْ بدلَ الكتابة رِهانٌ يَقبِضها صاحبُ الحقِّ، وتكون وثيقةً عنده حتى يأتيه حقُّه  .

فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ.

أي: إنْ كان المَدينُ أمينًا عند صاحب الدَّين فوَثِق فيه، وأحبَّ أن يُعامِله من دون رَهْن، فعلى المَدين أن يردَّ إليه دَينَه كاملًا، غيرَ ظالمٍ له، ولا باخس حقَّه، وليَحذَر ربَّه سبحانه، من أن يُعاقِبه لمخالفته أَمْرَه، وارتكابه نَهْيَه في ذلك  .

وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.

أي: لا تُخْفوا- أيُّها الشُّهود- ما شهِدتم به؛ إمَّا بإنكاره بالكُليَّة، أو بالزِّيادة عليه والنُّقصان منه، ولكن أَجيبوا مَن شَهِدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم بالصِّدق؛ لإثبات حقِّه على غريمه، ومَن يَكتُم شهادتَه فإنَّه فاجرٌ قلبه، مُكتسِب بكِتمانه إيَّاها الإثمَ؛ لأنَّ الحقَّ مبنيٌّ عليها ولا يَثبُت بدونها، فكِتمانها من أعظم الذنوب، والله بما تعملون- في شهادتكم من القيام بها، أو كِتمانها عند حاجة مَن استشهَدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها- عليمٌ؛ يُحصي عليكم أعمالَكم ليَجزيكم بها، إمَّا خيرًا، وإمَّا شرًّا على قدْر استحقاقكم  .


الفوائِد التربويَّة :

1- أنَّ التزامَ هذه الأحكام الواردة في آية الدَّين من مقتضى الإيمان؛ لأنَّه لا يوجَّه الخطابُ بوصْف إلَّا لِمَن كان هذا الوصف سببًا لقَبُوله ذلك الحُكْم؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ...  .

2- أنَّ مُخالَفة هذه الأحكام نَقْصٌ في الإيمان كأنَّه قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ لإيمانكم افْعَلوا كذا؛ فإنْ لم تفعلوا فإيمانكم ناقِصٌ؛ لأنَّ كلَّ مَن يدَّعي الإيمان، ثم يُخالِف ما يَقتضيه هذا الإيمانُ، فإنَّ دعواه ناقصةٌ؛ إمَّا نقصًا كليًّا، أو نقصًا جزئيًّا  .

3- وجوب تقوى الله عزَّ وجلَّ على مَن عليه الحقُّ، وأن يتحرَّى العدل؛ لقوله تعالى: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ  .

4- أنَّه ينبغي للإنسان أن يتجنَّب كلَّ ما يكون له فيه ارتيابٌ وشَكٌّ؛ لقوله تعالى: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا  .


الفوائد العلمية واللَّطائف:

1- العِناية بما ذُكِر من الأحكام في آية الدَّين؛ وذلك لتصدير الحُكْم بالنِّداء، ثم توجيه النِّداء إلى المؤمنين؛ لأنَّ هذا يدلُّ على العناية بهذه الأحكام، وأنَّها جديرة بالاهتمام بها  .

2- بيان أنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ كما يَعتني بالعبادات- التي هي معاملة الخالق- فإنَّه يَعتني بالمعاملات الدَّائرة بين المخلوقين، والردُّ على الذين يقولون: إنَّ الإسلام ما هو إلَّا أعمال خاصَّة بعبادة الله عزَّ وجلَّ، وبالأحوال الشَّخصية، كالمواريث، وما أَشْبهها  .

3- أنَّه تَجوزُ جميعُ أنواع المُداينات من سَلَم  وغيره؛ لأنَّ الله أخبر عن المُداينة التي عليها المؤمنون إخبارًا مقرِّرًا لها، ذاكرًا أحكامها، وذلك يدلُّ على الجواز  .

4- وجوب كتابة الدَّين المؤجَّل؛ لقوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ  .

5- حضور كلٍّ من الدائن والمَدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: بَيْنَكُمْ؛ ولا تتحقَّق البينيَّةُ إلا بحضورهما  .

6- يُشترط أن يكونَ الكاتب عارفًا بكتابة الوثائق وما يَلزَم فيها كلَّ واحد منهما، وما يَحصُل به التَّوثُّق؛ لأنَّه لا سبيلَ إلى العدل إلَّا بذلك، وهذا مأخوذٌ من قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ  .

7- أنَّه يجب على الكاتب أنْ يكتُبَ بالعدل، بحيث لا يُجحِف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و(العدل) هو ما طَابَق الشَّرعَ؛ لقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: 115]   .

8- أنَّه لا يُشتَرط تعيينُ كاتب للنَّاس بشخصِه، وأنَّ أيَّ كاتب يتَّصِف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابتُه ماضيةٌ نافذة؛ لقوله تعالى: كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ؛ وهي نكرة لا تُفيدُ التعيينَ  .

9- تذكير الكَتَبة بنِعمة الله، وأنَّ مِن شُكْر نِعمة الله عليهم أن يكتُبوا؛ لقوله تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ  .

10- أنَّ الإنسان لا يَستقِلُّ بالعِلم؛ لقوله تعالى: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ؛ حتى في الأمور الحِسيَّة التي تُدرَك عن طريق النَّظر، أو السَّمع، أو الشَّمِّ، لا يَستطيع الإنسان أن يَعلَمها إلَّا بتعليم الله عزَّ وجلَّ  .

11- أنَّ الرُّجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيَّته؛ بل في كلِّ ما يتعلَّق به إلى المدَين الذي عليه الحقُّ- لا إلى الدَّائن؛ لقوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لأنَّه لو أملى الذي له الحقُّ فربما يَزيد  .

12- في قوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ دلالةٌ على أنَّ إقرارَ الإنسان على نَفْسه مقبول؛ لأنَّ الله أَمَر مَن عليه الحقُّ أن يُمْلي على الكاتب، فإذا كتب إقرارَه بذلك، ثبَت مُوجبه ومضمونه، وهو ما أقرَّ به على نفْسِه، ولو ادَّعى بعد ذلك غَلَطًا أو سهوًا  .

13- أنَّه ينبغي في مقام التَّحذير أن يُذكَر كلُّ ما يكون به التَّحذير؛ لقوله تعالى: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا؛ ففي مقام الألوهيَّة يتَّخِذ التَّقوى عبادة؛ لأنَّ الألوهيَّة هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهدُه الرُّبوبيَّة؛ لأنَّ الربَّ عزَّ وجلَّ خالقٌ مالِك مُدبِّر  .

14- أنَّ أسباب القصور ثلاثة: السَّفَه؛ والضَّعف؛ وعدم الاستطاعة؛ فالسَّفَه: ألَّا يُحسِن التَّصرُّف، والضَّعيف: يَشمَل الصَّغير والمجنون؛ ومَن لا يستطيع: يشمل مَن لا يَقدِر على الإملال لخَرَس، أو عِيٍّ، أو نحو ذلك كما في قوله: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ  .

15- قَبُول قولِ الوليِّ فيما يُقِرُّ به على مولاه؛ لقوله تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ  .

16- ثُبُوتُ الوَلاية في الأموال؛ لقوله تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ  .

17- أنَّ الحقَّ يكون على الصَّغير والسَّفيه، والمجنون والضَّعيف، لا على وَلِيِّهم، كما قال سبحانه: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ  .

18- أنَّ إقرار الصَّغير والسَّفيه، والمجنون والمعتوه ونحوهم، وتصرُّفهم غير صحيح؛ لأنَّ الله جعَل الإملاءَ لوَلِيِّهم، ولم يجعلْ لهم منه شيئًا؛ لطفًا بهم ورحمة؛ خوفًا مِن إتْلافِ أموالهم، كما قال تعالى: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ  .

19- قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ... الآية، فيه مشروعيَّة تعلُّم الأمور التي يتوثَّق بها المتداينون، كلُّ واحد من صاحبه؛ لأنَّ المقصودَ من ذلك هو التوثُّقُ والعدل، وما لا يتمُّ المشروع إلا به فهو مشروع  .

20- أنَّ تَعلُّم الكتابةِ مشروع، بل هو فَرْض كفاية؛ لأنَّ الله أَمَر بكتابة الدُّيون وغيرها، ولا يَحصُل ذلك إلَّا بالتعلُّم  .

21- أنَّ شهادةَ الصِّبيان غير مقبولة؛ لمفهوم لَفْظ الرَّجُل في قوله: فَرَجُلٌ  .

22- أنَّ شهادة العبد البالِغ مقبولةٌ كشهادة الحُرِّ؛ لعموم قوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ، والعبد البالِغُ من رِجالنا  .

23- أنَّ شهادة الكُفَّار- ذُكورًا كانوا أو إناثًا- غير مقبولة؛ لأنَّهم ليسوا منَّا، وقد قال الله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ، ولأنَّ مَبنى الشَّهادة على العَدالة، والكفَّار غير عُدول  .

24- في قوله وَامْرَأَتَانِ فضيلة الرجُل على المرأة، وأنَّ الواحد في مقابلة المرأتين؛ لقوة حِفْظه، ونَقْص حِفْظها، لكن قِصَر حِفْظ المرأة وإدراكها عن حِفْظ الرَّجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يُرَدُّ على ذلك بنبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرِّجال  .

25- جوازُ شهادة الإنسان فيما نَسِيه إذا ذُكِّر به فذكَر؛ لقوله تعالى: فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى؛ فإن ذُكِّر ولم يَذكُر، لم يَشهَد  .

26- تسمية المدعوين شُهداءَ باعتبار الأوَّل القريب، وهو المُشارَفة، وكأنَّ في ذلك نُكْتةً عظيمة: وهي الإيماءُ إلى أنَّهم بمجرِّد دعوتهم إلى الإشهاد، قد تعيَّنت عليهم الإجابةُ، فصاروا شهداءَ  .

27- أنَّ ما ذُكِر من التوجيهات الإلهيَّة في آية الدَّين فيه ثلاثة فوائد: الأولى: أنَّه أَقْسَط عند الله، أي: أعدل عنده؛ لِمَا فيه من حِفْظ الحقِّ لمن هو له، أو عليه. الثانية: أنَّه أَقومُ للشَّهادة؛ لأنَّه إذا كُتِب لم يَحصُل النِّسيان. الثالثة: أنَّه أَقْربُ لعدم الارتياب  .

28- في قوله تعالى: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ دلالةٌ على العمل بالكتابة، واعتمادها حُجَّة شرعيَّة إذا كانت من ثِقةٍ معروفٍ خطُّه  .

29- أنَّ الشَّهاداتِ تتفاوت؛ فمنها الأقوم، ومنها القيِّم، ومنها ما ليس بقيِّم؛ فالذي ليس بقيِّم هو الذي لم تَتِمَّ فيه شروط القَبول؛ والقيِّم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكملَ من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ  .

30- أنَّ الأصل في التِّجارة الدَّوران؛ لقوله تعالى: تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ  .

31- أنَّ الإشهاد ينبغي أن يكون حين التَّبايُع؛ بمعنى أنه لا يتقدَّم، ولا يتأخَّر؛ لقوله تعالى: إِذَا تَبَايَعْتُمْ؛ لأنَّ العَقدَ لم يتمَّ إذا كان الإشهاد قَبْله؛ وإذا كان بعده فربَّما يكون المبيعُ قد تغيَّر  .

32- في قوله تعالى: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ دلالةٌ على أنَّ المضارَّة- سواء وقعتْ من الكاتب، أو الشَّاهد، أو عليهما- فُسُوقٌ؛ والفِسْق يترتَّب عليه زوالُ الولايات العامَّة والخاصَّة إلَّا ما استثُنِي؛ والفاسق يُهجَر؛ إمَّا جوازًا، أو استحبابًا، أو وجوبًا- على حسَب الحال- إنْ كان في الهجرِ إصلاحٌ له  .

33- أنَّ الأصل في الإنسان الجهل؛ والعلم طارئ عليه؛ لقوله تعالى: وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78]   .

34- عِناية الله عزَّ وجلَّ بحِفْظ أموال عباده؛ يعني أنَّه سبحانه وتعالى ذكَر حتى هذه الصُّورة: أنَّ الإنسان إذا دَاينَ غيرَه، ولم يجد كاتبًا، فإنَّه يَرتَهِن رَهْنًا؛ حِفْظًا لماله، وخوفًا من النِّزاع والشِّقاق في المستقبل  .

35- أنَّ بعض العلماء استدلَّ بهذه الآية فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ على لُزومِ القَبْض في الرَّهن  .

36- أنَّه إذا حصَل الائتمانُ من بعضنا لبعضٍ لم يجب رَهْنٌ، ولا إشهاد، ولا كتابة؛ لقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  .

37- أنَّه لو تلِفتِ العينُ بيَدِ الأمين، فإنَّه لا ضَمانَ عليه ما لم يتعدَّ، أو يُفرِّط؛ لقوله تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  .

38- الردُّ على غُلاة القَدَريَّة الذين يقولون: إنَّ الله لا يعلم بأفعال العباد إلَّا إذا وقعت؛ فإنَّ قوله تعالى: بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يتضمَّن ما قد عمِلْناه بالفعل، وما سنَعمَله  .


بلاغة الآيات:

1- في قوله: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ زاد قَيدَ بِدَيْنٍ مع أنَّه مفهوم من قوله: تَدَايَنْتُمْ؛ للتأكيد، وهو إمَّا يكون من باب الإطناب. وإمَّا يكون معادًا للضمير في قوله: فَاكْتُبُوهُ، ولولا ذِكرُه لقال: (فاكْتُبُوا الدَّينَ)، لم يكنِ النظمُ بذلك الحُسن، ولأنَّه أبينُ لتنويع الدَّينِ إلى مؤجَّل وحالٍّ، وليدلَّ على العموم، أي: أيَّ دَين، قليلًا كان أم كثيرًا  .

2- قوله: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فيه التأكيد بـ(مسمًّى)، وليعلم أنَّ مِن حقِّ الأجَل أن يكون معلومًا بالتوقيتِ بالسَّنة والأشهر والأيَّام  .

3- قوله: فَلْيَكْتُبْ تفريعٌ على قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ، وهو تصريحٌ بمقتضى النهي، وتكرير للأمْر في قوله: فَاكْتُبُوهُ؛ إذ يُفيد تأكيد الأمر وتأكيد النَّهي أيضًا، وأُعيد ليرتَّب عليه قوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لبُعد الأمر الأول بما وليه  .

وفيه تأكيدٌ أيضًا؛ حيث أمَر بالكتابة المُعلَّمة بعدَ النَّهي عن الإِباء عنها تأكيدًا  .

 4- قوله: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ووَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ فيه تكرار للتأكيد؛ فإنَّه أمَر عند المداينة بالكتابة أولًا، ثم بالإشهاد ثانيًا، ثم أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد، فأمر بالكتابة  .

- وجاء بصيغة النهي وَلَا يَأْبَ؛ اهتمامًا بما يقع فيه التفريط؛ فإنَّ المتعاقدين يُظنُّ بهما إهمال الإشهاد، فأُمِرَا به، والشهود يُظنُّ بهم الامتناع فنُهوا عنه، وكلٌّ يستلزم ضدَّه  .

5- التنكير في قوله: كَاتِبٌ للعموم؛ إذ هي نكرة في سياق النَّهي، فتعمُّ  .

 6- شَهِيدَينِ: التعبير بلفظة (شهيد) التي على صِيغة فعيل؛ للمبالغة في المعنى في تحقُّق الوصف بالاستبصار والخبرة، وهو مَن كثُرت منه الشهادة، وفي ذلك إشارة إلى العدالة؛ لأنَّه لا يتكرَّر ذلك من الشَّخص عند الحُكَّام إلَّا وهو مقبولٌ عندهم  .

7-قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ ذكر قوله: كَاتِبٌ للتأكيد؛ إذ قد فُهِم من قوله: فَلْيَكْتُبْ  .

8- قوله: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فيه من البَلاغة: تصوير المُجسَّد الحاكي  ؛ إذ لفظةُ (بخس)، في الأصل اللُّغوي للعين العوراء، يُقال: بخَسَتْ عينُه، أي: عَوِرت، ولا يَخفى ما في هذا التصويرِ مِن التأكيدِ في الدَّلالة والبيان على مجرَّد البيان القولي  .

قوله: منه فيه إيجازٌ بديع؛ إذ الضمير عائدٌ إلى الحق، وهو حقٌّ لكِلا المتداينين، فإذا بَخَس منه شيئًا أضرَّ بأحدهما لا محالة  .

9- قوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ... فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فيه تكرار لفظ (الحقُّ)؛ للتأكيد على الدُّعاء إلى اتِّباعه، وأتى بلفظة (على)؛ للإعلام أنَّ لصاحب الحقِّ مقالًا واستعلاء  .

10- قوله: أنْ يُمِلَّ هُو فيه تأكيد بذِكر الضَّمير (هو) الذي هو تأكيدٌ للضمير المستتر في الفِعل، وفي هذا التوكيد من الفَصاحة ما لا يَخفَى، وفيه التنصيصُ على أنَّه غير مستطيعٍ بنفسه  .

وتأكيد الضَّمير المستتر في فِعل (يملَّ) بالضمير البارز (هو) تمهيدٌ لقوله: فلْيُمْلِل؛ لئلَّا يتوهَّم الناس أنَّ عجزَه يُسقِط عنه واجبَ الإشهاد عليه بما يَستدينه  .

11- قوله: وَلْيَتَّقِ اللهَ فيه التعبير بالاسم العظيم (الله)؛ ليكون أزجرَ للمأمور، ثم قال: رَبَّه تذكيرًا بأنَّه لإحسانه لا يأمر إلَّا بخير، وترجيةً للعوض في ذلك إذا أدَّى فيه الأمانة في الكمِّ والكيف من الأجَل وغيره؛ وأكَّد ذلك بقوله: وَلَا يَبْخَسْ  .

12- قوله: أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فيه تكرار  . وإظهار (إحداهما) في مقام الإضمار، وفائدته: قصْد استقلال الجملة بمدلولها؛ كيلَا تحتاج إلى كلام آخَر فيه معاد الضمير لو أُضمر، وذلك يُرشِّح الجملة لأنْ تَجريَ مَجرى المَثَل  .

 وأيضًا قوله: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى تعليلٌ لاعتبار العدَد في النِّساء، والعلةُ في الحقيقة هي التذكيرُ، ولكنَّ الضلالَ لَمَّا كان سببًا له، نُزِّل منزلتَه.

وفي قوله: إحْدَاهُمَا ثانيةً: تأكيدٌ للإبهام، والمبالغة في الاحتراز عن توهُّم اختصاصِ الضَّلال بإحداهما بعينها والتذكير بالأخرى؛ إشارة إلى أنَّهما يتبادلانِ الخطأ والتذكير، والمعنى: أن تضلَّ واحدةٌ منهما؛ فتذكِّر كلُّ واحدة الأُخرى إذا نسيت  .

13- قوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فيه تشبيهٌ، أي: كتابة تُشابه الذي علَّمه الله أن يكتبها، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة، أو تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافِئِه، والعوض بمعوضه، أي: يكتُب كتابةً تكافئ تعليمَ الله إيَّاه الكتابة، فينفع الناس بها؛ شكرًا على تيسير الله له أسبابَ علمها، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل، كما في قوله تعالى: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ [القصص: 77]   .

14- قوله: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ فيه النَّهي عن شيء، والمراد النَّهي عن أَثرِه، وهو هنا تَرْك الكتابة؛ لأنَّ السَّآمة تَحصُل للنَّفس من غير اختيار، فلا يُنهى عنها في ذاتها، وقيل: السَّآمة هنا كِناية عن الكسلِ والتَّهاون  .

قوله: صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا: تقديم الصَّغير على الكبير هنا، مع أنَّ مقتضى الظَّاهر العكس؛ لأنَّه قَصَد هنا إلى التَّنصيص على العموم؛ لدَفْع ما يَطرأ من التوهُّمات في قلَّة الاعتناء بالصَّغير، وهو أكثر، أو اعتقاد عدَم وجوب كتابة الكبير لو اقتصَر في اللَّفظ على الصَّغير  .

15- في قوله: وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تَكرَّر لفظة الجلالة (الله) في الجُمَل الثلاث؛ لأنَّ الذِّكر أدخلُ في التعظيم من الكِناية؛ لإدخال الرَّوْع في القلوب، وإحداث المهابة في النفوس، وترسيخ الحُكم في الأذهان، والإشعار بأنَّه تعالى مطَّلع على السرائر، لا تعزُبُ عنه همساتُ القلوب، وخَلجاتُ الضَّمائر  .

وفيه غاية المناسبة في ختْم آياتِ هذه المعاملات بصِفة العِلم بعد الأمْر بالتقوى؛ لِما يفعله المتعاملون من الحِيَل التي يجتلب كلٌّ منهم بها الحظَّ لنفسه، والترغيب في امتثال ما أمرهم به في هذه الجُمل بأنَّه من علمه وتعليمه، وهذا الخَتْم جامعٌ لبشرى التعليم، ونذارة التهديد  .

16- وفي هذه الآية: إطنابٌ وبسط شديد، وتأكيداتٌ عديدة في حِفظ الأموال في المعاملات؛ حيث قال أولًا: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، ثم قال ثانيًا: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ، ثم قال ثالثًا: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ، فكان هذا كالتَّكرار لقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ؛ لأنَّ العدل هو ما علَّمه الله، ثم قال رابعًا: فَلْيَكْتُبْ وهذا إعادة الأمر الأوَّل، ثم قال خامسًا: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وفي قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ كفاية عن قوله: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لأنَّ الكاتب بالعدل إنَّما يكتُب ما يُملَى عليه. وقال سادسًا: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وهذا تأكيد، ثم قال سابعًا: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فهذا كالمستفادِ من قوله: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ، ثم قال ثامنًا: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ، وهو أيضًا تأكيدٌ لِمَا مضى، ثم قال تاسعًا: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا، فذكَر هذه الفوائد الثلاث لتلك التأكيدات السالِفة، وكلُّ ذلك يدلُّ على أنَّه لَمَّا حثَّ على ما يَجري مجرى سبب تنقيص المال في الحُكمين الأولين، بالَغَ في هذا الحُكم في الوصية بحِفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك والبوار؛ ليتمكَّن الإنسانُ بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخطِ الله من الرِّبا وغيره، والمواظبة على تقوى الله؛ فهذا من وجوه محاسنِ النَّظم الشريف ولطافتِه  .

17- وفي الآية: إيجاز بالحذف في مواضعَ عديدة؛ في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، حُذِف متعلق الإيمان. وفي قوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ، أي: الكتابةَ والخط. وفي قوله: وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ، أي: في إملائِه. وفي قوله: سَفِيهًا، أي: في الرأي، أَوْ ضَعِيفًا، أي: في البينة. وفي قوله: مِن رِجَالِكُمْ، أي: المعيَّنين للشهادة المرضيِّين، فَرَجُلٌ، أي: مرضيٌّ، وامْرَأَتَانِ مرضيَّتان، مِن الشُّهَدَاءِ المرضيِّين... إلخ  .

18- وفيها: تلوينُ الخِطاب بالالتفات في مواطِن أيضًا؛ في الانتقال من الحُضور إلى الغَيبة، في قوله: فَاكْتُبُوهُ، وَلْيَكْتُبْ، ومن الغَيبة إلى الحضور في قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ، وَأَشْهِدُوا. ثم انتقل إلى الغَيبة بقوله: وَلَا يُضَارَّ، ثم إلى الحُضور بقوله: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ، ثم إلى الغَيبة بقوله: وَمَنْ يَكْتُمْهَا، ثم إلى الحضور بقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ  .

19- قوله: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فيه جمْع ما بين الاسم الجليل، والنَّعت الجميل؛ للمبالغة في التحذير  ، وهو خبَر، غرَضُه التهديد والتحذير من الإقدام على هذا الكِتمان؛ لأنَّ المكلَّف إذا علِم أنَّه لا يعزُب عن علم الله ضميرُ قلبه، كان خائفًا حذرًا من مخالفة أمر الله تعالى؛ لأنَّ القادر لا يَحُول بينه وبين المؤاخذة إلَّا الجهلُ، فإذا كان عليمًا أقام قسطاسَ الجزاء  .

20- في قوله: وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ الجمع بين عنوان الألوهيَّة وصِفة الربوبيَّة، فيه تأكيد، وشدَّة تحذير من المخالفة. وذِكر اسم الجلالة فيه- مع إمكان الاستغناء بقوله: (وَلْيَتَّقِ رَبَّه)-؛ لإدخال الرَّوع في ضمير السَّامع، وتربية المهابة  .

21- قوله: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ... النهي عن كتمان الشهادة كلِّها بعمومه، والتعقيب به بعدَما سبَق من وصاية للشُّهداء، والأمر أن يكتب الشاهد بالعدل، والنهي عن الامتناع من الكتابة بين المتداينين- بمنزلة التذييل لأحكام الشَّهادة في الدَّين  .

22- قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ فائدة ذِكر القلب- مع أنَّ جملة الجَسَد هي الآثمة لا القلب وحْده؛ لأنَّ كتمان الشهادة إثم مُقترَف بالقلب، فأُسند إليه؛ لأنَّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يُعمل بها أبلغُ، ويُقال عند التوكيد: هذا ممَّا أبصرتْه عيني، وممَّا سمعته أُذني  .

 الآيات (284-286)

۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(283)

لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(284)

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(286)

غريب الكلمات:

غُفْرَانَكَ: أي: اغفِر مغفرتَك، أو نسألك مغفرتَك، والمغفرة: هي السَّتر لخَلَّة المسلم وفاقته، وترْك أذيَّته؛ وأصْل الغَفْر: السَّتر، والوقاية  .

أَخْطَأْنَا: فاتَنا الصَّواب، وعدَلنا عنه، وسَهَوْنا، من غير تعمُّد -مِن أخْطأ-، وأمَّا إذا تعمَّد الذَّنب، وأثِم، فهو من خَطِئ لا مِن أخطأ. وقيل: هما بمعنًى واحد  .

إِصْرًا: أي: ثقلًا، وأصْل الأصْرِ: عقْدُ الشَّيء، وحبْسُه بقهره، أو الحَبْس والعَطف  .


المعنى الإجمالي:

إنَّ لله وحْده جلَّ وعلا كلَّ ما في السَّموات والأرض، وهو مُطَّلِعٌ على كلِّ ما فيها، لا يَخْفى عليه شيء من أمور العباد، وسيُحاسِبهم على ما أظْهَروه وما أَسرُّوه في أنفسهم، فيَغفِر بعد المحاسبة لمَن يشاء، ويُعذِّب مَن يشاء، والله تعالى لا يُعجِزه شيء؛ فهو على كلِّ شيء قدير.

ثم يُخبِر تعالى أنَّ رسولَه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّمَ آمَن بما أوحاه الله إليه من الكتاب والسُّنَّة، وكذلك فعَل المؤمنون، فكلٌّ من الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين قد آمن بالله وجميعِ ملائكته وكُتُبِه ورُسُله بلا تفريق بينهم، فلا يؤمنون ببعض ويَكْفرون ببعضٍ، وقال جميع المؤمنين: سَمِعنا قولَ ربِّنا، وقبِلناه، وعمِلنا بمقتضاه، ودَعَوا ربَّهم أن يغفر ذنوبهم، مُعترِفين ومُقرِّين بأنَّ إليه المعاد والمرجع.

ثم امتنَّ الله تعالى على عباده أنه لا يُحمِّل نفسًا فوق طاقتها، فلا يَفرِض عليها من العبادة إلَّا ما كان بمقدورها تحمُّله، ولكل نفْس ما عمِلت من خير، وعليها ما عمِلت من شرٍّ، ثم أمَر عباده أن يَدْعُوه بألَّا يُعاقِبهم عند النِّسيان، أو الخطأ، وألَّا يُحمِّلهم من الأعمال الشَّاقة والثَّقيلة عليهم كما كلَّف بها الأممَ الماضية، وألَّا يُكلِّفهم من الأعمال ما لا يُطِيقون القيام به، وأنْ يغفر لهم ويَرْحمهم، فهو وَلِيُّهم وأنْ ينصُرهم على مَن كفَر به عزَّ وجلَّ.


تفسير الآيات:

لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284).

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

لما ضمَّن الله تعالى هذه السُّورة أكثرَ عِلم الأصول والفروع من: دلائل التَّوحيد، والنُّبوة، والمعاد، والصَّلاة، والزَّكاة، والقِصاص، والصَّوم، والحجِّ، والجهاد، والحيض، والطَّلاق، والعِدَّة، والخُلْع، والإيلاء، والرَّضاعة، والرِّبا، والبيع، وكيفيَّة المُداينة، ناسَب تكليفه إيَّانا بهذه الشرائع أن يذكُر أنَّه تعالى مالكٌ لِمَا في السَّموات وما في الأرض؛ فهو يُلزِم مَن شاء من مملوكاته بما شاء من تعبُّداته وتكليفاته، ولَمَّا كان محل اعتقاد هذه التكاليف هو الأنفُس، وما تنطوي عليه من النيَّات، وثواب مُلتزِمها وعقاب تارِكها إنما يَظهَر في الدَّار الآخرة- نبَّه على صفة العلم التي بها تقَعُ المحاسبةُ في الدَّار الآخرة  ، فقال:

لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله.

أي: إنَّ لله تعالى وحده ما في السَّموات والأرض وما بَينهما، خَلْقًا ومُلْكًا وتدبيرًا، وهو المُطَّلِع على مَنْ فيهما، لا يَخفى عليه شيء مُطلَقًا، وسيُطْلِعهم على وجه المحاسبة على إظهارِ ما انطوت عليه نفوسُهم، أو إضماره، ممَّا استقرَّ فيها وثبَت، من الكُفْر والنِّفاق، أو من الأوصاف السيِّئة التي تتَّصِف بها، أو من العزائم المصمِّمة على ارتكاب معصية  .

فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

أي: فيغفر بعد المحاسبة، لِمَن أتى بأسباب المغفرة فضلًا منه، ويُعاقِب مَن يكفُر به، أو يُصِرُّ على المعاصي، في باطنه أو ظاهره عدلًا منه، فالله تعالى لا يُعجِزه شيءٌ، ومن تَمام قُدْرته محاسبةُ الخلائق، وإيصالُ ما يَستحِقُّونه من الثواب والعقاب  .

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إنَّ الله تَجاوَز لأُمَّتي ما حدَّثتْ به أنفسَها، ما لم يتكلَّموا، أو يعملوا به  ))  .

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285).

فضْل خواتيم سورة البقرة:

عن عُقْبة بن عمرٍو رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((مَن قرَأ بالآيتَينِ مِن آخِرِ سورةِ البقرةِ في ليلةٍ كفَتاه    )  .

وعَن عبدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، قال: (لمَّا أُسْريَ برسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ انتُهيَ بِهِ إلى سِدرةِ المنتَهَى، وَهيَ في السَّماءِ السَّادسةِ، إليها يَنتَهي ما يُعرَج بِهِ منَ الأرضِ، فيُقبَض منها، وإليها ينتَهي ما يُهْبَطُ بِهِ مِن فوقِها فيُقبَضُ منها، قالَ: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم: 16]، قال: فَرَاشٌ من ذَهَبٍ، قالَ: فأُعْطيَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ثلاثًا: أُعْطيَ الصَّلواتِ الخمسَ، وأُعْطيَ خواتيمَ سورةِ البقرةِ، وغُفِرَ لِمَن لم يُشرِك باللهِ من أمَّتِهِ شيئًا المُقْحِماتُ   )  .

وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، قال: (بينما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، سمِع نقيضًا من فوقِه، فرفع رأسَه، فقال: هذا بابٌ من السَّماءِ فُتِحَ اليومَ، لم يُفتَح قطُّ إلا اليومَ، فنزل منهُ مَلَكٌ، فقال: هذا مَلَكٌ نزل إلى الأرضِ، لم ينزل قطُّ إلا اليومَ، فسلَّم وقال: أبشِر بنورَينِ أُوتِيتَهما لم يُؤتَهما نبيٌّ قبلك: فاتحةُ الكتابِ، وخواتيمُ سورةِ البقرةِ؛ لن تقرأَ بحرفٍ منهما إلَّا أُعطيتَه  ))  .

وعن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: لَمَّا نَزلَت على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قالَ: فاشتدَّ ذلك على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتَوْا رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ، فَقالوا: أيْ رسولَ اللهِ، كُلِّفنا منَ الأَعمالِ ما نُطيقُ؛ الصَّلاةَ والصِّيامَ، والجِهادَ والصَّدقةَ، وقد أُنْزِلَت عليكَ هذه الآيةُ، ولا نُطيقها، قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أتُريدونَ أن تَقولوا كما قالَ أَهْلُ الكتابَينِ من قبلِكُم: سمِعنا وعصَينا؟ بل قولوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فلمَّا اقتَرأَها القومُ، ذلَّت بِها ألسنتُهُم، فأنزلَ اللهُ في إثرِها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلمَّا فعَلوا ذلك نسَخها اللهُ تعالى، وأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، قالَ: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، قال: نعَم  ))  .

عن النُّعمانِ بن بَشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ كتَب كتابًا قبل أن يَخْلُق السَّمواتِ والأرضَ بأَلْفَي عامٍ أَنْزَلَ منه آيتينِ ختَم بهما سورةَ البقرةِ، ولا يُقرأانِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيَقْرَبُها شيطانٌ  ))  .

مُناسبة الآية لِمَا قبلها:

أنَّه تعالى لَمَّا قال: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، بيَّن أنه لا يَخْفى عليه مِن سِرِّنا وجَهْرنا، وباطننا وظاهرنا شيءٌ البتَّة، ثم إنَّه تعالى ذكَر عقيبَ ذلك ما يَجْري مجرى المدحِ لنا والثَّناء علينا، فقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ كأنَّه بفضْله يقول: عبدي، أنا وإن كنتُ أعلمُ جميعَ أحوالك، فلا أُظهر من أحوالك، ولا أذكُر منها إلَّا ما يكون مدحًا لك، وثناءً عليك، حتى تعلم أنِّي كما أنا الكامل في المُلْك والعِلْم والقُدرة، فأنا الكامل في الجُودِ والرَّحمة، وفي إظهار الحسنات، وفي السَّتر على السيِّئات.

وأيضًا لَمَّا بيَّن الله تعالى في الآية المتقدِّمة كمالَ الملْك، وكمال العلم، وكمال القُدرة لله تعالى، وذلك يُوجِب كمال صِفات الرُبوبيَّة أَتْبَع ذلك بأنْ بيَّن كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطَّاعة والخضوع لله تعالى، وذلك هو كمالُ العبوديَّة، وإذا ظهَر لنا كمال الرُّبوبيَّة، وقد ظهر منَّا كمال العبوديَّة، فالمرجوُّ من عميم فضْله وإحسانه أنْ يُظهِر يومَ القيامة في حقِّنا كمالَ العناية والرَّحمة والإحسان  .

المناسبة بين فاتحةِ السُّورة وخاتمتِها:

أنَّ الله تعالى مدَحَ في أوَّل السُّورة المتقين، فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وبيَّن في آخرِ السورةِ أنَّ الذين مدَحهم في أولِ السورةِ هم أمةُ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ. وهذا هو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ثم قال هاهنا: وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وهو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ وَيُقِيمُونَ الصَّلواة َ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، ثم قال هاهنا: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. وهو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ وَبِالآخِرَة ِ هُمْ يُوقِنُونَ ثم حكَى عنهم هاهنا كيفيةَ تضرُّعِهم إلى ربِّهم في قولِهم: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا إلى آخِر السُّورة، وهو المرادُ بقولِه في أولِ السورةِ: أولئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وَأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فانظرْ كيف حصَلتِ الموافقةُ بينَ أولِ السورةِ وآخرِها  .

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ.

أي: آمَن رسولُ الله محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأقرَّ وانقاد لِمَا أُوحي إليه من ربِّه من الكتاب والسُّنة، وكذلك آمن المؤمنون، وكلٌّ من الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام والمؤمنين جميعًا يؤمنون حقًّا بالله تعالى وبجميع ملائكته، وجميع كُتُبه، ويُعلِنون إيمانَهم بجميع رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، دون أيِّ تفريق بين أحدٍ منهم، فلا يؤمنون ببعضٍ، ويَكْفُرون ببعض  .

وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

أي: قال جميع المؤمنين: سَمِعنا قولَ ربِّنا، وأمْره ونهيه، وفَهِمنا ذلك، فقبِلْناه، وعمِلْنا بما أَمَر، واجتنبْنا ما عنه زجَر، وقالوا: نسألك يا ربَّنا أن تَستُر لنا على الدوام ذنوبَنا، وتتجاوز عن عِقابنا عليها، وأنت يا ربَّنا مَرجِعُنا في كلِّ أمورنا، وإليك مَعادُنا، ومَعاد كلِّ الخلائق فتَجزيهم بما عمِلوا من خيرٍ وشرٍّ  .

لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).

سبب النُّزول:

عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا نَزلَت علَى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، قالَ: فاشتدَّ ذلك على أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأتَوا رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ثمَّ برَكوا علَى الرُّكَبِ، فقالوا: أيْ رسولَ الله، كُلِّفنا منَ الأَعمالِ ما نُطيقُ: الصَّلاةَ والصِّيامَ، والجِهادَ والصَّدَقةَ، وقد أُنْزِلَت عليكَ هذه الآيةُ ولا نُطيقُها، قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ: أتُريدونَ أنْ تَقولوا كما قال أَهْلُ الكتابَينِ من قبلِكُم: سمِعنا وعصَينا؟ بل قولوا: سَمِعنا وأطَعْنا، غُفرانَكَ ربَّنا وإليكَ المَصيرُ، فلمَّا اقتَرأَها القومُ، ذلَّت بِها ألسنتُهُم، فأنزلَ اللهُ في إثرِها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلمَّا فعَلوا ذلك نسخَها اللهُ تعالى، وأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قالَ: نعَم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، قالَ: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، قال: نعَم  ))  .

وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ((لَمَّا نزلت هذِهِ الآيةُ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، قال: دخلَ قلوبَهُم منها شيءٌ لم يدخُل قلوبَهُم من شيءٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: قولوا: سَمِعنا وأطَعْنا وسلَّمنا، قالَ: فألقى اللهُ الإيمانَ في قلوبِهِم، فأنزلَ اللهُ تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قالَ: قَد فعلتُ، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قالَ: قد فَعلتُ  ، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا، قالَ: قد فَعلتُ  ))  .

لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.

أي: لا يُحمِّل الله تعالى نفسًا فوقَ طاقتِها، فلا يتعبَّدها إلَّا بما يَسَعُها تَحمُّله، فلا يُضيِّق عليها، ولا يُجهِدها بما لا قِبل لها به، وهو وإنْ حاسَب وسأل، لكنَّه لا يُعذِّب بما لا يُمكِن للمرء دفْعُه؛ كوسوسة عَرَضتْ له، أو خَطْرة خطَرتْ بقلبه، ولكلِّ نَفْس ما عمِلتْ من خير، لا يَنقُص منها شيءٌ؛ وعليها ما عمِلتَ من شرٍّ، لا يُزاد عليها شيء  .

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.

أي: قولوا: يا ربَّنا، لا تُعاقِبْنا إنْ نسِينا القيامَ بفرضٍ، أو تَرْك مُحرَّم، ولا تُعاقِبنا يا ربَّنا، إنْ أخطأنا الصَّوابَ في العمل، جهلًا منَّا بوجْهه الشَّرعي، أو وقَعْنا في معصيتك جهلًا، عن غير قصْدٍ منَّا، بارتكاب نهيك  .

رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا.

أي: قولوا: يا ربَّنا، لا تُحمِّلنا عهدًا على القيام بأعمالٍ شاقَّةٍ وثقيلةٍ علينا، فنعجِز عن القيام بها، فتَحِلَّ علينا العقوباتُ، كما وقَع لليهود والنصارى وغيرهم ممَّن كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذتْ عليهم العهودُ والمواثيقُ على القيامِ بها، فلم يفعلوا، فعُوقِبوا  .

رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ.

أي: قولوا أيضًا: يا ربَّنا لا تُكلِّفنا من الأعمال ما لا نُطيق القيامَ به؛ لثِقَل حَمْله علينا، ولا تَبْتلِنا بما لا قِبَل لنا به  .

وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا.

أي: يا ربَّنا، تَجاوَز عمَّا بيننا وبينك من تقصيرٍ في أداء ما افترضتَه علينا، واستُر علينا فيما بيننا وبين عبادِك، فلا تُظهِرهم على سيِّئاتنا، وتَجاوَز عنها، وجُدْ علينا بالرحمة حتى لا نَقَع في ارتكابِ محظورٍ، أو تَهاوُنٍ في أداء مأمور، ونجِّنا برحمتك من غضبِك وعقابِك  .

أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

أنت وليُّنا وناصِرُنا دون مَن عاداك وكَفَر بك؛ لأنَّا حِزبُك المؤمنون بك، والمُطيعون لك فيما أَمَرتنا ونَهيتنا؛ فبوَلايتِك الخاصَّة انصُرنا على الكافرين، الذين جَحدوا وحدانيتَكَ، وأَشرَكوا معك، وأَنكَروا رسالةَ نبيِّك، وعبدوا غيرَك، وأطاعوا الشَّيطانَ في معصيتِك، واجعل لنا العاقبةَ عليهم في الدُّنيا والآخرة  .


الفوائِد التربويَّة :

1- في قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ، تحذيرٌ للعبد مَن أنْ يُخفي في قلبه ما لا يَرضاه الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا علِم بأنَّ الله عالمٌ بما يُبدي وبما يُخفي، فسوف يُراقِب اللهَ سبحانه وتعالى؛ خوفًا مِن أنْ يُحاسَب على ما أخفاه كما يُحاسَب على ما أبداه  .

2- في قوله تعالى: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، دلالةٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يسأل اللهَ سبحانه وتعالى العافيةَ، فلا يُحمِّله ما لا طاقةَ له به؛ ففيه ردٌّ على الصُّوفية الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يَقِيَنا ما يَشُقُّ علينا؛ لأنَّنا عبيدُه، وإذا حصل لنا ما يَشُقُّ، فإنَّنا نَصبِر عليه؛ لنَكسِب أجرًا  .

3- أنَّه ينبغي للإنسان سؤالُ الله العفوَ؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو من تقصيرٍ في المأمورات، فيسأل الله العفوَ عن تقصيره؛ لقوله تعالى: وَاعْفُ عَنَّا، وسؤالُ الله المغفرةَ من ذنوبه التي فعَلها؛ لقوله تعالى: واغْفِرْ لَنَا؛ لأنَّ الإنسانَ إن لم يُغفَر له تراكمتْ عليه الذُّنوبُ، ورانت على قلبه، وربَّما تُوبِقه، وتُهلِكه  .

4- التوسُّل إلى الله تعالى في الدُّعاء بما يَقتضي الإجابةَ؛ لقوله تعالى: أَنْتَ مَوْلَانَا بعد أنْ ذكَر الدُّعاءَ في قوله تعالى: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا  .


الفوائد العلمية واللَّطائف:

1- في قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، إثبات صفاتِ الكَمال لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّنا إذا تأمَّلنا في هذا المُلْك الواسع العظيم، وأنه يُدبَّر بانتظام لا مثيلَ له، علِمنا بأنَّ الذي يدبِّره كاملُ الصِّفات؛ فيُؤخَذ منه كل صِفة كمال لله، كالعِلم، والقُدرة، والسَّمع، والبصر، والكلام، والعزَّة، والحِكمة، وغير ذلك من صِفاته عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه لا يُمكِن أن يقومَ بمُلْك هذه الأشياء العظيمة إلَّا من هو مُتَّصِفٌ بصفات الكمال  .

2- عمومُ عِلْم الله وسَعَته؛ لقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ؛ ولا مُحاسبة إلَّا مِن بعد علمٍ  .

3- أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُصرِّح بالمعاقبة؛ ولا يَلزَم من المحاسبة المؤاخذةُ؛ لقوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ  .

4- إثبات المشيئة لله عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ؛ ومشيئته تعالى مقرونةٌ بالحِكمة؛ لقوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 30] ، وكلُّ شيء أضافه الله إلى مشيئته فهو مقرونٌ بحِكمة؛ لا يَشاءُ شيئًا إلَّا لحِكْمة، أيًّا كان هذا الشَّيء  .

5- أنَّه بَعدَ المحاسبة إمَّا أنْ يَغفِر الله تعالى للإنسان، وإمَّا أن يُعذِّبه؛ لقوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، فإن كان كافرًا عُذِّب؛ وإنْ كان مُسلِمًا كان تحت المشيئة؛ كما قال تعالى: إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]   .

6- أنَّ المؤمنين تَبَعٌ للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ؛ وَجْه التَّبَعيَّة أنه ذكَر ما آمَن به قبل أن يَذكُر التابعَ- يعني لم يقُل: (آمَن الرسولُ والمؤمنون بما أُنزِل إليه)، وهذا يدلُّ على أنَّهم أتباعٌ للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ، لا يَستقِلُّون بشريعةٍ دونه  .

7- أنَّه كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالرسول صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان أشدَّ اتِّباعًا له؛ وَجْهه: أنَّه تعالى قال: أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ يعني: والمؤمنون آمَنَوا بما أُنزِل على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ من ربِّه؛ وعليه فكلُّ من كان أقوى إيمانًا كان أشدَّ اتِّباعًا  .

8- في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ترتيبٌ في غاية الفصاحة؛ لأنَّ الإيمان بالله هو المرتبة الأولى، والإيمان بملائكته هي المرتبة الثانية؛ لأنَّهم كالوسائط بين الله وعباده، والإيمان بالكتُب- الذي هو الوحي الذي يتلقَّنه المَلَك من الله، يُوصِّله إلى البشر- هي المرتبة الثالثة، والإيمان بالرُّسُل الذين يَقتبِسون أنوارَ الوحي؛ فهم متأخِّرون في الدَّرجة عن الكُتُب، وهي المرتبة الرابعة  .

9- قوله: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا: فيه مناسبةٌ حسنةٌ بتقديم ذكرِ السَّمعِ والطاعةِ على طَلَب الغُفران؛ لأنَّ تقديمَ الوسيلةِ على المسؤول أدْعى إلى الإجابة والقَبُول، والتَّعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافة إليهم (رَبَّنَا)؛ للمُبالغةِ في التضرُّع والجُؤار  .

10- أنَّ للإنسان طاقةً محدودة؛ لقوله تعالى: إِلَّا وُسْعَهَا؛ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء: في العِلم، والفَهْم، والحِفْظ؛ فيُكلَّف بحسَب طاقته  .

11- في قوله لَهَا مَا كَسَبَتْ: أنَّ للإنسان ما كسَب دون أن يَنقُص منه شيء، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا  .

12- أنَّ الأعمال الصالحة كَسْب؛ وأنَّ الأعمال السيِّئة غُرْم؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى: لَهَا، ومن قوله تعالى: عَلَيْهَا؛ فإنَّ (على) ظاهرة في أنها غُرْم؛ واللام ظاهرة في أنَّها كَسْب  .

13- وفي الإتيان بـكَسَبَ في الخير الدَّال على أنَّ عمل الخير يَحصُل للإنسان بأدنى سعيٍ منه، بل بمُجرَّد نيَّة القلب، وأتى بـاكْتَسَبَ في عملِ الشرِّ؛ للدَّلالة على أنَّ عمل الشرِّ لا يُكتَب على الإنسان حتى يعملَه، ويَحصُل سعيُه  .

14- رحمة الله سبحانه وتعالى بالخَلْق، حيث علَّمهم دعاءً يدعونه به، واستجاب لهم إيَّاه في قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  .

15- أنَّه ينبغي للإنسان أن يتوسَّل في الدُّعاء بالوصف المناسِب، مِثْل الرُّبوبيَّة- التي بها الخَلْق، والتدبير؛ ولهذا كان أكثرُ الأدعية في القرآن مصدَّرةً بوصف الرُّبوبيَّة، مِثْل: رَبَّنَا، ومِثْل: رَبِّ  .

16- أنَّ من كان قَبْلنا كانوا مُكلَّفين بأعظمَ ممَّا كُلِّفنا به؛ لقوله تعالى: رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا  .

17- أَنْتَ مَوْلَانَا، هذه الكلمة تَدلُّ على نهاية الخضوع والتذلُّل، والاعتراف بأنَّه سبحانه هو المتولِّي لكلِّ نِعْمة يَصِلون إليها، وهو المعطِي لكلِّ مَكرُمة يفوزون بها، فلا جَرَم أَظهروا عند الدعاءِ أنَّهم في كونهم مُتكلِّمين على فضْله وإحسانه بمنزلة الطِّفل الذي لا تَتِمُّ مصلحته إلَّا بتدبير قَيِّمِه، والعبد الذي لا يَنتظِم شَمْلُ مهمَّاته إلَّا بإصلاح مولاه، فهو سبحانه قَيُّوم السَّموات والأرض، والقائم بإصلاح مهمَّات الكل، وهو المتولِّي في الحقيقة للكلِّ  .


 بلاغة الآيات:

1- في قوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ... حُسنُ الختام، وحُسن المناسبة؛ لأنَّه سبحانه لَمَّا ذكر أنَّ مَن كتَم الشَّهادة فإنَّ قلبَه آثمٌ، ذكَر ما انطوى عليه الضَّمير، فكتَمَه أو أبداه؛ فإنَّ الله يحاسبه به، ففيه وعيدٌ وتهديد لِمَن كتم الشهادة  .

وكذا ناسب ذِكر هذه الآية- بما اشتملتْ عليه من تهديد- خاتمةً لهذه السُّورة؛ فلَمَّا جمع في هذه السُّورة أشياءَ كثيرة من أمور التوحيد والنبوَّة والشرائع والتكاليف، كالصَّلاة والزكاة، والصوم والحج، والقصاص والجهاد...إلخ - ختَمها بخلاصة ذلك، وبالأصل الذي يَنبني عليه كلُّ تلك الأمور  .

وهي تعليلٌ واستدلالٌ على مضمون جملة: وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ؛ فإذا كان ذلك تعريضًا بالوعد والوعيد، فقد جاء هذا الكلام تصريحًا واستدلالًا عليه، التصريح في جملة وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، والاستدلال في جملة لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وهي اعتراضٌ بين الجملتين المتعاطفتينِ، أو علَّة لجملة وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ باعتبار إرادة الوعيد والوعد، فالمعنى: أنَّكم عبيدُه، فلا يفوته عملُكم، والجزاء عليه  .

 2- قوله: وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله؛ فإنَّ كمالَ قُدرته تعالى على جميع الأشياء، مُوجِبٌ لقدرته سبحانه على ما ذُكر من المحاسبة، وما فُرِّع عليه من المغفرة والتعذيب  .

3- وقد تَضمَّنت هذه الآية من أنواع الفصاحة، وضروبِ البلاغة أشياء؛ منها:

الطِّباق في قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، والتَّكرار في قوله: مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، حيث كرَّر (ما) الموصولة؛ تنبيهًا وتوكيدًا  .

توحيد الضمير في آمَنَ مع رجوعه إلى كلِّ المؤمنين؛ لأنَّ المرادَ بيانُ إيمانِ كلِّ فردٍ منهم من غير اعتبار الاجتماعِ، كما اعتُبر ذلك في قوله تعالى وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرينَ، وتغييرُ سبْكِ النَّظم الكريمِ عمَّا قبلَه؛ لتأكيد الإشعارِ بما بين إيمانه صلَّى الله عليه وسلَّم المبنيِّ على المشاهدة والعِيان، وبين إيمانِهم الناشئ عن الحُجَّة والبرهانِ من التفاوت البيِّن، والاختلاف الجليِّ، كأنَّهما مختلفان من كلِّ وجهٍ، حتى في هيئة التركيب الدالِّ عليهما، وما فيه من تكرير الإسناد لِمَا في الحُكم بإيمان كلِّ واحدٍ منهم على الوجْه الآتي من نوعِ خفاءٍ مُحوِجٍ إلى التقوية والتأكيد، أي: كلُّ واحد منهم آمن  .

4- في قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ... فَذْلكةٌ لجميع ذلك المذكور من قبلُ، وللتأكيد عليه، ولتعظيم نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ وأتْباعه؛ فإنَّه لَمَّا ذكر الله في هذه السُّورة أحكامًا كثيرة، وقصصًا، ختمَها بقوله: آمَنَ الرَّسُولُ...، والجملة استئناف ابتدائي وُضِعت في هذا الموقِع لمناسبة ما تقدَّم، وهو انتقالٌ مؤذِن بانتهاء السُّورة؛ لأنَّه لَمَّا انتقل من أغراض متناسبة إلى غرَض آخَر: هو كالحاصل، والفذلكة، فقد أشْعَر بأنَّه استوفى تلك الأغراض  .

 5- قوله: لا نُفرِّق يحتمل الالتفات: بأنْ يكون من مقول قول محذوف دلَّ عليه السِّياق وعُطف (وقالوا) عليه، أو النون فيه للجلالة، أي: آمَنوا في حال أنَّنا أمرناهم بذلك؛ لأنَّنا لا نُفرِّق، فالجملة معترِضة  .

6- في قوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ تذييلٌ لِمَا قبله، مقرِّر للحاجة إلى المغفرة؛ لأنَّ الرجوع يكون للحسابِ والجزاء  .

7- قوله: لَا تُؤَاخِذْنَا، وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا، وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ جاءت هذه الأدعية بصِيغة الجمع وقتَ الدُّعاء؛ لبيان أنَّ قَبول الدعاء عند الاجتماع أكملُ؛ وذلك لأنَّ للهِمم تأثيراتٍ، فإذا اجتمعت الأرواح والدَّواعي على شيء واحد كان حصوله أكملَ، وهذه الأدعية كان المطلوبُ فيها التركَ، فجاءت مقرونةً بلفظ (ربنا). ولم يذكُر لفظ (ربَّنا) في الأدعية التالية لها (واعف - واغفر - وارحمنا - فانصرنا)؛ لأنَّ النِّداء إنما يُحتاج إليه عند البُعد، أمَّا عند القُرب فلا، وإنَّما حذف النِّداء؛ إشعارًا بأنَّ العبد إذا واظب على التضرُّع نال القربَ من الله تعالى، وهذا سرٌّ عظيم يُطَّلع منه على أسرار أُخَر  .

أو لم يُؤتَ مع هذه الدَّعوات بقوله: رَبَّنا؛ لأنَّه تكرَّر ثلاثَ مرات، والعرب تَكرَهُ تكرير اللَّفظ أكثرَ من ثلاث مرَّات إلَّا في مقام التهويل، أو لأنَّ تلك الدعوات المقترنة بقوله: ربَّنَا فروعٌ لهذه الدعوات الثلاث، فإذا استُجيب تلك، حصَلت إجابة هذه بالأَولى؛ فلمَّا كان تعميمًا بعد تخصيص، كان كأنَّه دعاء واحد  .

8- قوله: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا فيه التفات  ، بالعدول عن الخِطاب إلى الغَيبة بذِكر لفظ الجلالة (الله)؛ وفائدته: إظهار التملُّق بأنَّ له من صِفات العظمة ما يَقتضي العفوَ عن ضَعفهم  .

9- قوله: أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا جِيء فيه بالفاء للتفريع عن كونه مولًى؛ لأنَّ شأنَ المولى أن ينصُر مولاه، وفي التفريع بالفاء إيذانٌ بتأكيد طلبِ إجابة الدُّعاء بالنصر؛ لأنَّهم جعلوه مرتَّبًا على وصف محقَّق، وهو ولايةُ الله تعالى المؤمنين  .

10- قوله: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ بينهما مقابلة؛ فقد طابَق بين (لها) و(عليها)، وبين (كسبت) و(اكتسبت)؛ فالفعل الأوَّل يختصُّ بالخير، والفعل الثاني يختصُّ بالشرِّ؛ فإنَّ في الاكتساب اعتمالًا، والشرُّ تَتشهَّاه النفْس وتَجنح إليه بالطبع، بخلاف الخير  . والمقابلة تُبرز المعنى وتُوضِّحه.

وأيضًا قوله: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ صيغة خبر، والمراد الترغيبُ في المحافظة على مواجب التكليف، والتحذيرُ عن الإخلال بها  .

11- وفي الآية: حسنُ الختام لهذه السُّورة العظيمة، التي اشتملتْ على العديد من الأحكام، وانطوتْ على التَّشريع والبيان؛ فناسَب أن يتناول ختامها ما ذُكِر فيها  .



0 التعليقات:

خبير الاعشاب والتغذية العلاجية (خبير الاعشاب والتغذية العلاجية ) Powered by Blogger Design by Blogspot Templates